سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 33 أمي كانت تقول "أن الشيطان تلبسني" يقولون أنني مسكون، فهل أنا مسكون يا شيخ؟ وكيَّفَ لشيطان أن يسكن شيطان مثله؟ قديما كانوا يقولون لنا: "أن الشيطان لا يسكن أجساد مرتادي الخمارات، لكنه يسكن أجساد قليلي الإيمان" ولم أكن مؤمناً قط يا شيخ فكيَّفَ يسكنني الشيطان؟ ذات مرة أخذني أبي إلى المسجد عنوة، وقبيل الباب شعرتُ بأن قوة عظيمة تصدني، فلم يستطع أبي أن يزحزحني قيد أنملة من موضعي، صرت وكأني شجرة عتيقة ضَرَبَتْ بجذورها في أعماق الأرض، عندها تفلت منه، ومن وقتذاك وأنا شارداً في البلاد، آكل من حرام، وأشرب من حرام، وبالليل أتدثر بأحضان الغواني .. بَدَتْ سيماء الدهشة والتعجب على قسمات الشيخ، وتململ ليصيخ السمع للمجرم أكثر، نفخ المجرم دخان سيجارته مُبتسماً، ثم قال: - ذات مرة؛ نويت أن أزور والداي، ليس حنيناً لهما بل لأني كنت أمر بضائقة مالية وقتذاك وكنت أنوي سرقتهما أو طلب المال منهما، بعد عشرين عاماً من الغياب ياشيخ، وصلتُ الحي ليلاً وقبل أن أدخل؛ قابلت اثنين من أقرنائي
عدد الصفحات ٣٣سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 32 القُدامى، وفي جنح الظلام؛ قاموا بتثبيتي بمطاويهم، ولكني أوسعتهم ضرباً ، وقلت لهما مَنْ أكون، وتذكراني، وتذكرا خياناتي لهما، ولكنهما قالا لي أنهما افتقداني، وجلسنا ندخن الحشيشة معاً على جدار مهدم في خربة مظلمة - كانت بيتاً فيما مضى وتهدمت وأحاطتها أكوام القمامة من كل جانب - قال لي الأول وكان أعور: - أُشْهِدُ الله أني سامحتك يا صديقي على فقأ عيني، ومرادي أن نعيد المياه لمجاريها، ها ما رأيك؟.. - موافق. وقال لي الثاني وكانت كفه مبتورة: - وأُشْهِدُ الله أيضاً بأني سامحتك على قطعك لكفي، ومرادي أن نعيد المياه إلى مجاريها، ها ما رأيك؟. - موافق. مر بعض من الوقت؛ تبادلنا فيه أطراف الكلام، قال لي الأعور:
عدد الصفحات ٣٤سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 35 - هناك فتاة بالحي لو رأيتها ياصديقي لسوف تُجَنْ من جمالها.. وأثنى الآخر على جمالها، وبدأ يعدد من صفاتها ومن فراهة جسدها؛ نهديها ردفيها، الحقيقة لم أستطع المقاومة أكثر، وتخيلتني بين نهديها، فقلت لهم : - أريد هذه الفتاة؟. ضحكا، قال الأعور: - حلال عليك ياصديقنا، لتكن أول مَنْ يتمطقها ونحن لسنا بطماعون، سنمصمص العظم الذي تتركه لنا، ولكن حاول أن تترك لنا حتى نسيلتين .. وضحكنا ثلاثتنا، والتحفتنا سحابة من الدخان، قلت فجأة: - أين ومتى وكيَّفَ؟. تساءل ذو الكف المبتور، قال: - صحيح كيَّفَ يا أعور، العاهرة لا تضاجع إلا أشخاص ميسورين ولا تنظر لمَنْ هم أدنى منها، ولن ترضى بنا نحن المشوهون؟!..
عدد الصفحات ٣٥سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 34 عندها استشطتُ غضباً ياشيخ، وقلت لهم: - نضاجعها عنوة، ومَنْ يحاول التصدي لنا نضاجعه معها. ضحكوا جميعاً، قال الأعور: - إِذَاً فلنتحرك من الآن، فبعد نصف ساعة بالضبط ستمر بالطريق القريب من تلك الخربة، فلنختطفها، ونحصل عليها، هيا استعدوا؟.. انتهت السيجارة، أشعَلَ الأخرى، وبدا الشيخ منتبه وغارق في عرقه، قال المجرم: - ومرت الفتاة مرتدية عباءتها السوداء الضيقة، وكانت بالفعل فارهة، وسرعان ما تحلقنا حولها، ولما صَرَخَتْ هددناها بمطاوينا، وكتمنا أنفاسها، وحملناها إلى الخربة الظلماء بعيداً عن إنارة الطريق، وضربناها حتى أغمى عليها؛ كان قلبها ضعيف، وخارتْ قواها مبكراً، فسهلت علينا كثيراً، كانت جميلة حقاً، وبدا وجهها مألوفاً لي، ولكني لم أبال، قالا لي: - نحن على وعدنا؛ أبدأ أَنْتَ يا بطل؟.
عدد الصفحات ٣٦سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 31 وبالفعل بدأتُ باغتصابها فوجدتها بكر، فسألتهم، فقالا لي: - عملية ترقيع ياصديقي تقوم بها أسبوعياً لتزود الأجر .. تمتمت: - أيتها العاهرة بعد الآن لن تجدي معك أيما عمليات!. وبعدما انتهينا جميعاً؛ ألبسناها ثيابها، وكانت الساعة تقترب من الثانية بعد منتصف الليل، تركناها وسط الطريق المقفر المؤدي للحي تحت إحدى أعمدة الإنارة فاقدة الوعي مضرجة بدمائها. عَدَلْتُ عن فكرة زيارة الأهل بعد أن قشطنا أموال العاهرة، وأجلتها واختفينا جميعاً حتى تهدأ الأمور، وبعد مرور عدة شهور، وبعدما ضاقت بي الحال ثانية؛ قصدت الحي، وصلت بيتنا، طرقت الباب، فتحت لي عجوز جعدة؛ كانت أمي، دخلتُ وسط ذهولها وصمتها، وجلست على الكنبة بالصالة، أشعلتُ سيجارة دونما انفراج لشفتاي عن كلمة، قالت أمي: - أأَنْتَ ابني؟..
عدد الصفحات ٣٧سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 32 ضحكتُ، صَرَخَتْ على أبي، اِقْتَرَبَتْ مني، نَزَلَتْ على ركبتيها، وبدأت تتحسسني وتبكي، وخرج أبي من غرفته، قالت: - ابنك عاد!.. انتفخت أوداج أبي، وصرخ: - ليس لي أبناء شياطين، ابني مات منذ عشرين سنة !. وقفتُ وهممتُ بالخروج، قصدتُ الباب، أعطيتهم ظهري، سمعتُ أمي تقول بصوت متهدج: - إنه أخاك يا حبيبتي؛ متغيب منذ عشرين عام - ثم وجهت كلامها لي - سلم على أختك التي ولدت بعد رحيلك يا بني وبعدها غادر؟.. واستدرتُ ياشيخ لأنظر لأختي، فإذا بها تلك الفتاة التي اغتصبتها أنا والمشوهان! ذُهِلْتُ؛ شعرتُ بأن روحي انفصلت عن جسدي، ثم عادت لجسدي مُبتلة بمياه شديدة البرودة وملبدة بالشوك، أما أختي فشعرتُ بصدمتها، وبخيبتها، وبألمها وقهرها، وصَرَخَتْ بأعلى صوتها مُرددة:
عدد الصفحات ٣٨سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 37 - إنه الذئب الذي اغتصبني! ليس أخي... ليس أخي! اقتله يا أبي؟ اقتل هذا النجس... اقتله؟. عندها ياشيخ شهقت أمي شهقة وكانت الأخيرة؛ ماتت من لحظتها، وهرع أبي تجاهي وجذبني من تلابيبي وبدأ بضربي قائلاً: - أَنْتَ شيطان لابد أن تموت! الحياة حرام فيك!. وبدأ بخنقي، فأخرجتُ مطواة وطعنته عدة طعنات حتى مات، تمتمتُ: - لا يموت الإنسان مرتين، أما قلت أني ميت آنفاً؟!. سقطت أختي ترتجف وتهذي، اقتربتُ منها؛ عجزتُ للحظات؛ توقف عقلي؛ ماذا ينبغي أن أفعل؟ تساءلتُ، وفكرت في أن أُريحها وأُريح نفسي من العذاب والعار، لحظات وعادت لي قواي وإرادتي؛ ذبحتها، ثم ودعت جثثهم بنظرة خاوية من أي إحساس، نظرة بليدة، ثم هربتُ ثانية .. ***
عدد الصفحات ٣٩سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 20 وقف الشيخ مفزوعاً يتأمله بتقزز، أشعل المجرم سيجارة ثالثة، قال: - أما القضية التي حُكم بإعدامي فيها؛ فهي ذبح الأعور وذو الكف المبتورة وسط الشارع وأمام الناس بعد أن عثرت عليهما بصعوبة جزاء مكيدتهم. قال الشيخ حانقاً: - أَنْتَ شيطان بالفعل؛ صدق أباك!.. عبس وجه المجرم، وقال بصوت متهدج: - أليست هناك ثمة توبة... لي ياشيخ؟. همَّ الشيخ بمغادرته صوب الباب، قائلاً: - هيهات يا عبد الشيطان. وما إن استدار الشيخ وأعطاه ظهره؛ حتى اِنْقَضِّ عليه المجرم ومسك برأسه بين راحتيه وأداره يمنة وأعاده يسرة في حركة خاطفة صدرت عنها فرقعة، فسقط الشيخ لتوه جثة هامدة، وانتصب المجرم مقطباً، وبعينين حادتين تشعان غضب؛ ينظر إلى المجندان اللذان يقتربان منه مشهران
عدد الصفحات ٤٠سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 21 سلاحهما صوبه، ثم ينظر إلى جثة الشيخ المسجاة أرضاً، متمتماً: - أستغفر الله العظيم!.
عدد الصفحات ٤١سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 22 الغراب المسحور
عدد الصفحات ٤٢سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 23 لم أكن أصدق في السحر والشعوذة يوماً ما، لكن بعد ما حدث معي، تساءلتُ كثيراً، هل هذه المرأة ساحرة بالفعل؟ أم أن هناك لغز مُطلسم لابد من حله؟ لابد أن هناك لغز؛ هذا شيء غير طبيعي بالمرة؛ لا يوجد تفسير علمي لمثل هذه الحادثة أبداً!.. *** بدأت الحادثة حينما كنت أسكن في غرفة فوق سطح أحدى العمارات بأطراف القاهرة، ولمَّا تغيَّرت مواعيد عملي بمصنع الملابس الذي كنت أعمل به؛ أصبحتُ أستيقظُ في الساعة السادسة صباحاً، بعدما كنت أستيقظ في السابعة؛ وأصنع لنفسي كوباً من الشاي، وأُسخِن رغيفين من الخبز، وأُخرجُ من الثلاجة الصغيرة، قطعة جبن على طبق، وأخرجُ لآكل الجُبن، وأحتسي الشاي، خارج الغرفة فوق السطح.. أول صباح يحدث فيه ماحدث، كان صباحاً هاديء، والشمس على وشك أن تُشرق من خلف الأبراج الخرسانية العالية البعيدة؛ جلستُ على الكرسي البلاستيكي، أمام المنضدة الخشبية - حيث وضعتُ طعامي - أتمطق الجبن
عدد الصفحات ٤٣سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 22 وأُبلِّع بالشاي، وفي وجهتي عمارة ترتفع عن السطح- حيث أجلس - بثلاثة طوابق، كانت بيضاء اللون، وبواجهتها شرفات واسعة بدرابزونات حديدية، وكانت قِبلة واجهتها عن يميني مثل واجهة العمارة حيث أسكن.. كنتُ مُنهمكاً في إفطاري، وفجأة دوى صوت ارتطام شيء ربما كان حجراً بنافذة أو باب بالأعلى؛ رفعتُ بصري مفزوعاً، جُلت بعينيّ باحثاً عن مصدر الصوت، وتساءلتُ في نفسي: كيف لأي شخص أن يقذف حجراً ويصل إلى مسافة مابعد الطابق السابع؟!. حطَّتْ نظراتي فوق غراب، كان واقفاً ينعق فوق درابزين شرفة إحدى شقق الطابق الثامن بالعمارة أمامي، وفجأة؛ حلَّق بعيداً، ثم عاد ثانية شاقاً الريح بسرعة شديدة، وارتطم بمنقاره وبجسمه ومخالبه بباب الشرفة! وقفتُ أشاهده مشدوهاً، وتمتمتُ: - ماذا يفعل هذا المجنون؟!.
عدد الصفحات ٤٤سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 25 وظل يكرر فعلته حتى فُتح الباب، وخرجت امرأة بدا أنها في الأربعين من عُمرها، ترتدي ملابس نومها القصيرة، وشعرها منكوش، أشاحت له بيدها، وصاحت: - اذهب؛ لقد ايقظتني؟!. ثم دلفتْ المر أة إلى الداخل. وقف الغراب صامتاً فوق الدرابزين، وراح يتلفت حوله كالمجنون، وبعد لحظات حلق بعيداً واختفى خلف البنايات العالية، وقد أشرقت الشمس.. جلستُ حائراً، تدور برأسي شتى التأويلات لِما حدث أمام عينيّ، وتساءلتُ: هل كان يوقظها؟ ولكن كيف؟ ربما كان غراباً مدرب، ولكن هذا غير صحيح؛ لا توجد أغربة مُدربة، ربما مُصادفة لا أكثر!.. وأقسم لو أن أحداً ما - وقتذاك - كان قد حكاه لي وأغلظ الأيمان ما صدقته، ولكنه للأسف حدث أمامي، وليس مرة فحسب، ولكنه كان يحدث كل صباح، وفي نفس التوقيت، وبات جلياً أن الأمر ليس مُصادفة، حتى بات شغلي الشاغل، فك طلاسم هذا الحدث الغريب.
عدد الصفحات ٤٥سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 24 فكرت في زميل يعمل معي بالمصنع، كان يدَّعي أنه يمتلك المقدرة على فك طلاسم أي حوادث غريبة، أو خاصة بالعالم الآخر، وكنت دائماً أُكذِّبه وأتحداه، ولكن لا مفر من استشارته. ربما يستطيع حل اللغز!؛ هكذا فكرت وقتها.. *** وذات يوم؛ في استراحة الغداء، جلست معه؛ كان شاباً نحيل الجسم، غليظ الرأس، ذو عينين واسعتين مخيفتين بعض الشيء. وبعد أن أكلنا، حكيتُ له ماحدث، فوجدتُ عينيه جحظتا واتسعتا بطريقة مُريبة مُقلقة، رغم اتساعهما الطبيعي المُخيف، وصمت قليلاً، ثم غمغم مع نفسه بعض الوقت، وبعد دقيقة؛ انبسطت أساريره، قال لي بلهجة مُلتحفة بثقة وخبرة وتمرس: - الملعونة... ثم صمت هازاً رأسه يمنة ويسرة، ناظراً في اتجاه آخر، وكأنه كان يخاطب شخصاً آخر يجلس معنا، ولا يظهر!. - من تقصد؟.
عدد الصفحات ٤٦سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 21 سألته، توقف عن هز رأسه، نظر إليّ، قال بلهجة تشي بالعطف: - خائف عليك يازميل من تلك المرأة، لربما تُسحِرك مثلما سحرت الغراب، لتذهب كل صباح وتضغط الجرس لتوقظها، أو تجعلك تُحضر لها الخُضر والفاكهة من السوق!. - هل لك أن توضح أكثر؟!. - تلك المرأة ساحرة يا زميل، والغراب مسحور بتعويذة طاعة ألقتها عليه، ليوقظها كل صباح!. ضحكتُ وقلت له: - ولم أرهقت نفسها، وألقتْ تعويذاتها على غراب مسكين، وهي باستطاعتها أن تضبط منبه الهاتف، أو تشتري مُنبه؟!. - عزيزي؛ هذه الأمور لا ينبغي أن تُعمل عقلك فيها، وإن كنت تحسب نفسك عاقلاً فلم أتيت طالباً مساعدتي؟ لماذا لم تُرغم عقلك على إيجاد تفسير يا ذكي؟!. طأطأتُ رأسي خجلاً، ثم قلت مستسلماً:
عدد الصفحات ٤٧سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 22 - أعرف أن هُناك أمور عصيَّة عن العقل ومُستعصيَّة عن الفهم، مثل ذلك الحدث الغريب، لذا جئتك لعلي أجد ضالتي... والحقيقة فقد بدأتُ أصدقُ ماتقوله!. ابتسم بانتصار؛ نظر حوله وكأنه يخشى أن يسمعه أحد من الزملاء المُنتشرين من حولنا يتناولون طعامهم فوق الموائد، ثم قرَّب رأسه مني قائلاً: - أتعرف؛ ربما كان هذا الغراب جني مُتجسد في هيئة غراب، وهو عاشق وله لها، ولكنها تُعذبه، أو تختبره، وقريباً سترضى عنه، ولكني لستُ متأكداً من هذه النقطة بعد؛ إذ لابد لي أن أعاين مسرح الأحداث بنفسي، وأشاهد الغراب بأم عيني. - ماذا تقصد؟. - أبات عندك الليلة؟. *** ليتني لم أُخبره، ليتني ماطلبتُ مساعدته؛ لم أنم طوال الليل من الرعب والقلق؛ إذ كان دائم الغمغمة مع نفسه، وفي وهيد الليل أجده يُخاطب كائنات لا تظهر، ويضحكونه تارة،
عدد الصفحات ٤٨