المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

سقوط القاهرة رمضان سلمى برقى www.5.site

غير معروف

صفحة ١٠ من ١٣

سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 125 استطاعت أن تُثير حنقي كالعادة، ولكن سرعان ما رسبته كما أثارته، حينما قالت: - أنا كمان على فكرة... وصمتت، وبدأ قلبي يخفق بسرعة عجيبة؛ أعرف أنه لن يهدأ إلا عندما تنطقها، لذا سألتها: - إنتِ إيه؟! هدأ صوتها، التحفته رقة ونعومة، قالت: - إيه!. صحتُ بها: - هو إيه اللي إيه يارنا؟. لم تجبني سوى بضحكتها إياها، ولكنها باتت حنونة، دافئة، باستطاعتها اختراق جسد أي كائن حي، والانزلاق إلى شغاف قلبه، واستثارة خفقاته.. وفجأة؛ قالت بهمس بالكاد التقطته أُذناي: - بحبك؟.

عدد الصفحات ١٤٥

سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 124 طردت تنهيدة طويلة، طُرد معها حنقي وغضبي، وهبطت دقات قلبي وتباعدت المسافة بين كل دقة ودقة كمسافة ميل!. ونزلت دمعاتي حارة في صمت، وصمتنا كلينا دقيقة كاملة، حاولتُ فيها كبح جماح أنيني حتى لا يفضحني أمامها، وحتى إن فضحني؛ رنا تعرف كل شيء عني؛ تعرف لحظات ضعفي، وأوقات قوتي، تعرف كل نقاط ضعفي، وأنا أيضاً أعرف كل نقاط ضعفها، لأنها جميعاً متمثلة فيَّ أنا... - إنت فين؟. انتزعتني بسؤالها الهادىء من وهدة حنيني، ومن غيابات تفكيري، قلت لها بصوت كافحتُ كي يخرج من فمي مفهوماً: - فوق الكوبري. - كوبري إيه؟. انفعلتُ مُجدداً: - الله! هيكون كوبري إيه يعني يا رنا؟!.

عدد الصفحات ١٤٦

سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 121 - كوبري امبابة طبعاً - طب لما أنتِ عارفة بتوجعي قلبي ليه؟!. صمتت ثم قالت بلهجة جادة: - ماعاش اللي يوجع قلبك يا عماد... - لأ عاش يا رنا، عاش، وبيكلمني دلوقت، وعمال يناكف فيَّ!. - أنا!... ده أنا حبيبتك!. - ما هو عشان حبيبتي؛ قلبي موجوع!. ثم ران الصمت علينا، فكبحتُ دمعاتي، ونهضتُ من فوق درجة سلم الممشى فوق الكبري؛ لم يكن هناك مارة فوق حارتي المشاة الحديديتين أعلى الكوبري. تحركتُ صوب الدرابزين والهاتف على أذني، رحتُ أتأمل النيل بالأسفل، ثم الجسور القابعة فوقه والغارقة في ضباب الصباح، وازدحام السيارت من فوقها؛ ذلك الازدحام الذي لا تنخفض ذروته في صباح أو مساء، ومباني الزمالك العتيقة، وقبالتها الأبراج الزجاجية الشاهقة التي تلمع من

عدد الصفحات ١٤٧

سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 122 نور الشمس، والمراكب الشراعية الشاقة المياه الخضراء بأبهة وهدوء، و قطع السحاب المتناثرة بالسماء.. ماذا لو لم أتزوج رنا؟ ماذا لو افترقنا؟! سألتُ نفسي، ولم أجد بداخلي جرأة على التفكير في أيما إجابة!. - أنا جييت؟. كانت رنا، شعرتُ بها تطوقني من الخلف وتسكن، تنهدتُ بارتياح، وشُحِنتُ من جسدها بطاقة كهربائية لذيذة، تكفي لإنارة القاهرة عاماً دون أن تنضب.. قلت بصوت مُتهدج: - كفاية كدة، لحد يكون معدّي يشوفنا على الوضع ده يفهمنا غلط؟. تراجعتْ برأسها قائلة: - طب نبدِل أماكنَّا عشان يفهمونا صح؟!. ضحكتُ قائلاً: - يا قليلة الأدب؟.

عدد الصفحات ١٤٨

سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 127 انفكت عني؛ وانتابتها ضحكات هيستيرية، استدرتُ محاولاً إيقاف نفسي عن الضحك، وجدتُ جسدها يهتز داخل تنورتها الكُحلية، وقميصها الأبيض، وقد اِحمَرَّتْ خدودها الوردية، والتمعتْ عيناها الكحيلتين، وعلى وشك إسقاط دمعاتها جراء ضحكها الشديد، وضعتُ الهاتف في جيبي، قلتُ: - وحشتيني؟. توقفت عن الضحك فجأة، وكأنها فركت ذر إيقاف قائلة: - يعني خليتني ما اروحش المدرسة النهاردة، وجايبني من ”شارع البوهي“ مشي، عشان تقولي ”وحشتيني“ ما قولتهاش ليَّ ليه في التليفون ووفرت تعب رجليَّ؟! امتعضتُ، عدتُ لتأمل النيل، وقفت بجانبي تتأملني، وضعت كفها الأبيض الناعم فوق كفي القابضة على الدرابزين، قالت بجدية: - عايزة أقولك على حاجة، بس مش عايزاك تزعل؟. استدرتُ مُتأهباً لسماع مَرزِئة، بعد أن نزعتْ يدها وراحت تفركهما ببعضهما البعض في حيرة وقلق، قلتُ :

عدد الصفحات ١٤٩

سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 150 - قولي بسرعة وقعتي قلبي؟ قالت مُحمرة الوجه: - إنت كمان وحشتني!. - يلعن أبو شكلك؟!. خرجتْ رغماً عني، فعادت لضحكاتها، فهممتُ أن أوبِخها لولا أن أخرصني بوق القطار المار من أسفلنا وأزيزه المرتفع، الذي لو صحنا بجواره بأعلى صوتنا لبدا أننا صامتين.. *** حقاً ؛ كانت ذكريات جميلة.. بعد ذاك اليوم بعدة سنوات؛ تزوجتْ رنا، وبعدما تزوجتْ ؛ أحببتُ نرمين ولكنها تزوجتْ، وبعدما تزوجتْ ؛ أحببتُ مريم، ولكنها تزوجتْ أيضاً، وبعدما تزوجتْ؛ أحببتُ سالي، ولكنها تزوجت هي الأُخرى!.. وأخيراً؛ تزوجتُ أنا منذ عام، وأنا الآن أحب زوجتي ريهام كثيراً..

عدد الصفحات ١٥٠

سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 151 والعجيبة أني- حتى الآن - لم أجرؤ على التفكير في إيجاد إجابة لذلك السؤال أبداً: - ماذا لو لم أتزوج رنا؟!..

عدد الصفحات ١٥١

سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 152 نظارة الحاسد

عدد الصفحات ١٥٢

سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 153 يحكى أنه كان هناك رجل بالعِقد الخمسين من عمره، كان معروف بالقرية أنه حاسد ذو عين صائبة، لا تحيد نظرته أبداً عن إيذاء من يحسده، بل والأنكى من ذلك أنه كان على علم تام بما توقعه نظراته في الناس من أضرار، لكنه كما كان يُحكى عنه كان غير قادر على منع نفسه من حسد الناس. في البيت كان أولاده لا يأكلون كثيراً خشية أن تصيبهم عين أبيهم إن رآى أحدهم قد سمن جسمه، حتى أصبحوا ضعاف الأجساد شاحبي الوجوه.. وكانوا أيضاً يحبسون عنه البهائم من جاموس وحمير حتى لا يحسدها إن رآها سمينة، أو تُدر لبناً وسمناً وفيرين، بالاتفاق معه بالطبع، رغم أنه كان يتحرّق لرؤيتها ليطمئن على ماله، ولكنه حبذ هذه الفكرة كثيراً خشية إلحاقها بالأضرار.. وحدث ذات يوم أن صنع له أولاده نظارة بصر تُصغِّر كل الأشياء عن حجمها الحقيقي ثلاث مرات ليرتديها، وقالوا له« :هذه النظارة ستوقف الحسد»وأقسموا عليه ألا

عدد الصفحات ١٥٣

سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 152 يخلعها أبداً إلا وقت الاستحمام، داخل الحمام فقط، ولبسها مُنشدهاً سعيداً .. انحلت المشكلة، وعاد الأولاد يأكلون وردت إليهم صحتهم، وسمنت زوجته وربربت، وأصبح يدخل حوش البهائم ولا يحسدها؛ لأنه يراها أصغر من حجمها، وتوقف عن حسد الناس وحسد بهائمها.. حتى هو أصبح يرى الطعام أمامه ضئيلاً، فيأكل أضعاف ما كان يأكله.. صباح يوم ما خرج كالعادة إلى الحقل، وبعد العودة جلس على ناصية الشارع أمام داره، اقترب منه رجل ضعيف البصر، وجلس بجانبه، وبعد أن سلم عليه، أخذا يتحدثا، فقال ضعيف البصر« :سمعتُ عن نظارتك الجديدة، ويقولون أنها تُحسن الرؤية»! «أجل هي كذلك»! «اعطنيها أجربها، أريد أن أصنع مثلها؟» خلعها الحاسد، بعد أن أغمض عينيه، فلبسها ضعيف البصر، ولمّا لبسها انكمش إلى الجدار مشدوهاً، وفجأة

عدد الصفحات ١٥٤

سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 155 دوّت صرخة من داخل البيت، فتح الحاسد عينيه، وأسرع إلى الداخل، فوجد زوجته واقعة، والجاموسة قد كسرت الباب الداخلي بين البيت والزريبة، فوقف أمام الجاموسة مأخوذاً من عافيتها، وضخامتها قائلاً : «عفيّت وسمنت، إذاً من حقها أن تترك الزريبة وتدخل البيت لتأكل أكلنا الآخر»! فغرت زوجته فمها لمّا رأته بلا نظارة، وأطلقت صرخة مدوية لمّا رأت الجاموسة قد سقطت أرضاً تلفظ أنفاسها الأخيرة!. نظر الحاسد إليها قائلاً : «ألن تقومي لتر ماذا أصاب الجاموسة؟ أم عفيتي وسمنتي أنت الأُخرى؟»! أطلقت الزوجة صرخة لم تكتمل، هرع على إثرها الأولاد من الخارج، فاستدار الحاسد يتأملهم جاحظ العينين، بينما ضعيف البصر مُنكمشاً بالخارج لا ينطق بحرف، مراقباً الحاسد خارجاً من باب داره نحيفاً كعود قصب منزوع الأوراق، يضرب كفاً بكف مُغمغماً : - بيت وخَرُب!..

عدد الصفحات ١٥٥

سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 154 مزاح عفريت

عدد الصفحات ١٥٦

سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 151 كما اعتاددائماً في نوبة حراسته الليلية؛ أن يطفيء مصباح ذلك الكشك الخشبي الصغير، ويترك الكشافات الكبيرة المثبتة أعلى الكشك لتنير له الطريق الترابي المقفر، وتكشف له عن بوابة ذلك المعسكر المهجور الذي يجلس أمامه لحراسته.. مجند شاب، في لباسه العسكري الأسود، ملقاة بندقيته الميري والخوذة، فوق منضدة خشبية بجانبه؛ كان جالساً على مقعد خشبي مثبت إلى جدار الكشك؛ يعبث بمحوِّل محطات مذياعه الصغير؛ باحثاً عن محطة الغناء.. شعر فجأة؛ بأن هناك قط أسفل الكرسي، يخربش بأظافره سمانتي ساقيه؛ نتر ساقيه بعيداً؛ انتفض واقفاً، أضاء المصباح، انتصب متعجباً ومتسائلاً : كيف دخل ذلك القط أسفل الكرسي؟ ومن أين أتى القط أصلاً وكل ما حولي صحراء جرداء؟. قرفص أرضاً أمام الكرسي، تفصد العرق من جبينه؛ نظر أسفله متوجساً... - أنا بهذر معاك ياعم، إنت مبتحبش الهذار ولا إية؟!.

عدد الصفحات ١٥٧

سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 152 قالها قط أسود ضخم، برأس إنسان صغير يكسوه الشعر الأسود، وتتوسطه عيني قط واسعتان. وقبل أن ينهيها؛ دوتْ صرخة المجند وانطرح جثة هامدة.. تمتم القط غاضباً: - واضح إن الهذار قلب جد!. ثم ذاب في الهواء كالدخان..

عدد الصفحات ١٥٨

سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 157 حانوت اللذة

عدد الصفحات ١٥٩

سقوط القاهرة _مجموعة قصصية رمضان سلمي برقي 140 كنت إذا ما لمحتها من بعيد واقفة، عرجتُ على حانوت البقالة حيث تنتصب خلف ”البنك“ تبيع لهذه، وتحاسب ذاك.. وإن كانت مُنشغلة مع زبائن؛ خطفتُ أيما شيء من فوق الأرفف لا يتعدى سعره الخمسة جنيهات، وتظاهرت بالانتظار، ونشأتُ أتنقل ببصري ما بينها وبين الزبائن، وحقيقة الأمر؛ لا ترى عيناي سواها.. تقترب هي من السادسة عشرة من عمرها، تمتلك جسم مخروط بحذق، ونهدين مستفزين، وبشرة بيضاء كالشمع، وعينين سوداوين كحيلين، وشفتان تخاطبان الزبائن بصوت كوشوشة الودع، لا يكاد يُسمع من نعومته وأنوثته.. أظل شارداً متأملاً قسماتها، وحركاتها، وطريقة نطقها للحروف، وأناملها البيضاء الرفيعة وهي تتناول الجنيهات بتأفف وإباء، ومراقباً لاهتزازات نهديها وتكورهما، تحت ثيابها الضيقة، ولمَّا تتحرك لتجلب شيئاً ويُصبح جسمها بالكامل أمام ناظري، أَنْشَدِه وأغبطُ عيناي على ما رأت من جمال ودلع، وتتماوج دقات قلبي مع تماوج شعرها المتهدل

عدد الصفحات ١٦٠