161 حتى نهاية حياتها، بل أن هذه الكرامة تنمو كلما تقدمت في العمر ، من طفلة إلى زوجة إلى أم، حيث تكون في سن الشيخوخة التي تحتاج معها إلى مزيد من الحنو والإكرام . 3- المجال الحقوقي: فقد أعطاها الْهلية المالية الكاملة في جميع التصرفات ، حين تبلغ سن الرشد ، ولم يجعل عليها ولاية من أب ولا زوج . ومع هذا فإننا نجد الإ سلام قد فرق بين الرجل وال مرأة في بعض المجالات، ومن المؤكد أن هذا التفريق لا علاقة له بالمساواة بينهما في الإنسانية والكرامة والْهلية بعد أن قررها الإ سلام لها على قدم المساواة مع الرجل ، بل لضرورات اجتماعية و اقتصادية ونفسية اقتضت ذلك. ** ومن هذه الفوارق : أولاً : الشهادة: جعل الإسلام الشهادة التي تثبت الحقوق شهادة رجلين عدلين أو رجل وامرأتين ، وذلك في قوله تعالى في آية الدين: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَك ِرَ إِحْدَاهُمَا الُْْخْرَى ﴾ [البقرة : 222]. وهذا التفاوت لا علاقة له بالإنسانية ولا بالكرامة ولا بالْهلية ، فما دامت المرأة إنسانً ا كالرجل ، ذات أهلية كاملة لتحمل الالتزامات المالية كالرجل ، لم يكن اشتراط اثنين مع رجل واحد إلا لْمر خارج عن كرامة ال مرأة واحترامها واعتبارها ، وإذا لاحظنا أن الإسلام مع إباحته للمرأة التصرفات المالية يعتبر رسالتها الاجتماعية هي القيام على شئون الْسرة، وهذا ما يقتضيها لزوم بيتها في غالب الْوقات
عدد الصفحات ١٦١162 وخاصة أوقات البيع والشراء أدركنا أن شهادة المرأة في حق يتعلق بالمعاملات المالية بين الناس لا يقع إلا نادرً ا، وما كان كذلك فليس من شأنها أن تحرص على تذكره ، فإذا جاءت تشهد به كان أمام القاضي احتمال نسيانها أو خطئها ووهمها، فإذا شهدت امرأة بمثل ما شهدت به زال احتمال النسيان والخطأ ،والحقوق لابد من التثبت فيها. فليست المسألة إذا مسألة إكرام وإهانة ، وأهلية وعدمها ، وإنما هي مسألة تثبت في الْحكام، واحتياط في القضاء بها. وهذا ما يحرص عليه كل تشريع عادل. وبهذا نعلم أنه لا معنى للتشنيع على الإسلام في هذه القضية، و اتخاذها سلاحً ا للا دعاء بأنه انتقص ال مرأة، وعاملها دون الرجل كرامة ومهانتها ، مع أنه أعلن إكرامها ومساواتها بالرجل في ذلك بنصوص واضحة وصريحة ، لا لبس فيها ولا غموض . ثانيًا في الميراث : أثبت الإ سلام تقديره لل مرأة، ورعايته لحقوقها ، بإعطائها حق الميراث ، خلافً ا لما كان عليه عرب الجاهلية وكثيرً ا من الشعوب القديمة وبعض الشعوب في العصر الحاضر، وهذا النصيب يختلف بين حالات: 1- أنيكون نصيبها مثل نصيب الذكر، كما في الْخوات لْم، فإن الواحدة منهن إذا انفردت تأخذ السدس ، كما يأخذ الْخ لْم إذا انفرد ، وإذا كانوا ذكورً ا وإناثً ا اثنين فأكثر، فإنهم يشتركون جميعً ا في الثلث، للذكر مثل حظ الْنثيين. 2- أنيكون نصيبها مثله أو أقل منه، كما في الْم مع الْب إذا كان للميت أولاد ، "فإن ترك معهما ذكورً ا فقط أو ذكورً ا وإناثً ا، كان
عدد الصفحات ١٦٢163 لكل من الْبوالْم السدس من التركة ، وإن ترك معهما إناثً ا فقط، كان لكل من الْب والْم السدس ، ويأخذ الْب بعد ذلك ما زاد من التركة ، فمن مات عن بنت وزوجة وأم وأب ، كان للبنت النصف وللزوجة الثمن، وللأم السدس، وللأب السدس. 3- أنتأخذ نصف ما يأخذه الذكر. فهل هذا لنقص في إنسانيتها في نظر الإسلام؟ أم لنقص في مكانتها وكرامتها؟ . ليس في الْمر شيء من هذا ، فمن المستحيل أن ينقض الإسلام في ناحية ما يبينه في ناحية أخرى ، وأن يضع مبدأ ثم يضع أحكامً ا تخالفه ، ولكن الْمر يتعلق بالعدالة في توزيع الْعباء والواجبات. ففي نظام الإسلام يلزم الرجل بأعباء وواجبات مالية لا تلزم بمثلها المرأة، فهو الذي يدفع المهر وينفق على الزوجة والْولاد . أما المرأة فهي تأخذ المهر ولا تسهم بشيء من نفقات البيت على نفسها وعلى أولادها ولو كانت غنية ، ومن هنا كان من العدالة أن يكون نصيبها في الميراث أقل من نصيب الرجل فقد كان الإسلام معها كريمً ا متسامحً ا حين طرح عنها كل تلك الْعباء ، وألقاها على عبء الرجل ، ثم أعطاها نصف ما يأخذ. ثالثًا الدية: والإسلام قد سوى بين الرجل والمرأة في المكانة والكرامة و الإنسانية، ومن ذلك أنه في حال الاعتداء، على أي نفس بشرية بقتلها عمدً ا فإنه يقتل القاتل، سواء كان القاتل رجلاً أو امرأة ، أو المقتول رجلاً أو امرأة فقال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالَْْنْفَ بِالَْْنْفِ وَالُْْذُنَ بِالُْْذُنِ وَالس ِنَّ بِالس ِن ِ
عدد الصفحات ١٦٣164 وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ﴾ [المائدة: 45]، كما أن الإسلام لم يفرق بين دية الجنين بين كونه ذكرً ا أم أنثى حيث قضى فيه رسول الله بـ"غرة ؛ عبد أو أمة"(1) باعتبار الجنين نفسًا إنسانية. ب- أما في حال قتل الخطأ ونحوه، أو تنازل ولي المقتول عمدً ا عن القصاص وقبوله الدية ، فتكون حينئذ دية ال مرأة على النصف من دية الرجل (2)،لا لْن انسانيتها غير إنسانية الرجل ، وإنما تكون الدية هنا تعويضً ا للضرر الذى لحق بأسرة المقتول وعن الخسارة التي حلت بها، فخسارة الْولاد ، والزوجة بفقد الْب المكلف بالإنفاق عليهم غير خسارة الْبناء والزوج بفقد زوجته وأم أ بنائه، التي لم تكلف بالإنفاق على نفسها ولا على غيرها . ففي الحالة الْولى تكون الخسارة خسارة مالية، فيعوض عنها ماليًّ ا بحسب حجم الخسارة ، بخلاف الحالة الثانية التي تكون الخسارة فيها معنوية لا يمكن أن تقدر أو تعوض بمال. الخلاصة: والخلاصة أن الإسلام بعد أن أعلن موقفه الصريح من إنسانية المرأة وأهليتها وكرامتها ، نظر إلى طبيعتها وما تصلح له من أعمال الحياة، فأبعدها عن كل ما يناقض تلك الطبيعة، أو يحول دون أداء رسالتها كاملة في المجتمع ، ولهذا خصها ببعض الْحكام عن الرجل (1) انظر: صحيح البخاري . حاشية رقم (1 .)ص(252 .)قوله: (باب جنين المرأة ). الجنين بجيم ونونين، وزن عظم: حمل المرأة ما دام في بطنها، سمي بذلك لاستتاره، فإن خرج حيًّا فهو ولد أو ميتًا فهو سقط، وقد يطلق عليه جنين، قال الباجي في شرح رجال الموطأ: "الجنين ما ألقته المرأة مما يعرف أنه ولد، سواء كان ذكرًا أم أنثى مالم يستهل صارخًا" كذا قال. (2 )وهو مجمع عليه؛ وفي الاستذكارلابن عبد البر (8/58) قال أبو عمر: أجمعوا على أن دية المرأة نصف دية الرج ل، انظر: السباعي. "المرأة بين الفقه والقانون "، ص (22،28 .)
عدد الصفحات ١٦٤165 زيادةً أو نقصانً ا، كما أسقط عنها بذات الغرض بعض الواجبات الدينية و الاجتماعية، كالصلاة الجمعة، والجهاد في غير أوقات النفير العام، وغير ذلك، وليس في هذا ما يتنافى مع مبدأ مساواتها بالرجل في الإنسانية والْهلية والكرامة الاجتماعية، ولا تزال الشرائع والقوانين في كل عصر، وفي كل أمة تخص بعض الناس ببعض الْحكام لمصلحة يقتضيها ذلك التخصيص دون أن يفهم منه أي مساس بمبدأ المساواة بين المواطنين في الْهلية والكرامة (1) . المطلب الثالث: حقوق المرأة في واقعنا المعاصر. إن أعداء الإسلام لم يغفلوا عنا ، فحملوا بخيلهم ورجلهم ، وجردوا الحملات المسلحة ، بسهام الشهوات، وسموم الشبهات لتعبث في قلوب المسلمين فسادً ا، وتجوس خلال ديارهم ، لتسلخهم من دينهم الحق الذي ارتضى لهم ، وقد كان لهؤلاء الْعداء خبثً ا ومكرًا، إذ تفرسوا في أسباب قوة المسلمين وحددوها، علموا أن المرأة من أعظم أسباب القوة في المجتمع الإسلامي، وهم يعلمون أنها أيضً ا سلاح ذو حدين، فأخذوا يتباكون على ضياع حقوق المرأة . ويصرح الباحث المعاصر محمود محمد الجوهري (2) عمن يقف حقيقة وراء هذه المؤامرة في كتابه: الْخت المسلمة، تحت عنوان: "أصابع الصهيونية العالمية بأشكالها المختلفة"، فيقول: "وهي أصابع على اختلاف ألوانها من ماسونية وشيوعية وماركسية ، قد نجحت في إدخال المرأة كسلاح رهيب في معركته ضد الإ سلام، فزج بها في (1 )انظر: د. مصطفى السباعي: "المرأة بين الفقه والقانون " ص (35 .) (2 )الجوهري"الْخت المسلمة أساس المج تمع الفاضل ". ص (14 )ط: 1380ه-1800 الناشر: القاهرة . دار الْنصار.
عدد الصفحات ١٦٥166 جحيم الشقاء ، تحت شعارات خادعة براقة ، بدعوى التحرر من عصور الظلام، ثم بيعت سلعة رخيصة ، وقُ دمت قربانً ا زهيدً ا على مذابح الصهيونية العالمية ، ورفعت الشعارات الخادعة لسحق هذا المخلوق الكريم". فمن لواء تحرير ال مرأة الذي رفع "قاسم أمين" صوته به إلى "اتحادات النساء"(1). وأما الحقائق التي ينبغي أن يدركها الذين يتباكون على ضياع حقوق المرأة في واقعنا المعاصر، وأن تدركها المرأة نفسها أيضً ا بوجه خاص، أن المرأة المسلمة وصلت لمكانة سامقة في ظل الاسلام في وقت مبكر، قبل أن تصل إليه المرأة في الْ مم الْخرى إلى شيء منها؛ فمنذ خمسة عشر قرنً ا أعلن الإسلام حقوق المرأة كاملة لْول مرة في التاريخ ، وتمتعت المرأة المسلمة بحقوق الإنسان، قبل أن تعرف الدنيا منظمات حقوق الإنسان، ومواثيق حقوق الإنسان بقرون طويلة، لقد أعلن الإسلام في ذلك الوقت أن النساء شقائق الرجال ، في ذلك الوقت الذي كانت الْوساط الاجتماعية في العالم النصراني تشك في إنسانية المرأة وطبيعة روحها (2) . وعن حقوق المرأة في واقعنا المعاصر، فهي كما يلي: الحق الأول: الحقوق السياسية (1 )بزعامة "هدى شعراوي " وشقيقتها "أمينة السعيد". انظر: محمد قطب. "قضية تحرير المرأة ". انظر: المقدم."المرأة بين تكريم الإسلام وإهانة أعدائه " ص(14.) (2) محمد على الهاشمي، "شخصية المرأة المسلمة كما يصوغها الإسلام في الكتاب والسنة ". ص(26 )د. محمد أنس قاسم جعفر، "الحقوق السياسية للمرأة في الإسلام والفكر والتشريع المعاصر"، ط 2،1880، دار النهضة العربية، ص (36.)
عدد الصفحات ١٦٦160 لقد ثبت في مواضع كثيرة ما يدلل على ثبوت الحقوق السياسية للمرأة في الإسلام ، بداية من بيعة النساء لرسول الله ومرورًا بكل المواقف التي لا تدع مجالاً للشك في اعتراف الإسلام للمرأة بالحقوق السياسية، مثلهن في ذلك مثل الرجال تمامً ا، وإن كان هناك اتجاه لا يقر حق المرأة في مباشرة الحقوق السياسية استنادً ا إلى قوله تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾، فضلاً عن إجماع الفقه الفقه الإسلامي بعدم تولي المرأة الإمامة "رئاسة الدولة ". وليست الإمامة والقضاء هما كل الحقوق السياسية، إنما هناك حقوق سياسية أخرى ثبت أن مارستها المرأة في صدر الإسلام ، كإبداء الرأى عن المسلمين والْخذ بمشورتها . كما أجاز رسول الله للمرأة أن تمثل للمسلمين وتتحدث نيابة عنهم، وتعطي الْمان باسمهم، فقد قبل رسول الله أمان أم هانئ – رضي الله عنها - لْحد الكفار يوم فتح مكة وقال لها: لقد أجرنا من أجارت أم هانئ (1). ومن الثابت أن رسول ومن بعده الخلفاء الراشدون – رضي الله عنهم -كانوا يستشيرون النسوة في بعض الحالات كما استشار الرسول أم سلمة–رضي الله عنها - في صلح الحديبية. وقد ثبت عن عمر أنه بعد ما طعن أمر ابنه أن يأتي عائشة –رضي الله عنها - ليستأذنها في أن يدفن بجوار صاحبيه. فهذه كلها ممارسات سياسية . ولكل مجتمع ولكل عصر ظروفه ودوره في هذا المجال . (1). صحيح البخاري. كتاب الجزية والموادعة . (3101 )باب أمان النساء وجوارهن . ج6
عدد الصفحات ١٦٧162 إن الشريعة ا سلامية لم تسبقها شريعة أخرى في تقرير حقوق المرأة وتطبيقها عمليًّ ا، ومن هذه الحقوق حق الانتخاب والمشاركة في المجالس النيابية، ويؤكد هذا قول ه تعالى ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾ [الشورى: 32 ]فلم تكن المشاورة للرجال دون النساء، لكن ما هو دور المرأة السياسي؟. يقول الباحث المعاصر الدكتور "مصطفى السباعي" بعنوان: "المرأة والسياسة في عصرنا الحديث ": غير أن المرأة المسلمة لم تبق على ما كانت عليه قابع ة في بيت الزوجية ، تتفرغ لشؤون زوجها وأولادها ، بل أخذت بتأثير الحضارة الغربية ؛ أو أخذ المقتنعون باتجاه الحضارة الغربية في قضية ال مرأة، يطالبون لها بأن تنال حقوقً ا سياسية كالرجل . أولا : حق الانتخاب للمرأة وموقف الإسلام منه . صرح الدكتور السباعي أن موقف الإسلام من حق المرأة في الانتخابات: "أن الإسلام لا يمنع إعطاءالمرأة هذا الحق، فالانتخاب هو اختيار الْمة لوكلاء ينوبون عنها في التشريع ومراقبة الحكومة، فعملية الانتخاب عملية توكيل، يذهب الشخص إلى مركز الاق تراع، فيدلي بصوته فيمن يختارهم عنه في المجلس النيابي ، يتكلمون باسمه، ويدافعون عن حقوق ه، والمرأة ليست ممنوعة من أن توكل إنسانً ا بالدفاع عن حقوقها ، والتعبير عن إرادتها كمواطنة في المجتمع، وكان المحظور الوحيد في إعطاء المرأة حق الانتخاب هو أن تختلط بالرجال أثناء التصويت والاقتراع ، فيقع ما يحرمه الله من الاختلاط والتعرض للمحصنات ، وكشف ما أمر الله به أن يستر، وقد تقرر دفعً ا لذلك المحظور أن يجعل لهن مراكز للاقتراع خاصة بهن ،
عدد الصفحات ١٦٨168 فتذهب ال مرأة وتؤدي واجبها ، ثم تعود إلى البيت دون أن تختلط بالرجال أو تقع في المحرمات (1). الحق الثاني: حقوق المرأة الاجتماعية (حق التعلم والتعليم). كانت المرأة في العصور الْخيرة محرومة من التعليم ، مع أن الإسلام حث المرأة على العلم ، ويرغب فيه الرجال والنساء على السواء، وليس فيه نصًّ ا واحدً ا يحرم على المرأة أن تتعلم ، ولقد روت لنا بعض السير نماذج لعالمات فضلي ات ممن نلن شرف العلم والتعليم، كأمثال فاطمة بنت الشيخ علاء الدين السمرقندي الفقيه الحنفي صاحب تحفة الفقهاء ، فقد كانت فقيهةً جليلةً وكانت من جلالتها في الفقه أن كان زوجها يخطئ فترده إلى الصواب، وكانت الفتوى تأتى عليها فتخرج وعليها خطها وخط أبيها وخط زوجها ، ومما لا ريب فيه أن لجهل المرأة المسلمة في العصور الْخيرة أثرً ا في تأخر المسلمين، لذلك كان من النهضة المحمودة أن تفتح للفتاة باب التعليم، وأن تكثر فينا الزوجات المتعلمات والْمهات المتعلمات . و قد أ عطى الإسلام المرأة حق التعلم والتعليم ورغب فيه، وحث عليه، فالمرأة يجب أن ينمي التعليم مواهبها الفطرية الجليلة ، كي تكون بحق صانعة الْمة. أولا : حق المرأة في ال توظيف. لا ينازع أحد يفقه أحكام الإ سلام في أن عقو د المرأة وتصرفاتها التجارية صحيحة منعقدة، ولا ينازع أحد من أن المرأة إذا لم تجد من (1) د. السباعي "المرأة بين الفقه وال قانون " ص (125 .)وانظر: دبلتاجي. " مكانة المرأة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة ". ص (202-221 .)
عدد الصفحات ١٦٩100 يعولها من زوج أو أقرباء ، ولم يقم بيت المال بواجب نحوها ، أنه يجوز لها أن تعمل لتكسب قوتها. ولكن ما نلحظه الآن للأسف أن كثير من الناس في الشرق ينادون بوجوب فتح باب العمل للمرأة ، رغبة بمسايرة الحضارة الغربية في كل شيء، وهم يغالطون أنفسهم حين يزعمون أن مساوات المرأة بالرجل لا تتم إلا بهذا، وأن سر قوة الغربيين حسب زعمهم في أن المرأة عندهم تكافح في سبيل الحياة بجانب الرجل، وتتحمل من المسؤوليات مثل ما يتحمل(1) . يقول الدكتور "مصطفى السباعي " بهذا الشأن : "أن الرغبة المتفشية الآن عندنا - في البلاد العربية والإسلامية - اشتغال المرأة خارج البيت، ه و تقليد غربي بحت، وعلى المرأة أن تتحمل كل ما تتحمله المرأة الغربية في هذا السبيل، فعليها أن تتكفل بنفقات حياتها ودراستها منذ تجاوزها الخامسة عشر، وعليها أن تشارك الزوج بعد ذلك في نفقاتها ونفقات بيتها. هذه حقيقة المأساة لعمل المرأة في أوروبا ، أما نحن في منطقة الشرق الإسلامي فإن الرجل مطالب بالإنفاق على المرأة ، لْنه حق من حقوقها في الإسلام، فإن المرأة لا يصح أن تكلف بالعمل لتنفق على نفسها، بل على أبيها أو زوجها أو أخيها أن يقوم بالإنفاق عليها، لتتفرغ لحياة الزوجة والْمومة، أما عن المرأة التي فقدت العائل أو المعيل الذي ينفق عليه، وتضطر للعمل خارج بيتها فتلك (1 )انظر: د. السباعي "المرأة بين الفقه والقانون ". ص (142)، انظر : الخولي. " الإسلام وقضايا المرأة المعاصرة ". ص (201.)
عدد الصفحات ١٧٠101 يجوز لها بشرط المحافظة على آداب الإسلام في ذلك، كأن تخلو بالرجال وأن لا تبدي زينتها لهم (1) . حق المرأة في العمل، هو حق لا شبهة فيه، وكانت النساء في صدر الإسلام يع ملن حيث تقتضي الظروف منهن العمل ، ولكن المسألة ليست تقرير الحق في ذاته، فالواقع أن الإسلام لا يستريح لخروج المرأة، تعمل في غير الْعمال الضرورية التي تقتضيها حاجة المجتمع من ناحية، أو حاجة امرأة من ناحية أخرى ، فتعليم البنات، والتمريض، وتطبيب النساء، وما إلى ذلك أمور ينبغي أن تقوم بها المرأة ، فهي إذً ا وظائف يحتم المجتمع أن يشتغل بها النساء(2) . وأما عن الحكم الشرعي في عمل المرأة، فيقول الدكتور يوسف القرضاوي : "إن عمل المرأة في ذاته جائز، وقد يكون مطلوبً ا طلب استحباب، أو طلب وجوب إذا احتيج إليه، كأن تكون أرملةً أو مطلقةً ، ولا مورد لها ولا عائل، وهي قادرة على نوع من الكسب يكفيها ذل السؤال أو المنة..." والواجب أن يكون ذلك مقيدً ا بعدة شروط: 1- أنتلتزم أدب المرأة المسلمة إذا خرجت من بيتها في الزي والمشي والكلام والحركة . (1 )الدكتورالقرضاوي . "فتاوى معاصرة". (2/305)، السباعي. "المرأة بين الفقه والقانون "، ص (101.) (2 )قطب. " شبهات حول الإسلام" ص (145،146) .انظر: السباعي "المرأة بين الفقه والقانون ". ص (168).
عدد الصفحات ١٧١102 2- إيكون عملها على حساب واجبات أخرى لا يجوز لها إ همالها، كواجبها نحو زوجها وأولادها، فهو واجبها الْول وعملها الرئيس . 3- أنيكون العمل في ذاته مشروعً ا، بمعنى إلا يكون حرامً ا في نفسه أو مفضيً ا إلى ارتكاب ح رام، كأن تكون راقصة أو مضيفة في طائرة، يوجب عليها عملها السفر البعيد من غير محرم ، بما يلزمها المبيت وحدها في بلاد الغربة، أو غير ذلك من الْعمال التي حرمها الإسلام على النساء خاصةً ، أو على النساء والرجال جميعً ا(1). ثانيًا: حق المرأة في الاختلاط. يوصي الإسلام بمنع المحرم في اختلاط المرأة بالرجال ، وقد قامت حضارته الزاهرة التي فاقت كل الحضارات في إنسانيتها وسموها على الفصل بين الجنسين، ولم يؤثر هذا الفصل على تقدم الْمة الإسلامية وقيامها بدورها الحضاري الخالد في التاريخ. ولقد شهد الواقع المعاصر خروج المرأة من بيتها، لا سيما طلبا للعلم، أو لْجل العمل، مما يترتب عليها اختلاطها بالرجل (2). وهناك العديد من المواطن التي يجيز الإسلام أن تجتمع فيها المرأة مع الرجال فيشير إليها الباحث المعاصر الدكتور مصطفى السباعي، وهي ثلاثة مواطن: (1 )القرضاوي. " فتاوى معاصرة ". ( 2/305)، وانظر : الخولي. " الإسلام وقضايا المرأة المعاصرة ". ص (165- 162.) (2 )انظر: السباعي. "المرأة بين الفقه والقانون " ص (142 .)انظر: قطب. " شبهات حول الإسلام" ص (111،112.)
عدد الصفحات ١٧٢103 1- مواطن العبادة: فيجوز أن تحضر صلاة الجمعة وصلاة الجماعة، على أن يكون مكانها منفصلاً عن الرجال . 2- في أماكن العلم: فيجوز أن تحضر المرأة مجالس العلم مع الرجال على أن تكون منفصلة عنهم أيضً ا، وأن تكون مرتدية اللباس الشرعي الذي لا يبدي زينتها . 3- في ميدان الجهاد: حين يعلن النفير العام، فتخرج للجهاد مع الرجل، على أن تكون منفصلة عنهم، لها مكانها الخاص وتجمعاتها الخاصة. فإن كان دعاة الاختلاط في التعليم يجهلون آثاره أو ما ينتج عنه، فليسأله عن نسبة الحوامل من تلميذات المدارس الثانوية الْمريكية . تعقيب على ما ذكر في شأن حقوق المرأة ومكانتها: 1- يجب أن تهيأ المرأة لْداء رسالتها الاجتماعية النبيلة مما يجعل منها امرأة صالحة لتكوين الْسرة . 2- يجب منعاختلاط المرأة بالرجال الْجانب عنها ، إلا ما تقتضيه ال ضرورة الما سة في حدود الْخلاق الإ سلامية، ومن ذلك أداؤها للعبادات في المساجد وتلقيها العلم في الجامعات. 3- لابد من تهيأة المرأة للقيام بالإصلاح الا جتماعي والْخلاقي في الْوساط النسائية، فعائلاتنا وأمهاتنا في أشد الحاجة إلى وعي حقيقي تعرف به المرأ ة كيف تؤدي رسالتها على أكمل وجه، والمرأة أقدر من الرجل وأصلح للقيام بهذا العمل الإصلاحي الفعال.
عدد الصفحات ١٧٣104 4- أنحرية المرأ ة الغربية حرية وهمية، لْنه ا لم تمنح المرأة في الحقيقة المساواة بالرجل إلا بعد أن جردتها من صفاتها الْنثوية، وحريتها الْنثوية، وحقوقها الْنثوي ة، لتجعل منها كائنً ا أقرب إلى الرجل (1) . (1 )انظر: شلتوت. "الإسلام عقيدة وشريعة ". ص (ِ). وانظر: علوان. عبد الله ناصح "إلى كل أب غيور يؤمن بالله " ص (22/)40 .ط4 :1400ه-1820م. الناشر: مكتبة المنار . الزرقاء . الْردن .
عدد الصفحات ١٧٤105 المبحث الثاني : شبهات غزا ة الفكر من الغربيين المتعلق ة بالتعدد ومناقشتها. لقد تباكى أ عداء الإسلام على ضياع حقوق المرأة في الإسلام، التي طالما تشدقوا بها واتخذوها ذريعة لإفساد المرأة ، ونحن نعلم تمام العلم من يقف وراء هذه الادعاءات ، إن هم إلا شرذمة من الصهاينة(1)، وممن هم افتتنوا من أبناء جلدتنا من المسلمين، فحملوا بخيلهم ورجلهم ، وجردوا الحملات المسلح ة بسهام الشهوات وسموم الشبهات لتعبث في قلوب المسلمين فسادً ا، وتجوس خلال ديارهم ، لتسلخهم عن دينهم الحق الذي ارتضى الله لهم ، وقد كان هؤلاء الْعداء خبثً ا ماكرين ، في حرب هم، إذا تفرسوا في أسباب قوة المسلمين وحددوها، ثم اجتهدوا في توهينها وتحطيمها، بكل ما أوتو ا من مكر ودهاء. وقد علموا أن المرأة من أ عظم أسباب القوه في المجتمع الإسلامي، وهم يعلمون أيضً ا أنها سلاح ذو حدين، و أنها قابلة لْن تكون أخطر أسلحة الفتنة والتدمير، ومن هنا كان النصيب الْكبر من حجم المؤ امرات ضد الإسلام ونبيه في قضية تعدد الزوجات. و في هذا الصدد تصرح إحدى الباحثات المعاصرات (2) التي كانت يهودية الديانة ثم أعلنت إسلامها؛ في مسألة تعدد الزوجات: (1) الصهيونية لغة: مشتقة من كلمة صهيون وهو اسم جبل في القدس. وأما اصطلاحًا: هي حركة سياسية يهودية ظهرت في وسط وشرق أوروبا، دعت اليهود للهجرة إلى فلسطين بدعوى أنها أرض الْباء والْجداد . (2 )الباحثة المعاصرة التي أع لنت إسلامها "مريم جميلة ". مارغريت ماركوس سابقًا . كاتبة أمريكية مسلمة من أصل يهودي . تنتمي لْبوين يهوديين ألمانيين عاشا في نيويورك حيث ولدت
عدد الصفحات ١٧٥106 "لا يوجد حكم من أحكام الشريعة الإسلامية تعرض للهجوم العنيف أكثر من شرع الله في مسالة تعدد الزوجات ، التي تستخدم كدليل على الحط من قدر المرأة المسلمة، وتفسر على أنها قانون شهو اني، وأقل ما يقوله دعاة التحديث عن "تعدد الزوجات" هو أنه نظام متخلف لا يصلح فقط إلا للمجتمعات المتخلفة ، وأنه كنظام إسلامي يجب ألا يطبق إلا تحت ظروف خاصة جدا"(1). وأما ا فترا ءات التي أثارها المستشرقون في موضوع تعدد الزوجات في الإسلام، فيشير إليها بعض الباحثين المعاصرين ويدحضها. ومن هذه الشبهات: 1- الظروف اقتصادية في العصر الحديث لا تسمح للرجل بأن يعدد الزوجات، لْن هذا التعدد يفرض عليه أعباء مالية . 2- اسلام أهدر كرامة الزوجة التي يقترن زوجها بأخرى ، ولم يعبأ بمشاعرها وأحاسيسها ، ففي التعدد إجحاف بحقوقها وظلم لها. 3- منع النبي التعدد؛ حين أنكر على علي بن أبي طالب الزواج على ابنته فاطمة. 4- تعدد الزوجات في اسلام لا يتناسب مع عصر نالت فيه المرأة حقوقها كاملة. 5- تعدد الزوجات في ا سلام لا يقيم وزنً ا كبيرً ا لمشاعر النساء. عام 1834م. توفيت 2012م. وكتبت 25 مؤلفًا عن الإسلام أشهرها "الإسلام في مواجهة الغرب ". و"رحلتي من الكفر للإيمان " و"الإسلام والتجديد". (1 )مريم جميلة . "تحذير إلى المرأة المسلمة اليوم وغدا ". ص (8.)
عدد الصفحات ١٧٦