المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

غياب تعدد الزوجات عن واقع الألة الإسلامية وآثاره السلبية

زيزي محمد لبيب سلامة

صفحة ٦ من ٢٢

21 فالعقد في الإسلام هو شريعة المتعاقدين، ولا يجوز للرجل الذي اشترطت عليه زوجته أن لا يتزوج عليها بأخرى أن يتزوج غيرها في السر أو العلن، وإلا اعتبر عقد الزواج لاغيًا لفقدان أحد شروطه. المسألة الرابعة : الخلاف في اشتراط القدرة على الإنفاق (1). اتفق الفقهاء على أن العدل بينالزوجات شرط أساس للتعدد، ولكن شرط القدرة على الإنفاق اختلف فيه العلماء المعاصرون، وسأقتصر في دراستي لهذه القضية على المسألة الآتية : دليل القائلين باشتراط القدرة على الإنفاق لتعدد الزوجات ومناقشته: أ- رأى بعض الفقهاء من المعاصرين (2) : إن الآية الكريمة – آية التعدد – تشترط -ديانة- قدرة الزوج على الإنفاق على زوجته، حتى يباح له تعدد الزوجات، فإن لم يكن قادرًا على الإنفاق كان زواجه صحيحًا، لكن مع الإثم، واستند أصحاب هذا الرأي إلى أن الآية الكريمة ذكرت عبارة (ألا تعولو ا)(3) وهي على وجه من التفسير – تفسير الشا فعي – تعني ألا تكثر عيالكم، ومع كثرة العيال يزداد الإنفاق، فكان في هذا إشارة الى أن (1) النفقة في اللغة: اسم لما ينفق، من نفق الشيء: مضى ونفد، وينفق إما بالبيع أو بالموت نحو: نفقة الدابة نفوقًا، وإما بالفناء نحو: نفقة الدراهم، والإنفاق : يكون في المال وفي غيره، وقد يكون واجبًا وتطوعًا، ويقال: أنفق فلان: إذا نفق ماله، فافتــقــر. انظر: ابن منظور. "لسان العرب " م 10/350-360 .حرف القاف فصل النون(نفق). (2) ذهب إلى هذا القول الإمام محمد أبو زهرة في كتابه الْحوال الشخصية . ص(102/103 )هذا بالإضافة إلى زكريا البرديسي في كتابه "الْحكام الإسلامية في الْحوال الشخصية " ص (120/121)، ط1 :1325ه الناشر: دار النهضة العربية . (3) سورة النساء آية رقم (3.)

عدد الصفحات ٨١

22 القدرة على الإنفاق شرط لتعدد الزوجات، ثم إن القدرة على الإنفاق شرط في الزواج بزوجة واحدة، لْن الزواج مع عدم القدرة على الإنفاق مظنة ظلم الزوجة أو ظلم النفس، والله لا يرضى ل عبادة الظلم، كذلك قال تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللََُّّ مِن فَضْلِهِ ﴾(1) وقال الرسول ( :يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)(2). وفسروا الباءة بأنه القدرة على الإنفاق، فدلت الآيتان والحديث والقواعد الفقهية العامة – بذلك – على اشتراط القدرة على الإنفاق لتعدد الزوجات على حسب رأيهم (3). مناقشة دليل القائلين باشتراط القدرة على الإنفاق للتعدد إن استنتاج مَنْ اشترط القدرة على الإنفاق فيه محل نظر ! لْن القدرة على الإنفاق نوعان : 1 )قدرة بالجهد والصحة؟ أي القدرة على العمل والكسب . 2 )قدرة بوجود الْموال عند الإنسان، فإذا كان معنى القدرة على الإنفاق هو القدرة على العمل والكسب، فإننا نجد معظم من يقدمون على الزواج من القادرين على العمل، الْمر الذي لا يجعل جدوى من اشتراط القدرة على الإنفاق أن يكون لدى الإنسان من (1) سورة النور آية رقم (33). ( ) أخرجه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه - ج8 /1012 .كتب النكاح (16 .)باب: استحباب النكاح لمن تاقت نفسه اليه ووجد مأونة ، واشتغال من عجر عن المؤنة بالصوم. باب رقم 1 حديث رقم 1400. (3) العطار. "تعدد الزوجات من النواحي الدينية والاجتماعية والقانونية" ص 165/166 .وانظر : أبو زهرة . الْحوال الشخصية. ص 102 /103

عدد الصفحات ٨٢

23 دخله– أي من أمواله كمرتب أو أجر أو أرباح أو غير ذلك – ما يستطيع به الإنفاق على زوجاته وأولاده، فإن أحدًا من العلماء لا ينازع بأن الرزق بيد الله الرزاق وحده . وقد تضمن القر آن الكريم آيات كثيرة تؤكد هذه الحقيقة كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم م ِنَ السَّمَاوَاتِ وَالَْْرْضِ قُلِ اللَّ ﴾(1). وإذا كان الرزق بيد الله سبحانه، فلماذا نقسم رحمة الله، فنبيح للبعض تعدد الزوجات ونحرمه على البعض الآخر؛ لْن هذا أغناه الله، وهذا أعطاه رزقًا محدودًا؟ ب- لو كانت آية تعدد الزوجات تشترط القدرة على الإنفاق، لاستطرد بيانها القرآني قائلاً : ذلك أدنى ألا تعولو، فإن خفتم عيلة فلا تتزوجوا إن الله ا شترط العدل ، ثم قال : ﴿فإن خفتم ألاتعدلوا فواحدة﴾(2). وكذلك لو كانت الآية تشترط القدرة على الإنفاق، بمعنى وفرة الدخل لإنفاق منه على الزوجات والْولاد، لكان التعدد جائزًا للأغنياء دون الفقراء، وهذا غير صحيح(3). ج- وقد يقال بأن الرزق بيد الله، ولا يمنع ذلك من اشتراط توافر أمور معينة لترتيب حكم شرعي، فالقدرة على الإنجاب كشرط للزواج، فأجيب: إننا نسلم بجواز الاجتهاد تبعًا لْصوله، ولكن لا نجد آية واحدة في الآيات الكريمة تشترط قدرة الزوج على الإنفاق على ( ) سورة سبأ آية (24.) (2) سورة النساء آية (3.) (3) العطار. "تعدد الزوجات من النواحي الدينية والاجتماعية والقانونية " ص 166/162.

عدد الصفحات ٨٣

24 زوجته أو أولاده ديانةً أو قضاءً، وأن السنة والْدلة الشرعية الْخرى لا تشترط ذلك أيضًا (1). وعلى العكس من ذلك نجد القرآن الكريم يخاطب الرسول  بقوله عز وجل : ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى ﴾( )، كما يخاطب سائر الْزواج بقوله عز وجل: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ م ِن سَعَتِهِ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللََُّّ لاَ يُكَل ِفُ اللََُّّ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا ۚ سَيَجْعَلُ اللََُّّ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴾(3)، وهذا بيان واضح من الله ، بل يرغبنا -عز وجل- في الزواج حتى من الفقراء ، فيقول تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الَْْ يَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللََُّّ مِن فَضْلِهِ ۗ وَاللََُّّ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾(4). فلو كان الزوج فقيرًا فلا ينبغي أن يعرض الناس عن الزواج به أو بها، إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله، فهل يقال بعد هذا البيان الواضح أن القدرة على الإنفاق شرط ديني أو قضائي للزواج أو لتعدد الزوجات؟ ولا ينفي هذا البيان أن نفسر قوله تعالى : (ذلك أدنى ألا تعولوا )(5) بمعنى أدنى ألا تكثر عيالكم، فكثرة العيال تعني أن الله لا يزرقكم وإياهم ولكن تعني أن الله يرزقهم وإياكم، غير أن كثرة العيال قد تدفع إلى الظلم وذلك بأكل أموال الناس بالباطل للتوسعة في الإنفاق عليهم، ومن شأن الاقتصار على الزوجة الواحدة مظنة الابتعاد عن هذا الظلم، فمعنى ألا تعولوا هو ألا تجوروا، سواء (1) انظر: شلتوت "الإسلام عقيدة وشريعة " ص (120.) (2) سورة الضحى آية (2.) (3) سورة الطلاق آية (0.) (4) سورة النور آية (32.) (5) سورة النساء آية (3.)

عدد الصفحات ٨٤

25 فهمنا هذا المعنى في البداية أو فهمناه في الن هاية، إن كانت ألا تعولوا هنا بمعنى كثرة العيال . د- وأما عن استدلالهم بقوله تعالى : ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللََُّّ مِن فَضْلِهِ ﴾(1) وقول الرسول  : (يامعشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء )(2). فأجيب بأن هذين النصين، ليس فيهما دلالة على اشتراط القدرة على الإنفاق؛ لْن الآية الكريمة خاطبت الذين لا يجدون نكاحًا ولم تخاطب الذين لا يجدون مالاً فحسب، وليس معنى لا يجدون نكاحًا أنهم لا يجدون مالاً، أو لا يجدون امرأة يتزوجونها، وإنما معناه أنهم لا يجدون في أنفسهم القدرة على التصرف كزوج ورب أسرة، وذلك بالقيام بما يقوم به الْزواج عادة من رعاية للأسرة تتطلب من وقتهم وجهدهم وأموالهم نصيبًا في حدود ما آتاهم الله من فضله، فأمرهم الله سبحانه وتعالى بالاستعفا ف، فلا يقدمون على إرضاء شهواتهم وإضاعة أموالهم وجهدهم في غير حلال. (1) سورة النور آية (33.) ( ) أخرجه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه - ج8 /1012 .كتاب النكاح (16 .)باب: استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤو نة، واشتغال من عجر عن المؤ و نة بالصوم. باب رقم 1 حديث رقم 1400.

عدد الصفحات ٨٥

26 أي كما يحدث هذه الْيام، حيث يذكر لك الشاب أنه لا يجد الزوجة الصالحة بينما يرتكب الكثير من الموبقات ، وهو قادر على الإنفاق، فأمره الله سبحانه بالاستعفاف (1) حيث يغنيه الله من فضله(2). وقد بينالرسول  هذا الحكم في التطبيق عندما خاطب في حديثه معشر الشباب، ودعاهم إلى الزواج عند القدرة على الباءة، فالباءة هنا معناها القدرة على العمل كزوج ورب أسرة، فهي ذات مظهر اجتماعي وديني كذلك، وليست ذات مظهر اقتصادي فحسب، فهي لا تعني القدرة على الإنفاق أو الجما ع فحسب(3)، وإنما تعني القدرة على القيام بشئون الزواج بصفة عامة، ويؤكد ذلك أن الشباب مظنة القدرة على الإنفاق ومظنة القدرة على الجماع، لْنه مظنة القوة والقدرة على العمل والكسب، فمن غير المعقول أن يخاطبهم الرسول (1) العفةفي الاصطلاح: هيأة للقوة الشهوية، متوسطة بين الفجور الذي هو إفراط هذه القوة، والخمود الذي هو تفريطها . فالعفيف من يباشر الْمور على وفق الشرع والمروءة . الجرجاني . "التعريفات " ص (150.) (2) انظر: القرطبي "الجامع لْحكام القرآن " ج12/221 .العطار"تعدد الزوجات من النواحي الدينية والاجتماعية والقانونية". ص (101.) (3) جاء في شرح الإمام النووي على صحيح مسلم في معنى الباءة ما نصه: وأما الباءة وأصلها في اللغة الجماع، مشتقة من المباءة وهي المنزل، ومنه مباءة الإبل وهي مواطنها، ثم قيل لعقد النكاح باءة : لْن من تزوج امرأة بوأها منزلاً، واخت لف العلماء في المراد بها هنا على قولين يرجعان إلى معنى واحد أصحهما : أن المراد معناها اللغوي وهو الجماع، فتقديره: من استطاع منكم الجماع بقدرته على مؤونة، وهي مؤونة النكاح فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم وهي مؤونة النكاح ليدفع شهوته، وعلى هذا القول وقع الخطاب مع الشبان الذين هم مظنة شهوة النساء، ولا ينفكون عنها غالبًا، والقول الثاني أن المراد هنا بالباءة مؤونة النكاح، سميت باسم ما يلازمها وتقديره : من استطاع منكم مؤونة النكاح فليتزوج . النووي . "صحيح مسلم بشرح الإمام النووي " ج8 -146 كتاب النكاح(16 )باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه باب 1 حديث 1400.

عدد الصفحات ٨٦

20  بقوله: من استطاع ذلك منكم فليتزوج، ومن لم يست طع فعليه بالصوم، فكل منهم- بحسب الْصل – يستطيع ذلك، فدل هذا على أن الحديث لا يتطلب القدرة على الإنفاق أو القدرة على الجماع فحسب، وإنما تطلب – في معنى الباءة هنا- القدرة على النزول إلى معترك الحياة الزوجية، بكل ما تمثله هذه الحياة من الرعاية للأسرة، وإبقاء المودة والرحمة بين الزوجين، ومواجهة أعباء الحياة المشتركة والقيام بشؤونها(1). ه- ولو صح أن الباءة هي القدرة على الإنفاق، لاحتمل المعنى أن الش اب الخليع الذي يستطيع الإنفاق على زوجته من ميراث أو غيره إذا تزوج وسهر بعيدًا عن زوجته أو هاجرها، هذا الشاب يجوز له أن يكون زوجًا قادرًا على الإنفاق على زوجه، بينما الشاب المستقيم الذي يعمل فيكسب قوته يومه من عرقه، لا ينبغي له أن يتزوج ! لا يمكن أن ينصرف مع نى حديث الرسول  سالف الذكر إلى هذه الفكرة إطلاقًا، وقد ثبت أن الرسول  زوَّج معسرًا بما يحفظ من القرآن، وكان ذلك هو المهر الذي قدمه (2). كما أجاز النبي الزواج بمهر لا يزيد عن خاتم من حديد إذا كان الرجل لا يملك شيئًا آخر يقدمه لزوجته(3) فصح أن الباءة هنا لا تعني القدرة على الإنفاق فحسب، بل تعني النزول إلى معترك (1) العطار. "تعدد الزوجات من النواحي الدينية والاجتماعية والقانونية ". ص (102.) (2) أخرجه البخاري في صحيحه عن سهل بن سعد ج6 (163 .)كتاب النكاح(60 .) باب"عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح " رقم (33)،وباب "إذا كان الولي هو الخاطب" رقم 32 .حجيث رثم (5121،5132.) (3) انظر: تخريج الحديث السابق .

عدد الصفحات ٨٧

22 الحياة بين الزوجين، وقد خاطب الرسول  الشباب في ذلك دون الْطفال والشيوخ لْنهم مظنة ذلك في جميع صوره . الرأي الراجح في اشتراط القدرة على الإنفاق لتعدد الزوجات . إن آيات القرآن الكريم وحديث الرسول  -مما ذكر آنفًا- لا يشترط أي من ذلك . وليس معنى ذلك أن الإنسان لا يسعى خلف أسباب الرزق، أو يتجه إلى الزواج بواحدة أو أكثر من واحدة دون حساب لما يعطيه الله من الرزق، أو ما بين يديه بالفعل من هذا الرزق، أو يدعي أن يستطيع تنظيم النسل مما يقلل الإنفاق. إن الشار ع الحكيم- وإن لم يشترط قدرة الزوج على الإنفاق فقد بين للناس أن السعي وراءه واجب (1)، لا ينفي التوكل على الرزاق، ولكنه يتنافى مع التواكل، لقوله تعالى: ﴿بَلِ الإنسان عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ﴾(2). أقول: ولكن استحباب الإنفاق في الشريعة الإسلامية فيه رعاية المصالح، إن الشخص غير القادر على الإنفاق لا تقبل امرأة الزواج به، إلا إذا كانت قادرة على الإنفاق على نفسها، ومن حق المرأة إذا عجز زوجها عن الإنفاق عليها أن تطلب تطليقها منه للإعسار، طبقًا للنصوص الشرعية والقانونية المقررة (3). (1) مصداقًا لقول الله عز وجل: (هو الذي جعل لكم الْرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكل من رزقه وإليه النشور ) سورة الملك آية رقم (15.) (2) سورة القيامة آية رقم (14.) (3) العطار. "تعدد الزوجات من النواحي الدينية والاجتماعية والقانونية " ص (105.)

عدد الصفحات ٨٨

28 الفصل الثالث تعدد زوجات النبي  وفيهثلاثة مباحث: ** المبحث الأول: خصيصة زواج الرسول . **المبحث الثاني: الحكمة من تعدد زوجات النبي  . **المبحث الثالث: دحض الشبهات بهذا الصدد.

عدد الصفحات ٨٩

80 الفصل الثالث: تعدد زوجات النبي . **مدخل: طعن بعض أعداء الإسلام من المستشرقين، والرهبان المبشرين، رسول الله  في أخلاقه، زعموا أنه كان رجلاً شهوانيًّا غارقًا في ملذات الجسد، ولقد تناولوا كثيرً ا من الموضوعات الخاصة بالإسلام، فاتهموا العرب بالشهوانية الجنسي ة، وزعموا أن الإسلام قد راعى هذه الشهواني ة، وتساهل إزاء العلاقات الجنسي ة، وذلك بأن أباح لهم أن يتزوجوا بأكثر من امرأة . ويندر أن يطرق خصوم الإ سلام موضوع الزواج دون أن يعرجوا منه إلى زواج النبي ،ويتذرعوا به إلى القدح في شخصه الكريم ، والتتشكيك في دعوته المبارك ة، ودينه القويم. وللإسلام خصوم محترفون ، وخصوم ينكرونه على قدر جهلهم به، وبسيرة نبيه عليه السلام . ولا خفاء ب خصومة المحترفين ، فهم جماعة المبشرين الذين اتخذوا القدح في الإ سلام صناعة يتفرغون لها ويعيشون منها ، وصناعتهم هذه لا تصطنع عملاً لها أ هم و أخطر من عملها في تبشير المسلمين، أو تبشير الوثنيين و أشباه الوثنيين، لكيلا يتحولوا من الوثنية إلى الإسلام. فلا غنى لْصحاب هذه الخصومة من اختلاق المآخذ وتصيد التهم، سواء عرفوا ال حقيقة من وراء هذه المآخذ وهذه التهم ؛ أو جهلوها و أ عرضوا عن البحث فيها ، لْنهم لا يريدون إلا الاتهام ولا يستريحون إلا بمعرفة أنه قد هدم كل ما عملو ا على هدمه، وعقدوا النية على ذلك.

عدد الصفحات ٩٠

81 أما خصوم الإ سلام من غير زمرة الم بشرين فأكثرهم يخاصمونه على السماع، ولا يعنيهم أن يبحثو ا عنه ولا أن يبحثوا عن دين من الشرائع ، حتى الدين الذي آمنوا به. وقد طعن بعض أ عداء الإ سلام(1) من المستشرقين والرهبان المبشرين في أخلاق رسول الله ، زاعمين أنه كان رجلاً شهوانيًّ ا غارقً ا في لذات الجسد، و إنه افتراء على الرسول  الذي شهد له رب السموات والْرض في كتابه العزيز الخالد بقوله : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4.] وإن الواقع التاريخي من ح ياة هذا النبي ليشهد بكذب هذا الافتراء وبطلانه، سواء حياته قبل النبوة أم بعدها(2). ومع كل هــذا، فلابد من أن يوجد من غير المسلمين عقلاء منصفون ، تجردوا من مؤثرات العصبي ة والهوى ، فتكلموا بلسان المنطق والحق، وكشفوا عن وجه الحقيقة في تعداد أزواجه- عليه الصلاة والسلام، ومن هؤلاء توماس كارليل – الفيلسوف الانجليزي في كتاب "الْبطال" الذي يقول فيه في هذا المقام: ما كان محمد أخا شهوات، برغم ما اتهم ظلمً ا وبهتانً ا، و أشد ما نجور ونخطىء إذا (1 )من هؤلاء المستشرقين والرهبان المبشرين : المستشرق الدكتور غستاف لوبون في كتابه حضارة العرب . ص(112 .)ترجمة : عادل زعيتر ، والمستشرق ايميل درمنغم في كتابه حياة محمد. وأما الرهبان فهم مرجليوت ومنتج مري وات في كتابه محمد في المدينة. تعريب : شعبان برك ات (ص434 - 505 .)طبعة دون تاريخ. الناشر: المطبعة المصرية للطباعة والنشر . صيدا لبنان. (2 )هيكل دحض الشبهات الوارد ة على تعدد الزوجات في الإسلام (130 .)وانظر: د.السباعي. المرأة بين الفقه والقا نون . (ص86-80.)

عدد الصفحات ٩١

82 حسبناه رجلاً شهوانيًّ ا، لا هم له إلا قضاء مآربه من الملاذ ، كلاَّ ...، فما أبعد ما كان بينه وبين الملاذ أيًّ ا كانت(1). وأما عن الهدف الذي يسعى إليه الحاقدون من وراء الحملات العدائية ضد الإ سلام في قضية التعدد ، فهو ما قد صرح به أحد الباحثين المعاصرين (2) حيث قال : لا شك في أن لهذه الحملات العدائية التي يشنها أعداء الإ سلام من المستشرقين والمبشرين المحترفين ضد الإ سلام ونبيه  في قضية تعدد الزوجات كشأن أي قضيه يهاجمون فيها أهدافً ا مرسومة ، طبقً ا لمخطط معد إعدادً ا دقيقً ا، تعاون على إعداده أخصائيون مختصون في الكيد والمكر من الصليبيين والصهاينة(3) الحاقدين على اسلام(4). وقد حصر "الدكتور هيكل"، مجمل الْهداف في خمسة أمور على النحو الآتي: 1- إعلان الحرب النفسية والاجتماعي ة على البلاد الإسلامية. 2- القضاء على عناصر القوة لدى المسلمين. (1 )راسم شحدة : "تعدد الزوجات بين الإسلام وخصومه" ص (146.) (2 )عبد التواب هيكل باحث معاصر ، له بحث بعنوان دحض الشبهات الوارد ة على تعدد الزوجات في الإسلام. (3 )الصهيونية: حركة سياسية عنصرية متطرفة ، ترمي إلى إقامة دولة لليهود في فلسطين، تحكم من خلال العالم كله، واشتقت الصهيونية من (جبل صهيون ) في القدس، حيث تطمع الصهيونية أن تشيد فيها هيكل سليمان، وتقم مملكة لها تكون القدس عاصمتها. ارتبطت الحركة الصهيونية بشخصية يهودية، النمساوي (هرتزل ) الذي يعد الداعية الْول للفكر الصهيوني الذي تقوم على آرائه الحركه الصه يونية في العالم. وعليه فالصهاينة هم هذه الحركة . (4 )هيكل: " دحض الشبهات الوارده على تعد د الزوجات في الإسلام" ص (143.)

عدد الصفحات ٩٢

83 3- حرمان المرأ ة من فرص الحياة الزوجي ة النظيفة، وتسخيرها لشهواتهم. 4- التعصب لدينهم، والاغترار بما لديهم. 5- استغلال المرأة و اتخاذها سلعة للتجار ة(1). ومن الْهمية بمكان عند البحث في موضوع تعدد الزوجات ، دراسة تعدد زوجات الرسول ، وذلك في فصل مستقل يشتمل على المباحث الآتية: المبحث الأول: خصيصة زواج الرسول . المبحث الثاني: الحكمة من تعدد زوجات النبي  . المبحث الثالث: دحض الشبهات بهذا الصدد. (1 )انظر: المرجع السابق .

عدد الصفحات ٩٣

84 المبحث الأول: خصيصة(4): زواج الرسول. ذهبفريق لإباحة جمع تسع زوجات في عصمة رجل واحد ، مستدلين على زعمهم أن النبي  جمع بين تسع زوجات إنما هو للتأسي والتشريع (2). وأجيب عن ذلك بأن: الاقتداء بفعل رسول الله  في المباحات مشروع ، ولكن في غير ما اختصه الله به من دون المؤمنين، وفي ذلك إشارة إلى اختصاص النبي  ببعض الْحكام عن أمته كوصال الصوم، فلا يجوز لمسلم أن يقتدي بالنبي  في الوصال(3) في الصيام ؛ لْنه نهى عن فعله (4) وهو خص يصة من خصيصاته. فإذا كان لا يجوز الا قتداء به فيما نهى عنه من الطاعات والعبادات، فمن باب أولى لا يقتدى به في المباحات التي نهى الله ورسول ه عنها، كالجمع بين تسع زوجات: لْن النبي  لم يقر أحدًا (1 )الخصيصة في اللغة: من خصص : خصه بالشي ء يخصه خصً ا وخصوصً ا و خصيصة و خصيصة، والفتح أفصح. وخصصه واختصه: أفرده به دون غيره، ويقال: اختص فلان بالْمر وتخصص له : إذا انفرد . وخص غيره واختصه ببره . والاسم الخصيصة. ابن منظور . لسان العر ب. (2/24 - 25 )حرف الصاد المهمل ة، فصل الخاء المعجمة (خصص). (2 )العطار. تعدد الزوجات من النو احي الدينية والقانونية. ص (133)، انظر: راسم شحدة . "تعدد الزوجات بين الإسلام وخصومه". ص (140.) (3 )الوصالفي الاصطلاح: وهو صوم يومين فصاعدً ا من غير أكل أو شرب بينهما . النووي . صحيح مسلم بشرح الإمام ال نووي . ج 0/105 .كتاب الصيام(13)، باب: النهي عن الوصال باب رقم (11)، حديث رقم (1102)، والرخصة لمن أراد الوصال فإلى السحر ، انظر: راسم شحدة. "تعدد الزوجات بين الإسلام وخصومه" ص (142.) (4 )أخرجه البخاري في صحيحه عن عبدبن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما . ج 2/280 . كتاب الصوم(30.)

عدد الصفحات ٩٤

85 من الصحابة على الجمع بين أكثر من أربع زوجات (1)، كما يفهم ذلك من قول الله تعالى : ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ الن ِسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ ﴾ [النساء: 3.] أما المقصود بالخصيصة للنبي عليه الصلاة والسلام فهي أن كل شيء فعله  ونهى عن فعله، ورد في القرآن نهي عنه أو لم يرد ، لا يجوز الاقتداء به في ذلك فيها. وكذلك الشأن في كل ما ورد في القرآن خاصًّ ا به (2). وسأتناول في خصيصة زواج النبي  المسائل الآتية: (1 )هيكل: دحض الشبهات الواردة على تعدد الزوجات في الإسلام. ص(120). (2) انظر: المرجع السابق .

عدد الصفحات ٩٥

86 - المسألة الأولى: خصيصة أحكام تعدد زوجات النبي . جمع الرسول  بين تسع نسوة في وقت واحد، كان خصيصة من خصوصياته عليه الصلاة والسلام. و قد جمع رسول الله ـ بين زوجاته قبل نزول سورة النساء التي حددت عدد الزوجات بأربع ، وقد اختص الله سبحانه وتعالى النبي الكريم ـ بالستثناء من تحديد العدد بأربع (1). وأشار العلامة الزرقاني -رحمه الله - إلى نكاح رسول الله  من أزواجه-رضي الله عنهن -، وذكر أن نكاحه  كان عبادة في حقه، ومباحً ا في حق الآخرين ، هذا مع الإشارة إلى خصائص أخرى منحها الله عز وجل للنبي (2). ومن الْحكام التي اختص الله بها عز وجل نبيه محمدً ا  في تعدد زوجاته: أحل له أن يؤوي من يشاء من أزواجه، ويرجي منهن من يشاء، ولم يحل ذلك للمؤمنين لقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ ﴾ [الْحزاب : 51.] حرم عليه ماعدا أزواجه اللاتي في عصمته فعلاً، ولم ينزل مثل هذا التحريم للمؤمنين لقوله تعالى : ﴿لاَ يَحِلُّ لَكَ الن ِسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلاَ أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ﴾ [الْحزاب : 52.] (1) عماد الدين حسين . " زوجة واحدة لا تكفي " ص 24 .طبعة دون تاريخ. الناشر: مكتبة الفرقان للطبع والنشر والتوزيع . القاهرة . (2) انظر: الزرقاني . "شرح الزرقاني على المواهب اللدنية ". ج 6/302-380 .الناشر. دار الكتب العلمية ط1 .1410ه/1868م.أبو عبد الله محمد بن عبد الباقي بن يوسف بن أحمد بن شهاب الدين بن محمد الزرقاني المالكي المتوفى 1122ه.

عدد الصفحات ٩٦