86 سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم كثير من الخلطاء يبغي بعضهم على بعض حكم القرآن الكريم بأن كثيرا من الخلطاء يبغي بعضهم على بعض، ولم يستثن من هذا ﴿الحكم إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ووصف هذا الاستثناء بأنه قليل، فقال ﷻ: َمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَ نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الُْلَطَاءِ لََبْغِ بَعْضُهُمْ عََ بَعْضٍ َقَدْ ظَل قَالَ ل َاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ نَّمَا فَتَنَّاهُ ف َ إِلَّ الَِّينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالَِاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أ سورة ص ﴾نَابَ َ رَاكِعًا وَأ الَّذِينَ آمَنُوا) بالله (وَعَمِلُوا الصَّالحَِاتِ) يقول: وعملوا بطاعة الله، وانتهوا إلى أمره ونهيه، ولم يتجاوزوه من وفقه الله ﷻ، كما قال أبو الطيب: والظلم في خِلَقِ النفوس فإن تجد ذا عققققفة فلقققققعلّة لا يَققققققظلقققم لأن المخالطة مظنة كثرة المنازعة، وهم إذا اختلطوا (اطلع كل واحد منهما على أحوال الآخر فكل ما يملكه من الأشياء النفسية إذا اطلع عليه عظمت رغبته فيه فيقُفْضِي ذلك إلى زيادة المخاصمة والمنازعة فلهذا خص داود الخلطاء بزيادة البغي والعُدْوَان ثم استثنى عن هذا الحكم الذين آمنوا وعملوا الصالحات لأن مخالطة هؤلاء لا تكون لأجل الدين •مفردات تتعلق بكثير من الناس الحياة الدنيا وتكاثر الناس في الأموال والأولاد الدنيا قنطرة الآخرة، ومعبر الآجلة، وهي دار ابتلاء واختبار، وهي سوق لما بعدها يربح فيه من يربح، ويخسر فيه من يخسر، وكثير من الناس تغيب عنه مهمتها فيتكاثر فيها في الأموال اعْلَمُوا ﴿والأولاد، فحذر الله ﷻ المؤمنين منها، وأمرهم أن يجعلوها معبرا لما بعده، قال ﷻ: وْلَدِ كَمَثَلِ مْوَالِ وَالَْ نَّمَا الَْيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِ الَْ َ أ عْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَترََاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِ الَْخِرَةِ عَذَابٌ َ غَيْثٍ أ . سورة الواقعة ﴾شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَِّ وَرِضْوَانٌ وَمَا الَْيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ ومن بيان القرآن الكريم لسنته في الكثرة حديثه عن تكاثر الناس في الدنيا ولهوهم بهذا التكاثر حتى وقفوا على جلية الأمر وحقيقة الحق عندما رجعوا إلى عقولهم وزاروا المقابر، 79( 80( 81(
عدد الصفحات ٨٦87 الفصل الثاني : الكثرة: مفهومها, وصفاتها, وسنن الله فيها لْهَاكُمُ التَّكَثُر حَت َ أ وذلك بعد أن فارقوا الدنيا وانكشفت لهم حقائق الأشياء، قال ﷻ: ﴿ والمعنى: (شغلكم تفاخركم فيما بينكم إلى آخر أعماركم إلى أن .﴾ التكاثر زُرْتُمُ الْمَقَابِر متّم. ويقال: كانوا يفتخرون بآبائهم وأسلافهم فكانوا يشيدون بذكر الأحياء، وبمن مضى من أسلافهم. فقال لهم: شغلكم تفاخركم فيما بينكم حتى عددتم أمواتكم مع أحيائكم. وأنساكم تكاثركم بالأموال والأولاد طاعة كثير من نجوى الناس لا خير فيه حكم القرآن على كثير من نجوى الناس بأنه لا خير فيه، واستثنى من هذا الحكم من أمر مَرَ بِصَدَقَةٍ َ ل خَيرَْ فِ كَثِيرٍ مِنْ نَْوَاهُمْ إِلَّ مَنْ أ ﴿بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، َسَوْفَ نُؤْتِيهِ وْ إِصْلاَحٍ بَيَْ الَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَِّ ف َ وْ مَعْرُوفٍ أ َ أ قَالَ مجَُاهِدٌ:( الآْيَةُ عَامَّةٌ فيِ حَقِّ جمَِيعِ النَّاسِ، وَالنَّجْوَى: هِيَ . سورة النساء ﴾جْرًا عَظِيمًا َ أ الإِْسْرَارُ فيِ التَّدْبِيرِ، وَقِيلَ: النَّجْوَى مَا يقَنقْفَرِدُ بِتَدْبِيرِهِ ققَوْمٌ سِرًّاا كَانَ أَوْ جَهْرًا عام في جميع الناس يمثل سنة الله ﷻ في الكثرة. ويشمل الزمان ويعم المكان والأفراد. كثرة الخبيث لا تغني شيئا ولو أعجبتك كثرته ومن ضوابط سنة الله في الكثرة أن الخبيث والطيب لا يستويان ولو بدا للرائي ما يعجبه من كثرة الخبيث، وهذه سنة الله ﷻ في الكثير، فليس كل كثير جيدا، مهما بان رواؤه وظهر لَْابِ ولِ الَْ ُ عْجَبَكَ كَثَْةُ الَْبِيثِ فَاتَّقُوا اللََّ يَا أ َ قُلْ لَ يَسْتَوِي الَْبِيثُ وَالطَّيّهِبُ وَلَوْ أ ﴿بهاؤه، (وَجَاءَتْ هَذِهِ الآْيَةُ باِلْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ وَهِيَ أَنَّ الْعِبقْرَةَ بِصِفَةِ . سورة المائدة ﴾لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ الشَّيْءِ لاَ بِعَدَدِهِ، وَإِنمََّا تَكُونُ الْعِزَّةُ باِلْكَثقْرَةِ بقَعْدَ التَّسَاوِي فيِ الصِّفَاتِ الكثرة المعجبة لا تغنى عن المرء شيئا مضت سنة الله ﷻ في عباده بأن الكثرة المعجبة لا تغني عن أصحابها شيئاً، فهي في َقَدْ ل ﴿الحرب ليس لها قيمة ما لم تشفع بثبات، وفي السلم ليس لها وزن ما لم تؤيد بعمل، عْجَبَتْكُمْ كَثَْتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ َ نَصََكُمُ اللَُّ فِ مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيٍْ إِذْ أ ﴾.رْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّْتُمْ مُدْبِرِينَ عَلَيْكُمُ الَْ (إن الكثرة العددية ليست بشيء، إنما هي القلة العارفة المتصلة الثابتة المتجردة للعقيدة. 82( 83( 84(
عدد الصفحات ٨٧88 سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم وإن الكثرة لتكون أحياناً سبباً في الهزيمة، لأن بعض الداخلين فيها، التائهين في غمارها، ممن لم يدركوا حقيقة العقيدة الققتي ينساقون في تيارها، تتزلزل أقدامهم وترتجف في ساعة الشدة فيشيعون الاضطراب والهزيمة في الصفوف، فوق ما تخدع الكثرة أصحابها فتجعلهم يتهاونون في توثيق صلتهم بالله، انشغالاً بهققذه الكثرة الظاهرة عن اليقظة لسر النصر في الحياة. لقد قامت كل عقيدة بالصفوة المختارة، لا بالزبد الذي يذهب جفاء، ولا بالهشيم الذي تذروه إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ ﴿الرياح َكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنىَِ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ سورة الفتح وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيرٌْ ل سورة الأنفال ﴾نَّ اللََّ مَعَ الْمُؤْمِنِيَ َ شَيْئًا وَلَوْ كَثَُتْ وَأ تغن عنه كثرة العدد وصف أكثر أهل الكتاب وتنتقل سنة الكثرة من وصف عموم الناس، إلى وصف بني إسرائيل، وهم شريحة من الناس لهم من الصفات ما يستدعي الوقوف أمامهم، وتحليل تلك الأوصاف التي لم يكتف القرآن الكريم بأن يشاركوا عموم الناس فيما وصفوا به بل خصهم بصفات اطردت فيهم اطرادا سننياً، فقد وصفهم بأن أكثرهم فاسقون، وأن كثيرا منهم ساء ما يعملون، وأن كثيرا منهم عموا وصموا، وكثيرا منهم يودون أن يردوا المؤمنين من بعدهم كفارا حسداً من عند أنفسهم، وأن كثيرا منهم يصدون عن سبيل الله، وأن أكثرهم لا يعقلون، وأن كثيرا منهم يتولون الذين كفروا، وأن كثيرا من الأحبار والرهبان يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله، وجاء الواقع على مدار الزمن يؤكد تلك الأوصاف؛ فسبحان من وصفهم بها من حكيم خبير، ومن تتبع آيات الكثرة الدالة على تلك الصفات أن نصنف وصف أهل الكتاب حسب الكثرة على النحو الآتي: 85( 86(
عدد الصفحات ٨٨89 الفصل الثاني : الكثرة: مفهومها, وصفاتها, وسنن الله فيها أكثر بني إسرائيل لا عهد لهم وأكثرهم فاسقون حكم القرآن الكريم أن أكثر أهل الكتاب لا عهد لهم، وأن أكثرهم فاسقون، قال ﷻ: قال أبو جعفر: (ولم .الأعراف ﴾كْثََهُمْ لَفَاسِقِيَ َ ِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أ كْثَ َ وَمَا وَجَدْنَا لِ﴿ نجد لأكثر أهل هذه القرى التي أهلكناها واقتصصنا عليك، يا محمد، نبأها من عهد، أي: من وفاء بما وصيناهم به، من توحيد الله، واتباع رسله، والعمل بطاعته، واجتناب معاصيه، وهجر عبادة الأوثان والأصنام وتنوع حديث القرآن عن تأكيد هذه السنة في الكثرة عن أهل الكتاب في بيان فسق أكثر أهل الكتاب، وبعدهم عن سواء السبيل. كثير من أهل الكتاب ساء ما يعملون قَامُوا َ نَّهُمْ أ َ وَلَوْ أ ﴿ذكر القرآن الكريم أن كثيرا من أهل الكتاب ساء ما يعملون، قال ﷻ: رْجُلِهِمْ مِنْهُمْ َ َوْقِهِمْ وَمِنْ تَْتِ أ كَلُوا مِنْ ف نْزِلَ إِلَْهِمْ مِنْ رَبّهِهِمْ لََ ُ ِيلَ وَمَا أ ِنْ التَّوْرَاةَ وَالْ أي:(كثير منهم سيئ عملهم، .سورة المائدة ﴾مَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ ُ أ ، وتزعُم أن المسيحَ ابن الله، وتكذِّب ﷺوذلك أنهم يكفرون بالله، فتكذب النصارى بمحمد . فقال الله ﷻ فيهم ذامًّاا لهماليهود بعيسى وبمحمد فعلهم كثير من أهل الكتاب عموا وصموا ووصف القرآن الكريم كثيرا من أهل الكتاب بأنهم عموا وصموا، ومن ذلك قوله ﷻ: لَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَُّ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَُّ بَصِيرٌ َ َحَسِبُوا أو﴿ (فعموا عن الحق والوفاء بالميثاق الذي أخذته عليهم، من إخلاص .سورة المائدة ﴾بِمَا يَعْمَلُونَ عبادتي، والانتهاء إلى أمري ونهيي، والعمل بطاع 87( 88( 89(
عدد الصفحات ٨٩90 سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم كثير من أهل الكتاب يودون أن يردوا المؤمنين من بعد إيمانهم كفارا وصف القرآن الكريم الكثرة من أهل الكتاب بأنهم يودون لو يردون المؤمنين إلى الكفر من بعد إيمانهم؛ حسدا من عند أنفسهم، وقد أيد الواقع الذي يعيشه الناس قديما وحديثا هذه تِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ ْ لاَ يَأ﴿الأحكام القرآنية المعجزة التي تظهر لكل ذي عينين أن هذا القرآن .سورة فصلت ﴾يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مّهِنْ حَكِيمٍ حَمِيد ومن الآيات التي رصدت تلك الصفة لدى أهل الكتاب، وأكدت أن الكثرة منهم بهذا وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يقَرُدُّونَكُمْ مِنْ بقَعْدِ إِيمَانِكُمْ ﴿الميل القلبي والحيف الجائر ما ورد في قوله ﷻ: كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنقْفُسِهِمْ مِنْ بقَعْدِ مَا تقَبقَينََّ لهَُمُ الحَْقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتىَّ يأَْتيَِ اللَُّ بأَِمْرِهِ إِنَّ اللََّ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ سورة البقرة ﴾قَدِيرٌ ، من بعد ما تبين لهم الحق في أمر محمد، وأنه نبي إليهم ﷺعند أنفسهم لكم ولنبيكم محمد وإلى خلقي كافة كثير من أهل الكتاب ضالون ومضلون عن سبيل الله وصف القرآن الكريم أكثر أهل الكتاب بأنهم ضلوا وأضلوا عن سبيل الله وسواء َوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ هْوَاءَ ق َ هْلَ الْكِتَابِ لَ تَغْلُوا فِ دِينِكُمْ غَيرَْ الَْقّهِ وَلَ تَتَّبِعُوا أ َ قُلْ يَا أ ﴿ السبيل، .المائدة﴾ضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ َ قَبْلُ وَأ أكثر أهل الكتاب لا يؤمنون وَ كَُّمَا عَهَدُوا عَهْدًا َ أ﴿وصف القرآن الكريم أهل الكتاب بأن أكثرهم لا يؤمنون،فقال: أي:(بل أكثر هؤلاء - الذين كلما .البقرة ﴾كْثَُهُمْ لَ يُؤْمِنُونَ َ نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أ عاهدوا الله عهدا وواثقوه موثقا، نقضه فريق منهم - لا يؤمنون كثير من أهل الكتاب يتولون الذين كفروا نْ سَخِطَ َ نْفُسُهُمْ أ َ ِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أ تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَِّينَ كَفَرُوا لَ ﴿يقولﷻ: سورة المائدة ﴾اللَُّ عَلَيْهِمْ وَفِ الْعَذَابِ هُمْ خَالدُِونَ يقَتقَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا من مشركي العرب. وقال الكلبي: تَرى كَثِيراً من المنافقين يقَتقَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: اليهود، لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لهَُمْ أَنقْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَُّ عَلَيْهِمْ، معناه: لبئس الفعل 90( 91(
عدد الصفحات ٩٠91 الفصل الثاني : الكثرة: مفهومها, وصفاتها, وسنن الله فيها الذي كانوا يستوجبون به السخط من الله ﷻ، ويوجب لهم العقوبة والعذاب وَفيِ الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ يعني: دائمون كثير من الأحبار والرهبان يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله أكد القرآن الكريم للمؤمنين أن كثيرا من أهل الكتاب يأكلون أموال الناس بالباطل عن طريق الرشاوى والربا والسحت، ويزعمون لأتباعهم أنهم يفتونهم من الوحي، وينفرونهم عن الدخول في الإسلام، وأكد واقع الناس قديما وحديثا هذه الصفة في أهل الكتاب، قال ﷻ: مْوَالَ الَّاسِ بِالَْاطِلِ وَيَصُدُّونَ َ كُلُونَ أ ْ حْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لََأ يُّهَا الَِّينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الَْ َ يَا أ﴿ لِمٍ َ عَنْ سَبِيلِ اللَِّ وَالَِّينَ يَكْنُِونَ الَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَ يُنْفِقُونَهَا فِ سَبِيلِ اللَِّ فَبَشّهِْهُمْ بِعَذَابٍ أ سورة التوبة ﴾ فهؤلاء الأحبار والرهبان يجعلون من أنفسهم ويجعلهم قومهم أرباباً تُتبع وتطاع وهم فيما يشرعون يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله. وأكل أموال الناس كان يتمثل في صور شتى ولا يزالون. 92(
عدد الصفحات ٩١92 سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم المبحث الرابع سنن الله في الكثرة المتأمل لآيات الكثرة في القرآن الكريم يجد خيطا دقيقا رقيقا يربطها، وسياجا واضحا يحكم صورتها، بما يؤكد السننية فيها ،وأن الآيات تمضي بطريقة يكمل بعضها بعضا، ويؤكد بعضها بعضا في غير تنافر ولا غرابة، بل الكل يمضي ليؤكد هدفا واحدا، ويسعى ليؤدي رسالة واضحة، ويمكن أن نتابع رسم تلك الصورة الرائقة الفائقة في خطوتين: الأولى: ملامح الترابط السنني في آيات الكثرة الثانية: الأصول الجامعة لسنن الله في الكثرة ويمكن أن نتناول ذلك على النحو الآتي: أولاً: ملامح الترابط السنني في آيات الكثرة: وإذا نظرنا إلى آيات الكثرة وتفحصنا سيرها ودلالاتها، رأينا أنها تمضي في خط واحد، وتهدف إلى رسالة واضحة، في كل الآيات الكريمة، بما يبرز السننية الواضحة والقاعدية المطردة، فهي مثلاً تأتي في مواطن لوم قوم نوح له على كثرة جداله لهم، وإلحاحه في دعوتهم، وترد في موطن وصف قوم فرعون الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، وفي موطن لوم الله ﷻ للضالين من الجن الذين استكثروا من الإنس ووصف أكثر الناس بأنهم يضلون عن سبيل الله، وأن أكثر الجن والإنس ذرأهم لجهنم، وبيان أن كثيرا من الناس عن آيات الله غافلون، وبيان أن كثيرا من الخلطاء يبغي بعضهم على بعض، وبيان أن أكثر الناس لا يشكرون، وأن أكثرهم لا يعقلون، وأن أكثرهم لا يعلمون، وأن أكثرهم يجهلون، وأن أكثرهم فاسقون، وأن أكثرهم لا يعقلون، وبيان أنه لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبت الرائي كثرة الخبيث. المتتبع لهذه الآيات الكريمة يجد الخيط الذي يربطها والمحور الذي تدور حوله، هو وصف أكثر الناس ووصف أكثر أهل الكتاب وهو من وصف البعض بعد الكل أو وصف الخاص بعد العام، ووصف لمفردات من الأشياء متجانسة كما مر في صلب البحث؛ بما يشعر الناظر المتأمل أن هذه السنة متكاملة المعالم واضحة الملامح بينة القسمات، جلية الصفات.
عدد الصفحات ٩٢93 الفصل الثاني : الكثرة: مفهومها, وصفاتها, وسنن الله فيها ومن بينات الدلالة السننية في تلك الآيات ما يأتي تعبيرات القرآن الكريم عنها بجلاء ووضوح بألفاظ تؤكد سننيتها مثل التعبير عنها • بالأحكام العامة التي تتسم بالشمول والعموم، والقابلة للتطبيق في أفراد كثيرة مثل: (أكثر الناس)، (أكثرهم)،(كثير منهم)، ونحو ذلك من العبارات التي تبين السننية والحُكْمية في الدلالة. الأحكام المطلقة الواردة في الآيات، (أكثرهم، كثير، أكثر الناس، كثير منهم، )، وهذا الإطلاق الذي تعبر عنه الآيات الكريمة سمة من سمات السنن الربانية، وخصيصة من خصائصها، سواء كانت سننا تتعلق بالكون والحياة، أو سننا اجتماعية، أو تاريخية، فردية أو جماعية. كما أن من بينات الدلالة السننية في آيات القلة والكثرة، ما ورد في تعقيب القرآن على كثير من الآيات التي تتناول وصف تلك السنة، من مثل قوله ﷻ بعد الحديث عن قوم تِلْكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ طالوت وقصة الذين خرجوا من ديارم وهم ألوف حذر الموت:﴿ بلفظ (الآيات)، يقول ابن القيم في زاد المسير: (أي: .﴾سورة البقرة بِالَْقّهِ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِي نقص عليك من أخبار المتقدمين. وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ حُكمُك حكمهم، فمن صدقك، فسبيله سبيل من صدقهم، ومن عصاك، فسبيله سبيل من عصاهم السنن الربانية في خصائصها وبيانها وفي دلالتها وتعبيرها. وقد عقب الله تعالى هذه السنن الواردة في قصة الألوف والملأ من بني إسرائيل من بعد رْضُ وَلَ َ وَلَوْلَ دَفْعُ اللّهِ الَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ ال ﴿موسى بقوله: سورة البقرة ﴾الْعَالَمِي التعبير القرآني عن الشخص الذي تدور عليه آية الكثرة أو تعقب عليه بالوصف لا بالاسم ولا بالرسم، مما يعطي شمولا لكل من وصف وصفه، ونسج على منواله، وتلك واضحة فَالْيَوْمَ نُنَجّهِيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ ﴿في عدم ذكر اسم فرعون الذي عقب الله ﷻ على إغراقه بقوله ،حتى يمضي وصفه على كل (فرعون) ما بقيت الحياة، وتلك بعض ملامح ﴾لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً السننية في القرآن الكريم، فهي لا تحدد الاسم، ولا الزمان، ولا المكان؛ حتى يفيد الناس من الوصف، ولا يتوقفوا عند الاسم والرسم، ولكن أكثر الناس غافلون عن هذه العبر، وتلك الفوائد التي تبقى ما بقي الإنسان، وتتعاقب ما تعاقب الليل والنهار. 93(
عدد الصفحات ٩٣94 سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم كثرة التأكيدات في التعقيب على بعض آيات الكثرة لفتا لأنظار الناس وبيا لسننية الآيات الكريمة مما يدعو إلى لفت أنظار الناس إليها وتنبيههم إلى الإفادة منها؛ لأنها تتكرر مع غيره كما حدثت له، كما يقول صاحب المنار في بيان أثر المؤكدات الواردة في شأن فرعون:(وَأَكَّدَهُ هَذَا التَّأْكِيدَ لِمَا تقَقْتَضِيهِ شِدَّةُ الْغَفْلَةِ مِنْ ققُوَّةِ التقَّنْبِيهِ، أَيْ إِنقَّهُمْ لَشَدِيدُو الْغَفْلَةِ عَنقْهَا عَلَى شِدَّةِ ظُهُورِهَا فقَلاَ يقَتقَفَكَّرُونَ فيِ أَسبابهَِا وَنقَتَائِجِهَا وَحِكَمِ اللهِ فِيهَا، وَلاَ يقَعْتَبرُِونَ بهَِا، وَإِنمََّا يمَُرُّونَ عَلَيقْهَا مُعْرِضِينَ كَمَا يمَُرُّونَ عَلَى مَسَارِحِ الأنعام، وَفِيهِ ذَمٌّ لِلْغَفْلَةِ، وَعَدَمِ التقَّفَكُّرِ فيِ أسباب الحَْوَادِثِ وَعَوَاقِبِهَا وَاسْتِبَانَةِ سُنَنِ اللهِ فِيهَا، لِلاِعْتِبَارِ وَالاِتِّعَاظِ بهَِا ثانيا: الأصول الجامعة لسنن الله في الكثرة بعد رصد الآيات التي تناولت الكثرة: مكية ومدنية، وسواء كانت تلك الكثرة في الأمم، أو الأفراد أو الأشياء ودرسها وتأمل دلالاتها يمكن أن نستخلص في نقاط السنن الماضية والأصول الجامعة في قضية الكثرة على النحو التالي: أن الكثرة شملت في آياتها الأفراد والأمم. أن منها ما يتعلق بالناس، ومنها ما يتعلق بأهل الكتاب، ،وفي كل تمضي في سننية مطردة تزيدها الحياة تأكيدا، خاصة في المقدور على معرفته من واقع الناس وأحداث الحياة. أن الكثرة تكون محمودة إذا كانت فيما يفيد كالكثرة في عدد القبيل والآل الذين يستعان بهم في قضاء المراد، والتغلب على الأعداء. أن الكثرة تكون محمودة إذا كان العدد فيها لا يؤثر على النوع، والكم فيها لا يفسد الكيف، بل يدعمه ويقويه. أنها تكون محمودة في استجلاب الخير، والحرص عليه. أنها تكون محمودة في باب ذكر الله ﷻ، وشكره وتسبيحه. وتكون محمودة إذا كانت في جانب النفع عامة للبلاد والعباد، كالكثرة في الغيث المفيد الذي يحيي الله به البلاد ويقيت به العباد. 94(
عدد الصفحات ٩٤95 الفصل الثاني : الكثرة: مفهومها, وصفاتها, وسنن الله فيها تلك بعض الأصول الجامعة التي يمكن أن تصور لنا سنن الله ﷻ في القلة في ضوء الآيات الكريمة، والتي يمكن أن يفيد منها المسلمون عامة والمعنيون بنهضة الأمة خاصة، وسيبين ذلك في صفحات آتية لدى الحديث عن ريادة القلة وأثرها في الشهود الحضاري للأمة المسلمة، وفقه صناعة القلة الرائدة. وهذا ما ستعالجه الصفحات الآتية بعون الله وتيسيره.
عدد الصفحات ٩٥الفصل الثالث موقف المسلمين من سنة الله في القلة والكثرة بين الوعي والسعي
عدد الصفحات ٩٧99 الفصل الثالث: موقف المسلمين من سنة الله في القلة والكثرة بين الوعي والسعي الفصل الثالث موقف المسلمين من سنة الله في القلة والكثرة بين الوعي والسعي وفيه مبحثان : ريادة القلة وأثرها في الشهود الحضاري للأمة المسلمة وموقف الأمة منها المبحث الأول : فقه صناعة القلة الرائدة، في ضوء هذه السنة وموقف الأمة منها. المبحث الثاني المبحث الأول ريادة القلة وأثرها في الشهود الحضاري للأمة المسلمة، وموقف الأمة منها سنة الله في وجود القلة جرت سنة الله ﷻ في عباده أن يجعل في كل زمان قلة رائدة، تدعو الناس إلى الهدى، وتردهم عن الردى، وتهديهم إلى صراط الله المستقيم. والناظر في حياة الأنبياء والمرسلين، والدعاة والمصلحين يجد أنهم بدأوا دعواتهم أفرادا، ثم انضم إليهم من حمل فكرتهم، وتبنى رؤيتهم، وبذل في سبيلها، وضحَّى من أجلها، حتى استقرت على النهج المبتغى، والهدف المرتجى، وأفاد منها من يسر الله له سبل الهداية والرشاد، (فكل المحاولات التي غيرت مجرى التاريخ أو عدلته وقومته بدأت بأفراد، فإبراهيم، وعن طريق التأثير التربوي آمن بدأوا أفرادا، وموسى، وعيسى، ومحمد، وكل الرسل بهم البعض فعاونوهم فتوسع التأثير حتى غير مجرى الحياة، وخبر المصلحين المجددين من بعد الأنبياء مشهور مستفيض، وكذلك كل المحاولات غير الإسلامية،(مع الفارق البقَينِّ) فأصحاب البدع في التاريخ بدأوا أفرادا، ثم انتهوا إلى تكوين طوائف واسعة، وماركس وهتلر كل منهم بدأ فردا واستعمل التأثير التربوي فكون حزبا واستلم الحزب السلطة فتغير مجرى التاريخ، ولا مغير إلا الله ولا من حركة إلا بإذنه، وكذلك هرتزل ووايزمن وأصحابهما، بدؤوا أفردا واستغلوا التأثير التربوي المزدوج في اليهود وشعوب العالم أجمع فتغير مجرى تاريخ اليهود 1(
عدد الصفحات ٩٩100 سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم والناظر في أنواع القلة التي حفل بها التاريخ البشري قديما وحديثا يجد أن لها أثرها البارز ومهمتها التي لا تنكر، فالقلة المؤمنة مع نوح والتي وصفها قومه بأنهم أراذل وأنهم اتبعوه بادي الرأي بلا تفكر ولا وعي، هي الفئة التي عمرت الأرض وبلغت رسالة الله ﷻ وحفظ بهم الله ﷻ البشرية من الفناء، وأصحاب الكهف الذين لبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعا بعدا عن طواغيت الأرض وظلمهم ونأيا بدعوتهم من أن يستأصلها البغاة الطغاة، رواد في الحفاظ على دينهم، ويوسف في أهل مصر فرد واحد لكنه استطاع أن يعبر بهم سني الغلاء والبلاء، وأن يكون ذلك مفتاح إسلامهم له وإيمانهم بدينه، استطاع أن يقود هذه الأمة بما لديه من حفظ وأمانة، وعلم وتخصص، وذو القرنين فرد وهو من القلة لكنه استطاع أن يفيد من القوم الذين لا يكادون يفقهون قولا، وكيف آثر أن يشركهم معه في البناء الحضاري الذي يفوق بناء السد، فبناء الإنسان ودلالته على مكامن نفسه وإرشاده إلى قدراته واكتشاف نفسه أمر لا يقدر بثمن وتبذل فيه المهج والنفوس، وأهل بدر الذين كانوا مقارنة بعدوهم قلة استطاعوا أن يفرقوا - بإيمانهم وبذلهم وتضحيتهم- بين الحق والباطل لهم ولمن بعدهم حتى سمى الله ﷻ يوم لقائهم بعدوهم (يوم الفرقان)، وكان لهم بعد في مجتمع النبوة وما بعده شأن أي شأن، وهكذا كل قلة في كل زمان ومكان. وقد حفلت آيات القرآن الكريم بالحديث عن أن الروَّاد في كل زمان قلة، وأن الفاعلين في مجرى الحياة قلة، وأن النهضات البشرية والحضارية والإصلاحية حمل لوائها قلة، وأن الكثرة غير الفاعلة لا وزن لها ولا قيمة فهي غثاء كغثاء السيل، أو جمع كحَطْبِ الليل، أو هباء ولِ ُ عْجَبَكَ كَثَْةُ الَْبِيثِ فَاتَّقُوا اللََّ يا أ َ قُلْ ل يَسْتَوِي الَْبِيثُ وَالطَّيّهِبُ وَلَوْ أ ﴿تذروه الرياح، المائدة ﴾لْابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ الَْ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ ﴿،سورة ص ﴾وقلِيلٌ ما هُمْ ﴿وقلة الطيب من كل شيء، قال ﷻ: سورة سبأ ﴾الشَّكُورُ وقال الشاعر: إنيّ لأفتَحُ عَينيَِ حِينَ أفتَحُها عَلَى كثير لكن لا أرى أحَدا 2( 3(
عدد الصفحات ١٠٠101 الفصل الثالث: موقف المسلمين من سنة الله في القلة والكثرة بين الوعي والسعي ولذلك خاطبهم بقوله: فَاتقَّقُوا اللََّ يا أُوليِ الأَْلْبابِ أي فأهل الصفا قليل في كل زمان، القلوب الصافية في تجنب الخبيث وإن كثر، وأخذ الطيب وإن قلّ، لَعَلَّكُمْ تقُفْلِحُونَ بصلاح الدارين والعبرة في القلة ليس العدد، بل جودة المعدن، ونفاسة المحتد، وطيب المنبت، وعراقة الأصل، والعمل الذي يولده حمَْلُ الرسالةِ، وتقدير المسؤولية، والانشغال بهم الأمة التي يعيشون فيها بل تعيش فيهم، إن صحت النوايا واستقام الفهم، وإلا لو استوت القلة والكثرة في صفة من الصفات فإن قانون الله الغالب وسنته الماضية أن يكون الأمر في جانب الكثرة، ومن معاني قوله ﷻ (قل لا يستوي الخبيث والطيب) أي: (في القلوب والأحوال والأعمال والأموال والأشخاص، فالطيب من ذلك كله مقبول محبوب، والرديء مردود ممقوت، فالطيب مقبول وإن قلّ، والرديء مردود ولو جلّ، وهو معنى قوله: وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثقْرَةُ الخَْبِيثِ، فالعبرة بالجودة .والرداءة، دون القلة والكثرة، وإلا فالعدد المؤثر مقصود، ومن سنن الله التي لا تتغير سنته في الغلب والنصر، وهو يّهُهَا النّهَبِيّهُ حَرّهِضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَي الْقِتَالِ إِن يَكُن مّهِنكُمْ َ يَاأ﴿ما حوته آية سورة الأنفال، نّهَهُمْ َ ذِينَ كَفَرُواْ بِأ لْفًا مّهِنَ الّهَ َ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مّهِنكُم مّهِئَةٌ يَغْلِبُواْ أ نّهَ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مّهِنكُم مّهِئَةٌ َ يَفْقَهُون ٟ الآنَ خَفّهَفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أ َوْمٌ لاّهَ ق ﴾لْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصّهَابِرِين َ لْفٌ يَغْلِبُواْ أ َ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مّهِنكُمْ أ سورة الأنفال فالنص على العدد هنا له دلالة، و(نفهم من هذه الآية أن صبر عدد قليل كعشرة أمام ألف لا يشترط إحراز النصر ، فكأن الآية تتحدث عن توازن في الكم والكيف ضمن حدين . ويمكن الاختلاف على اعتبار أن العدد لا مفهوم له. ولكن الذي لا يمكن الخلاف عليه هو اعتبار التوازن في الكم والكيف ، وزيادة الكم حين يضعف الكيف، وهذا واضح في قوله ﷻ » فمن هنا نفهم ، أن الغلب أو النصر الذي يحرزه المجتمع ، أو الأمة المخاطبة بقوله (منكم) لا يتم بثبات فرد ، أو بأن يكون ما بنفس فرد قد تغير ، إذ لا بد من ثبات عدد معين له حد أدنى وأعلى، وإن كانت آية سورة الأنفال هذه تحدد الكم، وتدخل عامل الكيف ، 4( 5(
عدد الصفحات ١٠١102 سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم الذي جاء بحثه في موضوع خاص ألا وهو الثبات في المعركة. إلا أن هذه الخصوصية ليست محصورة في المعركة القتالية، فمعارك الحياة كثيرة ، فمعركة بناء المجتمع كذلك تحتاج إلى التوازن نفسه. ونَذْرُ الإنسان نفسه، وما وهبه الله من قوة وعمر في سبيل فهم مشكلات المسلمين، يشمل كذلك نفس التوازن، سواء ذلك في بناء الفرد والمجتمع. ومعركة التعامل مع سنن الله على أساس الوعي، أمر يشمل الكافرين والمؤمنين، وأن الفقه لسنن الله يعطي النتائج حتى للكافرين ، ولما قال تعا أعقبه بقوله ولاسيما الفقه لسنن الحياة الدنيا كما سنبحثه فيما يأتي ، لأن الله يمد المؤمنين والكافرين: سورة الإسراء .﴾كًُّ نُّمِدُّ هَ ﴿ لماذا الفئة المؤمنة قليلة المتأمل للقلة في الآيات التي رصدَتهْا، وتحدثتْ عنها في ثنايا القرآن الكريم، يجد أنها قاعدة مطردة، وسنة حاكمة، وأن الفئة المؤمنة دائما قلة، فالذين عبروا النهر مع طالوت قلة، والذين اتبعوا نوحا في دعوته قلة، والذين آووا ونصروا قلة، وهكذا في سننية ماضية، وناموس لا يتخلف ولا يتأجل، ( فهذه هي القاعدة في حس الذين يوقنون أنهم ملاقوا الله. القاعدة: أن تكون الفئة المؤمنة قليلة لأنها هي التي ترتقي الدرج الشاق حتى تنتهي إلى مرتبة الاصطفاء والاختيار. ولكنها تكون الغالبة؛ لأنها تتصل بمصدر القوى؛ ولأنها تمثل القوة الغالبة. قوة الله الغالب على أمره، القاهر فوق عباده، محطم الجبارين، ومخزي الظالمين وقاهر المتكبرين خطورة عدم وجود القلة العاملة والمجتمع الذي يخلو من قلة تقوده، وفئة مختارة ترودُه، ونخبة سابقة ترتاد له مواطن الخير، تكون وارده إليها، وفرطا له لديها، تدله عليها، وترشده إليها، وتحذره من مغبات الشر والفساد، وتحذره منها، مجتمع على خطر عظيم؛ لأن القلة الرائدة في كل مجتمع بمثابة العقل الواعي، والذاكرة الواعبة التي تحفظ الأمة، وتحفظ لها، وتعي أسباب عزها ونصرها، وعوامل فَلَوْلَ كَنَ مِنَ ﴿تحللها وفسادها، وهؤلاء هم أولو البقية التي يعبر عنهم القرآن الكريم في قوله: نَْيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَِّينَ َ َلِيلاً مِمَّنْ أ رْضِ إِلَّ ق ولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِ الَْ ُ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أ . سورة هود ﴾تْرِفُوا فِيهِ وَكَنُوا مُْرِمِيَ ُ ظَلَمُوا مَا أ 6( 7(
عدد الصفحات ١٠٢103 الفصل الثالث: موقف المسلمين من سنة الله في القلة والكثرة بين الوعي والسعي (وهذا النظر إلى الموضوع يبين خطورة أن يبقى في المجتمع أعداد، مهما كانوا قلة، يتمتعون بالوعي التام لقضايا المجتمع . وكذلك ، خطورة عدم وجود العدد الكافي، أو الحد الأدنى، من الذين يعون الأمور على هذا الأساس من النظر. وإدراك ضرر وجود غير الواعين في الأمة، يولد لدى المجتمع شعوراً بالخطر، أن يكون المركب الذي يسير بالمجتمع، يحتوي على نماذج لا تعرف سنن طفو الأجسام على الماء، فيسعون بحسن نية، أو سوء نية، لخرق السفينة، كما ورد في الحديث الشريف الصحيح سر الريادة في القلة وعلاقة ذلك بالسننية وإذا تأملنا آيات القرآن الكريم ومطابقتها لواقع الحياة والأحياء أدركنا سر كون الريادة للقلة وأن ذلك سنة من سنن الله ﷻ؛ ذلك أن العبرة في الأشياء بخصائصها وصفاتها وكيفها، لا بعددها وكثرتها وكمها، وقد فصلت آية سورة الأنفال هذه القاعدة أيما تفصيل، فجاءت (باِلْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ وَهِيَ أَنَّ الْعِبقْرَةَ بِصِفَةِ الشَّيْءِ لاَ بِعَدَدِهِ، وَإِنمََّا تَكُونُ الْعِزَّةُ باِلْكَثقْرَةِ بقَعْدَ التَّسَاوِي فيِ الصِّفَاتِ والقليل النافع المفيد من الأشياء والأحياء هو الذي يكتب له القبول والبقاء، والخيرية والسر في ريادة القلة في كل زمان؛ أنها تحمل من الخصائص والسمات ما يختزل لها الزمن ويطوي لها القوى والقُدَر، ويجمع فيها من أسس البقاء والتحمل ما لا يتوفر لغيرها، فهي في جهدها تختلف عن غيرها، وفي عطائها تباين من سواها، وفي مقاييسها ومعاييرها نمط آخر، تستمد من مصدر قوتها وإلهامها ما لا يقدره إلا الراسخون، وما لا يعرفه إلا العالمون الواعبون، وهذا ما عاشته الفئة المؤمنة مع داوود ، في حركتها وسيرها، وفي دعائها وتعبيرها، وفي نصحها وإرشادها، وهذا هو السر في الريادة من هذه القلة التي ذكرها القرآن نموذجا يحتذى، وأسوة تقتدى، في بيانها وتعبيرها، وفي ثقتها وتوكلها، وفي مقياسها للأشياء، وميزانها للأحداث، ورؤيتها للأمور. 8( حديث النعمان بن بشير، باب هل يقرع في القسمة والاستهام فيه، 9( 10(
عدد الصفحات ١٠٣