921 ....... الحوادث الكونية والكرامات الواقعة بعد مقتل الإمام الحس× دراسة توثيقية تحليلية/ الجزء االثاني أقلّ حالاته، وكذلك فإنّ خبر خليفة جيد الإسناد كما أوضحنا، وخبر أُمّ حيان يمكن القول بقبوله أيضاً، فلا نعرف كيف تمّ الحكم عى الخبر بالكذب مع جودة بعض أسانيدها وتعاضدها مع غيرها. وأمّا مسألة المعاصة فالظاهر أنّ (أبو قبيل) معاص للحادثة، فقد عاص مقتل عثمان في سنة (92هـ)، فقد قال ابن سعد«واسمه حي بن هانئ، قال: أذكر قتل عث بن عفا:. وله أحاديث وقد رولا عنه، وبقي حتى مات سنة سبع وعشرين ومائة في خلافة مروا: بن محمّد »(8). فطبيعي أنّه معاص لعاشوراء، بل كان عمر فوق الثلاثين كما هو واضح، وتأخر وفاته إلى سنة (842هـ) لبيعية جدّاً فالكثير من الرواة ممّن ناهزوا المائة سنة وأمّا بقية رواة الحادثة، فلا يضرّ حينئذٍ سواء كانوا معاصين للحادثة أم لا، مع أنّ أكثرهم من المعاصين أيضاً، كابن عبّاس ويزيد بن أبي زياد وخليفة بن صاعد وتمّت الإشارة إلى ذلك سابقاً. 5 اتحورل الورم إلى رماد وهذ الحادثة عدّها ابن كثير من الأكاذيب والأحاديث الموضوعة التي لا يصح منها شيء. وفي مقام الإجابة عى ذلك نقول: قد روى هذ الحادثة عند أهل السنّة ثلاثة من الرواة: 8 ـجدّة سفيان بن عيي نة. (8) ابن سعد، محمد،لبقات ابن سعد: ج2، ص284.
عدد الصفحات ٣٤٠الفصل السادس: أجوبة الشبهات الموجّهة لهذ الحوادث وبيان الدلالات والمعطيات العامّة .......... 928 4 ـيزيد بن أبي زياد. 9 ـأبو حفصة السلولي. وقد تقدّم دراسة هذ الأخبار وتبينّ أنّ خبر جدّة سفيان يمكن قبوله لأمرين، الأوّل: أنّ الذي روا عن جدّة سفيان هو سفيان بن عيينة نفسه، وهو من الذين يتحرّون في الرواة ولم يوجد في مشايخه ضعيف فضلاً عن كذاب، فكيف يمكن أن نرمي هذا الخبر بالكذب وهو من رواية سفيان؟! خصوصاً أنّ السند إلى سفيان متعدد وصحيح بلا ريب ولا شك، فإن كان ثمّة كذب فقد نقله سفيان وهو إمام جليل من أئمّة أهل السنّة ولا أظنّ أنّ أحداً من أهل السنّة يستجيز أن ينسب لسفيان رواية الأكاذيب والموضوعات. الثاني: الذي يثبت صحّة الخبر، هو رواية البيهقي له وقد ذكرنا مراراً أنّ البيهقي صّح بأنّه لا يروي في كتبه إلاّ ما يعتقد بصحّته وإلاّ لنبّه عليه. وخبر يزيد بن أبي زياد تقدّم أنّ سند جيّد أيضاً، وخبر أبي حفصة فيه كلام من جهة الجهالة لا غير؛ إذ لم نستطع الجزم بالمراد من أبي حفصة، فأقل حالاته أن يكون ضعيف ضعفاً خفيفاً ويكون قرينة تزيد الأخبار المتقدّمة قوّة وثبوتاً. فمع وجود هذ الأخبار فإنّ الحكم بالوضع والكذب يكون بعيداً عن القواعد وعى خلاف التحقيق العلمي كما لا يخفى. والمعاصة حاصلة أيضاً، فيزيد بن أبي زياد تقدّم الكلام عنه وأنّه من المعاصين لعاشوراء، وجدّة سفيان بحسب الظاهر فإنّّا معاصة أيضاً، لأنّّا جدتّه لأبيه، وسفيان ولد في سنة ( 812هـ)، فطبيعي أن تكون ولادة عيينة أبي سفيان في حدود الثمانين أو السبعين للهجرة، ومعه تكون أُمّه (أم عيينة جدّة سفيان) قد ولدت قبل عاشوراء، ومن الممكن جدّاً أن تكون في سن الثلاثين أو العشرين.
عدد الصفحات ٣٤١924 ....... الحوادث الكونية والكرامات الواقعة بعد مقتل الإمام الحس× دراسة توثيقية تحليلية/ الجزء االثاني والخلاصة أنّه لا يمكن بأيّ نحو من الأنحاء ادّعاء كذب هذ الحادثة فهو خلاف التحقيق العلمي، خصوصاً أنّ الحوادث التاريخية لا يُتعامل معها بدقّة الأخبار النبويّة، فما قدّمنا كافٍ في الإثبات التا ريخي بلا نقاش. 1 اإ:ّ الإبل التي نموها من إبل الحسين × حين طبخوها صار لحمها مثل العلقم. وهذ الحادثة ذكرها ابن كثير وعدّها من الأكاذيب والأحاديث الموضوعة التي لا يصحّ منها شيء. وفي الجواب نقول: إنّ هذا الخبر أخرجه البيهقي في دلائل النبوّة عن جميل بن مرّ ة، وسبق أن ذكرنا أنّ البيهقي صّح بأنّه ما لم ينبّه عى ضعف الخبر فهو صحيح عند ، فهو لا يروي إلاّ الصحيح في كتبه، وإلاّ نبّه عى ذلك، فكيف يكون موضوعاً ومكذوباً وقد روا البيهقي، هذا أوّلاً. وثانياً: قد تقدّم منّا دراسة إسناد هذا الخبر وتبينّ أنّ السند إلى الراوي المباشر كلّهم من الثقات المعروفين، وكذلك فإنّ الراوي المباشر جميل بن مرّة ثقة أيضاً، فيكون الخبر صحيح الإسناد، ومع كونه صحيح لا معنى لعدّ من المكذوبات سوى التعصّب المذهبي. وقد تقدّم كثير كلام عن هذ الحادثة أثناء البحث فلترُاجع. 7 اكانوا يرو: الحيطا: كأ ّا ملطخة بالدم وهذ الحادثة ذكرها عثمان الخميس بلفظ: «أ:ّ الج د ر كأ: يكو: عليها الدم » وعدّها «أكاذيب وترهات ليس لها سند صتيح إلى النبيّ’ أو أحد ّن عاد الحادثة،
عدد الصفحات ٣٤٢الفصل السادس: أجوبة الشبهات الموجّهة لهذ الحوادث وبيان الدلالات والمعطيات ال عامّة .......... 929 ول حتّى ضعيف، وإنّما هي أكاذيب ت ذكر لإثارة العواطف»(8). فالحادثة إذن بنظر عثن الخميس مكذوبة ولا سند لها حتّى ضعيف! ولم تُروَ لا عن النبيّ ولا عمّن عاص الحادثة. وفي الجواب عن ذلك نقول: تقدّم سابقاً أنّ ثبوت القضية التاريخية لا يتوقف عى وجود رواية عن النبيّ ’ لها، وهذا واضح. وأمّا ما يتعلّق بالرواة فقد رواها اثنين، وهما: 8 ـحصين بن عبد الرحمن. 4 ـهلال بن ذكوان. فأمّا رواية حصين فقد تقدّم أنّّا صحيحة السند، رواتها ثقات، وأمّا رواية هلال فهي ضعيفة بجهالة هلال نفسه الراوي المباشر، فهي ضعيفة تصلح لمعاضدة رواية حصين بن عبد الرحمن. وقد أثرنا احتمالاً عند دراسة هذ الحادثة وهو أنّّم بحسب ما صّحوا ما كانوا يرون الدم الحقيقي عى الحيطان بل كانوا يرونّا كأنّّا ملطّخة بالدم، فربّما تكون هذ انعكاس لظاهرة حمرة السماء التي أثبتنا صحّتها، فشدّة هذ الحمرة كانت تنعكس عى الحيطان فترُى وكأنّّا ملطّخة بالدم، فتكون هذ الرواية مكملة لروايات الحمرة أيضاً. وكيفما كان فلا يمكن رمي الحادثة بالكذب مع صحّة سندها، بل حتّى مع فرض ضعفها كما أوضحنا سابقاً في التفريق بين الضعيف والمكذوب. وأمّا ما يتعلّق بالمعاصة فقد أوضحنا عند دراسة هذا السند بأنّ سنّ الحصين في (8 )الخميس، عثمان،حقبة من التاريخ: ص821.
عدد الصفحات ٣٤٣922 ....... الحوادث الكونية والكرامات الواقعة بعد مقتل الإمام الحس× دراسة توثيقية تحليلية/ الجزء االثاني وقعة عاشوراء كان ثمانية عشر سنة، فهو معاص للحادثة بلا كلام. 8 اانت هبت جزور فلماّ ط بِخَت صارت دماً وهذا الخبر أورد عثمان الخميس وعدّ من الأكاذيب والترهات كسابقه، إلاّ أنّه أورد بلفظ فيه اختلاف حيث قال: «أو ما يذبتو: جزوراً إلّ صار كلّه دماً، فهذه كلّها من أكاذيب وترهات...»(8). فمن الواضح أنّه يشير إلى الخبر أعلا . وفي الجواب نقول: إنّ هذا الخبر تقدّم ذكر سابقاً، وعرفنا أنّ الطبراني وأبا نعيم قد أخرجا ، وأنّ الهيثمي قال فيه: «رواه الطماي، ورجاله ثقات»(4)، فنفس كلام الهيثمي يكفي في إبطال مزاعم عثمان الخميس في أنّ الخبر مكذوب، فقد تبينّ أنّ الخ بر صحيح بتصريح الهيثمي وهو من علماء هذا الفن. (8 )المصدر السابق (4 )الهيثمي، عليّ بن أبي بكر، مجمع الزوائد: ج 3، ص836.
عدد الصفحات ٣٤٤الفصل السادس: أجوبة الشبهات الموجّهة لهذ الحوادث وبيان الدلالات والمعطيات العامّة .......... 922 خلاصة ونتائج اتّضح من الحوادث التي درسناها أعلا عدّة أُمور: 8 ـلم نعثر عى حادثة واحدة يمكن أن توسم بالكذب، كما قدّمنا، لما أوضحنا من أنّ الكذب يختلف في حقيقته عن الضعيف فضلاً عن الصحيح، ولم نجد فيما درسن ا حادثة تدور عى الكذّابين. 4 ـإنّ جميع الحوادث التي ذكرها ابن تيمية هي حوادث ثابتة وصحيحة. 9 ـإنّ جميع الحوادث التي ذكرها عثمان الخميس هي حوادث ثابتة وصحيحة أيضاً. 2 ـتبينّ أنّ الرواة المباشرين كانوا ممّن عاصوا الحادثة بخلاف دعوى عثمان الخميس المتقدّ مة. 2 ـلم نجد فيما ذكر ابن كثيرة حادثة مكذوبة واحدة، وقد تناولنا أكثرها وأهمّها فيما تقدّم وتبينّ ثبوتها وصحّتها. نعم هناك بعض الحوادث القليلة الجزئية قد ذكرها ابن كثير فيما تقدّم، ولم يثبت كذبها أيضاً، وغاية ما يمكن أن يُقال إنّّا ضعيفة محتملة الوقوع و العدم، من قبيل أنّ الكواكب ضرب بعضها بعضاً، فقد وردت ضمن أحد الأخبار المتحدّثة عن حمرة السماء وهو خبر عيسى بن الحرث الكندي، وهذا الخبر في سند ضعف خفيف من جهة إبراهيم جدّ عثمان بن أبي شيبة العبسي لا غير، ولم نجد معاضداً له، فلا يمكن الحكم بثبوته كما لا يمكن تكذيبه. وكذلك ما ورد من أنّ بواب عبيد الله بن زياد رأى حيطان دار الإمارة تسايل دماً،
عدد الصفحات ٣٤٥926 ....... الحوادث الكونية والكرامات الواقعة بعد مقتل الإمام الحس× دراسة توثيقية تحليلية/ الجزء االثاني فإنّ رواته ثقات باستثناء الراوي المباشر وهو بوّاب عبيد الله بن زياد فلم نعرفه، وقد ذكرنا أنّ كونه حاجباً لعبيد الله يقتضي أن يكون من الموالين لبني أُميّة ولا معنى لأن يخبر بهكذا قضية بخلاف الواقع. وأمّا ما ذكر من حادثة سقوط الحجارة، فلم نعثر عليها كما تقدّم الإشارة إلى ذلك. وأمّا حادثة أنّ اللحم كأنّ فيه النار، التي ذكرها ابن كثير، فقد وردت في رواية جدّة سفيان بن عيينة في روايات تحوّل الورس إلى رماد، وقد بيّنا أنّ هذا ال سند يمكن القول بصحته واعتبار وفق مبنيين كما تقدّم، بل إنّ هذا المعنى ورد أيضاً في رواية يزيد بن أبي زياد وعرفنا أنّ سندها جيّد. والخلاصة أنّ دعوى كذب أكثر هذ الحوادث هي دعوى فارغة بعيدة عن التحقيق العلمي، وقد تبينّ أنّ أكثر هذ الحوادث التي ذكروها هي صحي حة وثابتة. أمّا بقيّة الحوادث التي لم يذكروها فقد فصّلنا الكلام فيها سابقاً وتبينّ أيضاً أنّ أكثرها صحيحة وثابتة، وبإمكان القارئ المراجعة ليتّضح له ذلك، خصوصاً أنّ بعضها قد أقرّوا أنفسهم بصحّته من قبيل سماع نوح الجنّ، فقد قوّا ابن كثير وصحّحه غير كما تقدّ م فيما ذكرنا سابقاً. وكذلك الأحداث المتعلّقة بالأشخاص الذين اشتركوا بقتل الحسين× فأكثرها صحيحة وثابتة كما اعترفوا هم وصّحوا بذلك، ولا نعيد.
عدد الصفحات ٣٤٦الفصل السادس: أجوبة الشبهات الموجّهة لهذ الحوادث وبيان الدلالات والمعطيات العامّة .......... 922 المبحث الثاني الدلالات والمعطيات العامّة عند التأمّل في الحوادث المتعدّدة التي ذكرناها مسبقاً يتبادر إلى الذه ن عدّة معطيات يمكن استفادتها منها، وبعض هذ المعطيات قد تُستفاد من جميع تلك الحوادث حادثة حادثة بلا استثناء، وبعضها قد يُستفاد من حوادث معيّنة، فمثلاً قد نستفيد الحزن من خلال بكاء السموات والأرض، أو بكاء الجنّ، لكن لا نستفيد من حادثة احتراق شخّ بسبب اشتراكه بقتل الحسين×، كما يمكن استفادة الغضب الإلهي من حادثة الغرق وغيرها وقد لا يُستفاد من حادثة تكلّم الرأس الشريف، وهكذا. كما أنّه يمكن أن نستفيد حقّانية الثورة وبطلان الفريق الآخر من جميع الحوادث حادثة حادثة، وهكذا. والغرض أنّ المعطيات التي سنذكرها ليس بالضر ورة أن تكون ناتجة من جميع الأحداث، فقد تكون مستفادة من جملة معيّنة من الأحداث دون جميعها. وبمعنى آخر أنّه ليس كلّ حادثة من الحوادث الآنفة الذكر تحمل جميع المعطيات التي سوف نذكرها، فقد تكون كذلك وقد تحمل جملة من المعطيات دون جميعها. كما أنّ هذ المعطيات ق د تتداخل فيما بينها فبعضها يدلّ عى الآخر أحياناً، فمثلاً لو قلنا: إنّ من دلالات هذ الحوادث هو الغضب الإلهي عى الأُمّة فإنّه بطبيعة الحال يدلّ عى حقانية الثورة، إذ لا معنى لوجود الغضب الإلهي مع كون الثورة باللة. ومن أجل أن تتّضح الدلالات بصورة جيّدة ارتأينا أن نذكر أهمّ المعطيات التي يمكن استفادتها من هذ الأحداث سواء كانت متداخلة بعض الشيء فيما بينها أم لا،
عدد الصفحات ٣٤٧921 ....... الحوادث الكونية والكرامات الواقعة بعد مقتل الإمام الحس× دراسة توثيقية تحليلية/ الجزء االثاني وسواء كانت متعلّقة بجملة من هذ الأحداث أم بجميعها. ومن أهمّ الدلالات والمعطيات التي يمكن أن نستفيدها من تلك الحوادث، هي كما يلي: 3 ـحقّانية الثورة الحسينيّة لا يخفى ما تعرّضت له الثورة الحسينيّة من حملات التشويه عى مرّ التاريخ، ابتداءً من عصر بني أُميّة وليومنا الحاضر، فقد استطاع المنبر الإعلامي في ذلك الوقت أن يصوّر الإمام الحسين × بأنّه رجل خارجي، خارج عى السلطة، فيستحقّ القتل حينئذٍ، وهكذا استمرّ ت حملات التشويه والتنظير الغريب الذي يسعى جاهداً لبيان أنّ الثورة الحسينيّة لم تكن وفق الأُلر الشرعيّة، فتجد الصيحات تتعالى من هنا وهناك بأنّ يزيد هو الخليفة الشرعي، والقيام والخروج عى الحاكم الشرعي غير جائز، بل إنّ مَن يقوم بذلك يستحقّ القتل، ويتشبّثون في ذلك بروايات وضعتها السلطات الحاكمة للحفاظ عى حكمها وسلطانّا. وقد نّج السلفيّة ذلك النهج وحاولوا بكلّ صورة إبعاد الناس عن هذ الثورة المباركة بدعوات مختلفة، لعلّ أهمّها أنّ خروج الحسين × فيه مفسدة، ولا توجد فيه أي مصلحة، ومن جملة ما قيل في ذلك، ما ذكر عثمان الخميس، حيث قال: « يكن خروج الحسين (رضي الله عنه) ل مصلتة دين ول مصلتة دنيا، ولذل اه أكابر الصتابة في ذل الوقت، بل بهذا الخروج نال أولئ الظلمة الطغاة من سبه رسول الله حتّى قتلوه مظلوماً شهيداً، وكا: في خروجه وقتله من الفساد ما يكن يحصل لو قعد في
عدد الصفحات ٣٤٨الفصل السادس: أجوبة الشبهات الموجّهة لهذ الحوادث وبيان الدلالات والمعطيات العامّة .......... 923 بلده، ولكن أمر الله تبارب وتعالى، ما قدّر الله تبارب وتعالى كا: ولو يشأ النام »(8). وهذا الكلام أخذ الخميس من ملهم السلفيّة الأوّل ابن تيمية حيث تكلّم عن هذا الموضوع بكلام أكثر، وممّا جاء في كلامه: «فتبينّ أ:ّ اومر على ما قاله أولئ ، و يكن في الخروج ل مصلتة دين ول مصلتة دنيا، بل تمكّن أولئ الظلمة الطغاة من سبه رسول الله حتى قتلوه مظلوماً شهيداً، وكا: في خروجه وقتله من الفساد ما يكن (8) الخميس، عثمان،حقبة من التاريخ: ص821. وكما أوضحنا في المتن فإنّنا لسنا بصدد الأجوبة ع الشبهات المثارة عى الثورة الحسينيّ ة، ولكن عى نحو الإجمال نشير إلى أنّ كلام عثمان الخميس بالل جملة وتفصيلاً من وجو عدّة: أوّلً: أنّه يتنافّ مع الروايات العديدة الدالّ ة عى بكاء النبيّ | وحزنه عى ما سيحصل للحسين× وأنّ جبرائيل نزل عليه وأخبر بالقصّ ة وأرا تربة كربلاء، ولم نجد من النبيّ | أيّ توجيه إلى الحسين× بعدم الخروج، بل كان محزوناً مهموماً ممّا ستفعل ه الأُ مّ ة به، وهذا يدلّ عى أنّ خروج الإمام الحسين× كان ضرورة لا بدّ منها. ثانياً: أنّه يتنافّ مع الروايات العديدة الدالّ ة عى حبّ النبي | للحس× وأمر الأُمّةَ الإسلامية بأن تحبّ الحسين×، فكيف يمكن للأُ مّة أنْ تحبّ رجلاً شقّ عصا المسلمين ، وكان عديم الخبرة وبخروجه كانت المفسدة واضحة وبيّنة، وليس فيه أيّ مصلحة تُ ذكر!! فمن روايات الحبّ يتّضح مشروعية خروج الإمام الحسين×، وأنّه كان عين الصواب. ثالثاً: أنّه يتنافّ مع الحديث النبويّ المتواتر: «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة». فكيف يمكن أن يكون في خروجه مفسدة ويكون سيّد شباب أهل الجنّة بنفس الوقت، فكونه سيّ د شباب أهل الجنّة تعني أنّه محقّ في خروجه وتحركه. رابعاً: يتنافّ مع ما أوردنا في المتن من ظهور الكرامات والحوادث الكونيّ ة العديدة بعد مقتله، ولو كان في خروجه مفسدة فلا معنى لحدوث كلّ هذ الحوادث. خامساً: يتنافّ مع ما نقلنا في المتن من الاتّ فاق عى تحسين الثورة الحسينيّ ة. هذا ولو أردنا بالخوض في أسباب الثو رة وظروف المجتمع وما رافقه من بيعة يزيد وكيف آلت الأُ مور إلى عاشوراء لاتّضحت الأُ مور بصورة جيّدة، لكنّه تطويل خارج عن محلّ البحث، وما ذكرنا من إشارات تكفي اللبيب في معرفة أنّ الإمام الحسين× محق ومصيب.
عدد الصفحات ٣٤٩921 ....... الحوادث الكونية والكرامات الواقعة بعد مقتل الإمام الحس× دراسة توثيقية تحليلية/ الجزء االثاني حصل لو قعد في بلده، فإ:ّ ما قصده من تحصيل الخير ودفع الشرّ يحصل منه شيء، بل زاد الشرّ بخروجه وقتله، ون قص الخير بذل ، وصار ذل سبباً لشرب عظيم، وكا: قتل الحسين ّا أوجب الفتن...»(8). ونحن في هذا المقام لسنا بصدد بيان أجوبة تلك الشبهات، فإنّ لها محلّها الخاص، وقد تناولها الكتّاب والمحققون في كتبهم، بل رفضها حتى علماء أهل السنّة، فهذا الشوكاني مثلاً يقول: «ل ينبغي لمسلم أ: يحه على مَن خرج من السلف الصالح من العترة و يرهم على أئمّة الجور، فإ ّم فعلوا ذل باجتهاد منهم، وهم أتقى لله وأطوع لسنّة رسول الله من جماعة ّن جاء بعدهم من أهل العلم، ولقد أفرط بعض أهل العلم كالكرامية ومَن وافقهم في الجمود على أحاديث ا لباب حتى حكموا بأ:ّ الحسين السبه (رضي الله عنه وأرضاه) باغٍ على الخمِّير السكِّير، الهات لحرم الشريعة المطهرة يزيد بن معاوية (لعنهم الله)، فيالله الع ب من مقالت تقشعر منها الجلود ويتصدّع من سماعها كلّ جلمود! »(4). بل نُقل الإجماع عى تحسين خروجه ×، قال ابن العماد: «والعلماء مجمعو: ع تصويب قتال علىّ لمخالفيه ونّه الإمام الحقّ، ون قل التّفا أيءاً على تحسين خروج الحسين على يزيد...»(9). والغرض أنّنا لسنا بصدد الجواب التفصيلي عى تلك الشبهات، بل أردنا أن نب أنّ هذ الحوادث والظواهر التي ذكرناها كفيلة بب طلان تلك المزاعم، فلا معنى لو لم (8) ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم،منهاج السنة: ج2،ص291 ـ298. (4) الشوكاني، محمد بن علي،نيل الأولار: ج2، ص964. (9) ابن العماد،عبد الحي بن أحمد، شذرات الذهب: ج8، ص61.
عدد الصفحات ٣٥٠الفصل السادس: أجوبة الشبهات الموجّهة لهذ الحوادث وبيان الدلالات والمعطيات العامّة .......... 928 يكن خروج الإمام الحس × خروجاً شرعياً، ولم يكن مرضيّاً من الله ولم يكن مشتملاً عى المصلحة، لا معنى حينئذٍ أن تمطر السماء لقتله دماً، أو تحمرّ آفاقها، أو تنكسف الشمس وهكذا، فإنّ حدوث كلّ هذ الحوادث مع كون خروج الحسين × باللاً هو تغرير من الله للمجتمع، لأنّ كلّ عاقل حينما يرى هذ الحوادث أو يسمع بها سيعرف بدون شكّ أنّ المقتول كان محقّاً، وكان تحركه مطلوباً من الباري سبحانه وتعالى، وحينئذٍ فعدم مطلوبية خروجه وكونه مشتملاً عى المفسدة تلازم عدم حدوث أيّ شيء من الحوادث، أمّا حصو لها فيعني بطلان كلّ تلك الحملة الإعلامية عى الثورة الحسينيّة، ويعني أنّ هذ الثورة لها قدسية خاصة، وأنّّا برعاية ربّانية، وأنّ السماء والأرض والكون كلّه قد تأثّر بمقتل قائدها وأنصار . والخلاصة وكما أشرنا في مقدمة الكتاب أنّ هناك حملة إعلامية مسعورة حاولت تشويه الثورة، فكان في قبال ذلك حملة إعلامية انطلقت مع ركب السبايا، وحملة إلهية بيّنت بطلان دعاواهم عى مرّ التاريخ والعصور منذ قتل الإمام الحسين × وليومنا هذا، فكلّ مَن زعزعه ذلك الجانب الإعلامي، أو غُيّب ضمير ، أو أُثّر عى وجدانه فإنّه حينما يرى أو يسمع به ذ الحوادث سوف يكون له رأيٌ آخر بلا شك إن كان يملك حرّية فكر مع شيء من الإنصاف، فحصول هذ الأحداث لا يسهم فقط في بيان الحقيقة لتلك الحقبة الزمنية، بل هو كفيل في وصول الحقّ والحقيقة إلى كافّة الأجيال اللاحقة. فهذ الآيات إذن هي رسل هداية وبيان للحقيقة موجهة إلى أفراد المجتمع كافّة، من كان منهم في ذلك الزمن ورأى وسمع بتلك الأحداث، أم لم يكن في ذلك الزمن، بل نشأ وعاش بعد تلك الفترة وإلى يومنا هذا وسمع وعرف بتلك الأحداث، وسواء كان هذا الفرد مضللاً أعلامياً وفكريّاً، أو لم يكن عى اللاع ومعرفة بما آلت إليه
عدد الصفحات ٣٥١924 ....... الحوادث الكونية والكرامات الواقعة بعد مقتل الإمام الحس× دراسة توثيقية تحليلية/ الجزء االثاني ظروف المجتمع، فهي آيات صيحة وواضحة في تمييز فريق الحقّ من سوا ، وحجّة عى كل باحث يبتغي إصابة الحقيقة، فهي دليل قالع لا ريب فيه عى حقانية الثورة الحسينية، وقداسة مشروعه المبارك. ومع معرفة المجتمع بحقّانية الثورة الحسينيّة تنفتح أمامه مجموعة من الحقائق لها تأثير كبير عى حياته، منها بطلان الروايات الدالّة عى حرمة الخروج عى الحاكم الجائر، وما كان مترتّباً عليها من ضرورة الخنوع له وعدم التحرّك ضدّ ، الأمر الذي يُؤسّس لثقافة عبوديّة الأشخاص والانصياع لكلّ حاكم. فمعرفة حقّانية الثورة يسهم بدور كبير في تحرير الإنسان من مبدأ العبوديّة الذي سُلِّط عليه بلباس ديني صِف، وتدعو للتأمّل من جديد في ظروف الحكم المحيطة به ومقارنتها بما كانت في أيّام الإمام الحسين× ومن ثمّ يكون الإمام الحس × قدوة وأسوة له في التحرّك، سواء عى مستوى كون الحسين × إماماً معصوماً، كما هو عند الشيعة الإمامية، أو كون الحسين × من الصحابة، ومن أهل البيت، وأحد كبار السلف الصالح كما هو عند أهل السنّة. كما أنّ معرفة المجتمع بتلك الحقيقة تسهم بشكل كبير في تحديد الإلار العقدي والفقهي الذي ينبغي أنْ يسير عليه الإنسان المسلم، بعد أنْ افترقت الأمة وعصفت به ا الأهواء وركبتها تيارات الفتن.. وهكذا فإنّ حقانية هذ الثورة يمثل محوراً يستطيع من خلاله الإنسان المسلم بقليل من التأمل والتفكّر أنْ يصل إلى شالئ الأمن والأمان.. 7 ـبطلان موقف يزيد وأتباعه من الحسين كما أنّ هناك حملة إعلامية كانت تسوّق أنّ الحسين × خارجيوأنّ ثورته خالية من أي مصلحة، بل إنّّا مشتملة عى المفسدة، فكذلك عى الجانب الآخر هناك حملة
عدد الصفحات ٣٥٢الفصل السادس: أجوبة الشبهات الموجّهة لهذ الحوادث وبيان الدلالات والمعطيات العامّة .......... 929 كبيرة تمجِّد وتقدِّس يزيد باعتبار الخليفة الشرعي الذي تجب لاعته والانصياع لأوامر . وغير خفيٍّ أنّ التسويق لخلافة يزيد والتمهيد لها كان في زمن أبيه معاوية، وقد استطاع معاوية بالترهيب تارة وبالترغيب أُخرى من تمهيد الأرضية لتسنرم يزيد مقاليد الحكم. وبالفعل توفيّ معاوية واعتى يزيد عرش السلطة، وبالرغم من الحوادث الجسيمة التي حصلت في حكمه إلاّ أنّ الإعلام الأُموي ومَن سار عى نّجه إلى اليوم ما زال يطبِّل ويزمِّر ويرى شرعية خلافة يزيد بن معاوية، وبطلان كلّ التحرّكات المناوئة له، حتّى قيل إنّ الحسين × قُتِل بسيف جدّ وكما في النقطة الأُولى لسنا هنا بصدد توضيح فساد حكم يزيد من خلال الأدلة وإبطال البيعة وإثبات فسقه وما إلى ذلك، بل أحببنا التنويه هنا أنّ الأحداث الكثيرة التي حدثت بعد مقتل الحسين ×، والتغيرّ الذي عمّ أرجاء العالم، وما رافقه من أحداث فردية لالت الأفراد الذين اشتركوا في حرب الحسين× تدلّك بوضوح ع بطلان يزيد ومَن سار عى نّجه خصوصاً في هذ المعركة. فلا معنى لكون معركة يزيد معركة حقّ، ومع ذلك يُبتى كلّ مَن اشترك به ذ المعركة بداءٍ أو مصيبة، ويهتزّ الكون بأجمعه، فتحمرّ الدنيا وتمطر السماء دماً وتنكسف الشمس وغيرها من الأحداث الدالّة عى أنّ جريمة كبرى قد ارتُكبت في الأرض، فاهتزّ لها الكون بأسر وعوقب كلّ مَن اشترك بها في الدنيا قبل الآخرة. ومع الوقوف عى حقيقة هذ الثورة وبطلان حكم يزيد ينفتح للإنسان المسلم باباً كبيراً للتأمل في التاريخ وأحداثه، وما أوصل عالمنا الإسلامي إلى ما هو عليه من التشرذم والتفرق، وتتّضح لديه معالم الطريق الحق.
عدد الصفحات ٣٥٣922 ....... الحوادث الكونية والكرامات الواقعة بعد مقتل الإمام الحس× دراسة توثيقية تحليلية/ الجزء االثاني فمن خلال بطلان حكم يزيد وزبانيته يتّضح الموقف ممّن لازال يطبّل ويشرعن ليزيد، وتتّضح الرؤى الفكرية الصحيحة، ويتبينّ الموقف العقدي الحقّ الذي يجب عى المسلم اتباعه. فكما أنّ حقانية الثورة لها لوازم ودلالات لا تتوقف عند تلك الفترة الزمنية المحدّدة بل تسي إلى هذا اليوم، فكذلك بطلان تلك الحكومات الظالمة والجائرة لها دلالات ولوازم لا تنحصر بتلك الفترة، بل تسي ليومنا الحاضر. فتلك الآيات والأحداث والاضطراب الكوني الحاصل يصبّ في عين وحقيقة هدف الإمام الحسين ×، فهي تمثل امتداداً لتلك الصرخة المطالبة بالعدل والرافضة للظلم بكل أنواعه، وتحدّد للإنسان المسلم المسار الصحيح الذي يجب أنْ يسير عليه، ولريق الظلمات والانحراف الذي يجب عليه اجتنابه، (ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ) (8) . 1 ـبيان عظمة ومكانة الإمام الحسين× حين ملاحظة الأحداث والظواهر التي جرت بعد مقتل الحس× ستجد أنّّا تكن مقصورة عى جنبة معيّنة، فلم تكن متعلِّقة بالسماء فقط أو الأرض أو الأشخاص، بل تجدها شملت الكون بأسر بما يحويه، فهناك أحداث تعلّقت بالسماء كمطرها وظهور الحمرة فيها، وهناك أحداث تعلّقت بالفلك كانكساف الشمس، وهناك أحداث تعلّقت بالأرض كظهور الدم تحت الأحجار، وهناك أحداث تعلّقت بالجنّ فسُمع نوحها وبكاؤها، وهناك أحداث تعلّقت بالطيور، وأح داث تعلّقت (8) الكهف: الآية 43.
عدد الصفحات ٣٥٤الفصل السادس: أجوبة الشبهات الموجّهة لهذ الحوادث وبيان الدلالات والمعطيات العامّة .......... 922 بالأفراد، وهكذا فالأحداث التي جرت تدلّك عى أنّ المقتول شخصية رسالية متعلّقة بالسماء، وهذ الشخصية لها ثقل كبير ومقام عظيم، وقد اضطلعت بدور إلهي كبير بحيث لم يبق شيء في الكون إلاّ وتأثّر وتفاعل مع قتله كلّ بحسبه، وهذا ما يؤكِّد أنّ هذ الشخصية بلغت من السمو والعظمة مبلغاً لا يمكن الإحالة بها وأنّّا شخصية كانت للكون بأجمعه. هناك كثير من الثورات المحقّة وكثير من الأشخاص المصيبين في عملهم وقد ثاروا وقُتلوا لكن لم يحصل شيء من ذلك، فحصول هذ الأحداث لا شك في دلالاته عى أحقيّة الثورة لكنّه لا يقتصر ع ى ذلك، بل يدلّ عى عظمة قائدها ومقامه المنقطع النظير، وهو ما يصرّح به الشيعة الإمامية من أنّ الإمام الحسين × أحد الأئمّة المنصوبين من السماء. وهذ الحقيقة كفيلة بتغيير الكثير من الرؤى والأفكار التي يحملها البعض حول عقيدة أتباع أهل البيت، كما أنّّا تُعدّ من طلقاً يمكن أنْ يوقف الباحث عى لريق الهدى وتثير بداخله الكثير من التساؤلات التي تساهم في إنارة دربه صوب جادة النجاة. 4 ـالغضب الإلهي ونزول شبه العقاب على الأُمّة إنّ مَن يستنطق التاريخ وما حوا القرآن من قَصَّ عن سالف الأُمم سيجدّ أنّ من سنن الله في أرضه هي نصرة الحقّ ولو عن لريق الانتقام من الظالمين والجاحدين بصورة إعجازية، فالانتقام قد يكون بطرق متعارفة لبيعية كأن يسلِّط الله عليهم مَن ينتقم منهم، أو قد يكون انتقاماً إلهياً مباشراً بطريق إعجازي أو شبيه بالإعجاز، كالطوفان الذي حصل عى قوم نوح ولم ينجُ منه إلاّ مَن ركب السفينة، وحتى ابن نوح لم ينجُ من ذلك العذاب مع أنّه كان متيّقناً في قرارة نفسه بأنّ الجبل سينجيه من هذا
عدد الصفحات ٣٥٥