65 إن الراجح في سبب نزول آية التعدد هو ما ثبت في الصحيحين فيما أخرجه الشيخان "البخاري ومسلم " عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة –رضي الله عنها- عن قول الله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِ سَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ ﴾. فقالت: "يا ابن أختي! هي اليتيمة تكون في حجر وليها، تشاركه في ماله، فيعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن"(1) .وهذا قول فيه صحة الحديث، وعلو السند؛ لْنه من رواية البخاري ومسلم، وهو أوضح بيانًا؛ لْن أم المؤمنين عائشة –رضي الله عنها - وضحت الآية على أبلغ وجوه البيان(2)،وهذا له علاقة أيضًا بقول الله عز وجل: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي الن ِسَاءِ قُلِ اللََُّّ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ ﴾(3). وقد روى "الشيخان" أيضًا في سبب نزول آية التعدد طرقًا متعددة في رواية هذا الحديث عن عروة بن الزبير عن عائشة – رضي الله عنها -. (1 )صحيح البخاري. 2484، ومسلم3012 (2 )انظر: النحاس. أبو جعفر. المتوفى سنة (332هـ). "معاني القرآن الكريم ". تحقيق: الشيخ محمد علي الصابوني. ج2(/12-13 .)ط1 :1408هـ/1822م. الناشر: معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي - مكة المكرمة . (3 )سورة النساء آية رقم (120.)
عدد الصفحات ٦٥66 فأما البخاري، فقد أشار إلى أطراف هذا الحديث في كتبه وأبوابه المختلفة، وأما الإمام مسلم، فقد اتبع هذا الحديث الروايات والطرق المختلفة في روايته عن عروة بن الزبير وعن عائشة(1). ومما يجدر ذكره هنا : أن الإمام "الطبري " رحمه الله قد رجح قول ابن عباس–رضي الله عنهما - ا في سبب نزول آية التعدد، وهو القول الثالث السابق الذكر. ودليله: أن الآية التي سبقت آية التعدد نهت عن أكل أموال اليتامى، وخل طها بغيرها من الْموال ، فقالت: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِ بِ وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ﴾(2). ثم أعلمتهم هذه الآية : أنهم إن اتقوا الله في أموال اليتامى، وتحرجوا فيها، فا لواجب عليهم أيضً ا تقوى الله والتحرج في النساء. وأعلمتهم الآية كيفية التخلص من الجور والظلم في النساء، كما أعلمتهم الآية السابقة كيفية التخلص من الجور والظلم في أموال اليتامى: فقالت لهم: إن أمنتم الجور في النساء، فانكحوا منهن ما أباح وحلل الله لكم منهن، مثنى وثلاث ورباع ، فإن خفتم الجور فيهن فاكتفوا بواحدة، وإن خفتم الجور في الواحدة أيضً ا بأن لا تقدروا على (1 )أخرج البخاري حديث عروة ابن الزبير عن عائشة –رضي الله عنها - وهو الراجح في سبب نزول آية التعدد/ بألفاظ متقاربة مع الإمام مسلم في صحيحه . وقد أورد البخاري هذا الحديث في صحيحه، وأطرافه في الْرقام (2083،4503،4504،4600،5064،5082،5082، 5122،5131،5140،6865 .)واكتفى الإمام مسلم، برواية الحديث المذكور، حديث عروة بن الزبير عن عائ شة، في كتاب التفسير (54 )من صحيحه وذلك بأكثر من طريق في روايته . راسم شحدة . "تعدد الزوجات بين الإسلام وخصومه" ص(85.) (2 )سورة النساء آية رقم (2.)
عدد الصفحات ٦٦60 إنصافها، فلا تنكحوها، وتسروا بما ملكت أيمانكم من اماء، فهذا أحرى ألا تجوروا عل يهن، وهنا جعل التسري بدلاً من الواحدة، والصحيح أن الترغيب في الواحدة مع التسري مقابل مثنى وثلاث ورباع (1). إذن في الآية كلام متروك دل عليه السياق -كما ذكر الطبري - وهو: كذلك خافوا أن لا تقسطوا في حقوق النساء التي أوجبها الله عليكم. ويكون معنى الكلام وإن خفتم أن لا تقسطوا في أموال اليتامى فتعدلوا فيها فكذلك خافوا أن لا تقسطوا في حقوق النساء التي أو جبها لله عليكم، فلا تتزوجوا منهن إلا ما أمنتم معه الجور، مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم في ذلك فواحدة (2). - المعنى العامية التعدد: الخطاب من الله -عز وجل- في هذه الآية إلى الناس عامة، وإلى أولياء اليتامى خاصة، ممن يحل لهم التزوج بهن ، كابن العم - مثلاً – فيقول لهم : وإن غلب على ظنكم أن لا تعدلوا في شأن تزوجكم من يتامى النساء اللاتي تلون أمورهن المالية، وذلك بعدم إعطائهن صداقهن، أو بسوء معاملتهن، أو ابتزاز أموال هن، فلا تتزوجوهن، فانكحوا ما حل أو ما مالت إليه نفوسكم، واستطبتموه من النساء غيرهن ممن هن حلال لكم، ولكل واحد منكم ال خيار في أن (1 )الْلوسي. شهاب الدين سيد محمود، أبو الفضل. "روح المعاني ". ج4/185-186. الناشر: دار الفكر بيروت - لبنان ط 1402ه/1820م. (2 )الطبري. " جامع البيان ". ج2/480 .وانظر: هيكل. " دحض الشبهات الواردة على تعد د الزوجات في الإسلام". ص (125.)
عدد الصفحات ٦٧62 يتزوج اثنتين أو ثلاثًا أو أربعًا، بحيث لا يزيد من في عصمته عن أربع، كما له الحق في أن يتزوج واحدة فحسب . فإن ظننتم أو غلب على ظنكم عدم العدل عند تعدد الزوجات إلى العدد المباح في شأن القسم والعشرة والمؤنة، فتزوجوا واحدةً فحسب من الحرائر، أو تمتعوا بمن شئتم من الإيماء، وذلك بملك اليمين، فإن ذلك أقرب إلى عدم الجور من تعدد الزوجات، وذلك لْن الزوجة الواحدة تستقل بزوجها ، والإماء لا حق لهن من حقوق الزوجات(1). وأما السؤال الذي تتحتم الإجابة عليه فهو : هل يشترط الخوف من عدم الإقساط في اليتامى لإباحة تعدد الزوجات للمسلم؟. وقد أجاب الإمام القرطبي عن هذا السؤال فقال : "اتفق كل من يعاني العلوم على أن قوله تعالى : ﴿وإن خفتم ألا تُقسطوا في اليتامى﴾ ليس له مفهوم، إذ قد أجمع المسلمون على أن من لم يخف القسط في اليتامى له أن ينكح أكثر من واحدة، اثنتين أو ثلاثًا أو أربعًا كمن خاف، فدل على أن الآية نزلت جوابًا لمن خاف ذلك، وأن حكمها أعم من ذلك(2). (1 )انظر: الطبري . "جامع البيان". ج2/484-485، انظر: راسم شحدة . "تعدد الزوجات في الإسلام ". (ص86.) (2 )لْجلأن الراجح هو القول : العبرة دائ مً ا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهذا ما عليه الجمهور، وهو الْصح . الْنصاري القرطبي. "الجامع لْحكام القرآن ". ج6/20 .وانظر : بلتاجي. "مكانة المرأة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة ". ص (102).
عدد الصفحات ٦٨68 **المبحث الثاني: مشروعية تعدد الزوجات وشروط ذلك يتضمن هذا البحث دراسة المسائل الآتية : * المسألة الأولى: مشروعية تعدد الزوجات. 1- إن تعدد الزوجات إلى أربع مشروع (1)، ودليل مشروعيته من الكتاب والسنة والإجماع. من القرآن الكريم : برهان ذلك قول الله –عز وجل – ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِ سَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ ﴾(2). أ- من السنة النبوية : أخرج مالك في الموطأ، وأحمد في مسنده، و الترمذي وابن ماج ه في سننهما وغيرهما أن "غيلان ابن سلمة" أسلم وعنده عشر نسوة، فقال له رسول الله : "اختر منهن أربعًا"(3). ب- من الإجماع: أجمعت الْمة قولاً وعملاً منذ عهد النبي إلى يومنا الحاضر على حل تعدد الزوجات وهو حجة تشريعية بعد الكتاب والسنة. ولم يقل أحد من الصحابة -رضي الله عنهم - خلاف ذلك، ولم يخالفه الْئمة وعلماء الشريعة، وهو المقرر في كتب الحديث والتفسير. (1 )مجموعة من العلماء"الموسوعة الفقهية". ج12/232.، تفسير القرطبي . ج5، ص (10)، انظر: الحصين. "لماذا الهجوم على تعدد الزوجات" ص (10.) (2 )سورة النساء آية رقم (3.) (3 )سبق تخريج ه ص (5)، الحصين. "لماذا الهجوم على تعدد الزوجات" ص (10.)
عدد الصفحات ٦٩00 *المسألة الثانية: أراء المعاصرين في حكم تعدد الزوجات. 1- ظهرت منذ أكثر من مئة عام خَلَت أراء مختلفة بشأن حكم تعدد الزوجات في الإسلام، لكثرة الجدل في أمره، والتعسف في استعمال هذا الحق، بالإضافة إلى حملات الغربيين الشرسة الشديدة على تشريع التعدد، مما دفع الْ ستاذ الإمام "محمد عبده" وتلميذيه – محمد رشيد رضا وقاسم أمين – إلى معالجة أضرار التعدد الناجمة عن جهل المسلمين ، وبعدهم عن أحكام الإسلام بالْساليب المختلفة، وكان أول من تكلم في ذلك من خلال دروسه في التفسير في الجامع الْزهر هو الْستاذ الإمام "محمد عبده"(1)- رحمه -، ودونها تلميذه محمد رشيد رضا (2)،- رحمه الله - في مجلته "المنار"، ثم نقد شيئًا منها في تفسيره . وكان أول ما صرح به الْستاذ الإمام في حكم تعدد الزوجات قوله: "فمن تأمل الآيتين، علم أن إباحة تعدد الزوجات في الإسلام (1" )محمد عبده" (1266-1323هـ)-(1248-1805م)، محمد عبده بن حسن خير الله، من آل التركماني : مفتي الديار المصرية ومن كبار رجال الإصلاح والتجديد في الإسلام، ولد في "شزا " (من القرى الغربية بمصر)، تعلم بالْزهر، وعمل في التعليم، وكتب في الصحف ولا سيما جريدة (الوقائع المصرية )، شارك في مناصرة الثورة العرابية، فسجن ونفي إلى بلاد الشام (1221)، وعاد إلى مصر سنة (1222)، وتولى منصب القضاء، ثم جعل مستشارًا في محكمة الاستئناف، فمفتيًا للديار المصرية (سنة 1310هـ)، من مؤلفاته: "تفسير القرآن الحكيم " لم يتمه، و"رسالة التوحيد"، و "الإسلام والرد على منتقديه " وغيرها من المؤلفات . انظر: الزركلي . " الْعلام". ج6/252. انظر: راسم ش حدة. "تعدد الزوجات بين الإسلام وخصومه" ص (101.) (2" )محمد رشيد رضا " (1222-1354هـ)-(1265-1835م): محمد رشيد بن علي رضا بن محمد بن شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلاً علي خليفة القلموني، البغدادي الْصل، الحسيني النسب، صاحب مجلة "المنار"، وأحد رجال الإصلاح الإسلامي.
عدد الصفحات ٧٠01 أمر مضيق فيه أشد التضييق كأنه ضرورة من الضرورات تباح لمحتاجها بشرط الثقة بإقا مة العدل والْمن من الجور"(1). ولم يفصح الْستاذ الإمام رحمه ؛ عما ير ا ه بخصوص هذا التشريع، هل هو منع التعدد، أم تقييده بقيود تقلل من وقوعه ومن أضراره؟ . و الحق الذي يقال: إن منع التعدد تغيير لْحكام الله، فشرع الله أحق أن يتبع، وإساءة استعمال أي تشريع لا تقتضي إلغائه، بل تقتضي منع تلك الإساءة(2). 2- وهناك رأي آخر هو رأي قاسم أمين (3) المعاصر للشيخ "محمد عبده" أحدث صاحبه ضجة كبرى حينما جهر بآرائه في النساء وإصلاح أحوالهن، وذلك في كتابه(4) الذي عرض فيه لتعدد الزوجات فقال: "ولا يعذر رجل يتزوج أكثر من امرأة إلا في حالة الضرورة المطلقة، كأن أصيبت امرأته الْولى بمرض مزمن لا يسمح لها بتأدية حقوق الزوجية. (1 )رضا . " تفسير القرآن الحكيم ". ج4/438-350.ط2 :1383-1803م. الناشر: دار المعرفة . بيروت – لبنان، انظر : راسم شحدة . " تعدد الزوجات بين الإسلام وخصومه " ص (102.) (2 )انظر: السباعي. "المرأة بين الفقه والقانون ". ص (104-100 .)العطار. "تعدد الزوجات من النواحي الدينية و الاجتماعية والقانونية". ص (204-208)، وبلتاجي. "مكانة المرأة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة ". ص (204-200.) (3" )قاسم أمين" (1208-1326هـ) – (1263-1802م). قاسم بن محمد أمين المصري : كاتب باحث، اشتهر بمناصرته للمرأة ودفاعه عن حريتها . "له تحرير المرأة "؛ مطبوع . "المرأة الجديدة "؛ مطبوع، وكان لصدورهما دوي . ونشر له كتاب ثالث سمي "كلمات قاسم بك أمين". ولْحمد خاكي رسالة في سيرته سماها "قاسم أمين"؛ مطبوع . الزركلي . "الْعلام". (5/24.) (4 )اسم كتابه هو "تحرير المرأة ".
عدد الصفحات ٧١02 أقول ذلك ولا أحب أن يتزوج رجل ب امرأة أخرى حتى في هذه الحالة وأمثالها، حيث لا ذنب للمرأة فيها، والمروءة تقتضي أن يتحمل الرجل ما تصاب به امرأته من العلل، كما يرى من الواجب أن تتحمل هي ما عساه أن يصاب به، وكذلك توجد حالة تسوغ للرجل أن يتزوج بثانية، إما مع المحافظة على الْولى إن رضيت أو تسريحها إن شاءت، وهي ما إذا كانت عاقراً لم تلد، لْن كثيرً ا من الرجال لا يتحملون أن ينقطع النسل في عائلتهم(1)، ويضيف الباحث نفسه في هذا الصدد قائلاً : "أما في غير هذه الْحوال، فلا أرى تعدد الزوجات إلا حيلة شرعية لقضاء شهو اته، وهو علامة تدل على فساد الْخلاق، واختلال الحواس، وشره في طلب اللذائذ (2). ويعقب الباحث المعاصر: د. عبد الناصر توفيق العطار على ذلك فيقول: "إن تعدد الزوجات شرعة إ لهية، وله وراء ذلك مسوغاته المعقولة التي لا سبيل إلى حصرها، وقد لعن الشرع الذواقين والذواقات، ولم يتحايل أبداً لتحقيق مآربهم، ولو كان مقصد الشرع من إباحة تعدد الزوجات التحايل حتى يقضي للناس شهواتهم، لم ا اقتصر على ذلك، بل لْباح للنساء تعدد الْزواج، والشرع ع ندما أباح تعدد الزوجات وحرم تعدد الْزواج، لم يكن منحازًا لجانب الرجال على النساء، وإنما كان مدركًا بطبيعة الرجل وطبيعة المرأة، آخذًا في الاعتبار صلاحية الرجل أن يأتي أكثر من زوجة، وعدم صلاحية (1 )أمين. "تحرير المرأة ". ص (152-153) .وانظر: العطار. "تعدد الزوجات من النواحي الدينية و الاجتماعية والقانونية". ص (240-243 .)هيكل. "دحض الشبهات الواردة على تعدد الزوجات في الإسلام". ص 131، والدكتور بلتاجي. "مكانة المرأة ف ي القرآن الكريم والسنة " ص رقم (100.)، انظر: راسم شحدة . "تعدد الزوجات بين الإسلام وخصومه" ص (103.) (2 )أمين. "تحرير المرأة ". ص (153.)
عدد الصفحات ٧٢03 المرأة بالزواج ب أكثر من رجل واحد في آن واحد منعً ا لا ختلاط الْنساب(1). 3- أماالشيخ "محمد رشيد رضا " – وهو تلميذ محمد عبده وصاحبه، وواحد ممن حملوا لواء الدعوة الإسلامية والذود عنها أعوامًا طويلة –، فخلاصة قوله في التعدد هو أنه: خلاف الْصل الطبيعي في الزوجية، فإن الْصل أن يكون للرجل امرأة واحدة بها كما تكون به زوجً ا، ولكنه ضرورة تعرض للا جتماع، ولاسيما في الْمم الحربية كالْمة الإسلامية، فهو إنما أُبيح(2) للضرورة، واشترط فيه عدم الجور والظلم(3). *وأرد هنا على قول الإمام الشيخ محمد عبده - رحمه الله -، أن الزواج بواحدة هو الْصل في الإسلام وأن التعدد هو الاستثناء، ولا يعمل بالاستثناء إلا عند الضرورة، والضرورة تظهر عند وجود مسوغ لها، فأقول : هذه دعوى لا دليل عليها، والآية الكريمة ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ ﴾ ليس فيها أي دليل على أن الزواج بواحدة أو أكثر هو الْصل، وإنما هي تدل على إباحة التعدد مثنى وثلاث ورباع، فإن خيف الظلم فواحدة. (1 )العطار. " تعدد الزوجات من النواحي الدينية و الاجتماعية والقانونية" ص (241-243 .) وانظر: هيكل. "دحض الشبهات على تعدد الزوجات في الإسلام". ص (131)، انظر. راسم شحدة. "تعدد الزوجات بين الإسلام وخصومه" ص (105.) (2 )الإباحةفي اللغة : الإحلال، يقال : أبحتك الشيء، أي : أحللته لك . والمباح: خلاف المحظور، انظر: ابن منظور. "لسان العرب ". م2/416 .كتاب الحاء المهملة باب الباء(بوح ). (3 )رضا . " تفسير المنار ". ج4/350 .وانظر: العطار. " تعدد الزوجات من النواحي الدينية و الاجتماعية والقانونية". ص (222)، وهيكل. "دحض الشبهات الواردة على تعدد الزوجات في الإسلام" ص (130.)
عدد الصفحات ٧٣04 وفوق ذلك فإن التطبيق العملي لرسول، يوضح لنا أن الْصل في الزواج هو التعدد لا الواحدة، إذ لما نزلت آية التعدد وكان لدى نفر من المسلمين أكثر من أربع زوجات، أمرهم النبي باستبقاء أربع منهن فقط عند كل رجل، فلو كان الْصل في الزواج الوحدة. والتعدد يلجأ إليه عند الضرورة لْمر النبي أن يستبقي كل مسلم زوجة واحدة فقط ثم ينظر في ضروراتهم فيرخص لهم في التعدد إن كانت هناك ضرورة . * وأجيب على قولهم أن التعدد لم يشرع توسعة على الذواقين والذواقات فأقول: وهل يعني ذلك تحريم التعدد على من يقع في حب امرأة فيريد زواجها إعفافًا له ولها عن الوقوع في الفاحشة؟ وأي الحلول أفضل أن يكون زوجا ملتزمًا حقوقها، أم عشيقًا يقضي منها وطرًا ويحمل وزرًا؟ أم يطلق زوجته الْولى، وهي راغبة في البقاء معه على ضرة؟ . نعم إن إباحة تعدد الزوجات في مثل هذه الحالة لا تخلوا من ضرر غالبًا، ولكن أليس في تحريمه ضررًا أشد وبالاً وأسرع فتكًا بالفرد والمجتمع؟، إن الإسلام دين واقعي، يحل المشكلات حلاًّ واقعيًّا، ومن القواعد المسلمة أن الضرر الْشد يدفع الضرر الْخف، هذا لو كان اشتراط المسوغ لإباحة تعدد الزوجات أمرًا ذا أهمية عند الشارع لنص عليه صراحة و لم يغفله. وهذا رسول الله عقب نزول آية التعدد يأمر كل من كان تحته أكثر من أربع زوجات أن يسرح ما زاد عن الْربع دون أن يبين - والمقام مقام تشريع - أن بقاء الْربع بأي مسوغ من عقم أو مرض أو كثرة أرامل أو أيتام أو نحو ذلك .
عدد الصفحات ٧٤05 وبذلك أرى أن الصواب والله أعلم: أن الضرورة (1) ليست شرطًا للتعدد(2). وقد أشرت سابقًا في حكم تعدد الزوجات في الإسلام بأنه مباح إلى أربع - إباحة لا حظر فيها - بالكتاب والسنة والإجماع. 4- وأما عن سبب اهتمام بدراسة آراء دعاة الإصلاح الديني والإجتماعي – محمد عبده ومحمد رشيد رضا و قاسم أمين – دون غيرهم في مسألة تعدد الزوجات، وما الفائدة من معرفة أقوالهم ما دام هناك حكم شرعي يبيح هذا التشريع؟ . فأجيب عن ذلك بالآتي: إن كل الآراء التي تثار في مجال التشريع المعاصر لقضية تعدد الزوجات قد ترددت فيما سبق من نقول عن هؤلاء الثلاثة، بالإضافة إلى أن آراءهم قد تجاوز الفكر النظري في بعض البلاد العربية والإسلامية إلى مجال التشريع القانوني، حيث أخذت بعض هذه الدول ببعض ما ورد عن هؤلاء في قضية التعدد، فجعلته قانونًا ملزمًا لرعاياها يعاقب من يتجاوزه وعلى سبيل المثال: أ- في مصر: فإن تلاميذ "محمد عبده" حاولوا إخراج أفكاره إلى مجال التقنين في عام 1826م، كما ذكرذلك الشيخ أبو زهرة، رحمه (1 )"الضرورة " في اصطلاح الفقهاء: بلوغ الإنسان حدًّ ا إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب، كالمضر بالْكل أو اللبس بحيث لو بقي جائعًا أو عريانًا لمات، أو تلف منه عضو، وهذا يبيح تناول المحرم . والفرق بين الحاجة والضرورة أن الحاجة وإن كانت حالة جهد ومشقة، فهي دون الضرورة، ومرتبتها أدنى منها، ولا يتأتى بفقدها الهلاك . انظر: مجموعة من العلماء. "الموسوعة الفقهية". (22/181-182) . (2 )انظر: د. بلتاجي. "مكانة المرأة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة ". ص (216) .راسم شحدة. "تعدد الزوجات بين الإسلام وخصومه" ص (111.)
عدد الصفحات ٧٥06 الله، وذلك عن طريق تأليف لجنة ممن تأثروا بدعوة الْستاذ الإمام محمد عبده، ومما تقدمت به هذه اللجنة هو تقييد رغبة الرجل و في تعدد الزوجات، وقد أخذ كل من قانون الْحوال الشخصية في سوريا و العراق بنحو ذلك في تقييد التعدد . ب- وفي تونس : فإن ما ورد في بعض كلام قاسم أمين بتحريم التعدد بالنص القرآني على حد زعمه ؛ قد اتخذ ذريعة لتحريم تعدد الزوجات في تونس بحكم القانون، كما نصت المادة الثامنة عشر من التشريع التونسي من الْحوال الشخصية على أن تعدد الزوجات ممنوع . وأما مجمل حجة التحريم عند ق اسم أمين فهي: أن الله اشترط العدل للتعدد في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً ﴾ (1). ثم حكم في آية أخرى في نفس السورة بأن العدل مستحيل، وذلك في قوله تعالى : ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِ سَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ﴾(2). ومقتضى الحكمين معًا تحريم ع دد الزوجات الذي لا يباح إلا بشرط، يحكم الله باستح الته حسب ما زعم قاسم أمين وغيره ، وأيًا ما كان القائلون بذلك، فإنه مما لا شك فيه أنه قول باطل ومردود (3)، وهو يتضمن اتهامًا للنبي والصحابة والمسلمين بعدهم بأنهم خالفوا (1 )سورة النساء آية رقم (3.) (2 )سورة النساء آية رقم (128.) (3 )انظر: شلتوت. "الإسلام عقيدة وشريعة ". ص (122-123)، الدكتور السباعي. "المرأة بين الفقه والقانون ". ص (102-114)، العطار. "تعدد الزوجات من النواحي الدينية و الاجتماعية والقانونية". ص (12260256-262-208-220)، الجمل. "تعدد الزوجات في الإسلام". ص (83-123.) راسم شحدة "تعدد الزوجات بين الإسلام وخصومه" ص (104،105.)
عدد الصفحات ٧٦00 النص القرآني إباحة وفعلاً وإقرارًا، وقد صرح بهذا في زعمه الباطل صراحة حيث قال : " ولو أن ناظرًا في الآيتين أخذ منهما الحكم بتحريم الجمع بين الزوجات، لما كان حكمه هذا بعيدًا عن معناهما، لولا أن السنة والعمل جاءا بما يقتض ي الإجابة في الجملة(1). وقد فندالشيخ "محمد رشيد رضا " هذا الزعم في تفسيره فقال : "يظن بعض الميالين إلى منع تعدد الزوجات أنه يمكن أن يستنبط من هذه الآية: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا ﴾ وآية: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ ﴾. أن التعدد غير جائز: لْن من خاف عدم العدل لا يجوز له أن يزيد على الواحدة، وقد أخبر الله –تعالى- أن العدل غير مستطاع، وخبره حق، لا يمكن لْحد بعده أن يعتقد أنه يمكنه العدل بين النساء فعدم العدل صار أمرًا يقينيًّ ا، ويكفي في تحريم التعدد أن يخاف عدم العد ل بأن يضنه ضنًّ ا فكيف إذا اعتقده يقينًا. كأن يكون هذا الدليل صحيحًا لو قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِ سَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ﴾ ولم يزد على ذلك، ولكنه لما قال ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ ﴾ علم أن المراد بغي ر المستطاع من العدل هو العدل الكامل، الذي يحرص عليه أهل الورع والدين(2). وهذا يعني أن العدل المنفي في الآية الْولى هو العدل المعنوي غير المستطاع ، والمتمثل في ميل القلب، ولا يتعلق به التكليف، والعدل في الآية الثانية يقصد به العدل المادي الذي يتعلق به التكليف، كالمسكن والمأكل ونحو ذلك. (1 )قاسمأمين. "تحرير المرأة " ص (154.) (2 )رضا . "تفسير المنار". ج5/448.
عدد الصفحات ٧٧02 ج- أما تحريم التعدد بحكم الحاكم تحقيقً ا للمصلحة ودرءً ا للمفسدة، فمن الذين قالوا بذلك صراحةً أحد دعاة الإصلاح الاجتماعي؛ قاسم أمين أيضًا، حيث يقول : "فإذا غلب على الناس الجور بين الزوجات كما هو مشاهد في أزماننا، أو نشأ عن تعدد الزوجات فساد في العائلات، وتعد ٍ على الحدود الشرعية الواجب التزامها، و قيام العداوة بين أعضاء العائلة الواحدة وشيوع ذلك إلى حد يكاد يكون عامًّ ا، جاز للحاكم رعاية للمصلحة العامة أن يمنع تعدد الزوجات بشرط أو بغير شرط ، بحسب ما يراه موافقا لمصلحة الْمة(1) . أقول: إن الواقع الفعلي للمسل مين رفض فكرة المنع، و أن صدور أي قانون وضعي لا يلغي الإباحة الْصلية للتعدد؛ لْن شرع الله على كل حال هو الثابت الْصلي الخالد ، وأن حكم الله في المجتمعات الإسلامية التي ألغت التعدد بقانون وضعي وعاقبت عليه، مازال هو : (الإباحة الْصلية بشرط العدل المطلوب )(2). 5- على الرغم من تعدد الآراء في حكم التعدد بين ال دعوة إلى تقييده، أو منعه من الحاكم إذا فشا ضرره، إلا أنه وجد في المقابل من رفض هذه الآراء السابقة في قضية التعدد من أساسها ونقدها ودحضها، ورأى هذا الفريق أن منهج السلف بشرطه في تعدد الزوجات هو الطريق الصحيح، هذا ما سار عليه جمهور العلماء، (1 )أمين. "تحرير المرأة ". ص (154-155) انظر: راسم شحدة . "تعدد الزوجات بين الإسلام وخصومه".ص 102 (2 )انظر: د. السباعي. "المرأة بين الفقه والقانون ". ص (111-116)، العطار. "تعدد الزوجات من النواحي الدينية و الاجتماعية والقانونية". ص (302-300).
عدد الصفحات ٧٨08 ومن ا لذين ذهبوا إلى هذا القول : الشيخ شلتوت (1)، والشيخ أبو زهرة (2)، والشيخ بن باز والعثيمين وغيرهم من العلماء (3). - .المسألة الثالثة: شروط(1) تعدد الزوجات في الاسلام. – بالكتاب والسنة والاجماع . فأما الكتاب فقد هذب التعدد الذي كان شائعً ا بين الناس دون حد، وقيده بقيدين: القيد الأول: و هو ألا يزيد عن أربع ، وهذا القيد شرط في صحة العقد. القيد الثاني: وهو عدم خوف الظلم، وهذا القيد شرط لإباحة التعدد وليس شرطً ا في صحته، فمن تزوج ثانية أو ثالثة أو رابعة وهو يخاف ظلمً ا فإن زواجه صحيح، ولكن عليه إثم إن ظلم، فإن خاف الظلم ولم يظلم، أو ظلم ثم تاب فعدل، عفا الله عنه وعاش عيشة حلالاً ، قال الله تعالى : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى (1" )شلتوت". (1310-1323هـ)-(1283-1863م). محمود شلتوت: فقيه مفسر مصري ولد في منية بني منصور (البحيرة ) وتخرج من الْزهر (1812 )له26 مؤلفاً مطب وعً ا، منها : "التفسير" لم يتم، "الإسلام عقيدة وشريعة " بالإضافة إلى غيرها من المؤلفات . (2" )أبو زهرة ". (1316-1384هـ) – (1282- 1804م)، محمد بن أحمد أبو زهرة : أكبر علماء الشريعة في عصر ه، مولده بمدينة المحل ة الكبرى، وتعلم بمدرسة القضاء الشرعي (1816- 1825م)، وعين أستاذًا محاضرًا للدراسات العليا في الجامعة (1835)، وعضوًا للمجلس الْعلى للبحوث العلمية، وكان وكيلاً لكلية الح قوق بجامعة القاهرة، وله أكثر من أربعين مؤلفًا، منها: "أصول الفقه" و"أحكام التركات والمواريث ". (3 )انظر: شلتوت. "الإسلام عقيدة وشريعة ". ص (125-123)، أبو زهرة "الْحوال الشخصية". ص (103-105)، والجمل. "تعدد الزوجات في الإسلام". ص (124.) (4 )الشرطفي الاصطلاح: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته مجموعة من العلماء. "الموسوعة الفقهية". ج26/5.
عدد الصفحات ٧٩20 فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ الن ِسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا﴾(1). وأما السنة : فقد صحة الْخبار عن النبي بأنه بعد أن نزلت آية تقييد تعدد الزوجات بأربع ، أمر من أسلم من أصحابه وكان تحته أكثر من أربع زوجات أن يختار منهن أربعً ا ويفارق سائرهن، دون أن يعلق أمره هذا بأي سبب سوى – وجوب عدم – الزيادة عن أربع (2). وأماالإجماع: فقد أجمعت الْمة سلفً ا وخلفً ا على هذا الحكم ولم يشذ منهم أحد، إلى أن ابتلينا في عصرنا هذا بأناس تجرأوا على القول في دين الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير(3). وذهب بعض العلماء إلى أنه من شروط التعدد: أولاً : القدرة المالية والبدنية، وهي أن يكون قادرًا على الإنفاق على زوجاته وتحقيق العدل بينهن، وكذلك أن يكون قادرًا جنسيًّ ا. ثانيًا: أن يتحرى العدل بين زوجاته، والعدل بين الزوجات يكون في القسمة بينهن بالعدل والمساوا ة دون الميل إلى واحدة، وتفضيلها بشيء من متاع الدنيا دون الْخرى، فمن انحرف عن منهج العدل بين نسائه أتى الله يوم القيامة وشقه مائل. ثالثًا: أن لا يكون هناك شرط في عقد النكاح بين الرجل وزوجته الْولى ينص صراحة على اشتراطه عدم الزواج من أخرى، (1 )سورة النساء آية رقم (3.) (2 )هيكل. "دحض الشبهات الواردة على تعد د الزوجات في الإسلام". (3 )شلتوت. " الإسلام عقيدة وشريعة ". ص (123-120.) راسم شحدة "تعدد الزوجات بين الإسلام وخصومه" ص (113.)
عدد الصفحات ٨٠