سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 113 - يا وقح، وتتهم المرأة الشريفة الخيرة التي آوتك بالكذب ؟. - أنا لا أتهمها... قاطعني: - اعتمد على نفسك، وزوِّ ج نفسك، لن أزوجك من مالي يا نجس، انتهى. - أنا ابنك... ابنك - ثم نزلت دموعي - زوجني كما زوجت أخوتي وأسست لهم بيوتاً. - أتحقدُ على أخوتك وتغار منهم على تعبهم وكدِّهم، هم تعبوا معي، عملوا معي، ماذا فعلت أَنْتَ؟ ماذا قدمت لي؟. - أنا أعمل معك أيضاً، ولا أريد أكثر من حقي، أما أَنْتَ أبي الذي أنجبني؟. - ليس لعملك فائدة معي، اُغرُب عني لا أريد أن أرى وجهك - ثم ساخراً مني - يريد أن أزوجه؛ والله عجائب!. كفكفتُ دموعي، نهضتُ وهممتُ بالخروج، ولكن حاكت في صدري جملة كُبتت سنين، فاستدرتُ وقلت له: - أَنْتَ أب ظالم!.
عدد الصفحات ١١٣سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 112 قام فجأة، واقترب مني وصفعني على وجهي بقوة، وصرخ بي: - أخرج يا عاق، لا أريدك في عملي أو في بيتي ؟. صرختُ به: - أَنْتَ العاق لست أنا، ظلمتني وظلمت أمي من قبل، اتقِ الله؟ - غلطتي الوحيدة أني تزوجت أمك، تلك الحثالة، التي كانت تطمع في أموالي . ابتعدتُ عنه قليلاً، قلت بصوت متهدج مقهور: - اذكروا محاسن موتاكم؟ هي في عالم الحق، لا تتقوَّ ل عليها بما ليس فيها، أَنْتَ مَنْ توددت إليها طمعاً فيها، نهشتها لحماً ورميتها عظماً!. - هأ! لم تكن لها حسنة معي، عاقتني مثل ما عاققتني أَنْتَ الآن . - حسبي الله... - اِنكشِح؟.
عدد الصفحات ١١٤سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 115 - سأنكشِح. خرجتُ من عنده باكياً؛ وعدتُ إلى الشقة كارهاً لثيابي.. *** منذ عدة ساعات؛ أتوا أخوتي الأربعة يتمطوون الخطى وأبلغوني تأكيداً لما قاله لي أبي بالمكتب، وها أنذا أهم بلملمة أمتعتي، ولكن أين الوجهة؟ لا يوجد سوى جدتي الطاعنة بالسن وجهة، وخالتي التي توفى زوجها وترك لها بنتاً جميلة، وسكنت بشقة جدتي ترعاها، وتنفقان من معاشيهما، والمال الذي كنت أرسله لهما قبل طردي من العمل، سأذهبُ، وسأبحث عن أي عمل نقتات منه، عسى أن يعوضني الله خيراً .. ”رؤى“ بنت خالتي؛ إن شاء الله سأطلبها للزواج، هي من جلدتي، وليعينني الله على توفير المال للزواج بها وإسعادها.. فجأة؛ أتوقف عن تذكر أي شيء يزعجني، أعدلُ من جلستي على المقعد، أتناول هاتفي من فوق المنضدة، اتصل بجدتي، ترد عليّ رؤى، أقول لها:
عدد الصفحات ١١٥سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 114 - أنا قادم إليكم تضحك وتقول: - زيارة ؟. - لا... زواج . - مِمَّنْ ؟. - أمن جدتي مثلاً أم خالتي؟. تضحك ثم تسألني: - إِذَاً مِمَّنْ فما تبقى سواي؟. - أصحيح؟. - بلى!. - إِذَاً منكِ أَنْتِ طالما لم يتبق غيركِ!. تستحي ثم تنهي المكالمة بدون استئذان كعادتها!. - كم أعشق سجيتها!. يدق هاتفي، أنظر به فإذا به زميل لي يعمل بشركة أبي، أتعجب؛ أفتح الخط، يقول:
عدد الصفحات ١١٦سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 111 - مصيبة يا رائد أرد بقلق: - ماذا حدث؟. - زوجة أبيك وأخوتك الأربعة، انقلبت بهم السيارة منذ قليل وقد فارقوا الحياة جميعاً، لم يتبق لك سوى أبيك وأختك المتزوجة!. أُصدم، أقول: - إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون!. - وأبيك في حالة يرثى لها . - كان الله في عونه!. وأُنهي المكالمة وأنا أرتعد، أرتجف، أتصبب عرقاً .. أنهضُ كي ألملم أمتعتي وأرحل، يدق الهاتف مرة ثانية؛ أنظر بشاشته فأجده رقم أبي؛ تزايلني الرجفة، أرفض المكالمة، أغلق الهاتف، وأذهب لأتجهز للرحيل إلى عائلتي الحقيقية، متمتماً: - لستُ نبياً والقسوة لا تورث إلا القسوة!.
عدد الصفحات ١١٧سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 112 لحظات، وأتراجع، أمسكُ الهاتف، أقوم بالضغط على زر التشغيل، ثم أنتظر الشاشة لتضيء..
عدد الصفحات ١١٨سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 117 حب حتى الثمالة
عدد الصفحات ١١٩سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 120 عند تهيؤالشمس للرحيل؛ كان شاباً ثلاثيني العمر، نحيل الجسم، طويل القامة، يرتدي معطفه الجلدي الأسود، ويلتحف ملفه الصوفي البني ليتقي برد الشتاء القارس؛ واقفاً في شرفة الطابق الثاني بمنزله المحاط بالأجمة الخضراء من كل الاتجاهات.. كان يتأمل السماء الملبدة بالغيوم السوداء، التي على وشك إسقاط حمولها أرضاً.. بدا وجهه عبوساً، وعيناه تنضحان ألم وبؤس، وأسفلهما سواد شديد يثني على بؤسه.. بدا شارداً، ممسكاً بسيجارة أشعلها تواً. ومضَ البرق في ثنايا السماء البعيدة، فخُيِّل إليه وكأنه نقش لأول حرف من اسمها.. اشتد البرق، علا هزيم الرعد، وبكت السماء وتساقطت دمعاتها .. انطفأت السيجارة لمّا لحقتها قطرات المطر، اشتد البرد، عاد أدراجه مُغمغماً: - سأدخلُ فالجو صار برداً!.
عدد الصفحات ١٢٠سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 121 كانت عقارب ساعة الحائط الباهتة المعلقة بالجدار بالداخل، تزحف صوب السادسة؛ أغلق باب الشرفة الزجاجي، دلف إلى مقعد بباحة البيت، جلس، دك ماتبقى من السيجارة بالمنفضة الموضوعة على منضدة وطيئة أمامه، وبجانبها علبة السجائر والقداحة، وقنينة خمر. أشعل سيجارة جديدة، وصب كأس من الخمر، وجرعه دفعة واحدة!. كانت الإضاءة خافتة، تنبعث من عدة مصابيح واهنة معلقة بالجدران، طل البرق عليه من خلف زجاج الشرفة أمامه، شعر بأن الزجاج سيتحطم من قوة صيحات الرعد .. أطرق رأسه قليلاً، ثم رفعها فجأة وبدا أنه تذكر شيئاً ما !. شرد بذهنه بعيداً عن كرسيه، لاحت بأفقه سحابات ذكرياته البائدة، نطق بصوت مُتقطع: - لم تتركين لي... سوى بصيص من ذكرياتكِ ... الموجعة؟!. تسربت دمعة من عينه اليسرى إلى خده الشاحب، فكفكفها سريعاً، وكأنه يخشى أن تراها عينه اليمنى ..
عدد الصفحات ١٢١سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 122 صب كأس خمر وجرعه سريعاً؛ صمت لحظات وقدإحمرَّ ت عيناه، وفجأة؛ شعر بأن آذانه تلتقط نداءات امرأة بصوت آتِ من مكان سحيق... صاح ممتعضاً: - الصوت بعيد... الصوت بعيد!. عاد الصوت ليصدح بأذنيه فصاح تارة أخرى: - لا أسمع! الصوت بعيد ...أرجوكِ ماذا تقولين؟!. ذُرِفَ تْ دموعه بغزارة، دك ماتبقى من السيجارة بالمنفضة، هب واقفاً كالمذعور، راح يذرع الباحة رواحاً ومجيئاً واضعاً كفيه خلف أذنيه ليصيغ السمع، وباحثاً عن مصدر الصوت، ولكن دون أيما فائدة؛ فقد انقطعت النداءات!. حينئذ؛ انخرط في نحيب حاد.. لحظات وتوقف أمام الموقد المتوهج، لاذ في صمت مُطبق؛ تخلل الصمت هزيم الرعد القوي، وبعد لحظات نزل على ركبتيه مستقبلاً المدفئة البارزة عن الجدار، مد ذراعيه أمامه متأملاً النار.. فجأة صرخ ساخطاً:
عدد الصفحات ١٢٢سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 123 - أين دفئك أيتها الجحيم ؟... لا زلتُ أشعر بالبرد ... أشعر بالبرد!. أطرق رأسه، أراح إليته فوق كاحليه، وضع ذراعيه فوق ظاهر فخذيه وكأنه في جلسة استراحة مابين السجدتين بصلاة المسلمين، أو كأنه يؤدي طقوساً للنار كعبدتها!. لحظات ورفع بصره لأعلى، فوقع بصره على صورة مبروزة بإطار مُذهب، ومعلقة على الجدار أعلى المدفأة يميناً.. راح يتأمل الصورة التي يظهر فيها بجانب زوجته الصهباء الباسمة، ذات الشعر الحريري المنسدل على كتفيها، والعينين الخضراوين الواسعتين، ووجهها الوضاء. تتوسطهما فتاة صغيرة في سن الرابعة تحملها الأم على ذراعها، تجمع في ملامحها بين أمها وأبيها؛ الوجه الوضاء، هو ما أخذته من أمها، ومن أبيها نظرته الشاردة والواضحة بتجل في الصورة!..
عدد الصفحات ١٢٣سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 122 أغمض عينيه، أجهش بالبكاء، رمى رأسه إلى الخلف، وفجأة، التحفت الرعشة الشديدة سائر جسمه، صاحبها أنين وتوجع؛ ثم سقط على الأرض مغشى عليه!.. ومايزال البرق يطل من زجاج النوافذ من فينة لأخرى، ومازال الرعد يدغدغ سماء الصمت بالخارج، دون كابح أو مانع.. *** فجأة؛ أحس بتناوبْ سحابات رائحة نتانة على أنفه؛ فتح عينيه؛ فذ من جلسته، اشتم الرائحة، تقزز واشمأزت تقاسيم وجهه!. دلف بطرقة البيت الضيقة متعقباً مصدر الرائحة، حتى وصل إلى باب إحدى الغرف، تمتم: - إذا الرائحة لكِ أنتِ؟!. قهقه بصوت عال، وتملكته ضحكات مجلجلة، ثم فتح الباب ودلف إلى الغرفة المظلمة، فجأة؛ توقف عن الضحك، وخرج مسرعاً، مذعوراً مردداً:
عدد الصفحات ١٢٤سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 125 - القداحة ... القداحة خطف القداحة من فوق المنضدة، ثم عاد سريعاً، دخل الغرفة، أشعل القداحة، وجد الغرفة خالية من أيما أثاث سوى تابوت خشبي مقفل ومسجى أرضاً.. اقترب من التابوت، أطفأ القداحة؛ جثا ركبتيه أمام التابوت، وصله؛ رفع يده، أشعل القداحة أمام وجهه؛ جحظتْ عيناه، وراح يتفحص التابوت بنهم وانتشاء!. تحسس بيده سطح التابوت متمتماً: - إذا أنتِ أيتها الراحلة ... كان الصوت لكِ، والرائحة أيضاً لكِ، رغم أنكِ تركتني لازلتُ أحبكِ... ولكن ماحدث لكِ تستحقينه!. ثم قهقه بسعادة غامرة حتى سعل عدة سعلات، وخشخش صدره، فتوقف ورفع بصره الى الأمام، أغمض عينيه، ثم عاد بذاكرته إلى الخلف.. *** أطفأ القداحة، فسمع صوت زوجته تقول:
عدد الصفحات ١٢٥سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 124 - ألم تعدني بأنك ستقلع عمَّا تتعاطاه؟. كان الزوج جالساً على طرف السرير مرتدياً منامته، وممسكاً بين أنامله سيجارة مشتعلة، وكانت زوجته تجلس أمام المرآة تتأمل وجهها، وكانت ترتدي قميص نوم أسود طويل، في إضاءة منبعثة بوهن من أبجورتان على جانبي السرير .. - هلم فأنا مشتاقُ إليكِ؟. قالها بصوت حنون، فنظرت إليه، هبتْ واقفة، قالت غاضبة: - لن تلمسني إلا بعدما أن تنفذُ وعدك لي؟. دك السيجارة بمنفضة فوق منضدة لصق السرير، هب واقفاً، قال لها بلهجة ناعمة يستجديها: - حبيبتي ... صار لنا شهور ولا أذكر أن نمنا على سرير واحد أبداً، في كل مرة تخرجين لي بذريعة تلو أخرى، لقد سئمتُ صدقيني!. صاحت به:
عدد الصفحات ١٢٦سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 121 - أنا التي سئمتُ منك ومن وهنك، وحتى إن نمنا في سرير واحد، ما الذي باستطاعتك أن تفعله؟ ستقبِّلني قبلتين، وقبل الثالثة ستكون قد بللت نفسك، وتنقلب على جنبك وتعطني ظهرك، وتتركني ملتاعة شبقة...أليس كذلك؟. نقأ وجهها وأدمعت عيناها وأكملت: - بلاها قربة منك، سأذهب لغرفة ابنتي، لأنم بجانبها، فعلى الأقل سترتمي لتنم بحضني، ولن تعطني ظهرها مثلك يا سبع الرجال!. طأطأ الزوج رأسه أرضاً، وانهد جالساً، على السرير وأسند ظهره إلى حافته، وزم رجليه وتقوقع على نفسه، وبدأ ينحب نحيباً شديداً، عندها اقتربت زوجته منه، قالت: - لماذا تبكي الآن؟ أنت من أوصلتنا لهذا الوضع، لقد عشنا ثلاثة أعوام جميلة، كنت جيداً معي لم تقصر في واجباتك الزوجية، وكنت أظنك خارقاً حتى اكتشفتُ أنك تضاجعني متعاطياً أقراص جنسية منشطة، وعودتني على قوتك المزيفة، والآن لم تعد قادراً حتى على ابتلاع قرص صداع، وأصابك الوهن والتلف، وأصبحتْ أنت والحائط سواء!.
عدد الصفحات ١٢٧سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 122 رفع الزوج بصره، قال باستحياء - أنا احبكِ ألا تتحملينني؟ - وما الذي يجبرني على أن أتحمل نزقك وسذاجتك؟ أنا مازلتُ شابة ولن أدفن نفسي معك وأضحي بحياتي من أجلك أبداً. - أنا أحبكِ... تحمليني... أرجوكِ؟. - أنت تهذي ... - سأقتلكِ .. - لقد قتلتني من قبل كثيراً!. - أنا أحبكِ أرجوكِ لا تتركيني؟. استدارت وتركت الغرفة ذاهبة لغرفة الطفلة، فدفن رأسه بين ركبتيه .. تمتمت الزوجة بسخط: - إرهاصات جنون، ولن أعيش مع مجنون ... سأرحل!. ***
عدد الصفحات ١٢٨