سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم 52 والمراد من القلة هنا: إما الندرة، وإما العدم، على عادة القرآن الكريم في التعبير بالقلة على العدم أو الفعل غير المفيد الذي وجوده كالعدم، وتذييل الآية الكريمة بنفي التذكر إشارة على وضوح هذه النعم التي دلهم القرآن عليها، (وما مزيدةٌ لتأكيدِ معنى القلَّةِ التي أريدَ بها العدمُ أو ما يجري مجراه في الحقارةِ وعدمِ الجدوى وفي تذييل الكلامِ بنفي التذكرِ عنهم إيذانٌ بأنَّ مضمونَهُ مركوزٌ في ذهنِ كلِّ ذكيَ وغبيَ وأنَّه من الوضوحِ بحيث لا يتوقفُ إلا على التوجه إليه .وتذكره وقد يكون المراد من القلة: الوجود القليل، وذلك ما كان يظهر منهم على ندرة، وقد قرئ بالغيبة، ولها دلالة إضافية، (وَالْقِلَّةُ هُوَ إِققْرَارُهُمْ إِذَا سُئِلُوا مَنْ خَلَقَهُمْ؟ قَالُوا: اللَِّ هي:(الإيذان باقتضاء سوءِ حالهِم في عدم الامتثالِ بالأمر والنهي وصرفِ الخطابِ عنهم وحكايةِ جناياتهِم لغيرِهم بطريق المبالاة النعي على من يشتري بآيات الله ثمنا قليلاً كل عوض عن آيات الله قليل، فلا يشترى بها سواها، ولا يعدل بها غيرها، فمن ذا الذي يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟، ولقد وردت القلة في موطن الذم في النعي وَلَ تَشْترَُوا بِعَهْدِ اللَِّ ثَمَنًا قَلِيلاً إِنَّمَا عِنْدَ ﴿على من يشتري بآيات الله ثمنا قليلاً، قال ﷻ: أي: (لاَ تقَعْتَاضُوا عَنِ الإِْيمَْانِ باِللَِّ عَرَض .،سورة النحل ﴾َكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ اللَِّ هُوَ خَيرٌْ ل الحَْيَاةِ الدُّنقْيَا وَزِينقَتقَهَا، فَإِنقَّهَا قَلِيلَةٌ، وَلَوْ حِيزَتْ لاِبْنِ آدَمَ الدُّنقْيَا بحَِذَافِيرِهَا لَكَانَ مَا عِنْدَ اللَِّ هُوَ خَيقْرٌ لَهُ، أَيْ: جَزَاءُ اللَِّ وَثقَوَابُهُ خَيقْرٌ لِمَنْ رَجَاهُ وَآمَنَ بِهِ وَطَلَبَهُ، وَحَفِظَ عَهْدَهُ رَجَاءَ مَوْعُودِهِ ومن نظر إلى موعود الله ﷻ ونظر إلى الدنيا استقل الدنيا بما فيها ومن فيها، فلا يختار على مراد الله شيئاً، ولم يمنعه من تنفيذ أمره عرض من أعراض الدنيا، (فلا تختاروا على القيام بحقّ الله والوفاء بعهده عوضا يسيرا مما تنتفعون به من حطام دنياكم من حلالكم وحرامكم، فإنّ ما أعدّ الله لكم في جناته- بشرط وفائكم لإيمانكم- يوفى ويربو على ما تتعجلون به من حظوظكم 40( 41( 42( 43( 44( 45(
عدد الصفحات ٥٢الفصل الأول : القلة: مفهومها, وصفاتها, وسنن الله فيها 53 المبحث الرابع سنن الله في القلة الناظر في آيات القلة في القرآن الكريم يجد أنها تمضي في خط واحد، وتسعى إلى هدف محدد، بما يبرز صورة متكاملة عن قضية كلية، لها ملامحها وسماتها، ولها أصول جامعة، ونظائر متناسقة، ويمكن أن نرصد تلك السننية في خطوتين: الأولى في بيان ملامح الترابط السنني في آيات القلة. والثانية في بيان الأصول الجامعة لقضية السننية في القلة ملامح الترابط السنني في آيات القلة الناظر في آيات القلة الواردة في القرآن الكريم يجد هذا الخيط الدقيق الرقيق الذي يربطها ويجمعها من أولها إلى آخرها، لا تنقض آية أختها، ولا تشاكسها ولا تعكر صفوها، ولا تكدر رواءها، بل تمشي في مسارها، وتؤكد عطاءها، وترسخ دلالتها، سواء ذلك في وصف الفئة المؤمنة التي اتبعت نوحا ، وآمنت به إذ كذبه الناس، وناصرته إذ تخلى عنه البشر، القريب والغريب والصديق والعدو حتى ابنه الذي هو من صلبه، تخلى عن دعوته وهجر رسالته. والفئة القليلة من قوم نوح هي، هي، التي وصفها قومها بأنهم أراذل بل (أراذلنا)، وأنهم متسرعون في الإيمان (بادي الرأي)، وأنهم ليس لهم على قومهم فضل ولا سبق، وهذه الصفات وتلك الخيوط الدقيقة التي وقفنا أمامها تفصيلا لدى الحديث عن صفات القلة، هي هي التي تتكرر في كل قلة، بما يؤكد خط السننية في تلك الآيات الكريمة، كما تلمح التهم ، ورغبة أهل مكة في أن يجعل ﷺ نفسها والصفات ذاتها تتكرر في اتهام قريش أتباعَ الرسول لهم الرسول يوما ولهؤلاء يوما حتى نزل القرآن الكريم ينهى رسول الله عن ذلك ويصف هؤلاء ﴿، سورة الكهف ﴾يريدون وجهه﴿القلة بأنهم ِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا 27 وَاصْبِْ وحَِ إِلَْكَ مِنْ كِتَابِ رَبّهِكَ لَ مُبَدّهِلَ لِكَِمَاتِهِ وَلَنْ تَ ُ وَاتْلُ مَا أ نَفْسَكَ مَعَ الَِّينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِّهِ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ ُرُطًا 28 وَقُلِ الَْقُّ مِنْ مْرُهُ ف َ ُ وَكَنَ أ غْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاه َ الَْيَاةِ الدُّنْيَا وَلَ تُطِعْ مَنْ أ حَاطَ بِهِمْ سَُادِقُهَا وَإِنْ َ عْتَدْنَا لِلظَّالِمِيَ نَارًا أ َ َلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أ رَبّهِكُمْ فَمَنْ شَاءَ ف يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَلْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشََّابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا 29 إِنَّ الَِّينَ آَمَنُوا . ، سورة الكهف، ﴾حْسَنَ عَمَلا َ جْرَ مَنْ أ َ وَعَمِلُوا الصَّالَِاتِ إِنَّا لَ نُضِيعُ أ
عدد الصفحات ٥٣سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم 54 وَلَ تَطْرُدِ الَِّينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِّهِ يُرِيدُونَ ﴿وينهاه عن طردهم بقوله: َيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ وَجْهَهُ مَا عَل لَيْسَ َ َيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أ هَؤُلَءِ مَنَّ اللَُّ عَل َ مِنَ الظَّالِمِيَ 52 وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَِقُولُوا أ .سورة الأنعام ﴾عْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ 53 َ اللَُّ بِأ فهؤلاء الذين وصفوا بالقلة قديما وحديثا وفي واقعنا الذي نعيشه وتتأكد فيه سنن الله ﷻ تأكدا يبرهن على صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان واستيعابه لشؤون الدنيا والآخرة، هؤلاء هم خلاصة قومهم وبقية جنسهم وجوهر أهل زمانهم، وهم الذين وعدوا بالنصر في كل زمان لتحقق شروط النصر فيهم وهم أهل الابتلاء والاختبار، والفرز والتمحيص، وهم دائما لحمة واحدة، تلمح ذلك في حديث الآيات عن أتباع نوع وفي بيانات القرآن المتعددة وعباراته الموحية الموجهة، في مثل قوله: (وما نرى لكم)،وقوله: (بل نظنكم)،وقوله: (ومن آمن)، كما تلمح هذا التماسك في الفئة المؤمنة مع طالوت في قوله: (هو والذين آمنوا معه)،وقوله: (قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين)، وقوله: (فهزموهم بإذن الله). وآمنت به، تبدو فيها هذه الصفات التي بدت في ﷺ والفئة التي آزرت رسول الله قوم نوح وفي الذين ناصروا طالوت من عدم الاحتفال بالمال والجاه والمنصب والسلطان، وأنهم المسارعون إلى التصديق بالنبوة والرسالة، وهم الذين جمعهم الإسلام وألف بينهم فكانوا (فئة)،يفئ بعضهم إلى بعض، ويتضام كل أخ إلى أخيه، حتى يصير به وله عضدا وأزرا، حتى أذاب هذا الدين فوارق الجنس واللون والعرق واللسان والزمان والمكان، فصارت جنسيتهم دينهم كما يقول الأستاذ الإمام محمد عبده ، فأصبح عمر العدوي، وأبو بكر التيمي، وبلال الحبشي، وسلمان الفارسي، وصهيب الرومي في الله إخوة، وأهل مكة أحزاب وشيع وإن كانوا من قريش: إن العروبة في بقققققققققققققققدر قد اقتتلت سيفا لسيف وكان الكل عربانا فهل أبو جهلٍ في غيه وأبو لهبٍ كخققققققالدٍ قاد باسم الله فرسققققققققانا عروبتان فققققققذي نققققققققور وذي ظلم شتان بينهما، شتان، شقققققققققققتانا فإن نضققققققققققققح به يا أهل أمقققققققققققققتنا فإن أمتقققققققنا أولى ضقققققحايققققققققققققققققا 46(
عدد الصفحات ٥٤الفصل الأول : القلة: مفهومها, وصفاتها, وسنن الله فيها 55 إن تلك القلة قديما وحديثا وفي كل زمان ومكان هم السابقون إلى الإيمان، وهم أهل العلم والفقه، وهم الواعون الواعبون لسنن الله في الحياة والأحياء، وهم أصحاب العزم والحزم، والإرادة الماضية النافذة التي تعوض قلة العدد بكثرة الثر وتعوض الكم بالكيف وهم في كل زمان على صلة بالله عبادة ودعاء وصلة ورجاء، وهم مثال في الصبر والثبات وطاعة القواد تلمحهم مع طالوت يمتنعون عن الشرب وإن كان أمرا حيويا، ويعبرون معه النهر وهم يرون (يرونهم مثليهم ﷺعدوهم يزيد في العدد والعُدد والقوة والسلاح والعتاد، وهم مع رسول الله رأي العين)، ولكن الله يلقي في قلوبهم السكينة، ويغشيهم النعاس أمنة منه، ويثبت أقدامهم، ويربط على قلوبهم. كما تجد الآيات التي تصف القلة يربطها خيط واحد واضح من علاقتهم بالحياة والأحياء، كوصف متاع الحياة الدنيا بأنه قليل، وأن أمان الكافرين في الدنيا يزول ولا يدوم، وصف عموم الناس بقلة الشكر، وقلة التذكر وقلة العلم وقلة الفهم وقلة العقل، والخيط الجامع لهذه الأشياء هي الحياة وما فيها وما يدور حولها، ويغري الناس بها. ولا شك أن هذا كله يؤدي بعد جمعه إلى تكوين صورة صحيحة فصيحة دقيقة واضحة عن القلة مدحا وذما، وإبراز موقف القرآن منها ، وتلك منهجية القرآن في رسم صورة واضحة المعالم بينة الملامح عن القلة التي تناولها، تسلم كل آية إلى أختها، في تناسق بديع يمهد فيه السابق للاحق ويؤكد فيه اللاحق على السابق في تناغم واتساق. الأصول الجامعة لقضية السننية في القلة بعد رصد الآيات التي تناولت القلة مكية ومدنية، وسواء كانت تلك القلة في الأفراد أو الأمم أو الأشياء ودرسها وتأمل دلالاتها يمكن أن نستخلص في نقاط السنن الماضية والأصول الجامعة في قضية القلة على النحو التالي: 1 .أنهم السابقون إلى الإيمان والصابرون على ابتلاءاته 2 .أنهم الثابتون في الأزمات والاختبار 3 .أنهم يخُتارون بعد ابتلاء واختبار 4 .أنهم الناصرون للحق والدعوات 5 .أنهم الشاكرون قولا وعم 6 .أنهم فقهاء علماء واعون بالدنيا واعبون بالحياة
عدد الصفحات ٥٥سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم 56 7 .أنهم عالمون بالسنن والنواميس الجارية والخارقة، في الحياة والأحياء 8 .أنهم عادلون في الشركة لا يبغون في الخلطة 9 .أنهم الراضون بعطاء الله وقضائه 10 .أنهم خلاصة زمانهم وبقية جيلهم 11 .أنهم المنصورون المؤيدون 12 .أنهم دائما لحمة واحدة 13 . أنهم لا يحفلون بالمال ولا يأبهون بالجاه والملك والسلطان 14 .أنهم أصحاب العزم 15 .شدة صلتهم بالله ﷻ، وحسن ثنائهم عليه 16 .أنهم أقدر الناس على الثبات وطاعة القواد 17 .لا يحتنكهم الشيطان تلك بعض الأصول الجامعة التي يمكن أن تصور لنا سنن الله ﷻ في القلة في ضوء الآيات الكريمة والتي يمكن أن يفيد منها المسلمون عامة والمعنيون بنهضة الأمة خاصة وسيَبِين ذلك في صفحات آتية لدى الحديث عن ريادة القلة وأثرها في الشهود الحضاري للأمة المسلمة، وفقه صناعة القلة الرائدة.
عدد الصفحات ٥٦الفصل الثاني الكثرة مفهومها وصفاتها وسنن الله فيها
عدد الصفحات ٥٨60 سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم المبحث الأول مفهوم الكثرة في اللسان العربي والقرآن الكريم وردت مادة الكثرة وتقلباتها في اللسان العربي مشتملةً على عدد من المعاني يمكن أن نتلمسها على النحو الآتي: ( الكثرة: نقيض القلة... وقد كثر الشيء فهو كثير. وقوم كَثيرٌ، وهم كَثيرونَ. وأكْثقَرَ الرجل، أي كثر ماله الشيء، أي أكثرت منه. والكُثقْرُ بالضم من المال: الكَثيرُ... والتكاثقُرُ: المكاثَرةُ. وعددٌ كاثِرٌ، أي كَثيرٌ. قال الأعشى: ولستَ بالأكْثَرِ منهم حصًى وإنمَّققا العِققققققققققققققققققققزَّةُ للكقققققققققققاثِرِ وفلان يقَتَكَثقَّرُ بمال غيره...والكوثر من الرجال: السيد الكَثيرُ الخير... والكَوْثقَرُ من الغبار: الكَثيرُ ويذكر ابن فارس في مقاييس اللغة أن (الْكَافُ وَالثَّاءُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ خِلاَفَ 3(الْقِلَّةِ. مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءُ الْكَثِيرُ الْفرق بَين الْكثير والوافر: والفرق بين الكثرة والوفر:(أَن الْكَثقْرَة زِياَدَة الْعدَد، والوفر اجْتِمَاع آخر الشَّيْء حَتىَّ يكثر حجمه أنها نقيض القلة. وتدل على التجمع. و الغلبة. وزيادة العدد. ومن مشتقاتها ما يدل على السيد كثير الخير. وتدل على السخاء، و الدوام. والمادة تدل على الجماعات من الناس، و التباري في كثرة المال والعز، كما تستخدم في العدد والفضل. تعبير القرآن الكريم عن الكثرة ورد التعبير عن الكثرة في القرآن الكريم بصور متعددة، وألفاظ مختلفة، فورد التعبير عنها بلفظ: 1( 2( 3( 4(
عدد الصفحات ٦٠61 الفصل الثاني : الكثرة: مفهومها, وصفاتها, وسنن الله فيها كثُر، كثرت، كثّركم، أكثرت، أكثروا، استكثرت، استكثرتم ،تستكثر،كثرة،كثرتكم،كثير، كثيرة،أكثر،أكثركم،أكثرهم،تكاثر،كوثر.كما ورد التعبير عنها بألفاظ أخرى من غير مادتها، مثل أساليب التكثير، وكم، ونحوها. موقف القرآن الكريم من الكثرة والنظائر إلى حين نتأمل الآيات التي ورد فيها لفظ الكثرة في القرآن الكريم، ونرد الأشباه أصول جامعة نجدها تتلخص في أمرين جامعين: الكثرة المحمودة، والكثرة المذمومة. أولاً: الكثرة المحمودة وهي التي تناولها القرآن مادحا لها بذكرها في مواطن تدعو إلى أهميتها، وتحث على الإفادة منها، سواء كان ذلك على سبيل الامتنان على أصحابها بأنهم كانوا قليلا فكثّرهم في الاستكثار من الخير لو كان يعلم الغيب، أو عفو الله ﷻ عن كثير ﷺالله، أو رغبة النبي من الذنوب منّاً منه على عباده وفضلاً، أو الدعوة إلى تسبيح الله ﷻ وذكره كثيرا، أو مَنُّهُ ﷻ على عباده بالغيث الكثير الذي يحيي به البلاد ويُقيت العباد، ويُنشئ لهم منه جنات من نخيل وأعناب لهم فيها فواكه كثيرة، وأثر كثرة ذكر الله ﷻ في عصمة المؤمنين من أن يقولوا ما بالكوثر: النهر الكثير الخير، الذي لا يظمأ ﷺلا يفعلون، أو مَنّ الله تعالى على عبده ونبيه من شرب منه أبدا، أو من الله ﷻ على المؤمنين بكثرة نصره لهم في مواطن كثيرة، وتعديده ﷻ لكثرة من قاتل مع النبيين من الربانيين والمجاهدين، ومنّ الله ﷻ على عباده بكثرة الساجدين له من الخلق، واهتداء كثير من الناس بما يضربه الله ﷻ لهم من الأمثال، أو وصفه تعالى لمن يؤت الحكمة بأنه قد أوتي خيرا كثيرا، وأنه لا يعقل ذلك ولا يفيده إلا أولو الألباب، أو منُّه ﷻ على عباده بكثرة ما خلق من نسل آدم وحواء ودعوته إياهم أن يتقوه؛ شكرا لهذه المنة ووفاء لتلك النعمة.
عدد الصفحات ٦١62 سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم ثانياً: الكثرة المذمومة وتبدو الكثرة المذمومة في القرآن الكريم من خلال تعبير القرآن وحديثه عنها في معرض الذم والإنكار، سواء كان ذلك على سبيل البيان؛ لأن كثيرا من الناس يضلون بأهوائهم بغير علم، أو بيان أن كثيرا من الناس عن آيات الله غافلون، أو بيان دعوى الأقوام أنهم لا يفقهون كثيرا مما يقوله الأنبياء والمرسلون، وتنكبهم الصراط المستقيم ، وإضلال الأصنام لكثير من الناس، وأن كثيرا من القرون بين عاد وثمود هلكوا بذنوبهم، وأن كثيرا منهم بلقاء ربهم كافرون، وإضلال الشياطين لكثير منهم، وبيان أن كثيرا من الخلطاء يبغي بعضهم على بعض، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وأن هؤلاء قليلون، أو أن المرء لو أطاع أكثر من في الأرض لأضلوه عن سبيل الله، وبيان طبيعة أكثر الناس وأن أكثرهم لا يعلمون، ولا يعقلون، ولا يسمعون، ولا يؤمنون بالله إلا وهم مشركون، وتمضي الكثرة في القرآن الكريم لتبين للناس أن أكثر أهل الكتاب لا عهد لهم، وأن كثيرا منهم فاسقون، وأن كثيرا منهم ساء ما كانوا يعملون، وأن كثيرا منهم عموا وصموا، وبيان أن الكثرة المعادية لله ﷻ لا تغني عن أصحابها شيئا، أو أن الخبيث لا يساوي الطيب ولو أعجب الناس كثرة الخبيث، أو ذم كثير من أهل الكتاب الذين يودون أن يردوا المؤمنين عن إيمانهم، أو كثرة النجوى في غير أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس. ولنتناول الكثرة في القرآن بهذا الترتيب في الصفحات القادمة فنبدأ بالكثرة المحمودة وصفاتها وخصائصها كما وردت في القرآن الكريم.
عدد الصفحات ٦٢63 الفصل الثاني : الكثرة: مفهومها, وصفاتها, وسنن الله فيها المبحث الثاني الكثرة المحمودة صفاتها وخصائصها في القرآن الكريم إذا تتبعنا الآيات التي تصف الكثرة المحمودة في القرآن الكريم يمكن أن نتناولها على النحو الآتي: امتنان الله - تعالى- على قوم صالح بكثرة العدد كثرة العدد نعمة، إذا وضعت في مكانها، وأفيد منها على الوجه المرضي، وقديما كان العرب يتمدحون بها. والكثرة المحمودة نعمة من الله ﷻ، امتن بها على قوم صالح فقال في معرض تذكيرهم بنعمه عليهم، ودعوته أن يَفيدوا من الكثرة في الدعوة إليه وليس ِ صَِاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَِّ مَنْ وَلَ تَقْعُدُوا بِكُلّه ﴿الصد عن سبيله: َلِيلاً فَكَثََّكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَنَ عَقِبَةُ آَمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ ق سورة الأعراف ﴾الْمُفْسِدِينَ والكثرة هنا إما كثرة حقيقية بالعدد، أو كثرة عن طريق الغنى الذي يكثر القليل، ويقوي الضعيف، ويعطي للمرء في الحياة قيمته ومكانته، أو تكثير بالقوة بعد الضعف، أو بطول .(منّ عليهم بتكثير الأعمار بعد قصرها من قبل العدد؛ لأن بالتناصر والتعاون تمشي الأمور ويحصل المراد. ويقال كما أن كل أمر بالأعوان والأنصار خيرا أو شرا، فلا نعمة فوق اتفاق الأنصار في الخير، ولا محنة فوق اتفاق الأعوان وفي تكثير عددهم إعزاز لهم وتقديم على غيرهم، مضت بذلك سنة الله في الكثرة في الشر عندما تكون كثرة محمودة تعز أهلها، وتعلي مكانهم. (وَاذْكُرُوا إِذْ كُنقْتُمْ قَلِيلاً فَكَثقَّرَكُمْ أَيْ :كُنقْتُمْ مُسْتَضْعَفِينَ لِقِلَّتِكُمْ فَصِرْتمُْ أَعِزَّةً لِكَثقْرَةِ عَدَدِكُمْ فَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَِّ عَلَيْكُمْ فيِ ذَلِكَ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ أَيْ مِنَ الأُْمَمِ الخَْالِيَةِ والقرون الْمَاضِيَةِ وَمَا حَلَّ بهِِمْ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ باِجْترَِائِهِمْ عَلَى مَعَاصِي اللَِّ وَتَكْذِيبِ رُسُلِهِ عين، وحديثا غابرا في الداثرين. 1( 2( 3( 4(
عدد الصفحات ٦٣64 سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم نوح وحرصه على بلاغ الرسالة وإكثاره من البيان لقومه أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، ليخرج من شاء من عباده من الظلمات إلى النور، وأيد رسله بالحجج الباهرة والأدلة القاطعة والبراهين الساطعة التي ترشد الناس إلى الهدى، وتبعدهم عن الردى، وتهديهم إلى طريق الله رب العالمين، وبذل الأنبياء والمرسلون في سبيل بيان الحجة وتوضيح المحجة كل ممكن، ومن هؤلاء نوح الذي دعا قومه بكل سبيل ، ونوّع في دعوته ِ رَبّهِ إِنّه ﴿بكل طريق، وسجل القرآن الكريم ذلك في سورة كاملة باسمه فقال على لسانه: ِ كَُّمَا دَعَوْتُهُمْ لتَِغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا َوْمِ لَْلاً وَنَهَارًا دَعَوْتُ ق ِ دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا صَُّوا وَاسْتَكْبَُوا اسْتِكْبَارًا َ صَابِعَهُمْ فِ آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأ َ أ .سورة: نوح ﴾سَْرْتُ لَهُمْ إِسَْارًا َ عْلَنْتُ لَهُمْ وَأ َ ِ أ ثُمَّ إِنّه وقد اعترف قومه بذلك، وذكروا أنه أكثر من جدالهم، والكثرة هنا في جانب نوح مدح له من حيث لا يشعرون، حيث حرص نوح على بلاغ الرسالة على الوجه الأكمل، َالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلتَْنَا ق﴿ وسجل القرآن الكريم هذا الحرص وكثرة جدال نوح بقوله: سورة هود ﴾َتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِي ْ كْثَْتَ جِدَالََا فَأ َ َأ ف فأكثرت معنا، أو ماريتنا فأكثرت مراءنا، أو دعوتنا فأكثرت دعاءنا، ووعظتنا فأكثرت وعظنا، .وحاججتنا فأكثرت حجاجنا ولقد سلك نوح معهم في بلاغ الرسالة ما سجله له القرآن وشهد به الواقع، فقلب لهم في وسائل الدعوة بين الليل والنهار والسر والإعلان، والزرافات والوحدان. وكلام قوم نوح معه ( يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَدْ أَكْثقَرَ فيِ الجِْدَالِ مَعَهُمْ، وَذَلِكَ الجِْدَالُ مَا كَانَ إِلاَّ فيِ إِثقْبَاتِ التقَّوْحِيدِ وَالنقُّبقُوَّةِ وَالْمَعَادِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الجِْدَالَ فيِ تقَقْرِيرِ الدَّلاَئِلِ وَفيِ إِزَالَةِ الشُّبقُهَاتِ حِرْفَةُ الأنبياء، وَعَلَى أَنَّ التقَّقْلِيدَ وَالجَْهْلَ وَالإِْصْرَارَ عَلَى الْبَاطِلِ حِرْفَةُ الْكُفَّارِ على الاستكثار من الخير ﷺحرص الرسول على بلاغ الرسالة وأداء الأمانة وفي سبيل ذلك بشر وأنذر، ورغب ﷺحرص الرسول ورهب، وأبان لأمته أنه لا يملك لنفسه خيرا ولا شرا، ولا ضرا ولا نفعا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، ولو كان يعلم الغيب لاستكثر من الخير، وقد ورد الاستكثار هنا في مقام المدح مْلِكُ لَِفْسِ نَفْعًا وَلَ ضًَّا إِلَّ مَا شَاءَ اللَُّ َ قُلْ لَ أ ﴿وهو الاستكثار من الخير، قال ﷻ: نَا إِلَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ َ عْلَمُ الْغَيْبَ لَسْتَكْثَْتُ مِنَ الَْيرِْ وَمَا مَسَّنىَِ السُّوءُ إِنْ أ َ وَلَوْ كُنْتُ أ انظر: جامع البيان 5( 6(
عدد الصفحات ٦٤65 الفصل الثاني : الكثرة: مفهومها, وصفاتها, وسنن الله فيها ومعنى لاستكثرت من الخير أي: (لاستكثرت من العمل الأعراف ﴾يُؤْمِنُونَ .الصا والاستكثار هنا سواء كان في جلب الخير والنفع أو دفع الشر والضر أمر( بتصريح الإقرار بالتبري عن ﷺاستكثار ممدوح، والآية تشير إلى أن النبي حوله ومنّته، وأن قيامه وأمره ونظامه بطول ربّه ومنّته ولذلك تتجنّس علىّ الأحوال، وتختلف الأطوار فمن عسر يمسّني، ومن يسر يخصني، ولو كان الأمر بمرادي، ولم يكن بيد غيري قيادي لتشابهت أحوالي في اليسر، ولتشاكلت أوقاتي في البعد من العسر الله أن يجعل معه أخاه هارون وزيرا كي يعينه على أن سؤال موسى يسبحا الله كثيرا ويذكراه كثيراً الذكر والتسبيح للمؤمن زاد يمضي به في طريقه إلى الله ﷻ، يستعين بهما على المحن، ويتقوى بهما على الزمن، ويسلو بهما في نوازل الدهر ومفاجع الأيام، وهما كذلك هدف يسعى له المؤمن، سيما إذا كان مع المرء أخ صالح، إذا نسي ذكره، وإذا ذكر أعانه، ومن هنا طلب موسى من ربه ﷻ أن يجعل معه هارون وزيرا؛ ليسبحاه كثيرا، ويذكراه كثيرا. فالكثرة هنا في التسبيح والذكر فهي خِ 30 َ هْلِ 29 هَارُونَ أ َ وَاجْعَلْ لِ وَزِيرًا مِنْ أ ﴿كثرة محمودة، قال موسى : مْرِي 32 كَْ نُسَبّهِحَكَ كَثِيرًا 33 وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا 34 َ ِكْهُ فِ أ شْ َ زْرِي 31 وَأ َ اشْدُدْ بِهِ أ . 36/سورة طه ﴾وتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَ 36 ُ َالَ قَدْ أ 35 ق إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا والمعنى: (كي نعظمك بالتسبيح لك كثيرا (وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا) فنحمدك (إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا) يقول: إنك كنت ذا بصر بنا لا يخفى عليك من أفعالنا شيء وفي طلب موسى إشراك أخيه هارون معه في الرسالة، بيان لطلب العون به على بلاغ الرسالة، وفي هذا بيان (أنّ طلبه مشاركة أخيه له بحقّ ربه 7( 8( 9( 10(
عدد الصفحات ٦٥66 سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم 11(لا بحظّ نفسه حيث قال وتبييناً لباعث الرغبة، وفي إطلاق الكثرة شمول للزمان، والمكان، والأحوال، كأنه قال نسبحك ونذكرك في كل وقت وفي كل مكان وعلى كل حال، قَالَ مجَُاهِدٌ: ( لاَ يَكُونُ الْعَبْدُ مِنَ الذَّاكِرِينَ اللََّ كَثِيرًا، حَتىَّ يَذْكُرَ اللََّ قَائِمًا وَقَاعِدًا وَمُضْطَجِعًا. وَققَوْلُهُ أَيْ: فيِ اصْطِفَائِكَ لَنَا، وَإِعْطَائِكَ إِياَّناَ النقُّبقُوَّةَ، وَبقَعْثَتِكَ لَنَا إِلىَ عَدُوِّكَ فِرْعَوْنَ، فقَلَكَ الحَْمْدُ عَلَى ذَلِكَ وليس المراد من التسبيح في الخلوات والجلوات فحسب، بل المراد ما يشمل تسبيح الحال وتسبيح المقال فقوله فإن فعل فيها كل واحد منهما من التسبيح والذكر مع كونه مكثِراً لفعل الآخر، ومضاعفاً له بسبب انضمامِه إليه مكثرٌ له في نفسه أيضاً بسبب تقويتِه وتأييدِه إذ ليس المرادُ بالتسبيح والذكر ما يكون منهما بالقلب أو في الخلَوات حتى لا يتفاوت حالُه عند التعدد والانفرادِ بل ما يكون منهما في تضاعيف أداءِ الرسالة، ودعوةِ المَرَدة العُتاة إلى الحق وذلك مما لا ريب في اختلاف حالِه في حالتي التعددِ والانفراد؛ فإن كلاًّا منهما يصدر عنه بتأييد الآخر من إظهار الحقِّ ما لا يكاد يصدر عنه مثلُه في حال الانفراد وكثيراً في الموضعين نعتٌ لمصدر محذوف أو زمانٍ محذوف وفي طلب موسى وترتيب دعائه من اللطائف الكثير، منها ما يفيده التقديم والتأخير، ومنها ما يفيده التذييل، ومنها أدب الدعاء، ومقدمات الرجاء، فقبل رجاؤه واستجيب دعاؤه وأعين على كثرة التسبيح والذكر، وكان من نصره ما كان. (ولا شك أن الاجتماع على العبادة والذكر سبب في دوامهما وتكثيرهما... ولذلك ورد الترغيب في الاجتماع على الذكر: والجمع في الصلاة ليقوى الضعيف بالقوي، والكسلان بالنشيط، وقيل: المراد بكثرة التسبيح والذكر ما يكون منها في تضاعيف أداء الرسالة ودعوة المردة العتاة، لأنه هو الذي يختلف في حالتي التعدد والانفراد، فإن كُلاًّا منهما يصدر منه، بتأييد الآخر، من إظهار الحق، ما لا يصدر منه حال الانفراد. والأول أظهر 11( 12( 13( 14(
عدد الصفحات ٦٦67 الفصل الثاني : الكثرة: مفهومها, وصفاتها, وسنن الله فيها ولا شك أن تكاليف الدعوة وأعباء التعامل مع الناس تحتاج إلى حسن صلة بالله قوية؛ تعين على مواصلة الخير، ونشر الفضيلة، وبلاغ الرسالة للناس، ومن أكثر الأمور إعانة على ذلك التسبيح والذكر، وحسن الثناء على الملك الوهاب من بيده مقاليد الأمور، ومفاتيح القلوب، (والأمر الجليل الذي هو مقدم عليه يحتاج إلى التسبيح الكثير، والذكر الكثير، والاتصال الكثير. فموسى يطلب أن يشرح الله صدره وييسر له أمره ويحل عقدة من لسانه ويعينه بوزير من أهله.. كل أولئك لا ليواجه المهمة مباشرة ولكن ليتخذ ذلك كله مساعدا له ولأخيه على التسبيح الكثير، والذكر الكثير، والتلقي الكثير، من السميع البص حالنا وتطلع على ضعفنا وقصورنا وتعلم حاجتنا إلى العون والتدب السَّلاَمُ سُؤَالَهُ تحصِيلَ مَا سَأَلَهُ لِنقَفْسِهِ وَلأَِخِيهِ، بأَِنْ يُسَبِّحَا اللََّ كَثِيرًا وَيَذْكُرَا اللََّ كَثِيرًا. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ فِيمَا سَأَلَهُ لِنقَفْسِهِ تَسْهِيلاً لأَِدَاءِ الدَّعْوَةِ بِتقَوَفُّرِ آلاَتهَِا وَوُجُودِ الْعَوْنِ عَلَيقْهَا، وَذَلِكَ مَظِنَّةُ تَكْثِيرِهَا ومن الأسباب التي حملت موسى على دعاء ربه بأن يجعل معه أخاه هارون وزيراً، والتي تعين على أن يسبحاه كثيرا، ويذكراه كثيرا: أن في ذلك دلالة للناس على ربهم، وفيه من إكثار خُوكَ بِآيَاتِي َ نتَ وَأ َ اذْهَبْ أ ﴿المسبحين والذاكرين ما لا يخفى؛ ولذلك أعقب الله كلامه بقوله: كما أن في التعاون على أداء الرسالة من تقليل الاشتغال ][﴾وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي بأمور الدنيا والمعاش ما يعين على الإفادة من الوقت، ونشر رسالة الخير إلى الكثير من الناس، مما لا يتأتى من الرسول والداعية حين يكون مشغولا بكل أمور الخاصة والعامة، (وَالَّذِي أَلجَْأَ مُوسَى إِلىَ سُؤَالِ ذَلِكَ عِلْمُهُ بِشِدَّةِ فِرْعَوْنَ وَطُغْيَانِهِ وَمَنْعِهِ الأُْمَّةَ مِنْ مُفَارَقَةِ ضَلاَلهِِمْ، فقَعُلِمَ أَنَّ فيِ دَعْوَتِهِ فِتقْنَةً لِلدَّاعِي، فَسَأَلَ الإِْعَانَةَ عَلَى الخَْلاَصِ مِنْ تِلْكَ الْفِتقْنَة ليتوفّرا لِلتَّسْبِيحِ وَالذِّكْرِ كَثِيرًا لتتضافر جهودهما في طاعة الله، وتسبيحه وذِكْره 15( 16( 17( 18(
عدد الصفحات ٦٧68 سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم وذكر الله كثيرا وتسبيحه بالعشي والإبكار من المعينات على كل ما طلبه موسى ، من بلاغ الرسالة، والصبر على أذى المدعوين، والبركة في العمل والوقت، ولذا أرشد الله زكريا بعد وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا ﴿نعمته التي أنعم بها عليه أن يذكره كثيرا ويسبحه بالعشي والإبكار،فقال له: .سورة مر ﴾ِبْكَارِ وَسَبّهِحْ بِالْعَشِّهِ وَالْ وذكر الله كثيراً سبب الفلاح في الدنيا والآخرة، في السلم والحرب، وفي الشدة والرخاء، يُّهَا الَِّينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا َ يَا أ ﴿ولذا أوصى الله ﷻ به المؤمنين إذا لقوا فئة مقاتلة، .سورة الأنفال ﴾َعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَاذْكُرُوا اللََّ كَثِيرًا ل وأمر الله تعالى به في وقت ابتغاء فضل الله ورزقه، فهو يعين على تذكر فضل الله ﷻ وإنعامه، ورد النعمة إليه، وذكر هذه النعمة وشكره عليه وهذا سبب استمرارها ودوامها وهي رْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشُِوا فِ الَْ ﴿سنة ثابتة لله ﷻ في الشكر والشاكرين، .سورة الجمعة ﴾فَضْلِ اللَِّ وَاذْكُرُوا اللََّ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وذكر الله كثيرا مجلبة ﷺوذكر الله معين على التأسي بالقدوة الصالحة، والمثل الكامل للمغفرة والأجر العظيم، كما أن ذكر الله كثيرا عصمة للناس أن يقولوا مالا يفعلون، وذكر الله كثيرا من أسباب عصمة الإنسان أن يقول ما لا يفعل. تفضيل الله - تعالى- لبني آدم على كثير ممن خلق مَنَّ الله تعالى على بني آدم بمنن كبرى، ومنح عظمى، منها: أنه كرمهم بصور من التكريم، وألوان من الإكرام والإنعام، وحملهم في البر والبحر، ورزقهم من الطيبات، وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلا، والكثرة هنا كثرة محمودة إذ قد ذكرها الله ﷻ في مقام المن وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنىِ آَدَمَ وَحََلْنَاهُمْ فِ الْبَّهِ وَالَْحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيّهِبَاتِ ﴿والإنعام، قال ﷻ: .سورة الإسراء ﴾ َقْنَا تَفْضِيلا وَفَضَّلْنَاهُمْ عََ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَل وهذا التكريم متعدد الأوجه، متنوع الجنبات، مثل: هيمنتهم على من سواهم من الخلق، وتسخير الحياة لهم، وبأن لهم عقولا وتمييزا، أو بالأمر والنهي، أو الكلام والخط والبيان (ومن التكريم ما ألقى عليهم من محبة الخالق حتى أحبوه، ومن التكريم لقوم توفيق صدق القدم، ولقوم تحقيق علوّ الهمم 19( 20(
عدد الصفحات ٦٨69 الفصل الثاني : الكثرة: مفهومها, وصفاتها, وسنن الله فيها ومن تكريم الله ﷻ للإنسان أن:(كرمه بخلقته على تلك الهيئة، بهذه الفطرة التي تجمع بين الطين والنفخة، فتجمع بين الأرض والسماء في ذلك الكيان! وكرمه بالاستعدادات التي أودعها فطرته والتي استأهل بها الخلافة في الأرض، يغير فيها ويبدل، وينتج فيها وينشئ، ويركب فيها ويحلل، ويبلغ بها الكمال المقدر للحياة. وكرمه بتسخير القوى الكونية له في الأرض وإمداده بعون القوى الكونية في الكواكب والأفلاك..وكرمه بذلك الاستقبال الفخم الذي استقبله به الوجود، وبذلك الموكب الذي تسجد فيه الملائكة ويعلن فيه الخالق جل شأنه تكريم هذا الإنسان! وكرمه بإعلان هذا التكريم كله في كتابه المنزل من الملأ الأعلى الباقي في الأرض.. القرآن في ملك الأرض الطويل العريض. وبما ركب في فطرتهم من استعدادات تجعل المخلوق الإنساني فذا بين الخلائق في ملك الله ...ومن التكريم أن يكون الإنسان قيما على نفسه، محتملا تبعة اتجاهه وعمله. فهذه هي الصفة الأولى التي بها كان الإنسان إنسانا. حرية الاتجاه وفردية التبعة. وبها استخلف في دار العمل داود وسليمان على كثير من عباده المؤمنينﷻتفضيل الله ، بأن الله ﷻ قد آتاهما ومن مواطن الكثرة المحمودة ما اعترف به داوود وسليمان علما وفضلهما على كثير من عباده المؤمنين؛ لأن الكثرة هنا في مقام الامتنان والاعتراف َالَ الَْمْدُ للَِِّ الَِّي فَضَّلَنَا عََ كَثِيرٍ مِنْ َقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَق وَل ﴿ بالفضل لله ﷻ، .سورة النمل ﴾عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِيَ فالكثرة هنا كثرة محمودة وليس كل علم بل علم خاص أيدهما الله ﷻ به ومنّ عليهما بفهمه والإفادة منه، (وَذَلِكَ عَلْمُ كَلاَمِ الطَّيرِْ وَالدَّوَابِّ، وَغَيقْرُ ذَلِكَ ممَِّا خَصَّهُمُ اللَُّ بِعِلْمِهِ أو هو علم القضاء، والتفضيل بالكتاب والنبوة والملك الذي يحصل بالعلم لا يحصل بغيره من الصفات، فأخبر بأنهما شكرا الله على عظيم ما أنعم به عليهما 21( 22( 23( 24(
عدد الصفحات ٦٩