المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم وموقف المسلمين منها بين الوعي والسعي

رمضان خميس زكي الغريب

صفحة ٧ من ٨

104 سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم أثر ريادة القلة في المجتمع وهذه القلة وإن كانت في أعين الناس كذلك إلا أنها في الواقع ونفس الأمر كثيرة، كثيرة بأفعالها، كثيرة بأثرها، وقد وصفها الله ﷻ بهذا الوصف في آية سورة البقرة، في قوله ﷻ ، مع أن المتوقع في غير القرآن أن التقسيم يكون ﴾يُضِلّهُ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً ﴿ بعضهم قليلا وبعضهم كثيرا، وهذا لبيان أنهم في أثرهم وفعلهم كثرة، (فإنْ قيل: كيف وصف المهتدين هنا بالكثرة وهم قليلون..فالجوابُ أَنهّم، وإن كانوا قليلينَ في الصُّورة، فهم كثيرون في الحقيقةِ الذوات الشريفة كما قيل: ولم أر أمثال الرجال تفاوتت لدى المجد حتى عد ألف بواحد وهذه القلة هي التي يحمي الله ﷻ بها الأمة، وينهض بها الكسالى، ويوقظ بها النّقوّم، فالقلة مع طالوت هي التي أعطت النموذج الصابر والواعب لسنن الله ﷻ في الحياة والأحياء، وهي التي أعطت القدوة من نفسها، في صبرها على الظمأ، وإرادتها القوية، وتغلبها على نفسها ومتطلباتها الأساسية، وهي التي من أجلها صنع الله ما صنع في جالوت وجنوده، وهي التي من أجلها صنع الله ما صنع في الأرض من طوفان نوح، ذلك أن ثبات هذه الفئة هو الذي يغير مجرى الحياة، وانتفاضة تلك المجموعة هي التي أزهرت عصور بني إسرائيل في عهد داوود. أثر هذه القلة في النهضات والشهود الحضاري هذه القلة هي التي تؤثر في الشهود الحضاري للأمم والجماعات، وهي التي تقوم بها الحضارات، وتستمر بها أسس التمكين، فلها الريادة فيه، وعليها المعول في بقائه، والنماذج التي ذكرها القرآن للقلة خير شاهد على هذا،( إذ هذه الفئة هي التي تقرر مصير المعركة بعد أن تجدد عهدها مع الله، وتتجه بقلوبها إليه، وتطلب النصر منه وحده، وهي تواجه الهول قْدامَنا، َ فْرِغْ عَلَيْنا صَبْاً، وَثَبّهِتْ أ َ رَبَّنا أ : وَلَمَّا بَرَزُوا لِالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا ﴿الرعيب: فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَِّ، وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ، وَآتاهُ اللَُّ الْمُلْكَ . وَانْصُْنا عََ الْقَوْمِ الْكفِرِينَ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ﴿وكانت النتيجة هي التي ترقبوها واستيقنوها: ، ِكْمَةَ، وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَالْ ، ويؤكد النص هذه الحقيقة ﴾ِالل التصور الكامل لحقيقة ما يجري في هذا الكون، ولطبيعة القوة التي تجريه. إن المؤمنين ستار 11( 12(

عدد الصفحات ١٠٤

105 الفصل الثالث: موقف المسلمين من سنة الله في القلة والكثرة بين الوعي والسعي القدرة، يفعل الله بهم ما يريد، وينفذ بهم ما يختار بإذنه، ليس لهم من الأمر شيء، ولا حول لهم ولا قوة، ولكن الله يختارهم لتنفيذ مشيئته، فيكون منهم ما يريده بإذنه، وهي حقيقة خليقة بأن تملأ قلب المؤمن بالسلام والطمأنينة واليقين، إنه عبد الله، اختاره الله لدوره، وهذه منة من الله وفضل. وهو يؤدي هذا الدور المختار، ويحقق قدَر الله النافذ. ثم يكرمه الله- بعد كرامة الاختيار- بفضل الثواب. ولولا فضل الله ما فعل، ولولا فضل الله ما أثيب. ثم إنه مستيقن من نبل الغاية طهارة القصد ونظافة الطريق، فليس له في شيء من هذا كله أرب ذاتي، إنما هو منفذ لمشيئة الله الخيرة قائم بما يريد. استحق هذا كله بالنية الطيبة والعزم على الطاعة والتوجه إلى الله في خلوص وإذا تتبعنا القلة ومهمتها في نهضات الأمم عرفنا قيمتها وأثرها، ورصدُ القرآنِ الكريم لها دليل صدق، وبرهان حق على هذا الأثر للقلة العاملة، وواقع الناس بفِطَرِهم السوية وإدراكهم السليم يعي هذا الأمر ويعمل في ضوئه، فالعرب ببساطتهم وصفاء فطرتهم يعرفون هذه المعادلة وكلامهم في دواوينهم التي حفظت خصائصهم في ذلك غني عن التعقيب. وهذه القلة المختارة والصفوة المنتقاة هي التي تؤثر ولا تتأثر، وتقود ولا تقاد، وتقُتْبع ولا تقَتْبع، أما الكثرة الفارغة من كل عطاء، والقاعدة عن كل مضاء، فلا تقوم بها حضارة، ولا تنهض عليها أمة، ولا يؤسس عليها تمكين، (إن الكثرة العددية ليست بشيء، إنما هي القلة العارفة المتصلة الثابتة المتجردة للعقيدة. وإن الكثرة لتكون أحياناً سبباً في الهزيمة، لأن بعض الداخلين فيها، التائهين في غمارها، ممن لم يدركوا حقيقة العقيدة التي ينساقون في تيارها، تتزلزل أقدامهم وترتجف في ساعة الشدة فيشيعون الاضطراب والهزيمة في الصفوف، فوق ما تخدع الكثرة أصحابها فتجعلهم يتهاونون في توثيق صلتهم بالله، انشغالاً بهذه الكثرة الظاهرة عن اليقظة لسر النصر في الحياة. لقد قامت كل عقيدة بالصفوة المختارة، لا بالزبد الذي يذهب جفاء، ولا بالهشيم الذي تذروه الرياح 13( 14(

عدد الصفحات ١٠٥

106 سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم وأثرها في الشهود الحضاريالقلة مع نوح وإذا نظرنا إلى قلة مؤمنة أخرى عاشت المحنة والمنحة، والبلاء والعطاء، والسلب والإيتاء، وهي القلة المؤمنة مع نوح  وجدنا كم كان جهدها في الشهود الحضاري وكم كان لها من مهمة في بقاء بذور الإيمان بالله، ولذا صنع الله لها ما صنع من إغراق الكافرين وتغيير ناموس الأرض، (إن هذه الحفنة- وهي ثمرة ذلك العمر الطويل والجهد الطويل- قد استحقت أن يغير الله لها المألوف من ظواهر هذا الكون وأن يجري لها ذلك الطوفان الذي يغمر كل شيء وكل حي في المعمور وقتها من الأرض! وأن يجعل هذه الحفنة وحدها هي وارثة الأرض بعد ذلك، ونوح عليه السلام هو أول وبذرة العمران فيها والاستخلاف من جديد، وهذا أمر خط من صنع الفلك، الفئة المؤمنة معه هي التي منها عَمُرَت الدنيا واستقرت الحياة. حاجة القلة المعاصرة للإفادة من هذه الملامح والقلة المؤمنة اليوم التي تسعى لريادة البشرية باسم الله، وقيادة الدنيا بالدين، في أمس الحاجة لتفهم هذه الملامح السننية في قانون القلة، وإدراك هذه الأسس التي تتكرر في كل زمان وفي كل قلة؛ لأنها قانون مطرد وناموس حاكم، وفي حاجة ماسة لإدراك عاقبة هذه القلة التي رصدها القرآن، وألح في عرض صورها، ونوع في بيان خصائصها، على تباعد الزمن وتباعد المكان، وتغاير الأفراد، إلا أن القانون واحد في كل زمن وفي كل مكان،(إن طلائع البعث الإسلامي التي تواجه الجاهلية الشاملة في الأرض كلها والتي تعاني الغربة في هذه الجاهلية والوحشة كما تعاني الأذى والمطاردة والتعذيب والتنكيل، إن هذه الطلائع ينبغي أن تقف طويلاً أمام هذا الأمر الخطير، وأمام دلالته التي تستحق التدبر والتفكير! إن وجود البذرة المسلمة في الأرض شيء عظيم في ميزان الله ﷻ، شيء يستحق منه سبحانه أن يدمر الجاهلية وأرضها وعمرانها ومنشآتها وقواها ومدخراتها جميعاً كما يستحق منه سبحانه أن يكلأ هذه البذرة ويرعاها حتى تسلم وتنجو وترث الأرض وتعمرها من جديد! لقد كان نوح  يصنع عْيُنِنا وَوَحْيِنا وَل تُاطِبْنىِ فِ الَِّينَ َ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأ ﴿الفلك بأعين الله ووحيه، كما قال ﷻ: 16()﴾ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ 15( 16(

عدد الصفحات ١٠٦

107 الفصل الثالث: موقف المسلمين من سنة الله في القلة والكثرة بين الوعي والسعي وحينما تدرك هذه الطلائع تلك العاقبة وتدرك قبلها اتفاق السمات والخصائص، وتوافق الملامح والصفات، يأتيها شيء من برد اليقين، ورَوْحِ الإيمان وهدوء الاطمئنان إلى سلامة العاقبة، وحين تدرك تأييد الله ﷻ للقلة العاملة وتغيير نواميس الكون لها بسننه الخارقة، توقن من نصر الله لها، وحمايته لبقائها. تغيير نواميس الكون للقلة المؤمنة وهذه القلة المؤمنة مرعية بعين الله ﷻ وفي عنايته؛ إنها البقية الباقية التي تسعى لتعبيد الناس لله، وتهيئة الوجود لأرقى حالات الشهود، تتحمل ما تتحمل في سبيل تعريف الناس بربهم، وصلتهم به، ودلالتهم عليه، وهي من أجل ذلك استحقت أن تحظى برعاية الله ﷻ وتأييده، فيغير لها النواميس ويخضع السنن الجارية في حقها للسنن الخارقة، فالكل مربوب لله رب العالمين، والمتأمل للقلة مع داوود يجد بوضوح هذا التغيير، فداود قتل جالوت بمقلاع، بسيط، والعدد القليل الذي عبر النهر هو الذي تهيأت له الأسباب للغلبة على الكثرة المغرورة، هي التي تغير لها وبها الناموس الحاكم والسنن الجارية، فانتصروا ﷺوالقلة المؤمنة مع نبينا محمد في بدر وغيرها وهم لا يصِلون إلى ثلثي عدد جيش عدوهم، والقلة المؤمنة مع نوح هي التي غير الله ﷻ لها السنن الجارية فأرسل لها الطوفان، وحمله على ذات ألواح ودسر، تجري بأعين الله ﷻ جزاء لمن كان كفر، (إن عصر الخوارق لم يمض! فالخوارق تتم في كل لحظة- وفق مشيئة الله الطليقة- ولكن الله يستبدل بأنماط من الخوارق أنماطاَ أخرى، تلائم واقع كل فترة ومقتضياتها. وقد تدِق بعض الخوارق على بعض العقول فلا تدركها، ولكن الموصولين بالله يرون يد الله دائماً، ويلابسون آثارها المبدعة. والذين يسلكون السبيل إلى الله ليس عليهم إلا أن يؤدوا واجبهم كاملاً، بكل ما في طاقتهم من جهد، ثم يدَعوا الأمور لله في طمأنينة وثقة. وعندما يُغلبون عليهم أن يلجأوا إلى الناصر المعين وأن يجأروا إليه كما جأر عبده الصالح نوح رَبَّهُ أَنيِّ مَغْلُوبٌ، فَانقْتَصِرْ هذا الانتظار مأجورون 17(

عدد الصفحات ١٠٧

108 سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم مهمة القلة المؤمنة اليوم ومهمة القلة المؤمنة اليوم التي تسعى لإنهاض أمتنا على أسس ربانية، في حاجة ماسة لمعايشة هذه السنن، تقف أمامها طويلا وترى كيف نصر الله القلة المؤمنة، خاصة وان العالم العربي اليوم في حالة مخاض جديد يؤذن بميلاد عصر سعيد ورشيد، تعلو فيه كلمة الحق والعدل والحرية، سيما وقد عاش الناس عصورا من الخسف والتنكيل، والمسخ الفكري، والتيه التاريخي الممنهج، وآن لها أن تعود إلى ربها وكتابه ومنهاجه، والسعيد من وُعظ بغيره، وقد بصر الله للوقوف والتذكر لتقارن بين حالين، وتبصر الفرق ﷺﷻ القلة المؤمنة الأولى مع النبي محمد بين زمانين، زمان القلة والذلة، والهوان والامتهان، وزمان الإيواء والعناية، وعندما تقف القلة المعاصرة الرائدة بهذه النية وهذا العزم وتبصر السابق وتنسج على منواله تنجو كما نجا، وتحيا عزيزة الجانب مرعية الجناب، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

عدد الصفحات ١٠٨

109 الفصل الثالث: موقف المسلمين من سنة الله في القلة والكثرة بين الوعي والسعي المبحث الثاني فقه صناعة القلة الرائدة وموقف الأمة منها إذا تأملنا واقع المسلمين بين الماضي والحاضر، وموقفهم من سنة الله في القلة والكثرة، رأينا أن وعي المسلمين بها وعنايتهم بأثرها، أو إهمالهم لها وعدم اهتمامهم بها هو الذي شكل محور الأساس وحجر الزاوية في فترات الانتصار أو الانكسار، فيوم أن وعى المسلمون – على ضوء مقاصد القرآن، وفلسفته للقلة والكثرة بل سنته فيها - يوم أن وعوا أثر القلة في الشهود الحضاري وقيمة هذا التضام والتجمع على مستوى العلماء والأمراء، والنخبة الفكرية والعلمية وعلى مصاف الساسة والحكام، والزهاد وأرباب السلوك، يوم أن عزوا وقدموا للبشرية - فضلا عن الإسلام أروع صور الحضارة، وأرقى نماذج الإنسان عندما يبدع ويبتكر في ضوء مقولات الوحي ومتطلبات السماء، ويوم أن أغفلوا النظر إلى هذه السنة الماضية وأهملوا التعامل معها يوم أن أصبحوا غثاء كغثاء السيل أو هباء تذروه الرياح، فلا وزن في عالم الحضارة، ولا قيمة في دنيا الأرقام، ولا سبق في مجال العلم ولا ريادة في جانب الاجتماع، وكانوا هم من انطبقت مَّا َ كَذَلِكَ يَضِْبُ اللُّ الَْقَّ وَالَْاطِلَ فَأ ﴿عليهم السنة في القلة والكثرة كما انطبقت على غيرهم. سورة الرعد: ﴾مْثَال َ رْضِ كَذَلِكَ يَضِْبُ اللُّ ال َ مَّا مَا يَنفَعُ الَّاسَ فَيَمْكُثُ فِ ال َ الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأ .من الآية وإذا سألنا التاريخ عن فترات الشهود الحضاري للأمة المسلمة أخبرنا أنها تلك الفترات التي فهم المسلمون فيها أثر هذه القلة ومهمتها في الشهود الحضاري وإنهاض الأمة، وقد بدا ذلك في عصور متتابعة، فيوم أن تصدر العلماء لإرشاد الأمة ونصح الأمراء بالكتاب والسنة، يوم أن وصلت الأمة إلى مرحلة مشهودة من التمكين، وإذا نظرنا إلى محنة ضياع الأقصى وكيف عاد إلى دوحة الإسلام وحصن المسلمين عرفنا مهمة القلة من العلماء الرواد الذين تعاونوا مع الأمراء الحكماء في معركة حطين التي انتصر فيها صلاح الدين الأيوبي، عام تكن وليدة تراتيب إدارية وعسكرية فقط، بل تراتيب تربوية لنفوس الجيش والأمة، وليس على مستوى المرحلة الزمنية للمعركة بل على تطاول أجيال متعاقبة في عهود زنكي ونور الدين ثم صلاح الدين، ( فإن عددا من الدعاة والعلماء قد وقفوا مع هؤلاء الأبطال الثلاثة – زنكي ونور الدين وصلاح الدين، - وكان على رأس هؤلاء المؤرخ بهاء الدين أبو المحاسن بن شداد

عدد الصفحات ١٠٩

110 سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم 632/539( عبد الله محمد الأصفهاني المعروف بالعماد الكاتب، المؤرخون أشد وأنكى على الصليبيين من سيوف المجاهدين، إذ به جمع صلاح الدين عساكر .المسلمين، وبأسلوبه البليغ المؤثر ألف بين قلوبهم وحبب الاستشهاد إلى نفوسهم ومَثَّل وعيُ العلماء وفقههم بمتطلبات الحضارة وإقرار شؤون الدولة ومصالح العباد ورعايتهم، جانبا مهما من علاقتهم بالأمراء ومدى تأثيرهم فيهم وسماعهم رأيهم، فقد أشار القاضي الفاضل على صلاح الدين بعد صلح الرملة لأسباب عرضها عليه؛ مؤيدا إقناعه بفتوى دينية نصها: أن الانقطاع لكشف مظالم الخلق أهم من كل ما يتقرب به إ والمطالع لحقب التاريخ المتطاولة في حياة المسلمين يرى ريادة القلة والتكامل بينها وبين الأمة عن طريق قيادتها وتبصيرها، مما كان له أبعد الأثر في نهضة الأمة فالتكامل بين الساسة والدعاة في العصر المملوكي والعثماني كان له أثره البالغ في حضارة الأمة واستقرارها، كما لا يخفى على المطالع للتاريخ مدى التكامل بين أمراء المماليك والعلماء في مقاومة التتار، وإذا نظرنا إلى بلاد المغرب وبلاد الهند واستعرضنا مواقف العلماء والقلة الرائدة وأثرها بالأسماء والأرقام؛ عرفنا مدى أثر الوعي بسنة القلة وريادتها في الشهود الحضاري. ووجود هذه القلة الرائدة الآمرة بالمعروف الناهية عن المنكر الداعية إلى صراط الله المستقيم ضرورة من ضرورات المنهج الإلهي ذاته؛ (فهذه الجماعة هي الوسط الذي يتنفس فيه هذا المنهج ويتحقق في صورته الواقعية، هو الوسط الخيرّ المتكافل المتعاون على دعوة الخير، المعروف فيه هو الخير والفضيلة والحق والعدل، والمنكر فيه هو الشر والرذيلة والباطل والظلم، عمل الخير فيه أيسر من عمل الشر، والفضيلة فيه أقل تكاليف من الرذيلة، والحق فيه أقوى من الباطل، والعدل فيه أنفع من الظلم، فاعل الخير فيه يجد على الخير أعوانا، وصانع الشر فيه يجد مقاومة وخذلاناً. ومن هنا تبرز قيمة هذا التجمع، إنه البيئة التي ينمو فيها الخير والحق بلا كبير جهد، لأن كل ما حوله وكل من حوله يعاونه، والتي لا ينمو فيها الشر والباطل إلا بعسر ومشقة، لأن كل ما حوله يعارضه ويقاومه 1( 7241 2( 3(

عدد الصفحات ١١٠

111 الفصل الثالث: موقف المسلمين من سنة الله في القلة والكثرة بين الوعي والسعي كيفية صناعة القلة الرائدة وإذا انتقلنا من التنظير إلى التطبيق ومن ميدان الكلام إلى ميدان العمل نستطيع أن نرصد في برمجة عملية وخطوات إجرائية كيفية صناعة القلة الرائدة التي ترود أمتها إلى الشهود مّهَةً وَسَطًا لّهِتَكُونُواْ ُ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أ ﴿الحضاري وأستاذية العالم كما أراد الله ﷻ حين أخبر: .سورة البقرة: من الآية ﴾َي النّهَاسِ وَيَكُونَ الرّهَسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا شُهَدَاء عَل ويمكن أن نرصد بعض الخطوات العملية التي من شأنها أن تساعد في صناعة القلة الرائدة على النحو التالي: 1 إن لم تكن على المستوى الرسمي من الحكومات والدول بمدى حاجة الأمة إلى ريادة حقيقية فلتكن على مستوى أصحاب الرأي والفكر والمعنيين بالهمّ الإسلامي العام، والمنشغلين به؛ فقد ثبت عمليا أن غياب الوعي وعدم الإدراك الحقيقي لمدى خطورة فراغ الأمة من قلة رائدة أثّر تأثيرا مروعا في عدم بروز هذه القلة، وعدم العناية بها إذا برزت، وبدا ذلك بصورة ملحوظة لافتة في عدم تفرغ كفايات علمية لحمل ما خلقت من أجله من وعي يكون أساسا للسعي، ومن ثم توعية الأمة برسالتها ومهمتها حسب طبيعة كل مرحلة من المراحل التي تمر بها والمكان الذي تشغله، فما يصلح في وقت قد لا يصلح في وقت آخر، وما ينفع في زمان قد لا ينفع في زمان آخر وما يفيد قوما قد لا يَفِيد منه آخرون، وقد حوت الشريعة الإسلامية من عوامل السعة والمرونة ما أثبت لدى البعيد قبل القريب صلاحيتها لكل زمان ومكان. وهذه القناعة العملية الحقيقية ليست بالأمر السهل اليسير بل تحتاج إلى توطين النفس واكتشاف نقطة البداية؛ لأن معرفة مدى حاجة الأمة إلى قلة رائدة لها أثر تربوي وفكري وعلمي يستطيع أن يؤثر ولا يتأثر ويجذب ولا ينجذب أمر هام ومؤثر، واكتشاف نقطة البداية هذه له ما بعده من تكاليف ومشاق، (ولعل أعظم زيغنا وتنكبنا عن طريق التاريخ أننا نجهل النقطة التي منها نبدأ تاريخنا، ولعل أكبر أخطاء القادة أنهم يُسقطون من حسابهم هذه الملاحظة الاجتماعية، ومن هنا تبدأ الكارثة، ويخرج قطارنا عن طريقه حيث يسير خبط عشواء، ولا عجب فإن كوارث التاريخ التي تحيد بالشعب عن طريقه ليست بشاذة 4(

عدد الصفحات ١١١

112 سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم 2 ؛ فإن أوجب الواجبات لدارس السنن أن يَفيد منها، ويَفيد من قضية السنن بصفة خاصة تيارها ولا يصادمها، خاصة أن من خصائصها عدم التبدل أو التغير، فإذا وعينا ثباتها واطرادها فلنَفد منها على ضوء خصائصها وسماتها، وقد ثبت سُننيّا من خلال عرض هذه السنة في القلة والكثرة: أن الريادة لكل أمر لا تكون لعامة الناس ولا لجمهور البشر بل لفئة لها من الوعي ما يعينها على إحسان السعي، ولها من العلم ما ييسر لها إتقان العمل، وقد سبقنا الغرب في هذه الدراسات الاستشرافية والمستقبلية بصورة جعلته يَفيد من السنن وإن لم يُسندها إلى ربها ومجريها، لكن على عادة السنن أنها تعطي من يحسن التعامل معها دون تفريق بين مسلم وكافر، وتلك من خصائص السنن التي لا تتخلف، فرأينا الدراسات الرقمية والإحصائية التي تمهد لاتخاذ القرار الصحيح، وكثير من أعمالنا ارتجالي لحظي، لا يمهد له بدراسة ولا يبنى على معرفة متينة ومعلومة قوية، وهذا ما جعل أعمالنا تخضع إلى حد كبير لمفاجئات القدر، مع أننا أولى الناس بالوعي بالسنن فكل شيء في ديننا (بحسبان)،وبق (تقدير العزيز العليم) عبادةً ومعاملةً، وفرائض وسننا، وهناك تلازميات بين الفرائض والسنن ومواقعها في خريطة العمل الإسلامي. والناظر في منهجية القرآن الكريم يجد أنه عني بالنظرة المستقبلية حتى في العهد المكي الذي بدا فيه للناظر المتأمل معاناة المسلمين فيه، لكن القرآن الذي هو كلمة الله الخاتمة للبشرية يهيئ الأمة المسلمة لتكون رائدة ميدان وفارسة مضمار، فهو منذ البداية (يوجه أنظار المسلمين إلى الغد المأمول، والمستقبل المرتجى، ويبين لهم أن الفلك يتحرك، والعالم يتغير، والأحوال تتحول، فالمهزوم قد ينتصر، والمنتصر قد يهزم، والضعيف قد يقوى، والدوائر تدور، سواء أكان ذلك على المستوى المحلي أم . العالمي، وعلى المسلمين أن يهيئوا ويرتبوا بيتهم لما يتمخض عنه الغد القريب أو البعيد والمتأمل لسورة القمر مثلاً ورصدها المركز لغزوة بدر يجد مدى عناية القرآن الكريم بالنظرة سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ ﴿المستقبلية، وإرشادها المسلمين لما سيكون بعد سنين، فما بان معنى قوله ﷻ: (سورة القمر ﴾ونَ الدّهُبُر وَيُوَلّهُ ، يثب في الدرع ويتلوها، ﷺرسول الله 5( 6(

عدد الصفحات ١١٢

113 الفصل الثالث: موقف المسلمين من سنة الله في القلة والكثرة بين الوعي والسعي رْضِ وَهُمْ دْنَ الَْ َ الم﴿والمتأمل لصدر سورة الروم في قوله ﷻ: مْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ 3مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ المؤمنون َمُونَ كْثََ الَّاسِ لَ يَعْل َ َكِنَّ أ وَعْدَهُ وَل 7/سورة الروم ﴾هُمْ غَفِلُونَ حولهم من أحداث، يترتب عليها كثير مما يخصهم، ويظهر منها أمران:(الأول: مدى وعي المجموعة المسلمة - على قلتها وضعفها المادي- بأحداث العالم الكبرى، وصراع العمالقة من حولها، وأثره عليها إيجابا وسلبا. الثاني: تسجيل القرآن لهذه الأحداث، وتوجيه النظر إلى عوامل التغير، والانتقال من الواقع إلى المتوقع في ضوء السنن ، على مستوى العلوم الشرعية إعداد محاضن علمية خاصة بتكوين القادة 3 والاجتماعية والسياسية، وتشرف عليها هيئة عالمية، تستقل ماليا وإداريا عن رعاية دولة بعينها؛ حتى تكون حرة الإرادة، قادرة على الاستقلال العلمي والعملي، كما يفاد في ذلك من الخبرات العلمية العالمية التي تملأ أصقاع العالم الإسلامي وتوضع برامج تربوية وعلمية وعملية تؤهلهم للقيام بالمهمة المنوطة بهم في قيادة الأمة وإرشادها، والأمة غنية بفضل الله ﷻ بالعقول التي تحتاج من يفيد منها والطاقات المؤهلة للقيام بهذه المهمة. كل في مجال تخصصه لتكون رافدا من الروافد الإفادة من المحاضن العلمية القائمة4 المهمة في تزويد المجتمع بما يتطلبه من رموز علمية وقيادية تتحمل المهمة أو جزءا منها كالأزهر والزيتونة والقرويين والأموي والجامعة الإسلامية 7 ودار العلوم بالهند وغيرها، لتقوم بمهمتها الرسمية والخروج بها من حالة الجمود والهمود إلى حالة الوعي الحقيقي والسعي الجاد لإخراج الأمة من وهدتها والسير بها قدما إلى مصاف الريادة الحضارية. ، تفعيل الوقف الإسلامي ورصد قدر مناسب منه لمثل هذا البناء البشري المتين6 فلا أولى به منه، ولا أحوج إلى الوقف من هذا المشروع الذي يبني أمة، ويمهد لجيل تتبعه أجيال، ودعوة أهل الفضل إلى المشاركة في هذا الهم العام الذي له ما بعده من تبصير الأمة برسالتها وتحميلها بمهمتها. 7(

عدد الصفحات ١١٣

114 سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم ، يمهد له(- توظيف القدر المتاح من الإعلام المسلم لخدمة هذا المشروع الريادي ويعلن عنه، ويغري الناس بما له من أثر وفضل، ويساعد في توعية الأمة بخطورة خلوها من هذه القلة الرائدة، وتوعية هذه القلة بمهمتها عبر وسائله الجاذبة والمؤثرة، والتي أثبتت تجربة الأيام أن أثره لا ينكر بل لا يقاوم في الخير والشر، وهذا ما عبر عنه "الطيب برغوث" في دراسته المتميزة عن سنن الصيرورة والاستخلاف في ضوء التدافع والتجدد الحضاري في حديثه عن خصائص ومقومات التجدد الحضاري بقوله: (الشرط الثاني في الفعل التجديدي وهو وصل الحاضر بالعصر، خاصة إذا كانت الأمة في وضع المستضعف أو المتطلع إلى الانعتاق من التخلف والتبعية والاستضعاف، حيث يتحتم عليها التواصل البصير مع ثقافة العصر وحضارته؛ استفادة من معطياته وخبراته، وفهما لاتجاهاته ومجالات وآليات الصراع فيه، وارتقاء إلى مستوى التفاعل الواعي معه أو الفعل الإيجابي فيه كلما أمكن ذلك 8 من تربويين وشرعيين واجتماعيين وإصلاحيين وكل من له شُغل بالهمّ الإسلامي العام الميدان ليقدم تصوره في مجاله، ونتاج خبرته موثقا، وفي الأمة من الخبرات المتناثرة والعقول المهاجرة ما يكفي ويغني إذا صحت العزيمة وسلمت النوايا ويسرت السبل وهذا عينه ما تنبه له شيخنا الشيخ الصادق عرجون في كتابه النافع والماتع (سنن الله في المجتمع من خلال القرآن الكريم)، حين تسائل - بعد رحلة علمية قوية مؤصلة- عن المخرج لما فيه المسلمون اليوم وقد وضح الصبح لذي عينين، وبان النهار لذي باصرين، وخلص إلى وجوب أن تكون هناك (دراسة تحليلية تصف الداء في لطف لا يزعج المريض، وتضع أمامه الدواء، وذلك في خطة إيجابية يسجلها العلماء ورواد الإصلاح الإسلامي مكتوبة في هدوء الحق، ترفع إلى المسئولين عن التنفيذ في جميع الأوطان الإسلامية تذاع في رفق بين سائر المسلمين ليفهموا دائهم ودوائهم، وعلى العلماء في صورة جماعية يحققها موسم الحج -وهو المؤتمر الذي أمر الله بعقده- أن يتابعوا السعي وراء هذه الخطة ليتعرفوا العقبات التي تقف دون تطبيقها عمليا، والمشاكل التي تعترضها، ليشاركوا في حلها حلاّ لا يهدم بناء دون أن يقيم على أرضه بناء يقوم مقامه وعلى أسس من القرآن الكريم العظيم، ويجب أن تكون الحلول في مستوى واقع الأمة الإسلامية، فلا تحلق في سماء الخيال وتنسى أزمات الأمة مدخل إلى سنن الصيرورة الاستخلافية على ضوء نظرية التدافع والتجديد الحضاري، 8( 9( الندوي عن قيادة الإسلام للعالم، فصل نهضة العالم الإسلامي، من كتابه الراقي: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين،

عدد الصفحات ١١٤

115 الفصل الثالث: موقف المسلمين من سنة الله في القلة والكثرة بين الوعي والسعي وقد قدم الشيخ رحمه الله هذه الدراسة السننية الراقية وهذا الاقتراح إلى رابطة العا الإسلامي وما زال أمله وأملنا معقودا - بعد الله -في الرابطة وكل رابطة تتقدم لحمل العبء وترود الناس إلى مكان الصدارة والقيادة. - استدعاء تراثنا الحي ليعيش معنا هذه الدورة الحضارية التي تكتب من جديد 8 حسب التغير السنني في الكون والحياة، وحسب قانون التداول الحضاري الذي رصده القرآن الكريم وعني بتأكيده، ونرتشف منه تجارب القرون الماضية التي ثبت على مدار التاريخ ريادتها وقيادتها لنهضات ظلت قرونا مشاعل نور ومنارات هدى يفيء إليها الناس من شرق وغرب. (ولا يخفى أن أي خلل في علاقة الحاضر بالتراث الحضاري للأمة، سيجعل حركة التجديد تمتد في فراغ، وستجد نفسها بعد فتور حماسة البداية، وكأنها تتحرك في مكانها، إن لم تتقهقر إلى الوراء؛ لأنها لا تجد السند الفكري والنفسي والاجتماعي الذي يمنحها مبررات الاستمرارية، ويضمن لها حيوية التجدد والاندفاع، ويقيها مخاطر التذبذب والتأرجح بين التيارات الفكرية والكتل الحضارية المتدافعة، الذي قد يفقدها هويتا ويمسخها خلقا اجتماعيا آخر!، ويكفي في هذا السياق استحضار مسار ومآلات تجربة النهضة الحديثة في العالم الإسلامي، وعجزها عن حل معادلة التواصل الأصيل مع الذات، وما نجم عن ذلك من ازدواجية وتذبذب واهتلاك وهدر للإمكانات والإرادات الحضارية للأمة، ومضاعفة لهمومها، ومباعدة بينها وبين طموحاتها.. للتأكد فعلا كيف مسخت هذه النهضة مسخا، وأفرغت من محتواها الحضاري الأصيل! ومن هنا فإن الشرط الأساس الأول في الفعل التجديدي، هو وصل الحاضر بالماضي وصلا واعيا، عن طريق استيعاب ثوابت الخبرة الذاتية للأمة، وتمثل روحها واستصحابها إلى الحاضر، وإدماجها في العصر باستمرار ص 10( نحو حركة إسلامية عالمية واحدة، فتحي يكن،ط: مؤسسة الرسالة، الطبعة الخامسة ، بعدها.

عدد الصفحات ١١٥

116 سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم استلهام حركات الإصلاح والتجديد في العصور السابقة 8 فلكلٍّ فضل السبق وبداية الشرارة، على تطاول الرقعة المكانية والزمانية نفيد من كلٍ ما يناسب عصرنا ويزهي حياتنا، فقد كانت وما زالت عند كثير من المنصفين زادا حقيقيا يغري بالتقدم والريادة، وقد قال غوستاف لوبون في كتابه حضارة العرب(...إن جامعات الغرب لم تعرف لها مدة خمسة قرون موردا علميا سوى مؤلفاتهم - أي: المسلمين- وإنهم هم الذين مدّنوا أوربة مادة وعقلا وأخلاقا، وإن التاريخ لم يعرف أمة أنتجت ما أنتجوه في وقت قصير، وإنهم لم يفقهم قوم في الإبداع الفني) ويقول: (كان تأثير العرب في الأقطار التي فتحوها عظيما جداً في الحضارة، ولعل فرنسة كانت أقل حظا منهم، فقد رأينا البلاد تتبدل صورتها حينما يخفق علم الرسول الذي أظلها بأسرع ما يمكن، ازدهرت فيها العلوم والفنون والزراعة أي ازدهار... ولم يقتصر العرب على ترقية العلوم بما اكتشفوه، فالعرب قد نشروها كذلك بما أقاموا من الجامعات وما ألفوا من الكتب، فكان لهم الأثر البالغ في أوربة من هذه الناحية، ولقد كان العرب أساتذة للأمم المسيحية عدة قرون، وإننا لم نطلع على علوم القدماء إلا بفضل العرب، وإن التعليم في ، والمتابع لقصة الحضارة لوول جامعاتنا لم يستغن عما نقل على لغاتنا من لغات العرب ديورانت يجد من هذه الأمثلة الشيء الكثير. لإنسان قبل البنيان والساجد قبل المساجد9 من الخطوات العملية التي يجب على المعنيين بمستقبل الأمة في ضوء علم السنن أو علم الاستشراف وما يسميه بعضهم علم الاستراتيجية ،أن يكون اهتمام المؤسسات السابقة والجهات المهتمة بهذا الشأن منصبا على الإنسان أولا قبل المناهج والأدوات والوسائل، كما نرى في واقع المسلمين الآن؛ فالإنسان قبل البنيان، والساجد قبل المساجد، ولعل الجد في تلك النظرة إلى الإنسان هو محور الأساس في النجاح والنصر والتمكين، فما يفيد إذا وفرنا مؤسسات تصفر فيها الريح بلا عقول قادرة على إدارتها وملئها بما تحتاجه الأمة من أفكار ورؤى، وما يفيد إذا عددنا من علامات نجاحنا أننا أسسنا من الهيئات والمؤسسات كذا وكذا دون أن يكون لدينا القدرة على الحشد الإنساني، والانتخاب البشري، الذي يزين هذه البنايات الضخمة والصروح الفخمة، كما قال أبو الطيب في بيته الرائد: 11(

عدد الصفحات ١١٦

117 الفصل الثالث: موقف المسلمين من سنة الله في القلة والكثرة بين الوعي والسعي وما تنفع الخيل الكرام ولا القنا إذا لم يكن فوق الكرام كرام ، يجد اهتمامه بالإنسان قبل أي شيء آخر، ﷺوالمتأمل للقلة الرائدة التي رباها رسول الله فانتصر بهم حين أخرجهم من بداة جفاة إلى رادة وقادة، يعلمون الدنيا معنى الحضارة والمدنية، ويبعثون في نفوسهم معنى العزة والكرامة، وما موقف ربعي بن عامر وحديثه عنا ببعيد.فهذا هو مؤشر النصر الحقيقي في تكوين القادة الرادة الذين يقولون في حزم، ويعملون في عزم شأن الجيل القرآني الفريد ﷺ، بهذه المنهجية القرآنية، وكان مؤشرا من مؤشرات انتصاره، فلقد انتصر ﷺالذي رباه الرسول (يوم أن صنع أصحابه  صورا حية من إيمانه، تأكل الطعام وتمشي في الأسواق، يوم صاغ من كل فرد نموذجا مجسما للإسلام، يراه الناس فيرون الإسلام. إن النصوص وحدها لا تصنع شيئا، وإن المصحف وحده لا يعمل حتى يكون رجلا، وإن المبادئ وحدها لا تعيش إلا أن تكون سلوكا، ومن هدفه الأول أن يصنع رجالاً لا أن يلقي مواعظ، وأن يصوغ ضمائر لا أن يدبج ﷺثم جعل محمد خطبا، وأن يبني أمة لا أن يقيم فلسفة، أما الفكرة ذاتها فقد تكفل بها القرآن الكريم، وكان عمل محمد أن يحول الفكرة المجردة إلى رجال تلمسهم الأيدي وتراهم العيون...ولقد انتصر محمد بن عبد الله يوم صاغ من فكرة الإسلام شخوصاً، وحول إيمانهم بالإسلام عملاً، وطبع من المصحف عشرات من النسخ ثم مئات وألوفا، ولكنه لم يطبعها بالمداد على صحائف الورق، إنما طبعها بالنور على صحائف من القلوب، وأطلقها تتعامل مع الناس وتأخذ منهم وتعطي، وتقول بالفعل والعمل ما هو الإسلام الذي جاء به محمد بن عبد الله من عند وهذا ما يصرخ به علامة الهند الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتابه الماتع (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين)، بعد ما شخص الداء ووصفه وصف الطبيب الماهر كأنه يحيا بين ظهراني العرب غدوا ورواحا، فالمهم لديه بل(المهم الأهم لقادة العالم الإسلامي وجمعياته وهيئاته الدينية وللدول الإسلامية غرس الإيمان في قلوب المسلمين، وإشعال العاطفة الدينية، ونشر الدعوة إلى الله ورسوله، والإيمان بالآخرة على منهاج الدعوة الإسلامية الأولى، لا تدخر في ذلك وسعا، وتستخدم لذلك جميع الوسائل القديمة والحديثة، وطرق النشر والتعليم، كتجوال الدعاة في القرى والمدن، وتنظيم الخطب والدروس، ونشر الكتب والمقالات، ومدارسة كتب السيرة، وأخبار الصحابة، وكتب المغازي والفتوح الإسلامية، وأخبار أبطال الإسلام وشهدائه، ومذاكرة أبواب . الجهاد، وفضائل الشهداء 12( دراسات إسلامية، للأستاذ سيد قطب، ط:دار الشروق، 13( 14(

عدد الصفحات ١١٧

118 سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم دقة الانتخاب ومهارة الاختيار10 كما لا يفوتنا التنبيه على أهمية مصداقية الاختيار، ودقة الفرز لهذه القلة الرائدة، فما كل من تلقاه يصلح لها، ولا كل فصيح يصيح، ولا كل من يصيح قادر على الريادة والقيادة، فميدان الكلام غير ميدان العمل، وميدان العمل غير ميدان الجهاد، وميدان الجهاد غير ميدان الجهاد المنتج الفاعل المؤثر، فتختار لهذا المشروع الضخم (مجموعة من النوابغ المخلصين الذين تتوافر فيهم الصفات العقلية والنفسية والإيمانية والسلوكية، وأن يزكيهم عدد من الشخصيات المعروفة، البصيرة بخصائص الرجال، وأن يعقد لهم بعض الاختبارات المتنوعة تحريرية وشفهية، ويحسن أن يكونوا في معهد يتعايشون فيه ويحيون حياة ربانية، علمية دعوية أخوية جهادية ومن خلال هذا الحشد لنوعيات خاصة يمكن أن يختار من بين هؤلاء من يصلح بعد التجربة والاختبار، خاصة بعد الرصد الراقب والمتابعة الواعية من تلمع فيه صفات الريادة والقيادة، وهذا لا يأتي من خلال الجمع العشوائي بل بعد انتخاب أفضل العناصر المؤهلة ثم فرزها ليتميز منهم من يتميز، وساعتها يتقدم الخبير المجرب الميداني ليختار على بصيرة ووعي، و(لن تخطئ عينك الرائد أبداً، ولعلك تصادف فتى من ناشئة الدعوة لم يبلغ مبلغ الرجال، فتدرك أنه لها، وليس هو بالذي يميز مقدمات الدعوة بعد...أول ما تقع عليه عينك، ومن النظرة الأولى تقول: هذا مبتغاي. ولمثل هذا نفتش عن منهجية التربية، ونحاول تلمس المدارج التي تأخذ به صعدا. لو كانت مجرد صيحة لتركنا كل فصيح يصيح، لكنه علم الدعوة يقول: لا، ليس هو الصياح، ولا مجرد العواطف، ولا قفزات المستعجل، إنما هي أنغام الحداء التي تقود القوافل فتوصلها، ولابد أن نُعلم كل فصيح هذه الصنعة. في الأنغام تجانس وتوافق، وجمال وتناسب، وتدرج واستمرار، من الصفات المتماثلات، ولكن فيها أيضاً من النقائض: السرعة والسكون، والرتابة والتجديد، والعلو والهبوط، وكل هذا التماثل والتناقض لازم لتربية الرائد، فمتماثلاته تؤدي به إلى استواء النفس، ووحدة الفكر واتساقه، ومنهجية السير، والثبات على الارتباط بالمنطلقات الإيمانية الأساسية، وتناقضاته تمكنه من التكيف مع الظرف، والمرونة إزاء المفاجأة، وإتقان التملص والإفلات والفر إذا لم يقُتَح له الاقتحام ومواصلة الكر ص 15( 16(

عدد الصفحات ١١٨

119 الفصل الثالث: موقف المسلمين من سنة الله في القلة والكثرة بين الوعي والسعي 11 كالأفغاني ومحمد عبده، ومحمد بن عبد الوهاب ورشيد رضا، والسنوسي، الإدريسي المجددين، والبشير الإبراهيمي، وابن باديس، وبديع الزمان النورسي، وأورانك ذيب ، وأحمد السرهندي، والبنا، والمودودي، والندوي، وغيرهم مما يزخر بهم تاريخنا الحديث والمعاصر، والله وحد بيده مقاليد الأمور، وإليه يرجع الأمر كله. ، فهو واضح وضوح الشمس بينٌِّ بيانَ الدليل الساطع، أما عن المنهج والمحتوى12 والبرهان القاطع، هو نفس المنهج الذي اختاره الله للبشرية، كلها، منهج يجمع بين متطلبات العصر وضرورات الواقع، المنهج المتكامل الشامل لكل جنبات الحياة، فلا يتضخم فيه شيء على حساب آخر، ولا يضمر فيه معنى تحيفا أو انتقاصا، (وهو نفس المنهج الذي أخرج من متاهات الجاهلية خير أمة أخرجت للناس، والذي يملك أن يخرج في كل زمان ومكان الجيل القائم على الحق، المجاهد من أجله، الذي لا يضره من خالفه حتى يأتي أمر 13 فقد ثبت واقعا، أن ميدان الكلام غير ميدان العمل وميدان العمل غير ميدان العمل المنتج البناء، وسيظل الناس وقوفا حتى يقرنوا بين الكلام والعمل،(إن أصحاب الأقلام يستطيعون أن يصنعوا شيئا كثيرا، ولكن بشرط واحد: أن يموتوا هم لتعيش أفكارهم، أن يطعموا أفكارهم من لحومهم ودمائهم، فِداء لكلمة الحق، أن يقولوا ما يعتقدون أنه الحق، إن أفكارنا وكلماتنا تظل جثثا هامدة، حتى إذا متنا في سبيلها أو غذيناها بالدماء، انتفضت حية، وعاشت بين الأحياء...والكلمة ذاتها -مهما تكن مخلصة وخالقة- فإنها لا تستطيع أن تفعل شيئا، قبل أن تستحيل حركة، وأن تتقمص إنسانا، الناس هم الكلمات الحية التي تؤدي معانيها أبلغ أداء، إن الفارق الأساسي بين العقائد والفلسفات ، أن العقيدة كلمة حية تعمل في كيان إنسان، ويعمل على تحقيقها إنسان، أما الفلسفة فهي كلمة ميتة، مجردة من اللحم والدم، تعيش في ذهن، وتبقى باردة ساكنة هناك وهذا هو السبيل الوحيد الذي ينقل الكلام من ميدان الترف العلمي والسرف الثقافي إلى ميدان الإنتاج الفاعل البناء، ومن ميدان القول إلى ميدان التطبيق العملي الذي يأخذ بيد البشرية إلى مراقي الصعود والكمال البشري. (فإذا أراد العالم الإسلامي أن يستأنف حياته، ويتحرر من رق غيره، وإذا كان يطمح 17( 18(

عدد الصفحات ١١٩