المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

غياب تعدد الزوجات عن واقع الألة الإسلامية وآثاره السلبية

زيزي محمد لبيب سلامة

صفحة ٧ من ٢٢

80 جعل أزواجه أمهات للمؤمنين، فلو طلق إحداهن أو مات عنها، فلا تحل لْحد من بعده، ولم يصدر مثل هذا الحكم لغيره من المؤمنين لقوله تعالى : ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللََِّّ وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الْحزاب : 53.] فإذا كان الله قد حرم على المؤمنين الزواج بأكثر من أربع لحكمة بالغة، فقد أحل لنبيه  الزيادة على أرب ع لحكم بالغة.(1) . (1) عماد الدين حسين. "زوجة واحدة لا تكفي" ص (24 .)ط1 .مكتبة الفرقان . القاهرة .

عدد الصفحات ٩٧

82 - المسألة الثانية: زوجات النبي : ما اتفق خصوم الإسلام على سوء نية في شيء كما اتفقوا على خطة التبشير في موضوع زواج النبي ، فكلهم يحسب أن المقتل الذي يصاب منه الإسلام في هذا الموضوع هو تشويه سمعة النبي، وتمثيله لْ تباعه في صورة معيبة لا تلائم شرف النبوة، ولا يتصف صاحبها بفضيلة الصدق في طلب الإصلاح ، ليشككوا المؤمنين في دينهم، ويبعدوا الناس عن الإيمان برسالته ،ولاعجب أن نسمع مثل هذا البهتان والتضليل في حق الْنبياء والمرسلين ، فتلك سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلاً ، إن هذا الرجل الذي افترى عليه الْثمة الكاذبون ، وقالوا عنه: أنه الغارق في ملذات الجسد، يسير وراء شهواته، ويمشي مع هواه ! أنَّ هذا؛ وقد كانت زوجته الْولى جاوزت الْربعين وكان هو في عنفوان الشباب لا يجاوز الخامسة والعشرين، وقد اختارته زوجًا لها، لْنه الصادق الْمين فيما اشتهر به بين قومه، وعاش معها إلى يوم وفاتها على أحسن حال، ثم وفَّى لها بعد موتها فلم يفكر في الزواج حتى عرضته عليه سيدة مسلمة، رقت له في عزلته، فخطبت له عائشة بإذنه، ولم تكن هذه الفتاة العزيزة عليه تسمع منه كلمة لا ترضيها غير ثنائه على ز وجته الراحلة . وما بنى عليه السلام بواحدة من أمهات المؤمنين لما وصفت به عنده من جمال ونضارة . وإنما كانت صلة الرحم والضن بهن من المهانة، وهي الباعث الْكبر في نفسه الشريفة على التفكير في الزواج بهن، ومعظمهن كن

عدد الصفحات ٩٨

88 أرامل أيمات، فــقــدن الْزواج أو الْولياء، وليس م ن يتقدم لخطبتهن من الْكفاء لهن إن لم يفكر فيهن رسول الله . كان جميع من تزوج رسول  بهن ثلاث عشرة : * زواجه  خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها : وهي أول من تزوج بها ، زوجَ هُ إياها أبوها خويلد بن أسد ، ويقال أخوها عمر بن خويلد، فولدت لرسول الله  ولده كلهم إ إبراهيم ، وكانت قبله عند أبي هالة بن مالك، أحد بني أسيد بن عمر بن تميم، وكانت قبل أبي هالة عند عتيق بن عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم(1) . وخديجة بنت خويلد-رضي الله عنها - هي أول من صدقت ببعثته مطلقً ا، وكان زواج النبي  من خديجة قبل البعثة بخمس عشرة سنة ، وقيل أكثر من ذلك، ماتت-رضي الله عنها - قبل الهجرة بثلاث سنين على الصحيح، و قد بلغت خمسً ا وستين سنة(2). *زواجه بسودة -رضي الله عنها -: تزوج رسول الله  سودة بنت زمعة رضي الله عنها ، بعد موت خديجة -رضي الله عنها - ، وكانت قبله  عند السكران بن عمر و الْنصاري ،وسودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس القرشية العامرية -رضي الله عنها -، أمها الشموس بنت قيس بن زيد (1 )ابن هشام. أبو محمد، عبد الملك بن هشام الحميري ، المتوفى سنة (213هــــ) وقيل (212 .) السيرة النبوية حققها وضبطها وشر حها ووضع فهارسها : مصطفى السقا، إبراهيم الْ بياري، عبد الحفيظ شلبي . ج4/643-644 .ط2 :1305هــــ- 1855م. الناشر: مكتبة ومطبعة البابي الحلبي مصر. انظر: العقاد.عباس محمود "حقائق الإسلام وأبا طيل خصومه" ط1 ص(142.) (2 )انظر: العسقلاني. الإصابة في تمييز الصحابة وبهامشه الاستيعاب في معرفة الْصحاب . ابن عبد البر. أبو عمر.

عدد الصفحات ٩٩

100 الْنصارية من بني عدي بن النجار ، وهي أول امرأة تزوجها النبي  بعد خديجة -رضي الله عنها، كانت من السابقات إلى الإسلام، وتحملت كثيرًا من الاضطهاد لكي ترجع عن دينها فثبتت رغم أن أهل بيتها كانوا من بيت شرك ووثنية، وقد كانت من المؤمنات المهاجرات مع زوجها، ولو عادت لْهلها بعد وفاة زوجها؛ لعذبوها وفتنوها في دينها، لذلك فما كانت خولة بنت حكيم -رضي الله عنها- تذكرها لرسول الله  حتى امتدت يده الرحيمة إليها تسند شيخوختها، وتهون عليها ما ذاقته من تعب الحياة، وكفلها الرسول  بالزواج منها، وقد كانت أرملة مسنة طحنتها السنون، وبقيت وحيدة تعاني الوحدة والترمل، ولم تكن ذات جمال، وتزوجها الرسول  لكفاف ضرورية الحياة، ولمصلحة الدعوة، فكان اختيارها صيانة لشرفها وكرامتها، مع رعاية لجانب زوجها المتوفي الذي أبلى في سبيل الله والإيمان برسوله بلاء حسنًا، فتزوجها؛ ليؤلف بهذا النكاح قومها بني عبد شمس، فتم له ما أراد وخفف القوم من عداوتهم له، وأسلم كثير م نهم ودخلوا في دين الله إعجابًا بالرسول ، وتقديرًا لعظمة أخلاقه. وقد عاشت في بيت الرسول  حتى لحق بربه، وفي الخبر أنها عمرت حتى توفيت في آخر زم ن عمر بن الخطاب سنه أربع وخمسين للهجرة . وقد ظلت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها - تذكر لها صنيعها، وتؤثرها بجمي ل الوفاء فتقول: "ما من امرأة أحب إليَّ من أن

عدد الصفحات ١٠٠

101 أكون في مسلاخها من سودة بنت زمعة -رضي الله عنها ...، لما كبرت قالت : "يارسول الله قد جعلت يومي لعائشة "(1) . * زواجه بعائشة -رضي الله عنها - : تزوج رسول الله  عائشة بنت أبي بكر الصديق-رضي الله عنهما- بمكة، وهي بنت سبع سنين، وبنى بها بالمدينة، وهي بنت تسع سنين أو عشر، ولم يتزوج رسول الله  بكرًا غيرها ، زوجه إياها أبوها أبو بكر ، وأصدقها رسول الله  أربعمائة درهم (2)، وكانت عائشة -رضي الله عنها - أذكى أمهات المؤمنين وأحفظهن، بل كانت أعلم من أكثر الرجال، فقد كان كثير من الصحابة يسألونها عن بعض الْحكام التي تشكل عليهم فتحلها لهم. روي عن أبي موسى الْشعري -رضى الله عنه - أنه قال: (ما أشكل علينا أصحاب رسول الله  حديث قط، فسألنا عائشة إ وجدنا عندها منه علمًا)، وقال عروة بن الزبير  :ما رأيت امرأة أعلم بطب، ولا فقه، ولا شعر من عائشة . وعائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها - تكنى أم عبد الله ، الفقيهة، روت عن النبي  وعن أبيها، وعن عمر ، وغيرهم -رضي الله عنهم-، وروى عنها: أختها أم كلثوم -رضي الله عنها ، وبنت أخيها حفصة -رضي الله عنهما -، ومن الصحابة: أبو هريرة ، وابن (1 )انظر: العسقلاني. "الإصابة في تميز الصحابة"، بنت الشاطئ: "نساء النبي" الناشر: دار الكتاب العربي . بيروت لبنان ط. 1388/1808م.، عماد الدين حسين. "زوجة واحدة لا تكفي " ص(40.) (2) انظر: ابن هشام. السيرة النبوية . (4/644).

عدد الصفحات ١٠١

102 عمر، وابن عب اس -رضي الله عنهم -، وماتت سنة 52 للهجرة ، وقيل 50(1) . وكانت الحكمة من اختيارها -رضي الله عنها - زوجة له، أنه  تزوجها بوحي من، وأيضً ا إكرامً ا لصاحبه وأول المؤمنين به، وأصدقهم له، ورفيقه في الهجرة الذي أحبه حبًّ ا جمًّ ا، واقرار عينه بمصاهرته، وارتباطه به لمؤازرته له في دعوته ومعاونته في رسالته، ولقد أسلم على يديه الكثير، وما خرجت عائشة إلى الوجود هي وأختها أسماء -رضي الله عنها - إلا وأبواها يدينان بالإسلام، والمسلمون يومئذ قلة، وكانت ثمرة هذا الزواج تصب في الدعوة إلى الله وتبليغ الرسالة، وكانت عزًّ ا للسيدة عائشة -رضي الله عنهما -وقرة عين لها، وكرامة لْبيها وقومها . وكانت ميزة صغر سن عائشة -رضي الله عنها - أنها كانت تحفظ بسهولة كل ما تعرفه عن الرسول  من قول أو فعل أو تقرير، فحفظت الكثير من الْحاديث النبوية، ونقلت أكبر قدر من السنة للأمة الإسلامية، وخصوصً ا في الشئون التي لا يمكن إطلاع الرجال عليها . وتوفي عنها الرسول  وعمرها ثمانية عشر عامًا، وعاشت بعده  ثمانية وأربعين عامً ا، لتكون المرجع الْول في الحديث والسنة، وليأخذ المسلمون عنها كثيرً ا من السنن. وأثبتت للدنيا كلها منذ أربعة عشر قرنً ا، أن المرأة يمكن أن تكون أعلم وأفقه من كثير من الرجال، وأنها يمكن أن تفهم في (1 )انظر: العسقلاني. الاصابة في تمييز الصحابة. ج4/360-361.، الصابوني. محمد علي "شبهات وأباطيل حول تعدد زواج النبي ". ط(1400ه-1820م).

عدد الصفحات ١٠٢

103 السياسة والحرب رغم أنها لم تتخرج من الجامعات، و على يد المستغربين ولا المستشرقين، بل تتلمذت على يد سيد المرسلين، وتخرجت من مدرسة الهدى والنبوة، فقد تولاها في طفولتها أبوها، ورع اها في شبابها نبي البشرية ومعلمها الْعظم، فقد اهتمت بالتلقي عنه، فبلغت من العلم والفصاحة، ما جعلها تكون معلمً ا ل لرجال، ومرجعً ا لهم في الحديث والسنة والفقه. وفي بيت الزوجية غدت عائشة ـا معلمً ا لكل امرأة في العالم على مر العصور، فجمعت من العلم والفضل والبيا ن، ما جعلها تخلف في التاريخ دويً ا يتناقل أصداؤه مدى الدهر. * زواجه  بحفصة -رضي الله عنها -: تزوج رسول الله  حفصة بنت عمر بن الخطاب -رضي الله عنها، زوجه إياها أبوها عمر ابن الخطاب ، وأصدقها رسول الله  أربعمائة درهم ، وكانت قبله عند خنيس ابن حذافة السهمي - رضي الله عنه، وكان ممن شهد بدرً ا ومات بالمدينة ، فانقضت عدتها، فعرضها على أبي بكر  فسكت، فعرضها على عثمان  حين ماتت رقية بنت النبي عليه السلام ، فقال: ما أريد أن أتزوج اليوم، فذكر ذلك عمر  لرسول  فقال: يتزوج حفصة من هو خير من عثمان، ويتزوج عثمان من هو خير من حفصة -رضي الله عنها-، وتزوج رسول الله حفصة -رضي الله عنها -بعد عائشة - رضي الله عنها - سنة 3 للهجرة على الراجح . ولم يضن على حامي دعوته والمجاهــــر بها على رؤوس الناس بمصاهرته، فشرفه كما شرف من قبل صديقه أبا بكر .

عدد الصفحات ١٠٣

104 فاختارها جبرًا لخاطر أبيها، وإكرامًا له، وتعزيزًا لصداقتهما فهو يعتبر ثاني وزرائه ومنزلته في الإسلام عظيمة، وقد لقبه الرسول  بالفاروق، وبهذا الزواج كافأ عليه السلام حفصة-رضي الله عنها - على إيمانها وعوضها عن فقد زوجها الذي قتل في سبيل الله مقبلاً غير مدبر، وعاشت مع الرسول  كأحسن ما تكون المرأة مع زوجها، عاشت كل حياتها صوامة قوامة. وعندما انتقل الرسول  إلى الرفيق الْعلى وخلفه أبو بكر  كانت حفصة-رضي الله عنها -هي التي رشحت من بين أمهات المؤمنين -رضي الله عنهن - لتحفظ أول مصحف خطي للقرآن الكريم، وانفردت بشرف الائتمان عليه . وتوفيت -رضي الله عنها - في عهد معاوية -رضي الله عنه -، سنة 41، وقيل45 للهجرة (1)، فرضي الله عن حافظة دستور الْمة وكتابها الْول، ومعجزته الخالدة . (1 )الإصابةفي تمييز الصحابة. ج4 .ص364انظر. محمد مهدي الاستانبولي، مصطفى أبو النصر. "نساء حول الرسول " الناشر: دار ابن كثير. ط13 .ج1.

عدد الصفحات ١٠٤

105 * زواجه  بأم سلمة -رضي الله عنها -: تزوج رسول الله  أم سلمة هند بنت أبي أمية بن مغيرة المخزومية -رضي الله عنها -، واسمها هند، زوجه إياها سلمة بن أبي سلمة ابنها -رضي الله عنه -، وأصدقها رسول الله  فراشًا حشوه ليف، وقدحً ا، وصحفةً، ومجشةً (1)، وكانت قبله عند أبي سلمة بن عبد الْسد ، واسمه عبد الله . فولدت له سلمة وعمر وزينب ورقية -رضي الله عنها - (2). خرجت معه إلى الحبشة فرارًا بدينها، وولدت له سلمة في أثناء ذلك، واستشهد زوجها في غزوة أحد، فبقيت هي وأيتامها الْربعة بلا كافل ولا معيل، فلم ير عليه السلام عزاء ولا كافلا لها ولْولادها غير أن يتزوج بها، ولما خطبها لنفسه اعتذرت إليه، وقالت : إني مسنة وإني أم أيتام، وإني شديدة الغيرة، فأجابها  وأرسل إليها يقول : أما الْيتام فأضمهم إلي، وأدعوا الله أن يذهب عن قلبك الغيرة، ولم يعبأ بالسن، فتزوجها  بعد موافقتها، عطفًا عليها، وصلة لرحمها، ومعرفة بحق أخيه من الرضاعة، وإيواءً لصغارها من بعده، وقام على تربية أيتامها ، فكفلهم، وأكرمها وعوضها خيرًا من زوجها، وكافأها على سابقتها في الإسلام، وإيمانها بالله، وهجرتها إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، وثباتها على إيمانها وعقيدتها. (1 )الجش: الرحى التي يطحن بها الجشيش . وقيل: الجشيش هو الحب حين يدق قبل أن يطبخ. انظر: ابن منظور. لسان العرب . م6(203-204 .)حرف الشين المعجمة فصل الجيم (جشش). (2 )ابن هشام. السيرة النبوي ة. ج4(/644-645 .)

عدد الصفحات ١٠٥

106 فأي شهامة تلك! وأي مروءة ! أليست هذه رحمة وشفقة من رسول الله ؟ كما يدل على ذلك واقع الحال، أم شهوة وحب للنساء! أم هو وقوف بجانب أرملة ضعيفة مسكينة وأم أيتام !! لقد ضرب أروع مثل للوفاء، حقا إنه سيد البشر  . كانت أم سلمة-رضي الله عنها - من بني مخزوم، أعز بطون قريش التي كانت تحمل لواء الحرب والمواجهة لرسول الله ، ولقد كان وراء هذا الزواج تفتيت حقد هذه القبيلة، وتقريب قلوب أبنائها، فدخلوا في الإسلام بعد أن صاروا أصهار رسول الله . وقد اجتمع لْم المؤمنين النسب الشريف والبيت الكريم والسبق إلى الإسلام فضيلة أخرى هى جودة الرأى، والدليل على ذلك ما أشارت به على النبي  في صلح الحديبية، -رضي الله عنها - وأرضاها (1). وكانت-رضي الله عنها - من أعلم أزواجه، روى عنها كثير من الرجال والنساء، فهي تلي عائشة - رضى الله عنهما - في كثرة الرواية والعلم. وبعد أن لحق الرسول  بالرفيق الْعلى أقامت ترقب مجريات الْمور وتطور الْحداث، فتدلي برأيها ف ي كل شأن فيه حفاظ على استقامة الناس، وعدم انجرافهم، ولا تخشى من أصحاب السلطان لومة لائم، وهي آخر من مات من أزواج الرسول . (1 )انظر: الصابوني "شبهات وأباطيل حول تعدد زوجات الرسول " ص (52)، محمد رشيد رضا "حقوق النساء في الإسلام". ص (102.)

عدد الصفحات ١٠٦

100 *زواجه بزينب بنت خزيمة -رضي الله عنها -: تزوج رسول الله  زينب بنت خزيمة -رضي الله عنها -، وكانت تسمى: أم المساكين؛ لرحمتها إياهم، تزوجها بعد حفصة بنت عمر -رضي الله عنها - ، وهي أرملة الشهيد عبيدة بن الحارث ابن عبد المطلب  وأرضاه، الذي استشهد في غزوة بدر، وقد كانت تقوم بواجبها في إسعاف المرضى، ولم يشغلها استشهاد زوجها عن القيام بواجبها، حتى كتب الله النصر للمؤمنين، ولما علم الر سول عليه السلام بصبرها وثباتها وجهادها، وأنه لم يعد هناك من يعولها خطبها لنفسه وآواها، وجبر خاطرها بعد أن انقطع عنها المعين، فهى أولى الناس بأن يبعد عنها شبح الذل والحاجة والافتقار إلى أحد غير الله -عز وجل، ثم إلى رسوله . فقد ترملت وقد تجاوزت سن الشباب ولم تكن ذات جمال، وكان عمرها ستين عامًا ومع ذلك، تقدم لها خاطبًا لنفسه، ترى أيكون في هذا الزواج أي أثر للهوى والشهوة مع امرأة في الستين من العمر؟ بل إنه زواج نبيل، غايته شريفة وهي الرحمة والفضل والإحسان من رسول الإنسانية الْكبر الذي جاء رحمة للعالمين . لقد علم الرسول بحال تلك السيدة العظيمة واستبسالها وصبرها وأنه ليس لها عائل بعد استشهاد زوجها يحميها، فأراد  بزواجها أن يجزيها على إسلامها وجهادها، وصبرها ومصابها خيرًا، وتزوجها بعد حفصة في السنة الثالثة للهجرة أيضًا .

عدد الصفحات ١٠٧

102 ولم تعمر عند النبي الكريم  سوى عامين، و قيل وهو الْرجح أنها لم تمكث عنده سوى ثمانية أشهر، ثم توفاها الله إليه راضية مرضية (1). * زواجه بجويرية -رضي الله عنها -: تزوج رسول الله  جويرية بنت الحارث بن ضرار الخزاعية ، كانت في سبايا بني المصطلق من خزاعة ، فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس الْنصاري -رضي الله عنها - ، فكاتبها على نفسها، فأتت رسول الله  تستعينه على كتابتها، فقال لها: هل لك في خير من ذلك؟ قالت : وما هو؟ قال : أقضي عنك كتابتك وأتزوجك؟ قالت: نعم، فتزوجها(2). وخرج الخبر للناس أن رسول  تزوج جويرية بنت الحارث -رضي الله عنها - ، فقال الناس: أصهار رسول الله ، فأرسلوا ما بأيديهم، فأعتق بتزويجه إياها مائة من أهل بيت بني المصطلق، ولما سمع أبوها ما جاء في فداء ابنته من رسول الله  صاح قائلاً: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. فما كان زواجها من رسول الله ، إلا لخير الإس لام وقوة للمسلمين، واستكثارًا لْنصار الدعوة. (1 )انظر: الصابوني. "شبهات وأباطيل في تعدد زواج النبي". ص(44.) (2 )أخرجه أبو داود في سننه ع ن عائشة -رضي الله عنها -. ج4/248-250 .كتاب العتق (23 .)باب: في بيع المكاتب إذا فسخة الكتابة . باب رقم (2 )حديث رقم (3831 .)وحسنه الْلباني في صحيح سنن أبي داود وإرواء الغليل في تخريج أحاديث المنار السبيل .

عدد الصفحات ١٠٨

108 وفي صحيح مسلم : كان اسمها برة ، فسماها رسول الله  جويرية (1). ماتت -رضي الله عنها - سنة خمسين، وقيل: ست وخمسين للهجرة (2)، وكانت من أعبد أمهات المؤمنين- رضى الله عنهن . * زواجه  بزينب بنت جحش -رضي الله عنها -: تزوج رسول الله  زينب بنت جحش الْسدية -رضي الله عنها- زوجه إياها أخوها أبو أحمد بن جحش ، وأصدقها رسول الله  أربعمائة درهم، وكانت قبله عند زيد بن حارثة ، مولى رسول الله  ففيها أنزل الله تبارك وتعالى : ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَ ا﴾ [الْحزاب : 30.] وهي أول نسائه موتًا بعده، ماتت في أول خلافة عمر(3). لقد بعث الرسول  في مجتمع تحكمت فيه فوارق الطبقات، فأراد الله أن يحطم تلك الطبقات ويكون الناس سواسية، ويبطل التبني الذي كان شائعًا في الجاهلية، وهو إلصاق المتبني بالْدعياء واتصاله بأنسابهم، فجعل الرسول  أقرب الناس إليه زيد متبناه، وابنة عمته زينب -رضي الله عنه ما- هم الذين يخرجون على تقاليد العرب، ويهدمان عاداتهما، محتملين ما يقوله الناس عنهم، لْنهم (1 )أخرجه مسلم في صحيح ه عن ابن عباس -رضي الله عنه - ج3/1620 .كتاب الآداب (32 )باب استحباب تغيير الاسم القبيح إلى الحسن وتغيير اسم برة وجويرية ونحوهما . رقم الباب (3 )حديث رقم 2140. (2 )انظر: العسقلاني. الإصابة في تمييز الصحابة ج4/265-266. (3 )ابن هشام. السيرة النبو ية ج4/644 أبو محمد عبد الملك بن هشام الحميري، المتوفى سنة 213 ه وقيل212 حققها وضبطها وشرحها ووضع فهارسها : مصطفى السقا، إبراهيم الْبياري، عبد الحفيظ شلبي ط2 .1305ه/ 1855، الناشر. مطبعة البابي الحلبي. مصر.

عدد الصفحات ١٠٩

110 أفضل من يقوم به، فأمر الله رسوله  أن يتزوج متبناه زيد بن حارثة  من ابنة عمته زينب بنت جحش -رضي الله عنها -. ورفضت زينب -رضي الله عنها - هذا الزواج غير المتكافئ فهي ذات الحسب والنسب، وهو مولى لرسول الله  ، حتىلو حرره وتبناه، وظلت ترفض هذا الزواج حتى نزل قوله تعالى : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ ﴾ [الْحزاب :5.] عند ذلك أذعنت زينب -رضى الله عنها - لْمر الله ورسوله، فتزوجها زيد -رضي الله عنها - ودفع صداقها رسول الله ، وتم الزواج، لكن لم يكتب له النجاح من البداية إذ لم تنسجم زينب مع زيد -رضي الله عنهما -، لْمر يريد الله أن يمضيه، فكانت تتعالى عليه، ويأتي زيد لرسول الله يشتكي زينب، وتظل الخلافات لْمر إلهي يدبر، وعندما بلغ السيل الزبى يستأذن زيد  الرسول  في طلاق زينب، ف يحاول الرسول  أن يرده عن قراره بقوله أمسك عليك زوجك واتق الله. وقد كان الرسول  يعلم بإلهام من الله، أن زيدًا سيطلق زينب -رضي الله عنها - ويتزوجها هو ليبطل ما تعارفت عليه الجاهلية، فهذا الزواج تشريع إلهي لإبطال تحريم زوجة المتبني، وهذا أمر خطير لم يكن استئ صاله بالْمر الهين، وهكذا نزلت الآيات تبطل عقيدة العرب وتطالب الرسول  أن يقوم بنفسه بإبطالها، لقد كان الرسول  على جانب كبير من الحرج فيما ألهمه الله من أمر الزواج من زينب -رضي الله عنها -، بعد أن يطلقها زيد  ونلاحظ أن الرسول بذل جهده لكي لا يطلقها زيد -رضى الله عنه-، فلقد أصابه هم شديد إذ كيف يقدم على هذا العمل الذي سيستنكره العرب

عدد الصفحات ١١٠

111 جميعًا، ولقد أخفى هذا الْمر في نفسه ولم يبح به لْحد، ولكن هذا الْمر الذي خشي الرسول  ولم يرد إظهاره، ومن مغبته هو الذي أراد الله إظهاره، وإذا كان الرسول تريث في الزواج من زينب -رضى الله عنها- بعد طلاقها من زيد  وانقضاء عدتها فقد كان يؤمل أن يعفيه الله من هذا الزواج. إن الذي أخفاه رسول الله  لم يكن وحيًا مباشرًا يحسم الْمر، فلو كان وحيًا لما تردد في إمضائه لكنه كان إلهاما، وقد تردد الرسول  في تبيان هذا الْمر خشية حدوث تصدع في صفوف المسلمين فنزل العتاب القرآني فقط لْن الرسول تردد وهو مجتهد في تردده، فنزلت الآيات تلوم الرسول على تريثه في إظهار تلك القضية، وتدعوه إلى التصريح في إمضاء هذا الزواج، حتى لو قال الناس أن محمدا تزوج امرأة ابنه، ليقضي بنفسه على هذه العادة، ويضع تشريعًا عامً ا يرفع الحرج عن مثل هذا الزواج . لقد كان هذا الزواج تكريمًا لزينب -رضي الله عنها -التي خضعت لْمر الله في زواجها من رجل كان عبدًا فأعتق، وربما تهان بعد طلاقها ولا أحد يرغب في زواجها . * زواجه  بصفية -رضي الله عنها -: تزوج رسول الله  صفية بنت حيي بن أخطب -رضي الله عنها-، سباها من خيبر، فاصطفاها لنفسه، وأبى أن تذل هذه السيدة الشريفة في قومها، بذل العبودية والرق عند من تراه دونها من المكانة، فاصطفاها لنفسه وأعتقها وتزوجها، ووصل بهذا الزواج قومها الذين كانوا يعادونه، وكان من حكمة رسول الله بزواجه من

عدد الصفحات ١١١

112 صفية، هى رغبت ه  أن يعتنق يهود بني النضير الإسلام أو تخف عداوتهم. وأولم رسول الله  وليمة ما فيها شحم ولا لحم ، كان سويقً ا وتمرً ا، وكانت قبله عند كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق (1)، وهو من سادات اليهود. لقد جبر كسرها عليه الصلاة والسلام، وقدر ماضيها العزيز، ولو صارت عند غيره لبقيت تتجرع غصص المرارة طوال حياتها لتدني منزلتها، وانحطاطها عن العز الذي كانت فيه، فهل يلام عليه الصلاة والسلام على ذلك. وروت صفية -رضي الله عنها - عن النبي عليه الصلاة والسلام، وروى عنها ابن أخيها، وآخرون ، قال الواقدي: ماتت في خلافة معاوية -رضي الله عنهما-سنة خمسين من الهجرة ، وقيل: غير ذلك(2). * زواجه بأم حبيبة -رضي الله عنها -: تزوج رسول الله  أم حبيبة -رضي الله عنها -، واسمها رمل ة بنت أبي سفيان بن حرب -رضي الله عنه ما-، زوجه إياها خالد بن سعيد بن العاص ، وهما بأرض الحبشة ، وأصدقها النجاشي عن رسول الله  أربعمائة دينار ، وهو الذي كان خطبها على رسول الله  وكانت قبلهعند عبيد الله بن جحش الْسدي. وأم حبيبة -رضي الله عنها -أسلمت قديمً ا، وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش، فتنصر هناك ومات، وسمع (1) العسقلاني. "الإصابة في تميز الصحابة". ج4/646. (2) انظر: المرجع السابق . ج4/346-342.

عدد الصفحات ١١٢