942 ....... الحوادث الكونية والكرامات الواقعة بعد مقتل الإمام الحس× دراسة توثيقية تحليلية/ الجزء االثاني أوّلاً: الجواب العام على دعوى كذب أكثر هذه الحوادث من المعلوم المحقّق عند أهل الحديث والدراية أنّ الخبر المكذوب يخ تلف جملة وتفصيلاً عن الخبر الضعيف فثمّة فرق واضح بين الأمرين، فالمكذوب هو المقطوع والمجزوم بعدم صدور وعدم تحقّقه، ومن أحد القرائن المهمّة عى معرفته هو وجود راوٍ كذّاب أو متّهم بالكذب في سند ، بينما الضعيف هو الذي لم يثبت تحقّقه وكذلك لا نملك ما يفيد نفيه، فهو محتمل الحصول والثبوت، فما لم يوجد راوٍ كذّاب في الخبر لا يمكن الحكم عى كذبه ووضعه، وكون الأمر خارقاً للطبيعة لا يستلزم الكذب بنفسه؛ إذ إنّ محلّ الكلام هو حدوث تلك الحوادث الخارقة للطبيعة أم لا، وهل رواها الثقات أم لا؟ فالحكم بكذبها لنفس كونّا خوارق للطبيعة هو مصادرة للموضوع من الأساس؛ إذ إنّ البحث منصبّ عى ثبوت هذ الحوادث تاريخياً من عدمه، خصوصاً أنّه لا توجد استحالة في تحقّق هذ الأمور من الناحية العقلية. والخلاصة أنّ الخبر الذي لا يوجد في نَقَلَته كذّاب أو متّهم بالكذب، فهو خارج عن الكذب ولا يمكن أن يوسم بالوضع، بل يدور أمر بين الصحّة والضعف حسب حال الرواة. ويترتّب عى ذلك أمر آخر أيضاً وهو أنّ الخبر الضعيف يتقوّى كلّما تعدّدت لرقه، فينقلب من كونه ضعيفاً إلى حسنٍ أو صحيحٍ يُركن إليه ويؤخذ به، بينما خبر الكذّاب ليس كذلك، فلا تتقوّى الطرق التي تضمّ كذّابين مهما تعدّدت، وإن كان هناك مَن يرى أنّ الكثرة توجب تحورل الخبر من مكذوب إلى ضعيف محتمل الصدور،
عدد الصفحات ٣٢٤الفصل السادس: أجوبة الشبهات الموجّهة لهذ الحوادث وبيان الدلالات والمعطيات العامّة .......... 942 وهو مذهب ابن حجر العسقلاني وتبعه السيولي وغ(8). والغرض أنّ هذا التفريق بين المكذوب والضعيف هو تفريق واضح لا يحتاج إ بيان واستدلال فهو معروف عند مَ ن له أدنى إحالة بعلوم الحديث والدراية عند أهل السنّة. ونحن إذا ما رجعنا إلى تلك الحوادث التي بحثناها مفصّلاً فيما سبق سنجد، ما يلي: 8 ـنحن قسّمنا الروايات في كلّ حادثة إلى قسمين، فأفردنا ما روا الشيعة وبحثنا وفق مبانيهم، وكذلك أفردنا ما روا أهل السنّة وبحثنا ودرسنا وفق مبانيهم وقواعدهم، ولربّما يتّضح للمتأمّل أنّ ما ورد عند أهل السنّة يفوق ما ورد عند الشيعة، وحينئذٍ فما صحّ من أخبار وحوادث في مصادر أهل السنّة فإنّما هو من رواياتهم ويعدّ إقراراً بحصول تلك الحوادث، وما كان مكذوباً وموضوعاً عى فرض تحقّق ه فإنّما وضعه أهل السنّة وروو في كتبهم ولم ينبّهوا عليه، فما علاقة الشيعة بذلك؟! مع أنّه لم يثبت من ذلك شيء، فنسبة هذ الحوادث إلى الشيعة وأنّّا من مكذوباتهم مع ورود هذا الكم الكبير منها في كتب أهل السنّة هو أمر يضحك الثكى ، ومجرد دعوى خالية من الدليل، بل الدليل عى خلافها. 4 ـاتّضح من خلال متابعة الروايات التي وردت في مصادر أهل السنّة عدم وجود الكذّابين والمتّهمين في أسانيدها، وهذا يعني أنّ رمي الكثير من الحوادث (8) اُنظرالسيولي، عبد الرحمن بن أبي بكر، تدريب الراوي شرح تقريب النواوي: ج8، ص832. القاسمي، محمّد جمال الدين، قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث: ص 813 .السخاوي، محمّد بن عبد الرحمن، فتح المغيث شرح ألفية الحديث: ج 8، ص29.
عدد الصفحات ٣٢٥946 ....... الحوادث الكونية والكرامات الواقعة بعد مقتل الإمام الحس× دراسة توثيقية تحليلية/ الجزء االثاني بالكذب هو محض ادّعاء لا حقيقة ولا واقع له، بل هو إيهام للقرّاء وتدليس عى المجتمع وحرف للحقائق عن مسارها الصحيح بدافع عَقَدي مسبق. 9 ـمن البحث السَنَدي الذي أوضحنا سابقاً، تبينّ أنّ الكثير من الحوادث تحضى بأسانيد مقبولة سواء كانت صحيحة أو حسنة وجيّدة، بل روى بعضها الثقات الأثبات في كافة لبقات السند، كما وجدنا أنّ الكثير من الحوادث وردت بطرق متعدّ دة عند أهل السنّة، فضلاً عن ورودها عند الشيعة، وهذا يعني أنّ هذ الطرق تتقوّى فيما بينها حتّى لو لم يصحّ فيها لريق، والتعدّد ينفي وجود الكذب، بل يعدّ قرينة قويّة عى ثبوت الحادثة، خصوصاً مع اتّفاق الفريقين عى روايتها. بل لو نظرنا إلى الحوادث بصورة عامّة، وبغض النظر عن أسانيدها، لوجدناها تبلغ حدّاً كبيراً من الكثرة تحول دون رمي جميعها بالكذب، ولا شكّ في أنّّا تولّد عند المنصف من الباحثين المئناناً بوقوعها بشكل إجمالي. 2 ـاتّضح أيضاً أنّ دعوى عدم معاصة الرواة للحادثة هي دعوى باللة، فمثلاً ابن عبّاس وأُمّ سلمة ـ بل وغيرهم ـ من المسلّم معاصتهم لواقعة عاشوراء، وقد نقلوا عدّة أخبار كونيّة، وسنوضّح هذ المسألة أكثر من خلال التطرّق لبعض الحوادث الكونيّة في الجواب الخاص فيما يأتي. 2 ـمن خلال ما نقلنا من أخبار وخرّجنا من حوادث وجدنا أنّ بعضاً ممّا ادرعيَ أنّه كذب لا وجود له أساساً، فمن خلال تخريجنا وتتبّعنا لم نجد مثلاً أنّ الحجارة سقطت من السماء، كما ذكر ابن كثير، فإمّا أن تكون تمّت التعمية عليها ولمست الكتب التي روتها أو تمّ حذفها من المصادر، أو أنّ ابن كثير أتى بها من عندياته، كما أنّ بعضها ذكر عى خلاف ألفاظها، فمثلاً الذي ورد في الأخبار أنّ الورس تحوّل رماداً، ولم يرد أنّه ما مسّ أحدهم ورساً إلاّ احترق كما ذكر ابن كثير، وهكذا ينبغي التدقيق
عدد الصفحات ٣٢٦الفصل السادس: أجوبة الشبهات الموجّهة لهذ الحوادث وبيان الدلالات والمعطيات العامّة .......... 942 فيما ساقو من شواهد وأمثلة، فقد يكون بعضها غير متوافق مع أصل النّّ فلا معنى للحكم بكذبه حينئذٍ، فليُلتفت. ثانياً: الج واب الخاص المتضمّن مناقشة عدّة حوادث بصورة خاصّة عرفنا أنّّم ذكروا دعوة عريضة تضمّنت أنّ الكثير من هذ الحوادث مكذوبة موضوعة، بل صّح ابن كثير بأنّّا من وضع الشيعة، وقد ذكروا لدعواهم عدّة أمثلة من قبيل مطر السماء دماً أو ظهور الحمرة في السماء وغيرها. ونحن وإن كنّا نرى أنّ الجواب العام الذي تقدّم منّا هو كافٍ في ردّ دعواهم هذ ، إلاّ أنّه تأكيداً لصحّة ما ذكرنا وتوضيحاً للقارئ وإيقافه عى الحقيقة ارتأينا أنْ نجيب عى أهمّ الحوادث التي ذكروها بالتنصيّ. ولا يمكن هنا أن نعود ونفهرس جميع الحوادث التي ذكرناها سابقاً؛ إذ إنّ ذكرها تارة أُخرى يعدّ تكراراً مخلاً للبحث، لكن كما أوضحنا فإنّه إتماماً للحجّة ارتأينا أنْ نقوم بمناقشة أهمّ الحوادث التي نصّّ عليها هؤلاء بموضوعية تامّة وبعيداً عن الميولات أو التعصّبات المذهبية لنرى صدق قولهم من عدمه، ونحيل القارئ إلى مراجعة الحوادث الأُخرى التي درسناها سابقاً ليزداد يقيناً بالجواب. وسنبدأ بما نّّ عليه ابن تيمية من الحوادث باعتبار يعدّ المؤسس للمدرسة السلفية وأحد كبار أعمدتها، كما سنذكر الحوادث التي ذكرها عثمان الخميس باعتبار من السلفيين المعاصين، ونخلّل الجواب بأهمّ ما ذكر ابن كثير أيضاً لتكون المسألة بيّنة وواضحة، وحيث إنّ بعض الحوادث التي ذكرها ابن تيمية قد نّّ عليها ابن كثير وعثمان الخميس أيضاً، لذا سنبدأ بالحوادث التي اتّفقوا عليها، ثمّ نذكر بقية النماذج والأمثلة التي أوردوها لنخرج بنتيجة نّائية نختم بها هذا البحث.
عدد الصفحات ٣٢٧941 ....... الحوادث الكونية والكرامات الواقعة بعد مقتل الإمام الحس× دراسة توثيقية تحليلية/ الجزء االثاني 6 ا مطر السماء دماً فهذ الحادثة قد اتّفقوا عى ذكرها، فذكرها ابن تيمية وابن كثير وعثمان الخميس، وعدّوها من الموضوعات والمكذوبات، وصّح ابن كثير بأنّّا من كذب الشيعة. الجواب عرفنا ممّا تقدّم أنّ ثمّة فرق واضح بين المكذوب والضعيف، فالمكذوب هو المقطوع والمجزوم بعدم صدور وعدم تحقّقه، بينما الضعيف هو الذي لم يثبت تحقّقه وكذلك لا نملك ما يفيد نفيه فهو محتمل الحصول والثبوت. لذا فنقول في مقام الجواب: أنّه تقدّم تخريج الأخبار والروايات الدالّة عى مطر السماء دماً في كتب الفريقين، وقد وقفنا عى أكثر من عشرة رواة ممّن رووا هذا الخبر عند أهل السنّة فقط دون ما روا الشيعة في كتبهم ومصنّفاتهم، منهم: 8 ـسليم القاص. 4 ـنضرة الأزدية. 9 ـخليفة بن صاعد. 2 ـأُمّ سالم. 2 ـالسيّدة زينب‘. 6 ـإبراهيم النخعي. 2 ـهلال بن ذكوان. 1 ـقرط بن عبد الله. 3 ـأُمّ سلمة. 81ـ ابن عبّاس.
عدد الصفحات ٣٢٨الفصل السادس: أجوبة الشبهات الموجّهة لهذ الحوادث وبيان الدلالات والمعطيات العامّة .......... 943 ومن الملاحظ عى الروايات المتقدّمة أنّه أوّلً: فيها بعض الروايات المقبولة سنداً، كخبر سليم القاص، وخبر نضرة الأزدية، وخبر خليفة بن صاعد. ثانياً: أنّ بقية الأخبار ليس فيها لا كذّاب ولا متّهم بالكذب، وهذا يعني أنّه حتى مع عدم وجود أخبار معتبرة فإنّ هذ الأخبار الضعيفة تتعاضد فيما بينها وتتقوّى فإنّ شرط تقوّي الأخبار هو عدم وجود الكذّاب أو المتّهم في أسانيدها، وكان الألباني يحسّن الأخبار النبويّة بطريقين فقط ما دام لا يوجد فيها كذّاب ولا متّهم، حيث قال: «ويكفي فيه طريقا: يشتدّ ضعفه »(8)، فكيف ونحن أمام أخبار عديدة. ثالثاً: لو تنزّلنا عن وجود أخبار معتبرة، وقلنا أيضاً أنّّا لا تتعاضد بمستوى تصل إلى الصحيح أو الحسن، فلا أقلّ من القول إنّّا أخبار تأريخية ضعيفة يحتمل فيها الصحّة والضعف، ولا يمكن رميها بالكذب، فإنّه مخالف لجميع القواعد كما اتّضح. فتبينّ أنّ القول بإنّ هذ الأخبار مكذوبة هي مجرد دعوى جزافية لا تصمد أمام التحقيق العلمي خصوصاً أنّ الأخبار وردت بكثرة وفي كتب الفريقين. وأمّا ما يتعلّق بما قاله الخميس من أنّ الروايات ليس لها سند إلى النبيّ ’ لا صحيح ولا ضعيف، أو أنّ الرواة الذين أوردوها لم يعاصوا الحادثة، فنقول في الإجابة عى ذلك: أوّلً: أمّا ما يتعلّق بعدم وجود أسانيد إلى النبيّ ’ لا صحيحة ولا ضعيفة، فإنّه لا يشترط في تحقق الحادثة التأريخية أن يخبر بها النبيّ ’ مسبقاً، فقد يخبر عن بعض الأمور المستقبليّة وقد لا يخبر، وهذا التأريخ أمامنا والكلّ يأخذ بما ثبت منه من دون (8) الألباني، محمّد ناص الدين، صحي ح الترغيب والترهيب: ج8، ص3.
عدد الصفحات ٣٢٩991 ....... الحوادث الكونية والكرامات الواقعة بعد مقتل الإمام الحس× دراسة توثيقية تحليلية/ الجزء االثاني ملاحظة وجود أخبار نبويّة من عدمها، والقضية واضحة ولا تحتاج إلى أدنى تأمّل. عى أنّ بعض الحوادث فيها إخبارات نبويّة ـ كما تقدّم ـ كما في تحورل التربة إلى دم. أمّا في المقام ـ أي بما يتعلّق بمطر السماء دماً ـ فلا نملك أخباراً نبويّة من لر ف السنّة، وإن كنّا نملك ذلك من لرف الشيعة باعتبار أنّ ما يصدر عن أهل البيت يمثِّل إخباراً عن النبيّ ’. وكيفما كان فإنّ الحادثة ثابتة بما تقدّم ذكر من الأخبار العديدة. ثانياً: وأمّا ما يتعلّق بمسألة الانقطاع وأنّ الرواة لم يعاصوا الحادثة، فهذا غير صحيح إل لاقاً، فقد روى الحادثة عشرة كما أسلفنا وأكثرهم عاص الحادثة، فمثلاً: سليم القاص والذي قدّمنا أنّ حديثه جيد، فهو معاص للحادثة ولا يمنع من ذلك شيء، فالراوي عنه هو حماد بن سلمة المتوفّ سنة 862 للهجرة، عن عمر قارب الثمانين(8) فتكون ولادته في التسعين أو قبلهابسنتين أو ثلاثة، فلو فرضنا أنّه سمع الخبر من سليم وهو في سن الـ ( 82) مثلاً، فسيكون ذلك في سنة812 للهجرة أو أقل، وسيكون ذلك بعد وقعة كربلاء بـ( 22 سنة تقريباً)، فلو كان عُمْر سليم القاص ذلك الوقت (61سنة) يكون عمر في حادثة عاشوراء86سنة)، ولو كان عمر ذلك الوقت ( 21سنة) لكان عمر في حادثة عاشوراء 46سنة) وهكذا، ومن الواضح أنّ عمر الـ ( 61) أو21) بل والـ11) كان عمراً متعارفاً في تلك الأزمان، ومعه لا معنى للقول بأنّه لم يعاص الحادثة، خصوصاً أنّه أورد الخبر بلفظ: (مُطرنا) الدالّ عى مشاهدته للحدث. ونفس الكلام في حديث نضرة الأزدية فإنّ الحسابات والطبقات الروائية تفيد (8) اُنظر: الذهبي، محمّد بن أحمد، تذكرة الحفاظ: ج 8، ص419.
عدد الصفحات ٣٣٠الفصل السادس: أجوبة الشبهات الموجّهة لهذ الحوادث وبيان الدلالات والمعطيات العامّة .......... 998 بمعاصتها للحادثة كما أنّّا أوردت الخبر بلفظ يدلّ عى مشاهدتها للحدث، حيث قالت: «فأصبتت خيامنا وكلّ شيء منّا مليء دم ». كما أنّ خليفة بن صاعد وهو من التابعين أيضاً كان معاصاً للحادثة فابنه الذي روى عنه وُلد في سنة 18 للهجرة تقريباً، وعاش818) عاماً، فكون أبو كان في سن العشرين أو أكثر عند حادثة عاشوراء هو أمر لبيعي جدّاً، فلو فرضنا أنّه روى الخبر لولد وهو في عمر الـ ( 61) سيكون ولد في عمر الـ 41)، وهكذا فإنّه بحساب السنوات سيكون من الطبيعي جدّاً أنّه عاص عاشوراء، كما أنّ عبارته تدلّ عى مشاهدته بنفسه. فهذ الأخبار المعتبرة التي ذكرناها سابقاً تبينّ أنّ رواتها قد عاصوا الحادثة، وأمّا بقيّة الأخبار فلا شكّ في أنّ السيّدة زينب وابن عبّاس وأُمّ سلمة كانوا من المعاصين للحادثة، وأمّا إبراهيم ا لنخعي فقد توفي في سنة ( 36 أو32) للهجرة وله تسع وأربعون سنة عى الصحيح (8) فتكون ولادته في حدود سنة 22) للهجرة ويكون عمر في حادثة عاشوراء أربعة أو خمسة عشر سنة، وذكر ابن حبان أنّه ولد في سنة (21) للهجرة(4)، فيكون عمر في الحادثة أحد عشر سنة، فهو معاص للحادثة أيضاً، وأمّا البقية فلم نبحث عنهم وسواء كانوا معاصين أم لا فإنّ أخبارهم تنفع في تقوية هذ الأخبار، فتبينّ أنّ كلام عثمان الخميس هو محض ادّعاء لا يمتّ للحقيقة بصلة. والخلاصة أنّ ادّعاء ابن كثير وابن تيمية وعثمان الخميس كذب هذ الأخبار هو كذب بحدّ ذاته ، ومحاولة لتضليل القارئ عن حقائق التاريخ. (8 )اُنظرالذهبي، محمد بن أحمد، تاريخ الإسلام: حوادث وفيات (18 ـ811هـ، ج6، ص418. (4) اُنظر: ابن حبان، محمد،الثقات: ج2، ص11.
عدد الصفحات ٣٣١994 ....... الحوادث الكونية والكرامات الواقعة بعد مقتل الإمام الحس× دراسة توثيقية تحليلية/ الجزء االثاني 7 ا ما ر فع ح ر إلّ وجد تحته دماً وهذ الحادثة أيضاً اتّفق الثلاثة المومأ إليهم عى أنّّا من الأخبار المكذوبة والموضوعة، وفي مقام الجواب نقول: إنّه وردت هذ الحادثة في مصادر أهل السنّة عن عدّة من الرواة، وهم: 8 ـالزهري. 4 ـأُمّ حبان (حيان). 9 ـخلاد عن أُمّه. 2 ـابن عبّاس. 2 ـمحمّد بن عمر بن علي. 6 ـيزيد بن أبي زياد. 2 ـسعيد بن المسيّب. وما يمكن أن نلاحظه عى هذ الروايات ما يلي: 8 ـأنّ الحادثة رويت عن الزهري بسبعة لرق أكثرها مقبولة من جهة السند فقد رويت عن لريق الثقات كما تقدّم في دراستها، والزهري ثقة معروف من التابعين، فمع وجود هذا الخبر برواية الزهري كيف يتجرّأ أحد ويقول إنّه مكذوب. 4 ـأنّ الزهري لم يتفرّد بالخبر كما أسلفنا فقد روا ستّة من الرواة غير عند أهل السنة غير ما روي في كتب الشيعة، وهذ الروايات التي في كتب أهل السنّة قد سبرنا غورها سابقاً واتّضح أنّه لا يوجد فيها كذّاب ولا متّهم بالكذب، فهي قرائن قويّة تتعاضد مع خبر الزهري وتدلّ عى حصول الحادثة، بل إنّه يمكن القول بقبول خبر أُمّ حبّان لرواية البيهقي له كما مرّ في التخريج والدراسة سابقاً. 9 ـلو تنزّلنا عن إمكانية التعاضد الذي يحُوّل الخبر الضعيف إلى قوي، وتنزّلنا عن
عدد الصفحات ٣٣٢الفصل السادس: أجوبة الشبهات الموجّهة لهذ الحوادث وبيان الدلالات والمعطيات العامّة .......... 999 صحّة خبر الزهري أيضاً، فلا أقلّ من أنّ هذ الأخبار مجتمعة تشكِّل قرينة عى احتمالية حصول الحادثة، ولا يمكن الجزم بكذبها كما فعل السلفيّة المتقدّم ذكرهم. والخلاصة أنّ هذ الحادثة ثابت ة، وكلام السلفيّة عبارة عن تخرّصات لا ترقّى إلى مستوى التحقيق العلمي. وأمّا: هل أنّ هذ الحادثة اختصّت ببيت المقدس أم شملت جميع البقاع؟ فقد تمّ الكلام عنه عند تخريج الحادثة، فليرُاجع. وأمّا ما يتعلّق بعدم وجود أسانيد إلى النبيّ ’، فقد تقدّم أنّ الخبر التأريخ ي لا يُشترط في صحته ورود عن النبيّ ’. وأمّا مسألة الانقطاع وعدم إدراك الرواة لواقعة عاشوراء، فغير صحيح أيضاً، فالزهري مثلاً توفي في سنة 842 للهجرة وهو ابن اثنتين وسبعين سنة (8)، أو أربع وسبعين سنة(4) فعى الأول تكون ولاته في سنة24 للهجرة، وعى الثاني تكون ولادته في سنة خمسين للهجرة، وهو ما ذهب إليه بعضهم(9) فيكون عمر حين حادثة عاشوراء بين التاسعة والحادي عشر، وهو سن يمكنه تحمّل الحدث ومعرفته، خصوصاً أنّه روا وهو كبير السن وهو مع جلالة قدر عند أهل السنّة لا يمكن أن يروي خبراً غير متيقِّن منه، وهناك بحث ع ندهم عن وقت التحمّل، أي العمر المناسب لتحمّل الخبر، والظاهر أنّ القول المشهور في المسألة هو صحّة التحمّل قبل البلوغ، قال ابن الصلاح: «يصح التتمّل قبل وجود اوهلية، فت قبَل رواية مَن تحمّل قبل الإسلام ورو بعده، وكذل رواية مَن سمع قبل البلوغ ورو بعده، ومن ع من ذل قوم فأخطأوا؛ و:ّ (8) اُنظرابن كثير، إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية: ج3، ص926. (4) اُنظرالذهبي، محمد بن أحمد، العبر في خبر مَ ن غبر: ج8، ص848. (9) اُنظر: الأتابكي، يوسف بن تغري، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة: ج8، ص432.
عدد الصفحات ٣٣٣992 ....... الحوادث الكونية والكرامات الواقعة بعد مقتل الإمام الحس× دراسة توثيقية تحليلية/ الجزء االثاني النام قبلوا رواية أحداث الصتابة، كالحسن بن علي، وابن عبام، وابن الزبير، والنعما: بن بشير، وأشباههم من ير فر بين ما تحمّلوه قبل البلوغ وما بعده و يزالوا قديماً وحديثاً يحضرو: الصبيا: مجالس التتديث والسماع والتتديث بروايتهم لذل ، والله أعلم»(8). وذهب بعض آخر إلى أنّ شرط التحمّل هو أن يكون الراوي مميِّزاً (4). وكيف ما كان فإنّ الزهري كان مميِّزاً بلا إشكال، عى أنّ ما ذكرو كان ناظراً إ تحمّل الحديث والخبر الذي هو عرضة للنسيان أكثر من غير ، أمّا في حال مشاهدة أمر يثير الغرابة فهو أكثر وقعاً في النفس ومن النادر نسيان ذلك. فالزهري إذن كان معاصاً لحادثة عاشوراء، وأمّا ابن عبّاس وسعيد بن المسيب فلا إشكال في معاصتهما للحادثة. وأمّا يزيد بن أبي زياد، فقد ذكر هو في الخبر أنّ عمر في واقعة عاشوراء كان خمسة عشر سنة، وفي أخبار أخرى أربعة عشر سنة، فهو معاص للواقعة أيضاً. وأمّا محمّد بن عمر فهو نقل القصّة التي جرت بين رأس الجالوت وعبد الملك بن مروان. وأمّا أُمّ خلاد فالظاهر حسب الطبقات إمكان معاصتها، ولم يبقَ سوى أُمّ حبّان، فسواء كانت معاصة أم لا فغير مهم بعد معاصة غيرها للحادثة، والأخ بار يقوّي بعضها بعضاً. (8) ابن الصلاح، عثمان بن عبد الرحمن، علوم الحديث (مقدمة ابن الصلاح): ص36. (4) اُنظر: الخطيب البغدادي، أحمد بن علي، الكفاية في علم الرواية: ج8، ص28 ـ24. الزركشي، محمّد بن بهادر، النكت عى مقدمة ابن الصلاح: ج9، ص268 ـ264.
عدد الصفحات ٣٣٤الفصل السادس أجوبة الشبهات الموجّهة لهذ الحوادث وبيان الدلالات والمعطيات العامّة .......... 992 3 ا هور الحمرة في السماء وهذ الحادثة تقدّمت في كلمات ابن تيمية وابن كثير، وعدّوها من المكذوبات، وهي الحادثة الثالثة والأخيرة التي ذكرها ابن تيمية، فبالجواب عليها نكون قد أتممنا ما ذكر ابن تيمية من الحوادث. الجواب إنّ ظهور الحمرة في السماء ورد في عدّة من روايات أهل السنّة، عن عدد كثير من الرواة بلغ أربعة عشر راوٍ تقريباً، وبعضهم رُوِيَت عنه من وجو مختلفة، لذا سنبتدئ بذكر عدد من الرواة الذي نقلوا هذ الحادثة، ثمّ نبينِّ من خلال ذلك صدق أو كذب ادّعاء ابن تيمية وابن كثير، فمن الرواة الذين نقلوا الحادثة: 8 ـالصحابي ابن عبّاس. 4 ـمحمّد بن سيرين. 9 ـإبراهيم النخعي. 2 ـيزيد بن أبي زياد. 2 ـأُمّ حكيم. 6 ـعيسى بن الحرث الكندي. 2 ـالسّدي الكبير (إسماعيل بن عبد الرحمن). 1 ـهلال بن ذكوان. 3 ـأبو حيان التيمي. 81ـ جميل بن زيد 88 ـقرة بن خالد.
عدد الصفحات ٣٣٥996 ....... الحوادث الكونية والكرامات الواقعة بعد مقتل الإمام الحس× دراسة توثيقية تحليلية/ الجزء االثاني 84 ـالحسن بن الحسن بن علي. 89 ـأُمّ خلاد. 82 ـالأسود بن قيس. وبعض هؤلاء ورد عنهم الخبر بأكثر من وجه، ومن خلال ملاحظة أخبار هؤلاء والتي تمّ دراستها سابقاً بصورة مفصّلة يمكن أن نعلِّق بما يلي: 8 ـإنّ بعض هذ الأخبار صحيحة السند بنحو الجزم واليقين من دون خلاف في ذلك، فمثلاً خبر ابن سيرين صحيح لا مرية فيه، فقد ورد عنه من لرق عدّة، ويكفي أنّ أحد هذ الطرق روا الثقات الأثبات، وهو الذي أخرجو من وجو متعدّدة، فروي عن عفّان بن مسلم وغير ، عن حمّاد بن زيد، عن هشام بن حسّان، عن محمّد بن سيرين. وعفّان بن مسلم وحمّاد بن زيد وهشام بن حسان ومحمّد بن سيرين كلّهم من الثقات الأثبات، وأنّ هشام بن حسّان من أثبت الناس في ابن سيرين، فهذا السند صحيح ولا يمكن إنكار ، ولذا فإنّ محقّق الطبقات لم يستطع إنكار ذلك فصحّح السند، ثمّ ذكر قول ابن تيمية المتقدّم، فقال: «إسنادهصتيح»، وحيث إنّه كباقي السلفية ينطلقون من عقيدة مسبقة في الحكم عى الأحداث، قال بعد ذلك: «وقول ابن سيرين هذا مشكل، وما فهمت مراده به، فإ: أراد الشفق اوحمر، فهو اهرة طبيعية معلومة ل علاقة لها بمقتل أحد من النام»(8)، ثمّ أشار لقول ابن تيمية وابن كثير وذكر قول ابن تيمية في تخريجه اللاحق(4). (8) ابن سعد، محمد، لبقات ابن سعد، الجزء المتمم لطبقات ابن سعد (الطبقة الخامسة في من قبض رسول الله (صى ّ الله عليه وسلّ م) وهم أحداث الأسنان): ج8، ص212. (4) اُنظر: المصدر السابق
عدد الصفحات ٣٣٦الفصل السادس: أجوبة الشبهات الموجّهة لهذ الحوادث وبيان الدلالات والمعطيات العامّة .......... 992 وقد تقدّمت مناقشة ما يتعلّق بكون الحمرة ظاهرة لبيعية لا علاقة لها بمقتل الحسين× فيما سبق، وبيّنا المراد منها هناك، وسنشير إليها هنا أيضاً بعد أنْ نكمل الكلام عماّ يتعلّق بالسند. والغرض أنّ هذا الإسناد صحيح لا ريب فيه، وم ضافاً لصّحة هذا الطريق فهناك لريق آخر أيضاً يمكن القول بصحّته كما بيّنا سابقاً، وكذلك الطريق الثالث فإنّه رُوِي من وجه آخر يعضد ، والخلاصة أنّ خبر ابن سيرين صحيح ثابت. ولم يقتصر الأمر عى ابن سيرين حتى يستغرب المحقّق قوله، أو يرمى الخبر بالكذب كما فعل ابن تيمية، فقد روى ذلك أيضاً الصحابي الجليل عبد الله بن عبّاس والسند إليه صحيح كما درسنا فيما سبق، بل وكذلك الطريق إلى إبراهيم النخعي فهو جيد، وأيضاً السند إلى يزيد بن أبي زيد هو سند جيد، هذا فضلاً عن بقية الأخبار العديدة التي ذكرناها، والتي لا شكّ أنّّا متع اضدة تحكي عن أمر ثابت حصل وشاهد الناس. وهنا لا نتكلّف كثيراً بمسألة معاصة الرواة لذلك الحدث فهو أمر بينِّ، فابن عبّاس قد عاص الحادثة كما هو معلوم للجميع، ويزيد بن أبي زياد كذلك عى ما تقدّم وكان ابن أربعة أو خمسة عشر سنة، ومحمّد بن سيرين كانت ولادته في سنة 99 للهجرة قبل مقتل الخليفة عثمان بسنتين، ووفاته في سنة 881 للهجرة، فيكون عمر في واقعة الطف في حدود (41) سنة، وإبراهيم النخعي تقدّم أنّ عمر في الحادثة أربعة أو خمسة عشر سنة، وعى قول أحد عشر سنة. ومع معاصة هؤلاء لا نرى ضرورة لملاحظة بقيّة الرواة فسواء عاصوا الحادثة أم لا فستكون أخبارهم مؤيِّدة ومقوّية للأخبار الأُخرى. فاتّضح إذن أنّ هذ الحادثة ثابتة، وما رميها بالكذب إلاّ للتطرف المذهبي لا غير،
عدد الصفحات ٣٣٧991 ....... الحوادث الكونية والكرامات الواقعة بعد مقتل الإمام الحس× دراسة توثيقية تحليلية/ الجزء االثاني ثمّ إذا أمكن رمي هذ الحادثة بالكذب وقد رواها أربعة عشر راوٍ، وفيها أسانيد صحيحة ورواة بعض لرقها من الثقات الأثبات، فهل يمكن أن يسلم لكم حديث بعد هذا، وكيف تأخذون بخبر الآحاد المنفرد وراويه صدوق فقط ولم يبلغ رتبة الثقة؟! والخلاصة هي إمّا أنْ تحكموا عى رواتكم الثقات بأنّّم كذّابين؛ ولازمه أن تسقطوا الآلاف من أحاديثكم ومن أصحّ كتبكم! وإمّا أن تقرّوا بحصول الحاد ثة! وهو الصواب الموافق للواقع، فحادثة بهذ الجسامة مع ما تحويه من دلالات ويرويها أثبات أهل السنّة فضلاً عن ورودها في كتب الشيعة لا يمكن إلاّ أن تكون ثابتة واقعاً. وأمّا ما يتعلّق بمسألة كون الشفق ظاهرة كونيّة غير متعلِّقة بمقتل أحد، فقد أجبنا عن ذلك مفصّلاً عند دراسة هذ الروايات، وخلاصة ما ذكرنا هناك هو: أوّلً: لم تشر الأخبار إلى أنّ هذ الحمرة كانت مختصّة بالغروب حتّى يُقال إنّّا حمرة الشفق. ثانياً: الظاهر أنّ نَقَلَة الحادثة كانوا يريدون حمرة معيّنة يُشار إليها في السماء، لأنّ حمرة الشفق لا تغيب عن ذهن ابن سيرين وابن عبّاس والنخعي وغيرهم من الثقات الأجلاّء المعروفين الذين نقلوا الخبر، بل ولا تغيب عن غيرهم من الرواة ولا ممّن سمعو منهم ونقلو إلى غيرهم بلا جدل ولا نقاش. ثالثاً: أنّ بعض الأخبار قد حدّدت الحمرة المشار إليها بوقت معين كشهرين أو ثلاثة أو ستّة، وحمرة الشفق غير مختصّة بفترة بفترة زمنية محددّة. رابعاً ً: لو تنزّلنا وقلنا أنّ المراد بالحمرة هو الشفق في وقت المغرب فأيضاً سيكون المراد أنّ هذ الحمرة قد ازدادت وليست كسابقتها، فيكون إخبار ابن سيرين وغير إنّما ناظر إلى هذ الحمرة الجديدة وهي المتّسمة بالشدّة، فهذ الصورة الجديدة للحمرة لم
عدد الصفحات ٣٣٨الفصل السادس: أجوبة الشبهات الموجّهة لهذ الحوادث وبيان الدلالات والمعطيات العامّة .......... 993 تكن موجودة قبل مقتل الحس×، وهو ما أشار إليه ابن الوزير والمجلسي، وذكرنا قوليهما هناك. خامساً: فسّ بعض العلماء هذ الحمرة بنحو لا يمكن أنْ يكون المراد منها الحمرة المعتادة، وإنّما هي حمرة أخرى تعبرّ عن عدم الرضا ا لإلهي، وغضبه سُبحانه وتعالى عى هؤلاء القوم. والخلاصة أنّ هذ الحادثة ثابتة من جهة السند وسليمة من جهة المتن، ومنه يتّضح أنّ جميع الموارد التي ذكرها ابن تيمية ورماها بالكذب هي ثابتة ولها لرق متعدّدة جدّاً، ومعه تسقط دعوا بأنّ الكثير من هذ الحوادث الكونيّ ة مكذوبة، فإذا كانت الأمثلة التي ضربها كلّها باللة فما بالك بما لم يذكر ، وستأتي الإشارة إلى بقية الأحداث إن شاء الله. 4 اكسو الشمس وهذ الحادثة عدّها ابن كثير من موضوعات الشيعة ومن الكذب الفاحش كما تقدّم في كلماته، لكنّه في التفسير اقتصر عى تضعيفها ولم يرمها بالكذب. وكيفما كان، فقد تقدّم تخريج الأخبار المتعلّقة بكسوف الشمس وظلمة الأرض عند أهل السنّة، وتبينّ أنّ الذين رووها عدّة من الرواة، منهم: أ ـ أبو قبيل. ب ـ خليفة بن صاعد. ج ـ أُمّ حيّان. د ـ عبد الله بن عبّاس. هـ ـ يزيد بن أبي زياد. وقد اتّضح من خلال دراسة الأخبار سابقاً أنّ خبر أبي قبيل صحيح أو حسن في
عدد الصفحات ٣٣٩