المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

غياب تعدد الزوجات عن واقع الألة الإسلامية وآثاره السلبية

زيزي محمد لبيب سلامة

صفحة ٤ من ٢٢

48 .*المطلب الأول: موقف المفكرين المعارضين للتعدد: لا يرتقي أي تشريع وضعي مهما بلغ شأنه على وجه الْرض إلى تشريع الله عز وجل في إباح ته لتعدد الزوجات، لْنه لا وجه للمقارنة أو الشبه بين تشريع الله الخالق الذي شرع أحكامه لحكم ة عظيمة لا يدركها البعض ، تلبية لمصالح العباد وضروراتهم التي لا يمكن الاستغناء عنها، وبين تشريع البشر الم خلوقين، وإنما الاعتبار لتعدد الخليلات غير الشرعي . لم يعرف الْوربيون حقيقة أمر تعدد الزوجات في الإ سلام، باستثناء القليل منهم، وهذا الْمر صرح به أحد المؤرخين الفرنسيين المعاصرين (1)،حيث يقول: "لا يدر ك المرء نظم أم ة أجنبية إلا إذا تناسى قليلاً مبادئ البيئة التي يعيش فيها، وفرض نفسه من أبناء تلك الْمة ، ولا سيما إذا كانت تلك النظم من نوع مبد أ تعدد الزوجات ، الذي لما تعلم حقيقة أمره إلا قليلاً ، فأنشئ الحكم فيه(2). ولكن خطأ الْوربيين في إدراك حقيقة شرع الله في تعدد الزوجات ليس مبررً ا لإصدار الحكم المسبق ، الذي يس يء لدين الإسلام في التعدد. إن هناك حقيقة أخرى صرح بها أحد المستشرقين الفرنيسيين المعاصرين (3)،الذي أعلن إسلامه وهي أن العلة في بغض (1 )غوستاف لوبون". هو مؤرخ فرنسي معاصر عمل في أوربا وآسيا وشمال إفرقيا، كتب في علم الآثار وعلم الْنثروبولوجيا، وعني بالحضارة الشرقية، ومن أشهر آثاره الحضارة المصرية، والحضارة العربية في الْندلس. توفي سنة 1831م. (2) انظر: راسم شحدة . نقلا عن: لوبون . "حضارة العرب "، (ص422). (3 )المستشرق الفرنسي المسلم "ناصر الدين دينيه بعد إسلامه".

عدد الصفحات ٤٩

50 المسيحيين الْوروبيين للإسلام هو تعدد الزوجات، هذا بالإضافه إلى ذكر ه لموقفهم من طائفة "المورمون " التي أعلنت إباحتها لتعدد الزوجات الذي شرعه الإ سلام. إن تعدد الزوجات في الإسلام ليس السبب الوحيد في بغض الغربيين للإ سلام؛ وإنما هو العداء لدين الله، الذي يحملهم جاهدين على محاولة يائسة لإطفاء نور الله بأفواههم. إن أمانة البحث العلمي المجرد من التعصب الْعمى تقتضي دراس ة آراء بعض المفكرين الغربيين المعاصرين منهم ، وذلك لاستطلاع مواقفهم من تعدد الزوجات ، سواء كانوا معارضين أو مؤيدين للتعدد. وأما خصوم التعدد الحقيقيون ، الذين يشنون الحملات المسعورة والدنيئة على تعدد الزوجات في الإ سلام، ويثيرون الشبهات والإفتراءات حول التعدد ، هم المتعصبون من رجال الدين والاستشراق والاستعمار، هذا ب الإضافة إلى بيان الْهداف الإجمالية المرسومة من وراء الحملات العدائية ضد الإ سلام ونبيه في قضي ة تعدد الزوجات. اكتفي ببيان مواقف بعضهم من تعدد الزوجات في الإ سلام كنماذج لغيرهم من المفكرين ، وتتمثل هذه المواقف في آرائهم كالْتي : 1 - لقد صرح أحد الباحثين الرهبان الغربيين (1) بشأن تعدد الزوجات، حيث يقول : يقول المسيحيون عادة : "إن الطابع المميز للزواج الإ سلامي هو أن بإمكان الزوج أن يتزوج من أربع نساء "، وتعتمد هذه العادة على آية غريبة في القران : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا (1) الباحث الراهب الغربي "مونتجومري وات".

عدد الصفحات ٥٠

51 فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ الن ِسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا﴾ [النساء: 3 .] المسألة المهمة: هي أن الآية لا تعين حدًّ ا لتعدد الزوجات(1). فالقرآن لا يقول للرجال الذين يملكون ست أو سبع نساء لن يكون لديك أكثر من أربع نساء. "بل هو على العكس يشجع الرجال الذين ليس لديهم سوى امرأة واحدة أو اثنتين على الزواج حتى يبلغ الْربع ، ليست القضية تحديد العادة القديمة، بل إدخال عادة جديدة(2) . لا عجب فيما يفصحعنه هذا الراهب من أن آية التعدد لا تعين حدًّ ا لتعدد الزوجات؛ لْنه لا يفهم أصلاً لغه القر آن، ولا لسانه العربي المبين ، وأعقب على هذه الافتراءات بما يلي : لم يكن تعدد الزوجات في الإسلام عادة يمارسها قوم أو أمة من الْمم في زمان ما أو مكان ما ، وإنما هو تشريع الله وحكمه الثابت، إذ لا تبديل ولا تغيير لكلمات الله الخالدة ، وهو –أي: التعدد- كان عند أمم الْرض جميعً ا، بلا استثناء قبل الإسلام، و إن كانت آية التعدد غريبة على هذا الراهب أو لا يفهم مدلولها ومضمونها، فهي ليست غريبة على أتباع الديانة المحمدية، مع أن شريعة النصارى قد (1) انظر: راسم شحدة : نقلا عن، ما ذكره الراهب "مونتجمور ي "، ولكن آية التعدد كافية في الرد عليه، وكذا نصوص السنة؛ لكنه الحقد والهوى والعجمة. (2) مونتجمري وات، "محمد في المدينة"، (ص412 - 418.)كان مستشرقًا بريطانيًّا عمل أستاذًا للغة العربية والدراسات الإسلامية والتاريخ الإسلامي بجامعة أدنبرة في اسكتلندا ومن أشهر كتبه محمد في مكة1853 ومحمد في المدينة1856.

عدد الصفحات ٥١

52 نسخت في شريع ة الإسلام، في قوله تعالى: ﴿لِكُل ٍ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 42 .] 1ــــلا يستقيم زعم هذا الباحث بأن آية التعدد لا تعين حدًّ ا لتعدد الزوجات مع قوله بأن القر آن يشجع الرجال الذين ليس لديهم سوى امرأة واحدة أو اثنتين على الزواج حتى يبلغ الْربع ، أليس ذلك إقرارً ا بأن الحد لتعدد الزوجات إلى أربع ؟! والْمر على العكس تماما، إذ بعد الْربع ش جع على واحدةً خوفً ا من الجور. إن الهدف من هذا الافتراء هو الوصول إلى غاية خبيثة تشير إلى أن تعدد الزوجات كان بدعة جاء بها محمد  كما سبق بيانه. لْن آية التعدد قد بينت الحد الْقصى المشروع للتعدد بشرط العدل، وأما الذين تزوجوا بأكثر من أربع زوجات قبل نزول آ ية التعدد فيجب شرعً ا أن يختارو ا أربعً ا منهن، ويفارقوا سائرهن ، أي: باقي الزوجات، ودليل ذلك أنه جاء رجل إلى النبي  يريد إ علان إسلامه، وكان عنده عشر نسوة أو زوجات، فأمره  أن يختارمنهن أربعً ا ويفارق سائرهن كما أسلفت. وفي هذا رد على من يقولون بأن القر آن الكريم لم يحدد الحد الْعلى لعدد الزوجات، والحديث واضح في دلالته، فرسول الله  لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.

عدد الصفحات ٥٢

53 2ـــــ وأما أحد الفلاسفة الإنجليز(1)، فقد رأى أن نظام الزوجة الواحدة هو ختام الْنظمة، وأن كل تغيير في هذه الْنظمة لابد أن يؤدي إلى هذه النهاية(2). ولكن هذا الفيلسوف، برغم مخالفته لفكرة تعدد الزوجات ، فإنه يراها ضرورة للأمة التي يفنى رجالها في الحروب. وهذا يعني إقراره بأحد ضرورات التعدد الاجتماعية الطارئة وهي الحرب . 3ــــذهب أحد علماء تاريخ الزواج الغربيين (3) بعد ذكره آراء المفكرين المؤيدين والمعارضين للتعدد تعقيبً ا على ذلك إلى ترجيح الاتجاه إلى توحيد وحدة الزوجة، إذا سارت الْمور على النحو الذي أدى إلى تقريره ، وذلك بعد تس اؤله: هل يكون الا كتفاء بالزوجة الواحدة ختام النظم ونظام المستقبل الوحيد في الْزمنة المقبلة ؟(4). هذا هو موقف الباحث الغربي الذي صرح بأن تعدد الزوجات ، باعتراف الكنيس ة، بقى إلى القرن السابع عشر، وكان يتكرر كثيرً ا في الحالات التي لا تحصيها الكنيسة والدولة كما سبق بيانه. (1 )الفيلسوف الإنجليزي: "سبنسر". يعد من أكبر المفكرين الانجليز تأثيرًا في نهاية القرن التاسع عشر، وبعد أحد مؤسسي علم الاجتماع الحديث، قام بتأليف كتاب "الرجل ضد الدولة " تناول فيه رؤية فلسفية متطرفة . (2 )انظر: د. السباعي. "المرأة بين الفقه والقانون ". (ص20 .) (3 )العالم الغربي : " ادوارد وسترمارك ".،انظر: راسم شحدة . "تعدد الزوجات بين الإسلام وخصومه". (4 )انظر: العقاد: "المرأة في القر آن الكريم "، (ص23)، ود. السباعي المراة بين الفقه والقانون "، (ص23 .)

عدد الصفحات ٥٣

54 4ـــــوأما سبب جواز تعدد الزوجات في الإسلام. فيرجعه أحد المؤرخين (1) الْمريكيين المعاصر ين إلى أن العرب كانوا أكثر شهو انية. إن الآ ثار السلبية المدمرة التي تنتج من جراء منع تعدد الزوجات وبخاصة الْولاد غير الشرعيين في المجتمعات الغربية ، تثبت أي الشعوب أكثر شهوانية، ثم إن الشهوة غريزة طبيعية لدى بني البشر جميعً ا، بغض النظر عن شعوبهم وقبائلهم. * المطلب الثاني: موقف المفكرين المؤيدين للتعدد. اختلفت مواقف المفكرين الْوروبيين من تعدد الزوجات في الإسلام، فعلى الرغم من آراء العديد من المفكرين الغربيين المعارضين والطاعنة في التعدد ، فقد ظهرت في المقابل آراء عقلاء الغربيين منذ أوائل القرن الماضي ، والتي تعلن وتطالب صراحة بالسماح للأو رو بيين بتعدد الزوجات، الذي شرعه الله -عز وجل-، وذلك بعد تنبههم إلى ما ينشأ من منع تعدد الزوجات من تشرد النساء و انتشار الفاحشة، وكثر ة الْولاد غير الشرعيين . إن دراسة آراء المفكرين الغربيين المؤيديين للتعدد لا تعني بحال من الْحو ال افتقار هذ التشريع الإلهي إلى البرهان لإثباته ، أو حاجته إلى انتظار مواقف الثناء والرضا عنه ، وذلك في إظهار محاسنه وفوائده من هؤلاء الباحثين الغربيين . (1 )المؤرخ الْم ريكي : " ول وايريل ديورانت ".جيمس ديورانت فيلسوف وكاتب ومؤرخ أمريكي، ارتبط اسمه بكتابه الْشهر ضمن كتب الحضارات والموسوعات هو كتاب " قصة الحضارة " . ولد عام 1225 وتوفي عام1821م

عدد الصفحات ٥٤

55 وإنما القصد من هذه الدراسة إنصاف المفكرين الْوروبيين في مواقفهم من تعدد الزوجات في الإ سلام، وذلك بنسبة ا لْقوال إلى قائليها الحقيقيين ، بغض النظر عن آرائهم المختلفة في جوانب التشريع الإ سلامي الْخرى . وأما عن الْسباب التي دفعت المفكريين الغربيين إلى اتخاذ موقف التأييد للتعدد، فقد تكون الويلات المدمرة والمؤلمة التي عانت منها مجتمعاتهم الْروبية ، والناجمة عن منع ت عدد الزوجات في قوانينهم الوضعية إحدى الْسباب لذلك. و سأكتفي بالإشارة إلى موقف العديد منهم من تعدد الزوجات كنماذج لغيرهم من المفكرين في هذا الصدد : يرى المفكر الفرنسي الكبير "جوستاف لوبون " أن نظام التعدد الذي أقره الإسلام هو أفضل حل ممكن لضبط العلاقات بين الجنسين، وذكر أيضًا أن التعدد كان موجودًا قبل الإسلام، وأن أحوال المسلمات أفضل كثيرًا من أحوال الْوروبيات. ويتحدث المفكر الفرنسي "دينيه" عن مشاكل حظر تعدد الزوجات في الغرب قائلاً : تبلغ نسبة الْطفال غير الشرعيين حسب الإحصاءات الغربية بالملايين من ثمرات الزن ا!! والْرقام الحقيقية تكون عادةً أضعاف الْرقام الرسمية التي تذكرها الحكومات، وما خفي كان أعظم!! ويتساءل الكاتب هل حظر تعدد الزوجات له فائدة أخلاقية؟! ويجيب بنفسه: إن هذا الْمر مشكوك فيه، لْن الدعارة النادرة في أكثر الْقطار الإسلامية سوف تتفشى بآثارها المخ ربة، وكذلك سوف

عدد الصفحات ٥٥

56 تنتشر عزوبة النساء بأثارها المفسدة على غرار البلاد التي تحظر التعدد. وتقول الكاتبة الإيطالية التي اعتنقت الإسلام "لورا فليشيا ": "فيما يتصل بالزواج لا تطالب المسنة الإسلامية بأكثر من حياة أمينة، يسلك فيها المرء منتصف الطريق، متذكرًا الله من ناحية، ومحترمًا حقوق الجسد والْسرة والمجتمع من ناحية ثانية، ولم يقم الدليل حتى الآن بأية طريقة على أن تعدد الزوجات هو بالضرورة شر اجتماعي أو عقبة في طريق التقدم ". ــــ يعلن أحد الفلاسفة الْلمانيين(1) صراحة عن فساد قوانين الزواج الْوروبية باقتصارها على الز وجة الواحدة ، مع إشارته إلى بعض ضرورات التعدد ، حيث يقول : "إن قوانين الزواج في أوروبا فاسدة المبنى بمساواتها المرأة بالرجل ، فقد جعلتنا نقتصر على زوجة واحدة، فأفقدتنا نصف حقوقنا، وضاعفت علينا واجباتنا، على أنها مادامت أباحت للمراة حقوقً ا مثل الرجل ، كان من اللازم أن تمنحها عقلاً مثل عقله، ولا تعدم امرأة من الْمم التي تجيز تعدد الزوجات زوجً ا يتكفل بشئونها، والمتزوجات عندنا نفر قليل ، وغيرهن لا يحصين عددً ا، تراهن بغير ك افل". ويضيف الفيلسوف نفسه قائلاً : "إذا رجعنا إلى أصول الْشياء، لا نجد ثمة سببً ا يمنع الرجل من التزوج بثانية ، إذا أصيبت امر أته بمرض مزمن، أو كانت عقيمً ا، أو على توالي السنين أصبحت (1 )الفيلسوف الْلماني : شو بنهاور. في رسالت ه "كلمة عن النساء ". فيلسوف ألماني معروف بفلسفته التشاؤمية له، مؤلفات عديدة أشهرها كتاب "العالم إرادة وفكرة ".

عدد الصفحات ٥٦

50 عجوزًا، ولم تنجح "المورمون "(1) في مقاصدها إ بإبطال هذه الطريقة الفظيعة: طريقة الا قتصار على زوجة واحدة"(2). ذكرت زعيمة التيوصوفية العالمية في كتابها "الْديان المنتشرة في الهند"(3) :إني اقرأ في العهد القديم (التوراة ) إن صديق الله الذي يفيض قلبه طبقً ا لإرادة الله كان معددً ا للزوجات، وزيادة على هذا فإن العهد الجديد (التوراة ) لا يحرم تعدد الزوجات إلا على من كان أسقفً ا أو شماسً ا، فإنهما هما المكلفان أن يكتفيا بزوجة واحدة، وإني لْجد كذلك تعدد الزوجات في الكتب الهندية القديمة، وما يتهمون الإسلام إلا لْنه من السهل على الإنسان أن يتتبع العيوب في عقائد الغير ويشهر بها. وأما عن موقفها من تعدد الزوجات في الإسلام تقول: "ومتى وزنا الْمور بقسطاس العدل المستقيم ، ظهر لنا أن تعدد الزوجات في الإ سلام الذي يحفظ ، ويحمي ويغذي ويكسو النساء أرجح وزنً ا من البغاء الغربي ، الذي يسمح بأن يتخذ الرجل امرأة لمحض إشباع شهوته، ثم يقذف بها إلى الشارع متى قضى منها (1 )فرقة من "البروتستانت"؛ تبيح تعدد الزوجات وتمارسه فعلاً ، ولها كنائسها المنتشرة في أوروبا وأمريكا . انظر: د. السباعي "المرأة بين فقه والقانون ". ص(00 .) (2 )هيكل"دحض الشبهات الواردة على تعدد الزوجات في الإسلام" (2/302 .)انظر: علوان "تعدد الزوجات في الإسلام وحكمة تعدد زوجات النبي . ص(10،12) . (3 )هي"أني بيزانت " في كتابها "الشرائع المنتشرة في الهند ". وهي زعيمة التيوصوفية العالمية

عدد الصفحات ٥٧

52 أوطاره ، صرحوا بأن الْمرين قبيحان ! ولكن لا تسمحوا للمسيحي أن يذم أخاه المسلم بسبب أمر يشتركان في ارتكابه (1). وأكتفي بهذ ه الْقوال التي ذكرتها من ثناء بعض المفكرين الغربيين غير المسلمين على تعدد الزوجات في الإسلام، وما هو إلا غيض من فيض، وغَ رفة من بحر ، ومن أراد أن يتتبع آراء الفلاسف ة وعلماء الا جتماع والتربية في هذا المجال ، يجدها أكثر من أن تحصى، وأعظم من أن تقصى، ولا بد أن يأتي اليوم الذي تؤ وب فيه البشرية إلى رشدها ، فتعتنق الإسلام، لْنه دين الحق والفطرة ، وتنزيل من رب العالمين . (1 )د. السباعي "المرأة بين الفقه والقانون ". (ص228)؛ وانظر: علوان : عبد الله ناصح علوان . "تعدد الزوجات في الإسلام وحكمة تعدد زوجات النبي "، ص 18 ط2 .1423ه/2003م الناشر. دار السلام. مصر- القاهرة .

عدد الصفحات ٥٨

58 الفصل الثاني تعدد الزوجات في الإسلام وفيه مبحثان: ** المبحث الأول: آية التعدد وأسباب نزولها وتفسيرها . ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِ سَاءِ ﴾ [النساء: 3.] **المبحث الثاني: حكم تعدد الزوجات ومشروعيته. المسألة الأولى: مشروعية تعدد الزوجات. المسألة الثانية: آراء المعاصرين في حكم تعدد الزوجات . المسألة الثالثة: شروط تعدد الزوجات في الإسلام.

عدد الصفحات ٥٩

60 **مدخل: لقد تم تناول دراسة تعدد الزوجات عند بعض الْمم السابقة ذات الشرا ئع الوضعية، هذا بالإضافة إلى ذكر التعدد في شريعتين سماويتين قبل الإسلام وهما: اليهودية والنصرانية . وفي هذا الفصل أتحدث عن التعدد في الشريعة الإسلامية التي هي متممة وناسخة للشرائع السابقة . مصداقًا لقوله تعالى : ﴿لِكُل ٍ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾(1) .وقوله عز وجل: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِْسْلاَمَ دِينًا﴾(2). إن الإسلام لم ينشئ التعدد، بل حدده ولم يأمر بالتعدد، إنما رخص فيه وقيده، وإنه رخص فيه لمواجهته واقعيات الحياة البشرية، وضرورات الفطر الإنسانية، هذ ه الضرورات وتلك الواقعيات، التي أدركنا بعض ما تكشف لنا منها حتى الآن، وقد يكون وراءها غيرها، تظهر أطوار الحياة في أجيال أخرى وفي ظروف أخرى كذلك، كما يقع في كل تشريع أو توجيه جاء به هذا المنهج الرباني، وقصر البشر في فترة من فترات التاريخ عن استيعاب كل ما وراءه من حكمة ومصلحة، فالحكمة والمص لحة مفترضتان وواقعتان في كل تشريع إلهي، سواء أدركهما البشر أم لم يدركهما في فترة من فترات التاريخ الإنساني القصير، عن طريق الإدراك البشري المحدود. (1 )سورة المائدة . آية رقم (42.) (2 )سورة المائدة . آية رقم (3.)

عدد الصفحات ٦٠

61 وبما أن العداء والإساءة يزدادان يومًا بعد يوم للتشريع الإلهي في تعدد الزوجات في الإٍسلام من أهله وغير أهله على حد سواء، بدون دليل ولا هدى ولا كتاب منير؛ فإن ذلك يدفعني إلى بيان الحقائق التي تتعلق بموضوع التعدد في الإسلام وهي غالبًا عرضة لإساءة الفهم أو محاولة الطمس، والنوايا في ذلك مكشوفة ومفضوحة. ومن هذه الحقائق: 1 )آية التعدد وأسباب نزولها وبيان الراجح منها . 2 )المعنى العام لآية التعدد. 3) مشروعية تعدد الزوجات. 4 )الخلاف في اشتراط النفقة .

عدد الصفحات ٦١

62 **المبحث الأول: آية التعدد... أسباب نزولها وتفسيرها . *. المسألة الأولى: آية التعدد وأسباب نزولها. اختلف العلماء في بيان سبب النزول إلى أقوال: القول الأول : روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عروة بن الزبير عن عائش ة-رضي الله عنها - في قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِ سَاءِ ﴾(1). فقالت: "يابن أختي ! هي اليتيمة تكون في حجر وليها تشاركه في ماله ، فيعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره ، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا –أن يعدلوا – لهن، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن(2) من الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء"، قال عروة: قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله  بعد هذه الآية فيهن، فأنزل الله - عز وجل : ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي الن ِسَاء قُلِ اللََُّّ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى الن ِسَاءِ اللاَّتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ ﴾(3). قالت: والذي ذكر ه الله تعالى: أنه يتلى عليكم في الكتاب، الآية الْولى التي قال الله فيها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم م ِنَ الن ِسَاءِ ﴾. (1 )سورة النساء آية رقم (3.) (2 )أي: على عادتهن في م هورهن ومهور أمثالهن ، انظر : الرفاعي . " تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير". م (1 )ص(351 .)مكتبة المعارف . (3 )سورة النساء آية رقم (120.)

عدد الصفحات ٦٢

63 قالت عائشة : وقول الله في الآية الْخرى : ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ ﴾، رغبة أحدكم عن اليتيمة التي تكون في حجر ه، حين تكون قليلة المال والجمال ، فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهن (1). القول الثاني : قال الحسن في سبب النزول : " إنهم كانوا يتزوجون مَ ن تحل لهم من يتامى النساء اللاتي يلونهم، لكن لا رغبة فيهن، بل في مالهن، ويسيؤون صحبتهم ويتربصون بهن أن يَ مُ تن فيرثوهن، فوعظوا في ذلك "(2). القول الثالث : وقال ابن عباس وغيره في سبب نزول آية التعدد: "إنهم كانوا يتحرجون في اليتامى ولا يتحرجون في النساء، فتقول لهم الآية: كما خفتم ألا تعدلوا في اليتامى، فكذلك خافوا ألا تعدلوا في النساء"(3). (1 )أخرجه البخاري في "صحيحة". عن عروة ابن الزبير –رضي الله عنهما -. الجزء الثالث . ص (153 .)كتاب الشركة (40 .)باب شركة اليتيم وأهل الميراث (0 .)حديث رقم (2484 .) والجزء الخامس ، ص (208 .)كتاب التفسير(65 .)باب: "وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى" (1 .)حديث رقم (4504.) (2 )الْلوسي البغدادي. أبو الفضل. شهاب الدين سيد محمود. المتوفى سنه (1200ه). "روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ". ج 4 /128 .ط: 1402ه/ 1820م. الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع . بيرو ت-لبنان. (3 )الطبري . "جامع البيان". ج 2/486، وهيكل الشيخ عبد التواب. "دحض الشبهات الواردة عل تعدد الزوجات في الإسلام" ج 2 /206. راسم شحدة . "تعدد الزوجات بين الإسلام وخصومه". ص (82.)

عدد الصفحات ٦٣

64 القول الرابع : وقال الضحاك والحسن في سبب نزولها : " إن الآية ناسخة لما كان في الجاهلية وفي أول الإسلام من أن للرجل أن يتزوج من الح رائر ما شاء، فقصرتهن الآية على أربع "(1). ولا يحسن هذا القول سببًا لنزول الآية؛ وذلك لْنه لو كان المحظور الزيادة على أربع، لنزلت الآية وقصرته على أربع دون أن يكون لصدر الآية، وهو الصرف عن نكاح اليتيمات من الجور – داخل في ذلك، وقد كان هذا المحظور يندفع بتقلي ل عددهن، لا بالْمر بنكاح سواهن. فلذلك فإن سبب النزول الصحيح هو القول الْول الذي رواه البخاري ومسلم عن عائشة -رضي الله عنها . القول الخامس : وقال مجاهد في سبب نزولها : " إنهم كانوا يتحرجو ن من ولاية اليتامى وأكل أموالهم، فقال سبحانه وتعالى ما معناه: إن تحرجتم من ذلك، فكذلك تحرجوا من الزنا، وانكحوا النكاح المباح من واحدة إلى أربع "(2). القول السادس: وهو ما قاله الفر اء في سبب نزول آية التعدد: "إن كنتم تتحرجون من مؤاكلة اليتامى، فاحرجوا - أي تحرجوا – من جمعكم بين النساء، ثم لا تعدلون بينهن، فانكحوا ما طاب لكم يعني الواحدة إلى الْربع "(3) . * المسألة الثانية: بيان الراجح في سبب نزول آية التعدد . (1 )المرجع السابق . (2) الطبري. "جامع البيان". ج2/486. (3 )الفراء . أبو زكريا، يحيى بن زياد، المتوفى سنة (200هـ). "معاني القرآن ". الجزء الْول . ص (253 .)ط2 :1820م. الناشر: عالم الكتب – بيروت، انظر: الحصين. "لماذا الهجوم على تعدد الزوجات". ص (16.)

عدد الصفحات ٦٤