203 حلالاً" وهذا القول دليل يشهد على أن الشيخ محمد عبده يرى صحة عقد الزواج حتى إذا خاف الرجل ظلم زوجاته، بل وإن ظلمهن بالفعل، فقد يظلم ثم يتوب فيعدل عيشة حلالاً، ويفهم من ذلك أن الشيخ محمد عبده كان يحارب – في الْصل – الجهل وسوء التربية الدينية والخلقية التي تؤدي إلى الإساءة إلى نظام تعدد الزوجات، ولم يكن يحارب تعدد الزوجات ذاته، وها هو تلميذه محمد رشيد رضا يلخص أهداف كلمات الشيخ محمد عبده منها أن "ما قال الْستاذ الإمام ما قاله في التشنيع على التعدد إلا لتنفير الذواقين الذين يتذوقون كثيرً ا، ويطلقون كثيرً ا لمحض التنقل في اللذة والإغراق في الشهوة، مع عدم التهذيب الديني والمدني، وقد صدق الْستاذ الإمام في قوله أنه لو عندنا تربية إسلامية لقل ضرر التعدد فينا حتى لا يتجاوز غيرة الضرائر "!(1). ومن هذا يتبين الآتي: أولاً : أن الْستاذ الإمام لا يرى في نظام التعدد كما جاء في الإسلام، وكما طبقه المسلمون الْولون أي ضرر بالمجتمع. ثانيًا: أنه يرى وجوب تشريع يحول دون الْضرار التي يلحقها تعدد الزوجات بالمجتمع. ثالثًا: أنه يرى في التعدد الذي شاهد أثاره بنفسه مضار تتعدى الْسرة إلى المجتمع. ولم يفصح رحمه الله عما يراه بخصوص هذا التشريع، هل هو منع التعدد؟ أم تقيده بقيود تقلل من وقوعه ومن أضراره؟ ونحن لا نظن مطلقً ا أنه يرى منع التعدد – ولو أن كلامه ما يمكن أن يفهم منه ذلك لمن أراد أن يفهم – فمنع التعدد تغير لْحكام (1 )انظر: رشيد رضا "حقوق النساء في الإسلام".
عدد الصفحات ٢٧٣204 الله، وحيلولة بين الْمة وبعض الْفراد وبين الإستفادة من هذا التشريع حين تقتضي الضرورات ذلك، ولا نعتقد أن الْستاذ الإمام -رحمه الله- يرى هذا، و لو أنه رأى هذا لكان رأيه مردودً ا عليه، فشرع الله أحق أن يتبع، والله أعلم بالحكمة في تشريعه، وإساءة استعمال أي تشريع لا تقتضي إلغاءه، بل تقتضي منع تلك الإساءة. في مصر كان هناك العديد من المحاولا ت لمنع التعدد أو تقيده، وهذه الصرخات كان لها صداها فيما بعد في نفوس المخلصين من رجال التشريع، واستغلها بعد ذلك المبشرون والمستعمرون والمتزلقون إليهم، فقاموا بحملات مركزة بغية حمل الحكومات الإسلامية على إصدار تشريع يمنع تعدد الزوجات أو تقيده تقيدً ا يشبه إلغاءه. يحكي العلامة الجليل الْستاذ محمد أبو زهرة في كتابه "محاضرات في عقد الزواج وآثاره (1)، أنه بعد نحو من عشرين سنة من وفاة الْستاذ الإمام وجدت مقترحات تتضمن تقيد تعدد الزواج قضائيًّ ا، بقيدين هما: العدالة بين الزوجات، والقدرة على الإنفاق، وكان ذلك في اللجنة التي ألفت في أكتوبر 1826م، إذ قدمت مشروعً ا مشتملاً على ذلك، ولكن بعد الفحص والتمحيص والمجاوبات المختلفة بين رجال الفقه ورجال الشورى، رأى أولياء الْمر العدول عن ذلك، وجاء المرسوم بقانو ن رقم 25 لسنة 1828م خاليً ا منه. وفي سنة 1843م همت وزارة الشئون الاجتماعية المصرية نشر المقبور، لْن وزيرها إذ ذاك ظن أنه يصلح للحياة، ولكنه عدلَ عما هم به، ثم جاء من بعد ذلك وزير آخر، فأعاد نشر هذا الدفين، وهم بأن (1) انظر: "محاضرات في عقد الزواج وآثاره". ص (120).
عدد الصفحات ٢٧٤205 يقدمه لدار النيابة ليأخذ سيره ، ولكنه بعد أن خطا بعض الخطوات، ونبه على ما فيه من خطر اجتماعي أعاده إلى حيث كان. وبعد أن طبع الشيخ أبو زهرة كتابه هذا، أعيد الجدل مرة أخرى في سنة 1861م على صفحات الصحف، وقد أيدت عناصر مختلفة منع التعدد أو وضع القيود له، وعارضه علماء الإسلام وعلى رأسهم العلامة أبو زهرة معارضة قوية. وبدأت السبعينات وتولى الحكم رئيس جديد هو "أنور السادات" وعرض موضوع تعدد الزوجات "قانون الْحوال الشخصية" على مجلس الشعب، وانبرى العلماء يتصلون بأعضاء المجلس ليكون عندهم فكرة عن الموضوع، وحتى يصوتوا ضده، فقد كان فيه تقنين وتقيد للتعدد. كان هناك دوافع وراء هذا الموضوع، وأن جهة ما أصرت على تقديم هذا القانون، وعلى تنفيذه، وأن الرئيس قد استجاب لتلك الجهة، وأخذ القانون يتهادى في طريقه . كان في مقدمة العلماء الذين وقفوا ضد هذا المشروع عالمان جليلان هما فضيلة الشيخ محمد أبو زهرة، وفضيلة الشيخ عبد الحليم محمود شيخ الْزهر حينذاك -رحمهما الله-. صدَّ ق الرئيس على مشروع الْحوال الشخصية الجديد، وذهب به إلى شيخ الْزهر للموافقة والتوقيع، ولكن شيخ الْزهر وضعه في المكتب، وأبقاه مدة طويلة، وهو يُ ستَ حَ ث فلا يجيب، وأثر عنه أنه قال تقطع يدي ولا أوقع هذا. أما الشيخ أبو زهرة فكان على ما عهدناه من معارضة كل موضوع يكون بعيدً ا عن تعاليم الإسلام الصحيحة.
عدد الصفحات ٢٧٥206 وبعد أن تولى مشيخة الْزهر الشيخ عبد الرحمن بيصار تم التوقيع على المشروع، وانضم إليه من تولى وزارة الْوقاف. ومن هذا القانون رقم 44 لسنة 1808م يكرر ما يأتي: "على الزوج أن يقدم للموثق إقرارً ا كتابيًّ ا يتضمن حالته الاجتماعية، فإذا كان متزوجً ا فعليه أن يبين، في الإقرار اسم الزوجة أو الزوجات اللاتي في عصمته وقت العقد الجديد ومحال إقامتهن، وعلى الموثق إخطارهن بالزواج الجديد بكتاب موصي عليه، ويعتبر إضرارً ا بالزوجة اقتران زوجها بأخرى بغير رضاها، ولو لم تكن قد اشترطت عليه في عقد النكاح عدم الزواج عليها، وكذلك إخفاء الزوج على زوجته الجديدة أنه متزوج بسواها"، ولقد وقعوا على هذا القانون استجابة وتلبية لمن يهمهم أمر هذا القانون ، ولو راعوا حق الله -سبحانه وتعالى- لعلموا الْطوار التي مرت بهذا القانون منذ أن عرض وعورض ، ولعلموا أن الشيخ محمد عبده - رحمه الله - مع علمه ومكانته وقدره لم يستطع أن يقيد أو يقنن، مع أن العلة في زمنه كانت أكثر وضوحً ا و انتشارً ا، وأن سعد زغلول مع تعاطفه وقاسم أمين الذي نادى بالتقييد والتقنين لم يشأ أن يؤيد ذلك حينما عرض المشروع على البرلمان ، وكان رئيسً ا له وقتئذ، ولم تستطع الجمعيات النسائية، ومعها الْقوياء المسيطرون على الدولة من الرجال، وكان بيدهم الحل والعقد أن يفرضوا هذا القانون . تم أمر هذا القانون الذي وزع على المحاكم، ولكن الْمر لم ينته إلى هذا الحد فقد اعتبر جمهور المسلمين هذا القانون إن هو إلا جسم غريب عن الإسلام، أما القضاة في المحاكم فكثير منهم كان لا يعمل بهذا القانون، ويرجعون ما عرض عليهم في الْحوال الشخصية إلى
عدد الصفحات ٢٧٦200 كتاب الله وسنة رسوله، وللزوج الحق فيمن يختارهن لمشاركته حياته بلا تقيد أو تقنين. بعد أن توفي السادات وبدأ عهد جديد، صدر أمر من المحكمة الدستورية العليا بإلغاء قانون الأحوال الشخصية الذي صدق في عهد السادات وأوقف العمل به، ولكن عهدنا الحاضر أكد استمرارية القانون ولكن في ثوب جديد. والقانون الجديد الصادر في 20 يونية سنة 1825م بعد مروره في مجلس الشعب مادة 11 مكرر. أ- على الزوج أن يقر في وثيقة الزواج بحالته الاجتماعية، فإذا كان متزوجً ا فعليه أن يبين في الإقرار اسم الزوجة أو الزوجات اللاتي في عصمته ومحل إقامتهن، وعلى الموثق إخطارهن بالزواج الجديد بكتاب مسجل مقرون بعلم الوصول. ب – ويجوز للزوجة التي تزوج عليها زوجها أن تطلب الطلاق منه، إذا لحقها ضرر يستحيل معه دوام العشرة بين أمثالها، ولو لم تكن قد اشترطت عليه في العقد ألا يتزوج عليها غيرها ، فإذا عجز القاضي عن الإصلاح بينهما طلقها عليه طلقة بائنة، ويسقط حقها في طلب التطليق لهذا السبب بمضي سنة من تاريخ علمها بالزواج بأخرى إذا كانت قد رضيت بذلك صراحةً أو ضمنً ا، ويتجدد حقها في طلب التطليق كلما تزوج بأخرى إذا كانت الزوجة الجديدة لم تعلم أنه متزوج بسواها، ثم ظهر أنه تزوج، فلها أن تطلب التطليق كذلك. والناظر في هذا القانون يراه قد وضع بذكاء، فهو لم يحرم ما أحل الله مواجهةً، ولكنهم وضعوا نصوصه بصورة تجعل ممارسة المسلم لهذا الحق الذي أعطاه الشرع له أمرً ا مستحيلاً .
عدد الصفحات ٢٧٧202 لقد تم بذل المزيد من الاهتمام بعرض الاتجاهات المؤثرة في القوانين المصرية بصدد تعدد الزوجات والقيود المقترحة له، وهذه الاتجاهات وتلك القيود بلغ الجدل حولها في مصر ذروة الصراع الفكري والحرب النفسية والثقافية في هذا النظام، وذلك لْن مصر بلد الْزهر الشريف قلعة الإسلام الذي أقر تعدد الزوجات، ولا شك أن الصراع فيها له أثار بعيدة المدى في العالم الإسلامي أجمع. تعقيب: 1- أن الواجب على البلاد العربية والإسلامية هو الرجوع بالتشري ع إلى الشريعة الإسلامية وأصولها التي تقوم عليها، لْنها جاءت بأحكام تفصيلية وافية الغرض في جميع المجالات، فلا تناقض فيها ولا اختلاف لذلك لا يجوز إدخال الْحكام المستوردة من القوانين الوضعية – كقانون تونس التشريعي في منع تشريع التعدد - التي تخالف أصول التشريع وقواعده ومقاصده في الْحكام الشرعية، والتي تناقض الشريعة الإسلامية. 2- على الرغم من أن الإسلام انحسر عن التطبيق في شئون الحياة، ولم يبق له غير مجال الزوجية وأحكامها، إلا أن هذا لم يُ رض أعداءه، فلا تزال الهجمة عليه حتى في هذا المجال، فمدعو الإصلاح الذين يدقون طبول الحرب، بحجة أن كثيرً ا من أمور الزوجية أو ما يسمونه من الْحوال الشخصية يجب أن تتطور؛ لْنها لم تعد ملائمة للبيئة المعاصرة، ولذا فلا بد من صياغتها صياغة جديدة تناسب روح العصر، وذلك إثباتً ا لتصورهم – حسب مفهومهم – لعبارة : أن الإسلام يصلح لكل زمان ومكان، ومن هنا فإن مسألة تعدد الزوجات، وحق الطلاق الذي اختص به الرجل، وحق القوامة، أصبح من الضروري
عدد الصفحات ٢٧٨208 لديهم إعادة النظر فيها وإجراء تعديلات على قوانين الْحوال الشخصية بها لتصبح أكثر ملائمة. إن شعار الملاءمة وروح العصر هي شعارات قديمة جديدة، بدأت عندما أخذت الدول الإسلامية بالضعف، وسرت في جنباتها حمى الملاءمة والتطوير والتعديل القادمة من الغرب، وبالفعل فقد أتت على جسم الشريعة شيئً ا فشيئً ا، حتى أخرجه من ميدان الحياة نهائيًّ ا، وهي تعود اليوم للإجهاز على بعض أحكامه الخاصة بالزوجية، حتى تزيله من الوجود. إن ما يراد من هذه الدعاو ى هو القضاء النهائي على كل أثر باقٍ لهذا الدين(1). (1) انظر: د. سمارة "أحكام وآثار الزوجية ". ج1(/12-13)، انظر : راسم شحدة . "تعدد الزوجات بين الإسلام وخصومه". ص (305.)
عدد الصفحات ٢٧٩220 **المبحث الثاني : دور المنظمات النسوية في منع تعدد الزوجات، أو تقييده. إن من الْسباب التي دفعتني إلى هذه الدراسة هي معرفة موقف المرأة الحقيقي من إباحة تعدد الزوجات، وقد يتبادر إلى الذهن ما الفائدة من دراسة موقف المرأة من التعدد في حكم أباحه الله – عز وجل؟. لقد أشرت سابقً ا إلى موقف المفكرين الغربيين – المؤيدين والمعارضين – لتعدد الزوجات، على الرغم من عدم إيمانهم أصلاً بهذا التشريع الإلهي، وذلك من خلال تصريحاتهم في هذا الشأن؛ لْن من باب الإنصاف العلمي عدم تعميم الحكم في خصومة جميع الْوروبيين أو الشرقيين لتعدد الزوجات، وكذلك هو الحال في موقف المرأة واللجان النسوية من التعدد. وأما حقيقة الضرر الذي هو أساس موقف النساء المعارضات للتعدد، فيشير إليه الباحث المعاصر (عطية صقر) حيث يقول: "ليكن معلومً ا أنه ليس كل شيء مطلوب خاليً ا من الضرر، وليس كل شيء ممنوع خاليً ا من النفع، وإنما الْحكام تدور حول ما يكثر فيه واحد منهما عن الآخر كمًّ ا أو كيفً ا، فما كثر نفعه إن كان مطلوبً ا، وما كثر ضرره إن كان ممنوعً ا، وذلك مع مراعاة الاختلاف في درجة الطلب والمنع، من الوجوب والندب، ومن الحرمة والكراهية ، هذه حقيقة مقرره لا تجوز الغفلة عنها عند بحث أي موضوع من الموضوعات، فلا يمنع أن تكون هناك شائبة ضر فيما شرع ، أو شائبة
عدد الصفحات ٢٨٠221 نفع فيما منع، حتى لو كانت هذه الشائبة من نظرة خاصة لفرد معين أو زمن معين أو ظرف معين"(1). هذا إضافة إلى ما سبق بيانه من أن تعدد الزوجات- كباقي الْمور المشروعة- فيه خير كثير، يرجح ما قد يكون فيه من ضر، على أن هذا الضرر الذي يكتنف مشروعية التعدد قد يكون من وجهة نظر فردية ، وقد يكون الضر من نظر المرأة خيرً ا في نظر الرجل أو العكس، والمشرع – الله سبحانه وتعالى – لا يراعي العواطف الخاصة أو الوقتية. المرأة والتحرر: صحت المرأة الشرقية على الْصوات التي تنادي بإعطائها حقها، والْصوات التي تريد أن تسلبها هذا الحق، وو جد البعض أن في الإمكان حمل الر اية والمطالبة بحياة أفضل، ومضت تطالب بحقها، وتؤثر في محيطها مستعملة كل الوسائل، لتصل إلى ما تطلبه، وظهرت لها مجلات تدافع عن حقوقها، وتحررها بنفسها، وذلك سنة 1280م، حينما ظهرت مجلة "الفتاة" لهند نوفل ثم "فتاة الشرق " للبيبة هاشم(2). وكانت زينب فواز أول عربية كتبت في الصحف، وقد أوتيت حظً ا من الذكاء، والفهم الدقيق للأدب العربي ، كانت تدعو إلى ما يسمى باستنهاض المرأة الشرقية ، ومضت زينب تستنهض بنات جنسها في كل ما تكتبه. (1 )انظر: صقر. "موسوعة الْسرة تحت رعاية الإسلام". ج6/106. (2 )انظر: "في طريق المرأة العربية " ص (65).
عدد الصفحات ٢٨١222 ومن أوليات اللاتي كتبن عن التعدد باحثة البادية – ملك حفني ناصف –، فلقد قامت بالدعوة والكتابة إلى تحديد التعدد وكان مما قالته: "السعي في تقليل تعدد الزوجات لغير داعٍ ماس بقدر الإستطاعة، فإن شقاء النساء، واختلاف الإخوة الناشئين من هذه العادة، وما يتبع ذلك من الشقاق، كل ذلك يهوي بالْمة في مهاوي الفناء الْدبي(1). ورددت الباحثة بعض الاقتراحات التي كان لها أكبر الْثر فيما بعد: "و أقترح ألا يتزوج الرجل على امرأته ، ولا يطلقها إلا بإذن من المحكمة الشرعية ، كما ذهب إلى ذلك الشيخ الإمام، فإذا رأت المحكمة الشرعية أنه لا يستطيع العدل بين الزوجتين، والإنفاق عليهما كلتيهما، فلتصرح له بطلاقها" وكذلك إذا رأت أنه يتعذر عليه أن يعيش سعيدً ا مع امرأته ، فلتصرح له بطلاقها، والْولى أن يعمل بقاعدة التحكيم(2). ﴿وَإِنِ امرأة خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾ [النساء: 122]. ومما كتبته أيضا "تعدد الزوجات مفسدة للرجل وللصحة، مفسدة للمال، مفسدة للأخلاق،مفسدة للأولاد ، مفسدة لقلوب النساء، والعاقل من تمكن من اكتساب قلوب الغير فكيف بقلوب الْهل والعشيرة . ورغم الثورة العنيفة ضد التعدد، فإن المجتمعات تسير ببطء نحو الكمال، فعادة التعدد بدأت تقل، فقد وجدنا باحثة البادية في أوائل القرن (1 )ملك حفني. باحثة البادية "نسائيات" (2 )ملك حفني. باحثة البادية ص (48).
عدد الصفحات ٢٨٢223 العشرين ، "ومي" التي حاربت التعدد تشير إلى أن هذه العادة آخذة في التقلص ولما قامت الحرب العالمية الْولى، واكتوى الشرق بنارها وشأن الحروب تغيير المفاهيم تخضعها لتأثيرها ، فقد ظهرت أعراض التغيير في مجتمعنا الإسلامي وظهر ت المرأة مجتمعة تطالب بحقوقها الاجتماعية والسياسية ممثلة في الحزب الوطني، ولجنة الوفد للسيدات التي مثلت نساء القطر منضمة إليها جمعية "الإتحاد النسائي"، وظهر صوت المرأة عاليً ا، وألفت جمعيات نسوية عديدة، وأنشئت مجلات تحررها سيدات. وانتهزن فرصة انعقاد البرلمان المصري في أول مرة سنة 1842م وتقدمن بمطالب منها: 1- يسن قانون يمنع تعدد الزوجات إلا لضرورة كأن تكون الزوجة عقيمً ا، أو مريضة بمرض يمنعها من أداء وظيفتها الزوجية، ومثل هذه الحالات يجب أن يثبت ذلك الطبيب الشرعي . 2- سن قانون يلزم المطلق ألا يطلق زوجته إلا أمام القاضي الشرعي ، والقاضي عليه معالجة التوفيق بحضور حكم من أهله وحكم من أهلها قبل الحكم بالطلاق طبقً ا لنص الشرع . كان للاقتر احات التي تقدمت بها الجمعيات النسائية أثرها القوي في محاولة تقنين التعدد، فلقد سعين سعيً ا متواصلاً لدى المسئولين في وزارة الحقانية، - العدل الآن – وأصحاب الكلمة من الحكام، وتلاميذ الشيخ الإمام الذين لا يزالون حينذاك متحفزين لفعل شيء كان يريد – رحمه الله - أن يفعله.
عدد الصفحات ٢٨٣224 قدموا مقترحات بقانون تتضمن تقييد تعدد الزوجات قضائيًّ ا إلى وزارة الحقانية، لتعديل بعض أحكام الْحوال الشخصية المعمول بها في المحاكم الشرعية ، اشتمل على تقييد استعمال حق التزوج بأكثر من واحدة وذلك في أكتوبر سنة 1826م. وألفت لجنة برئاسة وكيل الوزارة وعضوية الشيخ محمد مصطفى المراغي رئيس المحكمة الشرعية والشيخ محمد مخلوف والشيخ مصطفى عبد الرازق وهم جميعً ا من وزارة الحقانية. وتضمن المشروع ثلاث مواد خاصة بتعدد الزوجات وهي: المادة الأولى: لا يجوز لمتزوج أن يعقد زواجه بأخرى ، ولا لْحد أن يتولى عقد هذا الزواج، أو يسجله إلا بإذن من القاضي الشرعي الذي في دائرة اختصاصه مكان الزوج . المادة الثانية: لا يأذن القاضي بزواج المتزوج إلا بعد التحري ، وظهور القدرة على القيام بحسن المعاشرة على أكثر ممن في عصمته، ومن تجب نفقتهم عليه من أصوله وفروعه. المادة الثالثة: لا تسمع عند الإنكار أمام القاضي دعوى زوجية، حدثت بعد العمل بهذا القانون إلا إذا كانت ثابتة بورقة رسمية . وكان المشروع يتضمن مادة أخرى في هذا الباب، حذفت منه أخيرً ا، وكان نصها: (يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر، أو بغرامة لا تزيد على عشرة ألآف قرش ، أو بهما معً ا، المتزوج الذي
عدد الصفحات ٢٨٤225 يخالف حكم المادة الْولى وكذلك من يتولى عقد هذا الزواج، أو يسجله). لقد لاقت الدعوات النسائية في الماضي والحاضر صدى كبيرً ا ممن يريدون لها الانسلاخ عن هويتها، من العلمانيين والصهانية ومن بعض المتأسلمين الذين تأثروا بحضارات الغرب . لقد نجح الغزو الثقافي والداخلي والخارجي في تشويه صورة الإسلام عند كثير من النساء لذلك نجد الكثير من الحركات النسائية في العالم العربي والإسلامي، تنادي بتحرر المرأة ، والدعوة إلى المساواة بينها وبين الرجل ، وكلها للأسف دعوات زائف ة. ويعد الاتحاد النسوي المصري أول حركة وطنية أنشأت في مصر في عام 1823م على يد هدى شعراوي ابنة محمد سلطان الذي شغل منصب أول رئيس لمجلس النواب المصري، بقيت هدى شعراوي تشغل منصب رئيسة هذا الاتحاد حتى وافتها المنية. انضم الاتحاد النسوي المصري للتحالف الدولي للمرأة، وبدأ الاتحاد نشاطه الصحفي فأصدر صحيفة دورية تسمى "المصرية "، وأصدر أيضً ا صحيفة "المرأة المصرية " ثم تم تغير اسم الاتحاد باسم جمعية "هدى شعراوي " لتكوين اتحاد مصري نسوي جديد. كانت أهداف الاتحاد محددة منذ البداية، فطالب برفع مستوى المرأة لتحقيق المساواة بينها وبين الرجل في جميع المجالات، كما طالب بحق المرأة في التعليم، وسن قوانين تحظر زواج الفتيات اللاتي لم يبلغن ستة عشر عامً ا، وإصلاح القوانين بهدف حماية المرأة من الظلم التي كانت تعانيه من تعدد الزيجات ، ومشكلات الطلاق وبيت الطاعة، وكان من بين العضوات لهذا الاتحاد "شريفة
عدد الصفحات ٢٨٥226 رياض " و"إحسان القوسي " و"سيزا نبراوي "، وكن يطالبن في نفس الوقت بإعلاء القيم الاجتماعية الْو روبية، مثل أعضاء حزب الوفد، نظرً ا للاتجاه العلماني السائد في ذلك الوقت، وعلى ذلك الغرار تم العديد من إنشاء منظمات محلية وعالمية تنادي بانسلاخ المرأة من دينها، وعاداتها وتقاليدها، بحجة التطور والحضارة والمدنية الزائفة . الحركة النسوية الحديثة وإعادة صياغة أفكارها : إذا اعتبرنا أ ن ما حدث في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين هو بمثابة الموجة الْولى للأفكار التحررية النسوية في العالم العربي والإسلامي ، فإنه وبمرور العقود التحررية للمرأة في الغرب والشرق ظهرت الموجة الثانية للأفكار التحررية النسوية، وذلك حينما أعاد الغرب مرة أخرى صياغة مصطلح تحرير المرأة ليصاغ بمضامين أكثر تحررية عن بداياته . ففي فبراير 1800م انعقد مؤتمر وطني لتحرير المرأة في كلية راسكن با كسفورد وحضره أكثر من 500 مشارك وشدد هذا المؤتمر على الحرية في استخدام وسائل منع الحمل ، واللجوء إلى الإجهاض حسب الطلب، ولقد نجح أصحاب هذا الاتجاه الجديد في السيطرة على لجنة المرأة بالْمم المتحدة ، وهي اللجنة الراعية لكافة أنشطة الحركة النسوية العولمية ، فصرن بذلك المتحكمات في المؤتمرات العالمية التي أحدثت جدلاً عالميًّ ا واسعً ا بأفكارها وأطروحاتها التحررية ، مثل مؤتمر القاهرة للسكان ، ومؤتمر بكين ، وصارت حكومات الدول لتلك المؤتمرات مطالبة بتطبيق مقرراتها في بلدانها . وفي ذلك تقول البروفيسيرة "كاثرين ": إن لجنة المرأة في الْمم المتحدة شكلتها امرأة اسكن دنافية كانت تؤمن بالزواج المفتوح ، ورفض
عدد الصفحات ٢٨٦220 الْسرة ، وكانت تعتبر أن الزواج قيدً ا، وأن الحرية الشخصية لابد أن تكون مطلقة وأن المواثيق والاتفاقات الدولية التي تخص المرأة والْسرة والسكان تصاغ الآ ن في وكالات ولجان تسيطر عليها فئات ثلاث "الْنثوية المتطرفة "، و"أعداء الإنجاب "، و"الشاذين والشاذات جنسيًّ ا". وكذلك وثيق ة المؤتمر الرابع للمرأة في بكين عام 1885م، الذي يعد المرجعية الرئيسة الآ ن في معظم ما يتعلق بتحرير المرأة ، ويعقد كل خمس سنوات في نيويورك مؤتمر تقيمي ي عرف ب ـ"بكين+5، بكين+10"،وهذه المقررات التحررية تشمل جميع ما يرتبط بالمرأة ، وفيهما جزئيتان خطيرتان هما : التحرر من الدين، والتحرر الجسدي. ومن أكثر الْجندات التي دندنت عليها أجندة تحرير المرأة هي محاربة الزواج ، والتهاون مع الزنا و إثبات نسب ابن الزنا لْمه ، ونشر ثقافة الطلاق في المجتمعات الإسلامية. * حركات نسائية معاصرة : إن المتأ مل لواق ع العالم الإسلامي لا يمكنه ا نكار حجم التغيرات التي حدثت لعدد غير قليل من نساء المسلمين ، سواء على مستوى المظهر والملبس أو على مستوى السلوكيات والْ فكار المعادية لكل ما هو إسلامي عقدي. أرقام وأ حصاءات مرعبة تعكس واقعً ا مؤلمً ا وشديد البعد عن المنهج الإسلامي. وسائل إعلام أن شئت خصيصً ا للعب الدور الْهم في سلخ المراة المسلمة من قيمها وعقي دتها عبر جملة من البرامج ، دون الالتفات إلى قيم الإ سلام وضوابطه الشرعية وظهرت العديد من
عدد الصفحات ٢٨٧222 المنظمات النسائية الحديثة التي تعمل جاهدة على انسلاخ المرأة من عقيدتها. ففي لبنان ظهرت منظمة "كفى" وهى تعمل منذ أن تأسست عام 2005م وهي منظمة مدنية لبنانية، نسوية علمانية تتطلع نحو مجتمع خال من التمييزية – كما يدعون - تجاه النساء، تسعى "كفى" إلى إحقاق المساواة الفعلية بين الجنسين، عبر اعتماد وسائل عدة، منها استحداث القوانين وتغيير السياسات، وتمكين النساء وتقديم الدعم المادي والقانوني لهن. أيضً ا في مصر يوجد بها المركز المصري لحقوق المرأة وهو: منظمة مدنية، تهدف لدعم المرأة المصرية وحقوقها الكاملة والمساواة مع الرجل . وأيضً ا هناك ما يسمى بـ"التحالف الدولي للمرأة "، وهو منظمة دولية تهدف إلى تنمية الحقوق الإنسانية للمرأة حول العالم، خصوصً ا في مجالات تمكين المرأة والمساواة بين الجنسين، وتعد المنظمة واحدة من أكبر المنظمات الدولية في مجالها وأكثرها تأثيرً ا، تأسست عام 1804م فيبرلين على يد كاري شامبان، وحاليً ا تمثل المنظمة أكثر من (50 )خمسين منظمة حول العالم تضم مئات الآلاف من الْعضاء، مقرها مدينة جنيف، ولها مندوب و ن بمقر الْمم المتحدة بنيويورك وبمكتب الْمم المتحدة في جنيف وفي روما وبجامعة الدول العربية في القاهرة، وبمجلس التعاون لدول الخليج العربية في الرياض ! وأيضً ا جماعة "فيمن" وهي جماعة احتجاجية نسوية راديكالية أوكرانية فرنسية ، تدافع عن حقوق المرأة ، مقرها في باريس وتأسست
عدد الصفحات ٢٨٨