سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 141 مابين الهبوط والصعود، ويقشعر بدني قشعريرة تجدد بداخلي الرجولة الصدئة، ويُطلِق جوفي تنهيدة مُحمَّلة بصهد التفاعلات المُنعملة بداخلي.. ولا ينتشلني من بركة خيالاتي اللذيذة، ويقطع سعادة عيناي وقلبي، سوى صوتها الذي لابد أن يسجل مقاطعاً، ويوصف علاجاً سماعياً لمن هم مثلي، قائلة: - خمسة جنيهات ياجدي؟. حينئذ؛ أتذكر خجلاً من انحطاط خيالاتي أني ولجتُ العقد الخمسين من عمري منذ سنوات؛ أنقدها الثمن وأقبضُ على عصاي، وأدلف خارجاً صوب الطريق، رامقاً نُهديها نظرة وداع..
عدد الصفحات ١٦١سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 142 فرصة ضائعة
عدد الصفحات ١٦٢سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 143 ”أخيراً جاءتني الفرصة مُتدحرجة!.“ قلتها في نفسي لمَّا لمحتُ تلك السيدة الثلاثينية التي بدا أنها من ذوات المال والأعمال؛ وذاك مادل عليه طراز سيارتها الفارهة، والأشياء الثمينة التي كانت تبتاعها من البقال في طريقها، وثيابها الغالية الناصعة، لولا ذاك القطع الصغير في بنطالها من دبر، والذي كان يُظهر لحم فخذها وأطراف لباسها الداخلي.. وقتئذ؛ فكرتُ في أنه قد قُد على حين غفلة منها، ولابد من تحذيرها، وتركت مقشتي وسلة القمامة البلاستيكية ذات العجلات، وهرعتُ ببذلتي الخضراء المُتسخة إليها - كانت قد ركبت سيارتها - مُمنياً نفسي بأن تشكرني بابتسامة رقيقة، وإيماءة جذابة، وتُطَبِقُ عشرة جنيهات، وتدفنها في كفي. اقتربتُ منها، لم تتحرك بسيارتها وانتظرتني بنظرات مُلؤها التعجب، قلتُ لها هامساً، بعدما دنوتُ برأسي منها:
عدد الصفحات ١٦٣سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 142 - بنطال سيادتك مقطوع من الخلف يا مدام، أنا قلت أَعَرَّف حضرتك يمكن مخدتيش بالك منه، عشان تستري نفسك؛ احنا عندنا ولايا برضك؟. ابتسمت في وجهي هازة رأسها ذو الشعر الذهبي المُتهدل، ثم أخرجت من حقيبتها عشرين جنيهاً، ودفنتها في يدي قائلة: - على فكرة دي الموضة يا عم الحاج... بااااي!. وقفتُ مشدوهاً، ومتأملاً سيارتها المُنطلقة بعيداً ، وصدى قهقهاتها يبتعد عن أذني كلما ابتعدت السيارة على الطريق!..
عدد الصفحات ١٦٤سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 145 ذات سُفلى
عدد الصفحات ١٦٥سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 144 - أنا تعبان قوي!. في آخر اتصال بيننا؛ قلتها لها، فخرجت من جوفي متهدجة حارة مستغيثة، عمياء تتحسس طريقها صوب أيما طوق للنجاة، تتخبط داخل نفق بحثاً عن منفذ للهواء، أو بحثاً عن أيما قلب به رحمة أو بعض من بقايا مشاعر آدمية، ولكنها سألتني وكأنها غريبة عني، أو أنا غريب عنها، وتناست حبي لها، وحبها لي، أو تظاهرت بالتناسي بعدما اختارت الفراق بقلب مُطمئن حفاظاً على ماء وجهها، قالت: - إيه اللي تاعبك؟!. صمتُ، ولكن عيناي أبت الصمت، وسحت الدموع بلا مكيال، واشتعلت ناراً في أركان قلبي فانقبض، وازداد رجيفاً.. - مش بتاكل؟. سألتني؛ أجبتها فخرج صوتي كصوت قادم من جوف الأرض، وقد سلخته الصخور والمعادن، فصار نسيلة عجفاء: - باكل ياستي!.
عدد الصفحات ١٦٦سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 141 - مش بتشرب؟. - بشرب!. - مش صحتك كويسة وبتشتغل؟!. - الحمد لله؛ بشتغل أيوة!. صمتت برهة ثم سألت بلهجة الموقن بالإجابة، الذي يعرف مابي، ولا أدري أكانت تريدني أن أجيبها وأقول لها"أنتِ" لتزداد كبرياءً فوق كبريائها! أم تريد لنحيبي أن يعلوا لتسمعه، وتزداد ذاتها السفلى تصخماً وسعادة بقهري، وجرحي وتذليلي، ثم تركيعي!.. - أومال إيه اللي تاعبك؟!. أعرف أنها تعرف، ولكني قررتُ أن أعيد على مسامعها ما تعرفه، وتود أن تسمعه بحرقة، فقد راود مُخيلتي آنذاك مشهد كانت هي بطلته، مشهد من المُستقبل البعيد؛ رأيتها تبكي، وتندم أنها تركتني رغم علمها بقدر محبتي لها، وتتذكر كل كلمات الحب التي ألقيتها على آذانها الصماء، وقلبها الغُلف، وتزدري أيما سبب تحججت به قديماً لتُحِل لنفسها الفراق،
عدد الصفحات ١٦٧سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 142 وكلما تذكرتْ كلماتي؛ ازداد نحيبها، وتيبس جسدها، وشحب وجهها، وسقطتْ في وهدة الوحدة أكثر فأكثر!. إذاً هنيئاً لك المُسقبل بآلامه وأتراحه، وهنيئاً لي الماضي بذكرياته وأفراحه!. قلتُ لها وأنا على شفير الموت: - اللي تاعبني، هو قلبي... اللي لسه بيحبك!. تلجلت، تلعثمت، اغتاظت، نطقت جملتها التي بدا أنها قد استظهرتها جيداً، وخرجت كعزاء من يعزي في قتيل، قتله بيديه: - أنا مبحبش حد!..
عدد الصفحات ١٦٨سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 147 عيون أنثى
عدد الصفحات ١٦٩سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 110 كُنت دوماً أحار من طبيعة نظرات الإناث، وما يقال عنها.. يقال أن نظراتهن تختلف عن نظرات الرجال!. نظراتهن وإن كانت خاطفة لاتكاد تشعر بها، فهي كافية لتجسيد نُسخة منك وتعتيقها على رف من رفوف عقلها المتينة ... غريب أليس كذلك!. أما نظراتنا نحن معشر الرجال، فتلتقط صورة واحدة لا أكثر، وتضعها على أهم رف برفوف عقولنا، أما الصورة فهي للجسد وأحياناً لقطة عابرة للوجه، سرعان ما تبهت ألوانها، وتضيع خطوطها وتتشابك مع خطوط عشرات الوجوه التي قابلناها حقيقة وخيالاً .. أعتقدُ أن هذا ما حدث معي؛ لم تكن نظرتها الخاطفة مجرد عابرة سبيل، بل كانت بكل تأكيد ذكية مُتفحصة! وأنا كنتُ جاهلاً بتلكم الحقيقة، حتى أتى يوم وطفح إنائها بقطرات الوله المُلتهبة، ولم تجد بداخلها عزماً لكبح جماح قلبها المُتيم.. اِعترضَتْ طريقي، حينما كنتُ ماراً بالطُرقة الضيِّقة صوب مكتب مدير القسم الذي أنتمي إليه بالشركة التي كنا نعمل
عدد الصفحات ١٧٠سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 111 بها، وكانت هي خارجة منه، كانت مُتأنقة بملابسها السوداء، وبشرتها النضرة البيضاء، التي ما إن تراها حتى تشعر أنها مُضاءة بكهرباء خفية!. كانت قامتها متوسطة الطول، وممتلئة الجسم، امتلاءً جذاباً، يجعلك تشعر بثقلها ليس على الأرض، ولكن في الحياة، وفي القلوب!. أشارتْ بيدها إليّ كي أتوقف، ثم تلعثمتْ حروفها، ولم تنطق. وشرد عقلها يرتب كلمات؛ كنتُ واقفاً وبيدي حزمة أوراق، بانتظارها أن تَخرُج كلماتها، ولكنها تأخرتْ، عندئذ اضطررتُ أن أقول أي شيء، وما وجدتُ سوى تلك الجملة، فقلتها بتلقائية: - تبدين أنيقة اليوم؟ ثم صَمَتُ أتأملها؛ أقسم أني سمعتُ أزيز مكابح التروس بعقلها، والتي توقفت فجأة، بسبب مُقاطعتها من قِبَلي. ولازلتُ أتذكر أثر وقع الكلمات على وجهها الذي نقأ فجأة، وتناوبتْ شتى الألوان على زخرفته، وعيناها السوداوان الواسعتان الكحيلتان، اللتان تعلقتا بي لحظات، كطفل هددته
عدد الصفحات ١٧١سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 112 أمه بالرحيل عنه، وتركه وحيداً، ثم سقطتا أرضاً في خجلِ وصمت أنيقين!. هل كانت تحبني، وأنا لا أدري؟! هل كانت ستعترفُ، والجرأة هي التي نقصتها؟! تساءلتُ، ولكن ما جدوّى تساؤلي حينذاك، إذ سمعتُ جرس مكتب المدير، فأفقتُ من تأمل صمت حيائها الجميل، ودلفتُ صوب المكتب، ثانياً رقبتي، أراقبها بعيناي، وهي تدلف صوب القسم الذي يجمعنا، تقدم ساقاً وتؤخر أخرى!. أتذكرها دوماً؛ كانت تداعبني بنظراتها، وتهدهدني برموشها، وتدثرني بحاجبيها. كنت أشعر بصهد حنانها؛ في زمهرير الشتاء يدفئني، وفي قيظ الصيف يُنعشني؛ كان يغادرها، ويصلني حيث أجلس على المكتب، المُقابل لمكتبها، لا تفصلنا سوى مسافة لا تتعدى المترين، ومن حولنا العواذل... بقية الزملاء. حتى وأنا مُنهمك في الأوراق، أشعر بأنها تنظر إليّ، فأرفع رأسي فجأة، فأجدها تختطف رأسها، وتجبره على الإطراق، مبتسمة ابتسامتها العذبة إياها... أليس ذلك بحب!
عدد الصفحات ١٧٢سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 113 كان حبها لي ظاهراً للعيان؛ ابتسامتها التي تُجبرني أن أبتسم إذ رأيتها، مُرتسمة على وجهها، في أي حالة كنتُ، أو كان مزاجي، تأمرني أن أسعد، فأسعد. تنتشلني من وهدة الضيق، إلى رحابة آفاقها، حيث لا حدود لأي شيء كان ذا حدود قديماً !. توقفتُ قبل أن أقبضُ على مِقبض باب مكتب المدير، فكرتُ : تزوج التي تحبك؟ هكذا يقال دائماً، وما أدراني؟ لربما أحبها، أو أنني مع الأيام سأحبها، وخاصة أني لم أحب فتاة حتى الآن!. تراجعتُ سريعاً، وقصدتُ القسم، ولمّا دخلته، وجدتها تنظر لي باستغراب ممزوج بابتسامة شجعتني على أن أقول لها وللجميع آنذاك: - هل تقبلين أن تتزوجيني؟. شغروا أفواههم والتزموا الغمز واللمز، أما هي فضحكتْ، ولكنها ضحكة جديدة؛ لم أرها مُنطبعة على وجهها من قبل، ثم قالت بسخرية:
عدد الصفحات ١٧٣سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 112 - أنت مثل أخي، دعك من المزاح يا زميلي العزيز، وعُد لعملك؟. ما هذا الهراء!؟ صُدمت، وتلجلجت، وسخر مني عُذالي، وتطايرت ضحكاتهم في كل الاتجاهات!. تأبطتُ أوراقي، وغدوتُ نحو مكتب السيد المدير خائباً، سادراً، مُتسائلاً : وماذا عمّا كنت أشعر به منها!؟. دخلت المكتب، ووقعنا الأوراق، ثم دلفت صوب الباب، وهممتُ أن أخرج، لولا أن استوقفني مديري قائلاً: - إنها تحبك... هكذا أوصتني أن أقل لك، لأنها تستحي منك..
عدد الصفحات ١٧٤سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 115 ضحكات من الماضي
عدد الصفحات ١٧٥سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 114 الولادة منذ أيام؛ انﻀﻤﺖ مﻮﻇفة جﺪيﺪة الى العﻤﻞ، وكان مﻜﺘﺒها بﺠﻮار مكتب ”كﻤال“ وفي أول يﻮم عﻤﻞ له بعﺪ الأجازة؛ جلﺲ منكباً على العمل بشراهة، وفجأة؛ صدح صوتاً أنثوياً جميلاً يلقي الﺘﺤﻴة عليه.. رفع بﺼﺮه لﻴﺮد تﺤﻴﺘها؛ انﺘفﺾ واقفاً لا يﺼﺪق ما يﺮى؛ إنها ”عزيزة“ بشحمها ولحمها، بﻨفﺲ ملامﺤها، نفﺲ ابﺘﺴامﺘها، نفس رقة صوتها!. ذُهل وتعجب كﺜﻴﺮاً، وحﺪث ذلك الانﺠﺬاب الغريب بﻴﻦ الاثﻨﻴﻦ من أول نظرة، وهام بها شارداً يتخيل خطبته عليها ، وزواجه بها ثم أفاق وذهب ليتعرف إليها وعلى وجهه ابتسامة أمل... الموت.... أعلﻦ ”كمال“ خﻄﺒﺘه مﻨﺬ خمسة أشهﺮ ، على فتاة من بلﺪته بالجنوب..
عدد الصفحات ١٧٦