المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الرحمة في ضوء القرآن الكريم

قسيم محمد عليان وردات

صفحة ٢ من ٤

109 ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﰀﯸ ﯹ ﯺ ﯻﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ، وفي هذه الآية بيان ثواب أهل الجهاد ]التوبة[ )ﭛﭚ ﭙ ﭘ ﭗ ﭖ ، ورضوان، وجنات عالية، اللهوالإِيمان والهجرة، وهو أن لهم رحمة من قال تعالى: (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ)”أي: يبشرهم المولى برحمة عظيمة، ورضوان كبير من ربِّ عظيم، . )((نعيم دائم لا زوال له”وجنات عالية قطوفها دانية، لهم في تلك الجنات بين ثواب أهل الجهاد والإِيمان والهجرة، اللهووجه الدلالة هنا: أن ورضوانه، وهذا يدل على أن من اللهومن ثوابهم شمولهم برحمة ، والهجرة تعالى الإيمان به، والجهاد في سبيله اللهموجبات رحمة . >ابتغاء مرضاته ﯚ ( بأهل الجهاد والهجرة ؛ قوله تعالى: اللهومما يدل على رحمة ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯛ (، وقوله تعالى: ]110النحل[ )ﯬﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ . ]الن[ )ﯼﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ . الله. الجهاد في سبيل 3 تعالىالله، قال >اللهمن الأسباب الموجبة للرحمة الجهاد في سبيل ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ( ﭞﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹﭺ ﭵﭬﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ، وفي هذه الآية حث وترغيب بالجهاد، إذ ]الن[ )ﭿﭻ ﭼ ﭽ ﭾ أنها بينت عدم تساوي من جاهد من المؤمنين بنفسه وماله، ومن لم يخرج . 489/( الصابوني، صفوة التفاسير، )((

عدد الصفحات ١٧

110 المجاهدين على الله في الدرجة، فقد فضل اللهللجهاد ولم يقاتل أعداء المجاهدين اللهالقاعدين من أهل الأعذار درجة؛ لاستوائهم في النية، وفضل في سبيله على القاعدين بغير عذر بدرجات عدة، كما في الحديث النبوي للمجاهدين في سبيله ما بين اللهالشريف: (إِن في الجنة مائة درجة أعدها بالمغفرة والرحمة اللهكل درجتين كما بين السماء والأرض)، ووعدهم . )((التي تشتمل على حصول كل خير، واندفاع كل شر . التوبة. 4 ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩﭪ ﭫ( تعالى: الله قال ﭬ ﭭ ﭮ ﭯﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ أنه الله، ففي هذه الآية يبين ]54الأنع[ )ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ أوجب على نفسه المقدسة الرحمة تفضلاً منه وإِحسانًا لمن عمل خطيئة من غير قصد، أو أنه جاهل بما يتعلق به من المكروه والمضرة، والحلال والحرام، ، وقوله: )(( يغفر له ويرحمهاللهثم تاب من بعد ذلك الذنب وأصلح عمله فإن (ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ) “يدل على أنه لا بد مع ترك الذنوب والإقلاع، ، وإصلاح ما فسد من اللهوالندم عليها، من إصلاح العمل، وأداء ما أوجب . )3(الأعمال الظاهرة والباطنة ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ( وهذا كقوله تعالى: ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮠﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ، والمعنى: إلا الذين تابوا ]اآل عمران[ )ﮬﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ . )4( يقبل توبتهم ويعفو عنهماللهمن القذف وَأَصلحوا أعمالهم فإن التوبة، ومما اللهوهذا يدل على أن من الأسباب الموجبة لرحمة . 73/(. والصابوني، صفوة التفاسير،95 ينظر: السعدي، تيسير الكريم الرحمن، )(( . 364/(، والصابوني، صفوة التفاسير،376/4 ينظر: القاسمي، محاسن التأويل،، )(( بتصرف يسير. 58 السعدي، تيسير الكريم الرحمن، )3( 3(7/7 ينظر: القاسمي، محاسن التأويل، )4(

عدد الصفحات ١٨

111 ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ (يدل على ذلك -أيضًا- قوله تعالى: ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ، وقوله تعالى: ]البقرة[ )ﮩﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ . ]اآل عمران[ )ﮰﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ( . الإصلاح والتقوى. 5 ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ( تعالى: اللهقال وجوب الأخوة بين المؤمنين في الله، وهنا يبين ]الحجرات[ )ﯧﯦ الدين؛ لأنهم منتسبون إلى أصل واحد وهو الإِيمان، وهذه الأخوة موجبة يعني كل مسلمين تخاصما وتقاتلا، )ﯟ ﯠ ﯡ (للإصلاح وتخصيص الاثنين بالذكر لإثبات وجوب الإصلاح فيما فوقهما بطريق ، ثم أمر بالتقوى عمومًا، ورتب على القيام بحقوق المؤمنين وبتقوى )((الأولى في حصول . وهذا تحقيق منه )ﯥ ﯦ (، الرحمة فقال: الله الرحمة لمن قام بحقوق المؤمنين ومنه الإصلاح، ولمن اتقاه، وهذا يدل على تعالى من موجبات الرحمة، ودل ذلك اللهأن الإصلاح بين المؤمنين، وتقوى . )((على أن عدم القيام بحقوق المؤمنين، من أعظم حواجب الرحمة . العفو والصفح6 ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ( تعالى: الله قال ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮉ ﮊ ﮋ (، وقوله تعالى: ]البقرة[ )ﮩﮣﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ، وفي هذه الآية تحذير للمؤمنين ]التغ[ )ﮜﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ، والشوكاني، 0/8، وأبو السعود، إرشاد العقل السليم،35/5 ينظر: البيضاوي، أنوار التنزيل، )(( . 74/5فتح القدير، . 800، والسعدي، تيسير الكريم الرحمن، ص35(/7 ينظر: ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، )((

عدد الصفحات ١٩

112 من الاغترار بالأزواج والأولاًد، فإن بعضهم عدو لكم، ومن عداوتهم أنهم ، ويثبطونكم اللهيصدونكم عن الخير، كأن يصدونكم عن الجهاد في سبيل ؛ لذلك احذروا أن تستجيبوا لهم وتطيعوهم، ولكن هذا لا يعني اللهعن طاعة إلحاق الضرر بهم، والغلظة عليهم، فإنه مع الحذر منهم لا بد من العفو عنهم ، “وإن تعفوا عن ذنوبهم التي ارتكبوها بترك المعاقبة، وتصفحوا )((والصفح اللهبالإعراض وترك التثريب عليها، وتغفروا بأن تخفوها وتستروها فإن . )((بالغ المغفرة والرحمة لكم ولهم، يعاملكم بمثل ما عملتم ويتفضل عليكم” بين ثواب المؤمنين الذين يعفون ويصفحون، الله ووجه الدلالة هنا: أن ، وهذا يدل على أن من الأسباب الموجبة اللهومن ثوابهم شمولهم برحمة بعباده العفو والصفح. اللهلرحمة . الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر7 ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ( ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢﮣ ﮤ ﮥ ﮦﮧ ﮨ .]التوبة[ )ﮬﮩ ﮪ ﮫ المنافقين بالأعمال الخبيثة والأحوال الفاسدة، ثم ذكر الله“لما وصف بعده ما أعد لهم من أنواع الوعيد في الدنيا والآخرة، عقبه بذكر أوصاف المؤمنين وأعمالهم الحسنة، وما أعد لهم من أنواع الكرامات والخيرات في ، وقد وصفهم بضد ما وصف به المنافقين، فوصفهم بخمس )3(الدنيا والآخرة ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ (صفات، وهي أنهم ﮤ ( جزاءهم فقال: الله، ثم بين )ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮨ ﮩ ﮪ ( من اتصف بهذه الصفات، الله “أي: سيرحم )ﮥ ﮦ . 37(/3، والصابوني، صفوة التفاسير،0(3 ينظر: السعدي، تيسير الكريم الرحمن، ص )(( . 84/5 بتصرف، وينظر: الشوكاني، فتح القدير،9-((8/5 البيضاوي، أنوار التنزيل، )(( . 38(/( الخازن، لباب التأويل، )3(

عدد الصفحات ٢٠

113 ولرسوله وللمؤمنين، حَكِيمٌ لله أي: عزيز، من أطاعه أعزه، فإن العزة )ﮫ في قسمته هذه الصفات لهؤلاء، وتخصيصه المنافقين بصفاتهم المتقدمة، فإن . )((له الحكمة في جميع ما يفعله، تبارك وتعالى” بعباده الصفات اللهوهذا يدل على أن من الأسباب الموجبة لرحمة الخمس السابقة وهي الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقام الصلاة، . S، وطاعة رسوله اللهوإيتاء الزكاة، وطاعة . إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. 8 بعباده؛ إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، ويدل اللهمن موجبات رحمة ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ (على ذلك الآية السابقة، وقوله تعالى: بإقامة الصلاة، ، حيث “يأمر ]النور[ )ﮝﮚ ﮛ ﮜ بأركانها وشروطها وآدابها، ظاهرًا وباطنًا، وبإيتاء الزكاة... وطاعة وذلك بامتثال أوامره واجتناب نواهيه... لَعلكم حين تقومون Sالرسول فمن أراد الرحمة، فهذا طريقها، ومن رجاها من دون إقامة )ﮜ(بذلك الصلاة، وإيتاء الزكاة، وإطاعة الرسول، فهو متمن كاذب، وقد منته نفسه . )((الأماني الكاذبة” الله. الإنفاق في سبيل 9 ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ( تعالى: اللهقال ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱﯲ ﯳ أن الأعراب الله، بعد أن بين ]التوبة[ )ﯼﯴ ﯵ ﯶﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ في جملتهم أَشد كفرًا ونفاقًا، وبين أن بعضهم يعتقد أَن المال الذي ينفقه غرم وخسارة، بين في هذه الآية أن من الأعراب من يتخذ اللهفي سبيل . 54/4 ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، )(( . 573 السعدي، تيسير الكريم الرحمن، ص )((

عدد الصفحات ٢١

114 S والتقرب منه، وسببًا في دعاء الرسولاللهما ينفق وسيلة إلى رضا يدعو للمُتصدقين Sلهم بالخير والبركة واستغفاره لهم، حيث كان بالخير والبركة ويستغفر لهم، عند أَخذه الزكاة الواجبة والصدقات عن قبولها منهم الله، ”ثم أَخبر )((المندوبة ليوزعها على مستحقيها : أَي: أَلا إن إنفاقهم الصادر عن الإخلاص لله )ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ( بقوله: عليها بإِدخالهم الجنة الله، وقد وعدهم اللهقربة عظيمة لهم عند أي: يشملهم برحمته وفضله )ﯞﯳ ﯴ ﯵ ﯶ(في قوله: . )((جزاءَ إخلاصهم” شملهم برحمته وفضله بسبب إنفاقهم اللهووجه الدلالة هنا: أن الصادر عن الإخلاص لله، وهذا يدل على أن من الأسباب الموجبة لرحمة . > بعباده الإنفاق في سبيله الله . . دعاء الرسول 10 ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ( ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶﯷ ﯸ كما أن الآية السابقة تدل على أن من موجبات ]التوبة[ )ﯼﯹ ﯺ ﯻ ﯮ (، وهذا على معنى: > بعباده الإنفاق في سبيله اللهرحمة ﯫ (، وعلى معنى: اللهأي: نفقاتهم قربة لهم عند )ﯯ ﯰ ﯱ واغتنام دعاء الرسول الله أي: يقصدون بنفقاتهم التقرب إلى )ﯬ بعباده دعاء اللهلهم، فإنها تدل أيضا على أن من موجبات رحمة ” أي: صلوات الرسول )ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ (، وهذا على معنى Sالرسول ، “والمعنى )3(، وتنمي أموالهم وتحل بها البركة الله، تقربهم إلى S .96/4 ينظر: أبو السعود، إرشاد العقل السليم، )(( . 7-6/4 مجموعة من العلماء، التفسير الوسيط، )(( بتصرف يسير. 349 السعدي، تيسير الكريم الرحمن، ص )3(

عدد الصفحات ٢٢

115 )ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ( تعالى الله إلى Sأنَّه يتقرَّب بصدقته ودعاء الرَّسول . )((”اللهأَيْ: نورٌ ومكرمةٌ عند وطاعة الرسول >الله. طاعة 11 اآل[ )ﰁﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ( تعالى: اللهقال “إن ترك المعاصي ينجي من النار، ويقي من سخط الجبار، وأفعال ]عمران الخير والطاعة توجب رضا الرحمن، ودخول الجنان، وحصول الرحمة، ، ولهذا قال: S، وطاعة الرسول>اللهومن أعظم أفعال الخير طاعة وطاعة رسوله، الله... فطاعة )ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ( . )((من أسباب حصول الرحمة “ . اتباع القرآن. 12 ﮠ(: > اتباع القرآن، لقوله اللهمن الأسباب الموجبة لرحمة ، فإن هذه ]155الأنع[ )ﮨﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ، بل هو أكبر اللهالآية تبين أن اتباع القرآن والعمل به سبب لرحمة ، ومعنى الآية: هذا القرآن العظيم فيه النفع الكبير، اللهسبب لنيل رحمة ﮦ (والخير الكثير، والعلم الغزير، فاعملوا بما فيه، واتقوا أن تخالفوه الله بواسطة اتباعه وهو العمل بما فيه، فأكبر سبب لنيل رحمة )ﮧ . )3( إتباع هذا الكتاب، علمًا وعم . الاستماع إلى القرآن الكريم والإنصات له. 13 بعباده -أيضًا- الاستماع إلى اللهمن الأسباب الموجبة لرحمة . 487 الواحدي، الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ص )(( بتصرف. 47 السعدي، تيسير الكريم الرحمن، ص )(( ، والسعدي، تيسير 90/(. والبيضاوي، أنوار التنزيل، 94/( ينظر: ابن الجوزي، زاد المسير، )3( .(80الكريم الرحمن، ص

عدد الصفحات ٢٣

116 ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ(القرآن الكريم والإنصات له، لقوله تعالى: حصول الله. وفي هذه الآية رتب ]الأعراف[ )ﯡﯝ ﯞ ﯟ ﯠ رحمته على الذي يستمع للقرآن وينصت له، “فإن من لازم على هذين ، فإنه ينال خيرًا كثيرًا وعلمًا غزيرًا، وإيمانًا اللهالأمرين حين يتلى كتاب اللهمستمرًا متجددًا، وهدى متزايدًا، وبصيرة في دينه، ولهذا رتب حصول الرحمة عليهما، فدل ذلك على أن من تُلِي عليه الكتاب، فلم . )((يستمع له وينصت، أنه محروم الحظ من الرحمة، قد فاته خير كثير” والأمر بالاستماع والإنصات الوارد في هذه الآية “فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن الإنصات المأمور به هو لقراءة الإمام في الصلاة، والثاني: أنه الإنصات للخطبة، والثالث: أنه الإنصات لقراءة القرآن على الإطلاق وهو الراجح لوجهين: أحدهما: أن اللفظ عام ولا دليل على تخصيصه، . )((والثاني: أن الآية مكية، والخطبة إنما شرعت بالمدينة” بعباده اللهومن ثَم فإن هذه الآية تدل على أن من موجبات رحمة الاستماع إلى القرآن الكريم والإنصات له، بل “قال بعضهم: الرحمة . )3(أقرب شيء إلى مستمع القرآن لهذه الآية . الاستغفار. 14 بعباده الاستغفار، بدليل قوله اللهمن الأسباب الموجبة لرحمة ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥﭦ ﭧ ﭨ ﭩ (تعالى: . أي: قال صالح لقومه: يا قومِ لم تطلبون ]النمل[ )ﭬﭪ ﭫ العذاب قبل الرحمة، ولم تؤخرون الإيمان الذي يجلب إليكم الثواب، المغفرة، اللهوتقدمون الكفر الذي يجلب إليكم العقوبة، هلاّ تسألون . 3(4 السعدي، تيسير الكريم الرحمن، ص )(( . 60-59/( ابن جزي الكلبي، التسهيل، )(( . 60/( ابن جزي الكلبي، التسهيل، )3(

عدد الصفحات ٢٤

117 وتتوبون إليه من الشرك رجاء أن ترحموا، أو كي ترحموا فلا تعذبوا، فإن . )((استعجال الخير، أولى من استعجال الشر بين هنا أن صالحًا طلب من قومه اللهووجه الدلالة هنا: أن الاستغفار لكي يُرحموا فلا يعذبوا، وهذا يدل على أن من الأسباب الاستغفار. اللهالموجبة لرحمة . الإحسان. 15 بعباده -أيضًا- الإحسان، لقوله اللهمن الأسباب الموجبة لرحمة ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛﯜ ﯝ ﯞ (تعالى: بأن الله، “وهذا إخبار من ]الأعراف[ )ﯣﯟ ﯠ ﯡ ﯢ رحمته قريبة من عباده المحسنين بأي نوع من الأنواع كان إحسانهم، وفي ، “فكلما كان العبد أكثر )((هذا ترغيب للعباد إلى الخير وتنشيط لهم” . )3(إحسانًا، كان أقرب إلى رحمة ربه، وكان ربه قريبًا منه برحمته . الصبر. 16 ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵﭭﭫ ﭬ( تعالى: اللهقال )ﮃ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾﭿ ﮀ ﮁ ﮂﭸﭶ ﭷ ثواب الصابرين الذين إذا الله، وفي هذه الآيات يبين ]157-155البقرة[ يفعل بهماللهنزل بهم كرب أو بلاء أو مكروه استرجعوا وأقروا بأنهم عبيد ما يشاء، وهو: أن لهم من ربهم ثلاث بشريات: عليهم وهي مغفرته لهم، ورأفته بهم، والثانية: اللهالأُولى: صلوات رحمته بإزالة آثار المصيبة، أو تعويضهم بما ينعم به عليهم، من جلب نفع . 65/4، والشوكاني، فتح القدير،586/( ينظر: السمرقندي، بحر العلوم، )(( . 4(/( الشوكاني، فتح القدير، )(( . 9( السعدي، تيسير الكريم المنان، ص )3(

عدد الصفحات ٢٥

118 أو دفع ضر، والثالثة: أنهم مهتدون إِلى طريق السعادة، وإلى مطالبهم . )((الدنيوية والأُخروية بين هنا أن من ثواب الصابرين أن لهم اللهووجه الدلالة هنا: أن >الله، وهذا يدل على أن من الأسباب الموجبة لرحمة الرحمة منه الصبر. . 36/(، ومجموعة من العلماء، التفسير الوسيط،94/( ينظر: الصابوني، صفوة التفاسير، )((

عدد الصفحات ٢٦

119 المبحث الثالث في ضوء القرآن الكريم اللهجوانب رحمة بعد استقرائي لآيات الرحمة، ودراستي لها دراسة تحليلية، قمت في ضوء القرآن الكريم -حسب ما ظهر اللهباستنباط جوانب رحمة لي-، وهي كما يلي. المطلب الأول في إرسال الرسل، وإنزال الكتب اللهرحمة في إرسال الرسل. اللهالفرع الأول: رحمة ، ومما يدل  بعباده إرسال الرسل وبعث الأنبياء اللهمن رحمة على ذلك ما يلي: (. ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ (قوله تعالى: ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ .]البقرة[ )ﯼﯶﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ في هذه الآية شدة عداوة الكافرين من أهل الكتاب اللهيبين والمشركين للمؤمنين، ومن عداوتهم أنهم لا يحبون أن ينزل أي:

عدد الصفحات ٢٧

120 سواء أكان النبوة، أم أي: حكم من أحكامS اخير على رسول أن الأمر ليس على مرادهم، بل إنه يختص اللهالإسلام، فأخبر برحمته من يشاء، أي: يختار للنبوة من يشاء ممن هو أهل لذلك، ذو المنّ العظيم لمن اختصه واللهالإسلام من يشاء، ويكرم بدينه . )((بالنبوة والإسلام ﯲ ( وصف النبوة بالرحمة، حيث قال: اللهووجه الدلالة هنا أن أي: يختص النبوة -على قول من قال )ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ -إذًا- بعباده إرسال اللهذلك- من يشاء من عباده، فمن رحمة . الرسل وبعث الأنبياء (. )ﮚﮑ ﮒ ﮓ ﮔﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ (قوله تعالى: ووجه الدلالة فيها كما في الآية السابقة، وهو قوله: ]اآل عمران [ ، وقيل: إنها الإسلام، وقيل: القرآن)(( أي: بنبوته)ﮑ ﮒ( . وهذا يدل على أن من رحمة )3(والإسلام. وكلها أقوال صحيحة ، كما أن من رحمته  بعباده إرسال الرسل، وبعث الأنبياء الله إنزال الكتب، ومنها القرآن الكريم، ومن رحمته -أيضًا- أنه يهدي لدينه من يشاء. 3 . بعباده إرسال الرسل قولهاللهمما يدل -أيضًا- على أن من رحمة ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡﯢ ﯣ ﯤ ﯥ (تعالى: ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮﯯ ﯰ .]التوبة[ )ﯷﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ وهذه الآية تبين نوعًا من قبائح المنافقين السيئة الكثيرة، وهي أنهم ، والزمخشري،، 0/(. والسمعاني، تفسير القرآن، 88/( ينظر: السمرقندي، بحر العلوم، )(( . 75/(الكشاف، . 55/( ينظر: البغوي، معالم التنزيل، )(( . 95/( ينظر: ابن الجوزي، زاد المسير، )3(

عدد الصفحات ٢٨

121 بتعييبه والطعن في رسالته فيماSكانوا يؤْذون خير الخلق محمد بينهم بأَن يسموه أُذنًا، أي: أَنه يسمع كل كلام يلقى إِليه ويصدقه، ولا يفرق بين الصحيح والباطل، وهذا الكلام اغترارً منهم بحلمه اللهعنهم، وصفحه عن جناياتهم كرمًا وحلمًا وتغاضيًا، فأمر أي: هو أذن خير لا )ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ( بالرد عليهم: Sرسوله أذن شر، يسمع الخير فيعمل به، ولا يعمل بالشر إِذا سمعه، ثم بين : )ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ(القرآنُ الكريم كونه أَذن خير بقوله: فيما يقول، ويصدِّق المؤمنين فيما يخبرونه به لعلمه اللهيصدِّق أي: وهو رحمة للمؤمنين لأنه )ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ(بإِخلاصهم . )((استنقذهم به من الضلالة، وأورثهم باتِّباعه جنّاته S اووجه الدلالة: أن من جملة الردود على المنافقين أن رسول بعباده إرسال اللهرحمة للمؤمنين، وهذا يدل على أن من رحمة إلى الناس لإخراجهم من الظلمات إلى الرسل ومنهم محمد النور، ومن الضلالة إلى الهداية، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن الشرك إلى التوحيد. في إنزال الكتب. اللهالفرع الثاني: رحمة بعباده إنزال الكتب، ومما يدل على ذلك اللهإن من وجوه رحمة ما يلي: (. ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ (قوله تعالى: أنه أنزل القرآن الله، وفي هذه الآية يبين ]الأعراف[ )ﭛﭚ الكريم، أو الكتب بشكل عام هدى ورحمة بعباده المؤمنين، والمعنى: ، وينظر: 4(4/(، وينظر: الشوكاني، فتح القدير،3(8-3(4/(4 ينظر: الطبري، جامع البيان، )(( . 508-507/(الصابوني، صفوة التفاسير،

عدد الصفحات ٢٩

122 ولقد جئنا أهل مكة بكتاب هو القرآن العظيم، أو جئنا كلَّ أُمة من الأُ على لسان رسولها بكتاب بيَّنَّا معانيه، ووضحنا ما فيه من العقائد والأَحكام والمواعظ، مفصَّلة على علمٍ تامٍّ منَّا حتى جاء قيّمًا محكما ؛ أي: دلالة ترشدهم إلى )ﭗ(غير ذي عوج -جئناهم بهذه النعم- ؛ أي: ينجيهم من العذاب لما ) ﭘ(الحق، وتنجيهم من الضلالة فيه من الدلائل ورفع الشبه لمن آمن به، فهم المهتدون بهداه المنتفعون -إذن- أنه أنزل الكتب لهداية عباده المؤمنين. الله. فمن رحمة )((به (. ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ( قوله تعالى: ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮐﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ، وهذه الآية خطاب لأهل مكة أو لكل ]يون[ )ﮛﮘ ﮙ ﮚ العظيمة عليهم في إنزال القرآن الكريم، وقد الله، لبيان نعمة )((الناس هنا بأربع صفات وهي: موعظة وشفاء وهدى ورحمة؛ اللهوصفه والموعظة أي: زاجر مقترن بتخويف عن الشرك، أو ما يدعو إلى الصلاح بطريق الرغبة والرهبة، وشفاء لما في القلوب من داء الجهل، وشفاء لها من الشِّرك، وشفاء لما في الصدور من الشكوك وسوء الاعتقاد، وهدى من الضلالة إلى الحق واليقين، ورحمة للمؤمنين أي: على المؤمنين، إذ نجوا به من ظلمات الضلال إلى نور اللهنعمة من الإِيمان، وتبدلت مقاعدهم من طبقات النيران بمصاعد من درجات يعني: قل يا مُحمَّد للمؤمنين: بفضل ) ﮑ ﮒ ﮓ( الجنان. ثم قال: أشار )ﮕ ﮖ( في الإسلام وبرحمته في إنزال القرآن. الله ﮗ ﮘ ﮙ (بذلك إلى القرآن، لأن المراد بالموعظة والشفاء: القرآن . )3( من حطام الدنيا فإنها إلى الزوال قريبًا )ﮚ . 435/3، ومجموعة من العلماء، التفسير الوسيط،66/5 ينظر: القاسمي، محاسن التأويل، )(( . 4(7/(والصابوني، صفوة التفاسير، . 448/(.، والخازن، لباب التأويل،(((/( ينظر: السمرقندي، بحر العلوم، )(( ، والخازن، 7-((6/3، والبيضاوي، أنوار التنزيل، (((/( ينظر: السمرقندي، بحر العلوم، )3( .448/(لباب التأويل،

عدد الصفحات ٣٠

123 وصف القرآن الكريم في هذه الآية بأربع اللهووجه الدلالة: أن صفات، ومنها أنه رحمة للمؤمنين؛ ثم كرر وصف القرآن بالرحمة في وبرحمته أي: القرآن؛ لأنه ،)ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ(الآية التالية إذ قال: سبب في هداية الناس في الدنيا، ونجاتهم من العذاب في الآخرة، بعباده إنزال الكتب وأهمها اللهوهذا يدل على أن من رحمة القرآن الكريم. 3 .ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱﯲ ﯳ ﯴ ﯵ (قوله تعالى: ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ، (أي: لقد كانَ في قصة يوسف ]111يو[ )ﰃ ﰀ ﰁ ﰂ وإخوته، وقصص سائر الرسل عبرة لذوي العقول النيرة، أو لمن أراد أن يعتبر بيوسف، ويقتدي به، وما كان مثل هذا القرآن اختلاقًا وكذبًا، ولكن تصديق لما سبقه من الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل، وبيان كل ما يُحتاج إليه من العقائد وأحكام الحلال والحرام، وَهُدىً ، اللهمن الضلالة، ورحمة من العذاب لقوم يصدقون بتوحيد . )((، وبالقرآن)Sوبمحمد وصف القرآن الكريم بأنه رحمة اللهووجه الدلالة في الآية: أن على أنبيائه اللهللمؤمنين، وهذا هو شأن كل الكتب المنزلة من ؛ لأن القرآن الكريم من تلك الكتب، لكنه أعظمها؛ لذا ورسله ليكون اتباعه والعمل به أعظم Sنزل على أفضل الأنبياء محمد ، وهذا يدل على أن من رحمة )(( اللهأسباب الهداية، ونيل رحمة بعباده المؤمنين إنزال الكتب وأعظمها القرآن الكريم. الله . والسعدي، تيسير 88/(بتصرف، والبغوي، معالم التنزيل،4/( السمرقندي، بحر العلوم، )(( . 407الكريم الرحمن، ص ، والسعدي، تيسير 90/(. والبيضاوي، أنوار التنزيل،94/( ينظر: ابن الجوزي، زاد المسير، )(( . 80الكريم الرحمن، ص

عدد الصفحات ٣١

124 4 .ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ( تعالى: اللهقال )ﯴﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ  على عبده ورسوله موسى الكليم الله، وقد أنعم ]الق[ بإنزال التوراة بعد ما أهلك فرعون وقومه ومن تقدمهم من قوم نوح وهود وصالح ولوط، ليكون ذلك الكتاب مصدر إشعاع للحياة، وبصائر للناس، أي: أنوارا للقلوب يميز به بين الحق والباطل، وهداية من الضلال والعمى، وَهُدىً إلى الاعتقادات الصحيحة ودلائلها، ورحمة لمن آمن به بالإرشاد إلى العمل الصالح، لعل . )((الناس يتذكرون به ويتعظون، ويهتدون بسببه بين الغاية من إنزال التوراة على نبيه اللهووجه الدلالة هنا: أن ، وهي أنه بصائر للقلوب، وهداية للناس من الضلال موسى والعمى، ورحمة لمن آمن به من العذاب، وهذا يدل على أن من رحمة بعباده المؤمنين إنزال الكتب ومنها التوراة. الله المطلب الثاني قبول التوبة اللهمن رحمة والعفو عن العاصين والمضطرين (. ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ( تعالى: اللهقال أنه لما عصاه آدم الله، ففي هذه الآية يبين ]البقرة[ )ﰊﰉ الله« ﰃ(عليه، فاستقبلها بالأخذ والقبول، والعمل بها حينما تعلمها، ﰆ (... أي: رجع عليه بالرحمة، بأَن قبل توبته... وقوله: )ﰄﰅ . 0/(0، والزحيلي، تفسير المنير،5(4-5(3/7 ينظر: القاسمي، محاسن التأويل، )((

عدد الصفحات ٣٢