سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم 36 وأنها وشيكة أن تصيب الغافلين المتبطرين سمة السنة الماضية، والقانون الذي لا يتبدل ولا يتحول. الصبر والثبات وطاعة القواد ومن صفات القلة المحمودة التي جرت بها سنة القرآن الكريم، الصبر والثبات، بدا ذلك ويبدو ذلك صراحة في طلب القرآن ﷺفي القلة المؤمنة مع طالوت، وبدا عمليا في غزوات النبي الكريم منهم الصبر والثبات على ملاقاة الكفار في الحرب وبيان أنهم لا يفقهون: يُّهَا الَّبُِّ حَرّهِضِ الْمُؤْمِنِيَ عََ الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشُْونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا َ يَا أ﴿ ) 65(نَّهُمْ قَوْمٌ لَ يَفْقَهُونَ َ لْفًا مِنَ الَِّينَ كَفَرُوا بِأ َ مِائَتَيِْ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أ نَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيِْ َ الَْنَ خَفَّفَ اللَُّ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أ سورة الأنفال ﴾لْفَيِْ بِإِذْنِ اللَِّ وَاللَُّ مَعَ الصَّابِرِينَ َ لْفٌ يَغْلِبُوا أ َ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أ (إَنَّ الْفِئَةَ الْقَلِيلَةَ قَدْ تقَغْلِبُ - باِلصَّبرِْ وَالثقَّبَاتِ وَطَاعَةِ الْقُوَّادِ - الْفِئَةَ الْكَثِيرَةَ الَّتيِ أَعْوَزَهَا الصَّبقْرُ وَالاِتحَِّادُ، مَعَ طَاعَةِ الْقُوَّادِ؛ لأَِنَّ نَصْرَ اللهِ مَعَ الصَّابِرِينَ:أَيْ جَرَتْ سُنقَّتُهُ بأَِنْ يَكُونَ النَّصْرُ أَثقَرًا لِلثقَّبَاتِ وَالصَّبرِْ، وَأَنَّ أَهْلَ الجَْزَعِ وَالجُْبِْ هُمْ أَعْوَانٌ لِعَدُوِّهِمْ عَلَى أَنقْفُسِهِمْ، وَهَذَا مُشَاهَدٌ فيِ كُلِّ زَمَانٍ، وَهُوَ كَثِيرٌ لاَ مُطَّرِدٌ شاكرون عملاً وإذا كانت القلة العاملة هم العالمون الواعبون لما دق على غيرهم، فهم كذلك الشاكرون عملاً لا قولاً، والمستشعرون لنعمة الله تعالى عليهم يدفعهم علمهم إلى الشكر الصادق، وهو الشكر العملي، الذي لا يتوقف عند شقشقة اللسان وطمطمة الأسنان، بل يعلمون أن العلم يولد العمل، والشكر من جنس النعمة التي رزقوها، كما أخبر الله تعالى عن آل داود في أي: (وقلنا لهم اعملوا .سورة سبأ ﴾اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴿قوله: بطاعة الله يا آل داود شكرًا له على ما أنعم عليكم من النعم التي خصكم بها عن سائر خلقه مع الشكر له على سائر نعمه التي عمكم بها مع سائر خلقه، وتُرك ذكر: “وقلنا لهم” اكتفاء .بدلالة الكلام على ما ترك منه 65( 66( 67(
عدد الصفحات ٣٦الفصل الأول : القلة: مفهومها, وصفاتها, وسنن الله فيها 37 ولعل السر في التعبير عن الشكر بالعمل فلم يقل الله ﷻ: اشكروا، بل قال: اعملوا شكرا، ما يظهر أنهم مطالبون بأن يكون شكرهم شكراً عملياً، لا شكرا قولياً، (وأخرج قوله: (شُكْرًا) مصدرا من قوله: (اعْمَلُوا آلَ دَاودَ) لأن معنى قوله: (اعْمَلُوا): اشكروا ربكم بطاعتكم إياه، وأن العمل بالذي رضي الله، لله شكر سنة الله تعالى في خلقه وعباده، أي:( وقليل من عبادي المخلصو توحيدي والمفردو طاعتي ، فالمخلصون في توحيدهم وشكري على نعمتي عليهم والمفردون للطاعة والشكر على النعمة هم الشاكرون عملاً، وهم أقل الناس كما جرت بذلك سنة الله تعالى في القلة. (المتوفر على أداء الشكر بقلبه ولسانه وجوارحه أكثر أوقاته، ومع ذلك لا والشكور: يوفى حقه؛ لأن توفيقه الشكرَ نعمةٌ تستدعي شكراً آخر لا إلى نهايته؛ ولذلك قيل: الشكور :(العامل بطاعتي شكرا لنعم والشكور من يرى عجزه عن الشكر وواقع الناس ينبئ بأن القليل منهم من يشكر على هذا النحو، فيشكر على المنع كما يشكر على الأخذ، ويشكر على البلاء كما يشكر على الرخاء، ويشكر على القليل كما يشكر على الكثير، ويشكر بقلبه وكل جوارحه، وهذا الصنف في الناس لا أقول قليل بل نادر، فالكثير من الناس من يهش للعطاء ويأسى في البلاء، قليل من الناس (من يأخذ النعمة من الله ولا يحملها على الأسباب فلا يشكر الوسائط ويشكر الله. والأكثرون يأخذون النعمة من الله، ويجدون الخير من قبله ثم يتقلدون المنّة من غير الله، ويشكرون غ إِخْبَارٌ عَنِ الْوَاقِعِ﴾ُوَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور ﴿يقول ابن كثير رحمه الله: وَققَوْلُهُ: (هذا (7((هو عين السننية في صفة تلك القلة.( وَإِذْ كَانَ الْعَمَلُ شُكْرًا أَفَادَ أَنَّ العاملين قَلِيل إخبار بواقع. وصدق الله العظيم، الشاكرون لله على نعمه قليل، وفي كل زمان ومكان؛ وذلك لاستيلاء الغفلة على القلوب من جهة، ولجهل الناس بربهم وإنعامه من جهة أخرى 68( 69( 70( 71( التفسير الوسيط للواحدي 72( 73( 74( 75( 76(
عدد الصفحات ٣٧سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم 38 وهذه سنة الله تعالى التي لا تتبدل ولا تتخلف والتي يعبر عنها المفسرون بعادة الله ﷻ، (وقد وَقَلِيلٌ ﴿جرت عادته ﷻ بكثرة الخبيث من كل شيء، وقلة الطيب من كل شيء، قال ﷻ: ، وفي الحديث الصحيح﴾وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ﴿ ،﴾ما هُمْ تجَِدُ فيها رَاحِلةَ إنيّ لأفتَحُ عَينيَِ حِينَ أفتَحُها عَلَى كثير ولكن لا أرى أحَدا فأهل الصفا قليل في كل زمان لا يبغون على خلطائهم والقليل الشاكر الذي يشكر على السراء والضراء، وعلى النعمة وعلى البلاء، وعلى الأخذ والإيتاء، يحمله هذا الوعي إلى سعي يرضي ربه فلا يبغي في شركته، ولا يحيف في قسمته، ولا يمد عينيه إلى ما فضل به بعض الناس؛ عالماً أن الرزاق واهب، وأن المعطي حكيم، وأن عطاء الدنيا بلاء واختبار، ولقد أكد القرآن الكريم أن القلة المحمودة لا تبغي ولا تتحيف، ولا تشتط ولا تميد، قال تعالى في وصف هذه القلة بأنها لا يبغي بعضها على بعض: وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُْلَطَاءِ لَيقَبْغِي بقَعْضُهُمْ عَلَى بقَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالحَِاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ ﴿ .،ص﴾أَنمََّا فقَتقَنَّاهُ فَاسْتقَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَناَبَ أي أن هؤلاء الذين لا يظلمون قليلون بالنسبة إلى غيرهم من الخلطاء الظالمين الذين ،(وهم قلة يبغون على شركائهم. أي: ( قليل من لا يبغي نادرة وهؤلاء القليل الذين لا يظلمون، هم الصالحون القليلون في كل زمان ومكان، وقد أراد داود بوصف القلة هنا ذكر حال هؤلاء القليل الذين هم لا يظلمون ولا يبغون، على سبيل (الموعظة الحسنة والترغيب في إيثار عادة الخلطاء الصلحاء الذين حكم لهم بالقلة، وأن يكرّه إليهم الظلم والاعتداء الذي عليه أكثرهم، مع التأسف على حالهم، وأن يسلي المظلوم .عما جرى عليه من خليطه، وأنّ له في أكثر الخلطاء أسوة 77( 78( 79( 80( 81(
عدد الصفحات ٣٨الفصل الأول : القلة: مفهومها, وصفاتها, وسنن الله فيها 39 وبين الإمام الرازي السننية في قلة الصالحين الذين لا يبغي بعضهم على بعض وأسباب ﴾ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ﴿ذلك بأن ( الحُْكْمَ بِقِلَّةِ أَهْلِ الخَْيرِْ كَثِيرٌ فيِ الْقُرْآنِ، قَالَ تقَعَالىَ: ، وَحَكَى تقَعَالىَ عن إبليس ﴾َلِيلٌ مَا هُمْ وَق﴿ [ ، وَسَبَبُ الْقِلَّةِ أَنَّ الدَّوَاعِيَ إِلىَ الدُّنقْيَا ][ ﴾كْثََهُمْ شاكِرِينَ َ ِدُ أ وَل تَ﴿أنَّهُ قَالَ: كَثِيرَةٌ، وهي الحواس الباطنة والظاهرة ... فَلِهَذَا السَّبَبِ وَققَعَتِ الْقِلَّةُ فيِ جَانِبِ أَهْلِ الخَْيرِْ .وَالْكَثقْرَةُ فيِ جَانِبِ أَهْلِ الشَّرِّ، (وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ أي وهم قليل، وما مزيدة للإبهام والتعجب من قلتهم الصالحين الذين لا يظلمون قليل وتذييل الجملة الكريمة بهذا الوصف يبين نفاسة القلة، وسنة الله ﷻ فيها، التي تؤكدها وقائع الأحداث ودنيا الناس، وهناك دواعي لهذه القلة وعوامل ساعدت عليها، (وَفيِ تَذْيِيلِ كَلاَمِهِ بِقَوْلِهِ: (وَقَلِيلٌ مَا هُمْ) حَثٌّ لهَُمَا أَنْ يَكُوناَ مِنَ الصَّالحِِينَ لِمَا هُوَ مُتقَقَرَّرٌ فيِ النقُّفُوسِ عْجَبَكَ كَثَْةُ َ قُلْ لَ يَسْتَوِي الَْبِيثُ وَالطَّيّهِبُ وَلَوْ أ ﴿مِنْ نقَفَاسَةِ كُلِّ شَيْءٍ قَلِيلٍ، قَالَ تقَعَالىَ: وَالسَّبَبُ فيِ ذَلِكَ مِنْ جَانِبِ الحِْكْمَةِ: أَنَّ الدَّوَاعِيَ إِلىَ لَذَّاتِ الدُّنقْيَا ][﴾الَْبِيثِ كَثِيرَةٌ وَالْمَشْيَ مَعَ الهَْوَى محَْبُوبٌ وَمجَُاهَدَةَ النقَّفْسِ عَزِيزَةُ الْوُقُوعِ، فَالإِْنْسَانُ محَْفُوفٌ بجَِوَاذِبِ السَّيِّئَاتِ، وَأَمَّا دَوَاعِي الحَْقِّ وَالْكَمَالِ فقَهُوَ الدِّينُ وَالحِْكْمَةُ، وَفيِ أسباب الْكَمَالِ إِعْرَاضٌ عَن الشَّهَوَاتِ، وَهُوَ إِعْرَاضٌ عَسِيرٌ لاَ يَسْلُكُهُ إِلاَّ مَنْ سمََا بِدِينِهِ وَهمَِّتِهِ إِلىَ الشَّرَفِ النقَّفْسَانيِِّ وَأَعْرَضَ عَنِ الدَّاعِي الشَّهْوَانيِِّ، فَذَلِكَ هُوَ الْعِلَّةُ فيِ هَذَا الحُْكْمِ باِلْقِلَّةِ لا يحتنكهم الشيطان القلة الرائدة لا يتحكم فيها الشيطان؛ فهي تعرف طريقها وتتمسك بمنهاجها، وتقتفي قدوتها، فلا يغريها الشيطان، ولا تلتبس عليها الطرق، ولا تتشعب بها الوديان، منهاجها واضح، وقدوتها رائدة، وطريقها مدروسة خطواته معلومة ملامحه، ولقد استثنى العدو الأكبر إبليس هؤلاء من سيطرته وهيمنته، وإن كانوا داخلين شأن سنة الله في الابتلاء والاختبار، 82( 83( 84( 85(
عدد الصفحات ٣٩سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم 40 يْتَكَ هَذَا َ رَأ َ قَالَ أ ﴿استثناهم من تحكمه فيهم، واستيلائه عليهم، وأقسم على ذلك وشرط: (يقَعْنيِ: ولأحتنكن ﴾َلِيلا حْتَنِكَنَّ ذُرّهِيَّتَهُ إِلَّ ق خَّرْتَنِ إِلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لََ َ الَِّي كَرَّمْتَ عَََّ لَئِنْ أ « 88( وأستقصي ما عندهم فلا يند منهم أحد، تقول العرب: (قَدِ احْتقَنَكَتِ السَّنَةُ أَمْوَالهَُمْ؛ إِذَا اسْتَأْصَلَتقْهَا، وَاحْتقَنَكَ فقُلاَنٌ مَا عِنْدَ فقُلاَنٍ مِنَ الْعِلْمَ؛ إِذَا اسْتقَقْصَاهُ من حبائله وشراكه إلا هؤلاء، ( فلأستولين عليهم وأحتويهم وأملك زمامهم وأجعلهم في قبضة يدي أصرف أمرهم المحمودة العاملة. مؤيدون منصورون القلة المحمودة مؤيدة بنصر الله ﷻ وتأييده، وهذا موطن قوتهم، وسر نهضتهم، مهما والإمداد على قدر الاستعداد، والجود على رآهم الناس قلة، فهم في الواقع لهم مدد إلهي، وإذا أيد الله عبدا فما تكون الدنيا وما عليها، وإذا خلاه نصر الله فلا يغني عنه قدر المجهود، َةٍ غَلَبَتْ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيل﴿ كثير ولا قليل، وهذا ما تعيه القلة المؤمنة مع طالوت إذ قالوا: سورة البقرة ﴾فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَِّ وَاللَُّ مَعَ الصَّابِرِينَ ِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَِّ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَُّ الْمُلْكَ وَالْ ﴿وقد فعل، رْضُ وَلَكِنَّ اللََّ ذُو فَضْلٍ عََ الْعَالَمِيَ َفَسَدَتِ الَْ يَشَاءُ وَلَوْلَ دَفْعُ اللَِّ الَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ل .، سورة: البقرة ﴾َ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ َيْكَ بِالَْقّهِ وَإِنَّك 251 تِلْكَ آَيَاتُ اللَِّ نَتْلُوهَا عَل (وَالْمَعْنىَ أَنَّهُ لاَ عِبقْرَةَ بِكَثقْرَةِ الْعَدَدِ إِنمََّا الْعِبقْرَةُ باِلتَّأْيِيدِ الإِْلهَِيِّ، وَالنَّصْرِ السَّمَاوِيِّ، فَإِذَا جَاءَتِ الدَّوْلَةُ فقَلاَ مَضَرَّةَ فيِ الْقِلَّةِ وَالذِّلَّةِ، وَإِذَا جَاءَتِ الْمِحْنَةُ فقَلاَ مَنقْفَعَةَ فيِ كَثقْرَةِ الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ 86( 87( 88( 89( 90( 91( 92( 93(
عدد الصفحات ٤٠الفصل الأول : القلة: مفهومها, وصفاتها, وسنن الله فيها 41 من أعزه الله، والذليل من أذله الله، فلا تغني الكثرة مع خذلانه، ولا تضر القلة مع نصره، { وإذا كانت القلة المؤمنة مع طالوت قد وعت هذه السنة الربانية، فإن الله ﷻ قد منّ بها على نْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ َ واذْكُرُوا إِذْ أ﴿ ، إذ ذكَّرهم بذلك فقال: ﷺالقلة المؤمنة مع رسول الله يَّدَكُمْ بِنَصِْهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيّهِبَاتِ لَعَلَّكُمْ َ َآَوَاكُمْ وَأ نْ يَتَخَطَّفَكُمُ الَّاسُ ف َ رْضِ تََافُونَ أ فِ الَْ سورة الأنفال ﴾تَشْكُرُونَ فهذه منة يمن الله تعالى بها على عباده، أنهم كانوا قليلا فكثرهم وأيدهم بنصره، ومدهم ويذكرهم بما كانوا فيه من القلة ﷺبمدده. وتلك نعمة يمن الله تعالى بها على القلة في عهد النبي والذلة، (...ثم ما نقلهم إليه من الإمكان والبسطة، ووجوه الأمان والحيطة، وقرّبهم إلى إقامة الشكر على جزيل تلك القسم، وإدامة الحمد على جميل تلك النّعم، فمهّد لهم في ظل أبوابه مقيلا، ولم يجعل للعدوّ إليهم- بيمن رعايته- سبيلا...ورزق الأشباح والظواهر من طيبات الغذاء، ورزق الأرواح والسرائر من صنوف الضياء. وحقيقة الشكر على هذه النعم الغيبة عنها بالاستغراق في شهود المنعم استجابة الله للقلة الصابرة القلة المحمودة مجاب دعاؤها، مستجاب نداؤها؛ لأنها بذلت الأسباب وتوكلت على الوهاب، عرفت قوانين الله في النصر فاتبعتها، وأدركت سنن الهزيمة فاجتنبتها، والناظر في مُثل القلة الواردة في القرآن الكريم يجد ذلك واضحا بينا، فالقلة المؤمنة مع طالوت حقق الله رجاءها واستجاب دعاءها، وأعطاها سؤلها، ( وَأَفقْرَغَ الصَّبقْرَ عَلَيْهِمْ، وَثقَبَّتَ أَقْدَامَهُمْ، وَنَصَرَهُمْ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ: جَالُوتَ وَجُنُودِهِ وَحَقَّقَ بِفَضْلِهِ وَرَحمَْتِهِ ظَنَّ مَنْ قَالَ: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بإِِذْنِ اللَِّ، وَهَزَمُوهُمْ بإِِذْنِ اللَِّ .والمعونة 94( 95( 96( 97( 98(
عدد الصفحات ٤١سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم 42 والمتتبع للآيات الكريمة التي صورت تأييد الله ﷻ للقلة الصابرة، ومعونته لهم، يدرك كيف نسب الله ﷻ الدفع إلى نفسه مباشرة مع أن القلة المؤمنة هي المدافعة، وهي المقاتلة، وهي المباشرة لتلك الأسباب الحسية والمعنوية التي مصيرها النصر والتأييد لبيان تلك السنة التي لا تتخلف حينما يأخذ البشر بأسباب الله ﷻ، ويحسنون التعامل مع سننه،(وقد نسب (عز اسمه) الدفع إلى نفسه؛ لأنه سنة من سننه في المجتمع البشرى، وعليه بني نظام هذا العالم حتى يرث الله الأرض ومن . عليها إنها السنة التي لا تتخلف ولا تتأجل وقانون الله ﷻ الماضي في عباده، ومن حرص على نصر الله له وتأييده دعوته فليسلك سبيل القلة المؤمنة التي وفت لله بسننه ووفى الله ﷻ لها بعدله وعطائه. وإذا كانت تلك صفات القلة المحمودة فللقلة بعض الصفات المذمومة كذلك، وهذا ما نتناوله في الصفحات القادمة إن شاء الله ﷻ. 99(
عدد الصفحات ٤٢الفصل الأول : القلة: مفهومها, وصفاتها, وسنن الله فيها 43 المبحث الثالث القلة المذمومة وصفاتها القلة الواردة في القرآن الكريم كما مر بعضها محمود، وهذا وقفنا على صفاته، وعرفنا أهم ما يميزه، أما القلة المذمومة فقد عرض القرآن الكريم لها كذلك بيانا لصفاتها، وتعريفا لملامحها؛ كي تحذرها كل قلة تريد الشهود الحضاري، وتحقق خيرية الأمة، وهي رسالتها وهدفها في سبيل مرضات الله ﷻ،ومن تتبع تلك الأوصاف ندرك أن الوصف بالقلة المذمومة ورد في مواطن متعددة، منها: وصف متاع الحياة وزخرفها بالقلة، ووصف زمان الكافرين بأنه قليل، ووصف متاع أهل سبأ بالقلة بعد أن جحدوا نعمة الله ﷻ، ووصف اللبث في الدنيا كلها بالنسبة للآخرة بالقلة، ووصف سكنى من بطروا معيشتهم في الدنيا بالقلة، ووصف متاع الجاحدين وطعام المجرمين بأنه قليل، كما وردت القلة في وصف شكر عموم الناس، ووصف إيمانهم، وتذكرهم، وفي الصفحات الآتية نعالج صفات القلة المذمومة على النحو الآتي: متاع الحياة الدنيا قليل الدنيا ظل زائل، ومتاع حائل، وعرض لا يبقى ولا يدوم، متاعها مهما كثر قليل، وَلَ ﴿وعطاؤها مهما زاد ضنين، وقد ورد وصف متاعها بالقلة، في مقام الذم في قوله ﷻ: لْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لتَِفْترَُوا عََ اللَِّ الْكَذِبَ إِنَّ الَِّينَ يَفْترَُونَ َ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أ .سورة النحل ﴾لِمٌ َ عََ اللَِّ الْكَذِبَ لَ يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أ أي: متاعهم هذا في الدنيا قليل، قال الزجاج في معاني القرآن: (المعنى مَتاعهم هذا الذي فعلوه متاعِ قليل والقرآن الكريم يبين للجاحدين هنا أن ما يبذلونه في الدنيا من أجل حصولهم على متاعها، وما يفترونه رغبةً في نعيمها قليل، لا يستحق هذا العناء والبلاء،أي:(ما يفترون لأجله أو ما هم فيه منفعة قليلة تنقطع عن قريب. وَلهَُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة مذكورا إذا قيس بالمضار التي يعاقبون بها على افترائهم،(مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلهَُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ)، أي: إن (المنافع التي قد تحصل لهم على ذلك في الدنيا لا يعتدّ بها فى نظر العقلاء إذا ووزن بينها 1( 2(
عدد الصفحات ٤٣سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم 44 وبين المضارّ التي في الآخرة، فما متاع الدنيا إلا ظل زائل ثم يفنى ويبقى لهم العذاب الأليم حين مصيرهم إلى ربهم بما اجترحوا من السيئات، ودنّسوا به أنفسهم من أوضار الإثم والفجور نُمَتّهِعُهُمْ ﴿والكذب على بارئهم الذي خلقهم وصوّرهم فأحسن صورهم، ونحو الآية قوله: 3(.سورة لقمان ﴾ٍقَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِل عَذابٍ غَلِيظ وجملة (متاع قليل) استئناف بياني لما سبق، وهو تعليل لنفي الفلاح عن الذين يفترون على الله الكذب؛ ( فإنهم بافترائهم الكذب قد خسروا خسرانا مبينا..ذلك أن هذا الذي عاد عليهم من كذبهم وافترائهم، هو شيء تافه، استرضوا به أهواءهم في هذه الحياة الدنيا، فأوقعهم في هذا الذي هم فيه، من عدوان على حرمات الله، وعصيان لله، وشرك به..وذلك . هو الخسران المب وهي دعوة لكل قلة رائدة أن تتخلى عن صفات القلة المذمومة من بقَهْرٍ بمتاع الحياة القليل، وبقَيْعٍ للقيم العالية، وتنازلٍ عن المبادئ السامية؛ فكل ذلك في جنب الآخرة قليل، (وفي هذه الآية تلقين جليل وعظة اجتماعية مستمرة المدى، فأي مجتمع أراد أن يحتفظ بأسباب القوة والعزّة والحياة المطمئنة والرزق الميسور عليه أن يلتزم حدود الله في الإخلاص له والعدل والإحسان وسائر الأعمال الصالحة، وأن يعترف بفضله، ويداوم على ذكره وشكره وأن يبتعد عن كلّ ما فيه ظلم وإثم وبغي ومنكر وانحراف وإسراف. فإذا أخلّ بذلك اختلّت شؤونه وانفرط كيانه وغدا عرضة للنوائب والكوارث ووصف متاع الحياة بالقلة هنا وتحذير المقبلين عليه بأنهم يبيعون من أجله كل غال، ويترخصون في سبيله بكل سبيل وصف في مقام الذم، وهو وصف ثابت ثبات سنن الله ﷻ لا يتغير ولا يتبدل. صفاء زمان الكافرين في الدنيا قليلُ وتمضي آيات القلة تصور للواعبين في كل زمان ومكان أن صفاء زمان الكافرين في الدنيا قليل، حتى تكون الأمة على بَصَرٍ بسنن الله ﷻ في المكذبين، وليكون ذلك تسرية وتطمينا للدعاة والمصلحين، أن هؤلاء وإن صفا لهم زمانهم إلا أنه صفاء قليل، لا يلبث أن يأتيه الكدر، أي: (عن وقت قليل ليندمن سورة المؤمنون ﴾عَمَّا قَلِيلٍ لَُصْبِحُنَّ نَادِمِيَ ﴿ويعقبه البلاء، فهم 3( 4( 5(
عدد الصفحات ٤٤الفصل الأول : القلة: مفهومها, وصفاتها, وسنن الله فيها 45 على تكذيبهم لك، وذلك حين ينزل بهم العذاب وورود (ما) هنا يؤكد هذه القلة، والصفاء الذي لا يدوم، (و أو نكرة موصوفة. لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ على التكذيب إذا عاينوا العذاب الصفاء ، والقلة في زمان الصفاء، و(ما) (... مزيدة بين الجار والمجرور للتوكيد ...و لزمن محذوف، أي: عن زمن قليل وهذا الندم الذي سيعاينونه عند رؤية العذاب إنما هو بسبب عنادهم وبعدهم عن الحق، وإصرارهم على ما هم فيه من الكفر، (عَمَّا قَلِيلٍ مِنَ الزَّمَانِ لَيُصْبِحُنَّ ناَدِمِينَ عَلَى مَا وَقَعَ مِنقْهُمْ مَنِ التَّكْذِيبِ وَالْعِنَادِ وَالإِْصْرَارِ عَلَى الْكُفْرِ، وَ(مَا) فيِ 9(لِلتقَّوْكِيدِ لِقِلَّةِ الزَّمَانِ، أي: بعد زمان قليل ليصيرن نادمين على التكذيب .بعد زمن قليل نادمين على ما فعلوا، وستحل بهم نقمتنا، ولا ينفعهم الندم حينئذ ووصف زمن صفائهم بالقلة هنا وصف في موطن الذم، وموضع الإنكار، وهو سنة ماضية في الجاحدين والمنكرين أنهم لا يطول أمانهم ولا يستمر نعيمهم، بل تأتيهم عقوبتهم ليلا أو نهارا فيصبحوا كأن لم يغنوا بالأمس؛ عبرة للناظرين وآية من آيات الله رب العالمين. وصف متاع أهل سبأ أهل سبأ أهل نعمة حاضرة، ومتاع مقيم، جمع من نضرة الدنيا أوعبها وأشملها: جنان نضرة، عن يمين وشمال، ورزق غدق لا يخشى فواته، ولا يتوقع نفاده، وبلدة طاب نعيمها، لَقَدْ كَنَ لِسبأ فِ مَسْكَنِهِمْ آَيَةٌ ﴿وطاب أهلها، وتلك نعمة تستحق الشكر، وتستوجب البذل عْرَضُوا َ فَأ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِيٍ وَشِمَالٍ كُُوا مِنْ رِزْقِ رَبّهِكُمْ وَاشْكُرُوا لَُ بَلَْةٌ طَيّهِبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ 15 ثْلٍ وَشَْءٍ مِنْ سِدْرٍ َ كُلٍ خَْطٍ وَأ ُ رْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلَْاهُمْ بَِنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيِْ ذَوَاتَْ أ َ فَأ . سبأ﴾قَلِيلٍ جمعت الآية الكريمة من نعيم الدنيا أوفره، ومن متاع الحياة أغزره، وعبرت الآية الكريمة عن هذا النعيم بدقة باهرة، ما يدعو إلى العظة، ويستجلب الشكر، فتقديم الجار والمجرور في: (لسبأ) يفيد الاختصاص، كأنه صنع لهم رغبة في انتفاعهم بالآيات، وسمى الله منازلهم سكنا 6( 7( 8( 9( 10(
عدد الصفحات ٤٥سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم 46 إنما السكن ما جمع مافي قوله: (في مسكنهم)،وليس كل ما يعيش فيه المرء يسمى سكنا، والتعبير بلفظ: يُسْكن النفس، وتَسكن إليه الروح، ويهدأ معه الإنسان وتنعم به الحياة، (آية)، إرشاد إلى غرابة ما لديهم من النعيم، ووفرة ما عندهم من المتاع، حتى كان ذلك عجيبة من العجائب، والتعبير عن الزروع والحدائق بالجنة فيه ما فيه فليس كل بستان جنة إنما البستان الجنة ما تتكاثف أشجاره، وتتعانق أغصانه حتى يستر الداخل عن الخارج، والخارج عن الداخل فتتكاثف ظلاله، وتتوارد ثماره، ويستطاب هواؤه، ويرق عليله، والتعبير: (عن يمين وشمال)، تعبير رائق فائق ففي كل اتجاه تنظره تجد الجنان التي تريح النظر، وتهُدئ الخاطر، والتعبير بلفظ (رزق)فيه من الإكرام ما فيه، واختيار لفظ الربوبية التي تفيض إنعاما وعطاء، من جملة النعيم، ولكنهم بدلوا نعمة الله كفرا، وأحلوا قومهم دار البوار، (بينما شجر القوم خير الشجر، إذ ( وَذَلِكَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وَشِرْكِهِمْ باِللَِّ، وَتَكْذِيبِهِمُ الحَْقَّ صيره الله من شر الشجر بأعمالهم وَعُدُولهِِمْ عَنْهُ إِلىَ الْبَاطِلِ فيما أنعم الله عليهم، فسلبهم سبب هذا الرخاء الجميل الذي يعيشون فيه وأرسل السيل الجارف الذي يحمل العرم في طريقه وهي الحجارة لشدة تدفقه، فحطم السد وانساحت المياه فطغت وأغرقت ثم لم يعد الماء يخزن بعد ذلك فجفت واحترقت. وتبدلت تلك الجنان الفيح صحراء تتناثر فيها الأشجار البرية الخشنة وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ الطرفاء. والسدر النبق. وهو أجود ما صار لهم ولم يعد لهم منه إلا قليل كَفَرُوا ووصف متاعهم بالقلة هنا وصف في مقام الذم؛ لأنه في مقام العقوبة على ما قدموا، والجزاء على ما اقترفوا من نكران النعم، وهذه سنة الله ﷻ في جحد النعمة بعد معرفتها والتمتع بها، وهي سنة لا تتبدل ولا تتحول. 11( 12( 13(
عدد الصفحات ٤٦الفصل الأول : القلة: مفهومها, وصفاتها, وسنن الله فيها 47 لبث الدنيا مهما طال قليل يَوْمَ ﴿ومن المواطن التي ورد فيها ذم القلة وصف المكث في الدنيا للمكذبين، قال تعالى: سورة الإسراء ﴾ ِثْتُمْ إِلَّ قَلِيلا َتَسْتَجِيبُونَ بَِمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَ يَدْعُوكُمْ ف فيها فسادا، مكذبين منكرين، جاحدين ، فتأخذهم نوازل الآخرة، وقبلها نوازل القبر فيرون أن ﴾نَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا َ فَحَسِبْتُمْ أ َ أ ﴿الدنيا بالنسبة لما يعاينونه قليلة قصيرة، فيقول الله ﷻ لهم : (أفحسبتم أيها الأشقياء أنا إنما خلقناكم إذ خلقناكم، لعبا وباطلا وأنكم إلى ربكم بعد مماتكم لا تصيرون أحياء، فتجزون بما كنتم في الدنيا تعملون؟ ووصف الله تعالى لبثهم في الدنيا بالقلة بالنسبة لما يلاقون في الآخرة، وساعات الصفاء قليلة تمر سريعة، وساعات المشقة بطيئة ثقيلة، كما قال أبو تمام أعققققققققوام وصْلٍ كان يُنسي طولهَا ذكرُ النوى، فكأنها أيقققامُ ثم انقققققبرت أيققققققققامُ هقققققققققجْرٍ أردفَقتْ بجَوى أسى، وكأنها أعوامُ ثم انقضت تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أحققققققققققققققلام وإنما سمى الله لبثهم في الدنيا قليلا: (لأَِنَّ الْوَاحِدَ وَإِنْ طَالَ مُكْثُهُ فيِ الدُّنقْيَا فَإِنَّهُ يَكُونُ قَلِيلاً فيِ جَنْبِ مَا يقَلْبَثُ فيِ الآْخِرَةِ لأَِنَّ لُبقْثَهُ فيِ الدُّنقْيَا والقبر مُتقَنَاهٍ قالَ إِنْ لَبِثقْتُمْ، أَيْ: مَا لَبِثقْتُمْ فيِ الدُّنقْيَا، إِلاَّ قَلِيلاً، سمََّاهُ قَلِيلاً ، لَوْ أَنَّكُمْ كُنقْتُمْ تقَعْلَمُونَ، قدر لبثكم في الدنيا (استقصروا مدّة لبثهم في الدنيا بالإضافة إلى خلودهم ولما هم فيه من عذابها، لأن الممتحن يستطيل أيام محنته ويستقصر ما مرّ عليه من أيام الدعة إليها. أو لأنهم كانوا في سرور، وأيام السرور قصار، أو لأنّ المنقضي في حكم ما لم يكن، وصدقهم الله في مقالهم لسني لبثهم في الدنيا ووبخهم على غفلتهم التي كانوا عليها 14( 15( 16( وخصومه 17( 18(
عدد الصفحات ٤٧سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم 48 سكنى من بطروا معيشتهم في الدنيا قليلة ومن المواطن التي ورد فيها وصف القلة بالذم وصف سكنى من بطروا معيشتهم، وصف هْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ َ وَكَمْ أ﴿القرآن سكناهم بأنها لم تسكن من بعدهم إلا قليلا، قال ﷻ: سورة القصص ﴾َتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَْنُ الْوَارِثِي مَعِيشَتَهَا ف والمعنى: (وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ ققَرْيَةٍ فيما مضى بَطِرَتْ مَعِيشَتَها يعني: كفرت برزق ربها. ذكر القرية، وأراد به أهل القرية يعني: أنهم كانوا يتقلّبون في رزق الله تعالى فلم يشكروه في نعمته. ويقال: بَطِرَتْ مَعِيشَتَها يعني: طغوا في نعمة الله، فأهلكهم الله تعالى بالعذاب في الدنيا. ويقال: عاشوا في البطر وكفران النعم فَتِلْكَ مَساكِنقُهُمْ يعني: انظروا واعتبروا في بيوتهم وديارهم بقيت خالية لمَْ تُسْكَنْ مِنْ بقَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وهم المسافرون ينزلون بها يوماً أو ساعة وَكُنَّا نحَْنُ الْوارِثِينَ يعني: نرث الأرض ومن عليها (لم يعرفوا قدر نعمتهم، ولم يشكروا سلامة أحوالهم، وانتظام أمورهم، فهاموا في أودية الكفران على وجوههم، فخرّوا في أودية الصغار على أذقانهم، وأذاقهم الله من كاسات الهوان ما كسر خمار بطرهم فأماكنهم منهم خالية، وسقوفها عليهم خاوية، وغربان الدمار فيها ناعبة (إن بطر النعمة، وعدم الشكر عليها، هو سبب هلاك القرى. وقد أوتوا من نعمة الله ذلك الحرم الآمن فليحذروا إذن أن يبطروا، وألا يشكروا، فيحل بهم الهلاك كما حل بالقرى التي يرونها ويعرفونها، ويرون مساكن أهلها الداثرين خاوية خالية قَلِيلاً فلم يعقبوا أحدا، ولم يرثها بعدهم أحد متاع الجاحدين في الدنيا قليل ومن مواطن القلة المذمومة: وصف متاع الجاحدين في الدنيا بأنه قليل، سواء كان نُمَتّهِعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَ عَذَابٍ ﴿طعاما أو شرابا أو أي صورة من صور المتاع، قال ﷻ: سورة لقمان ﴾غَلِيظٍ مِنقْهُمْ عَذَاباً غَلِيظًا، وَذَلِكَ عَذَابُ النَّارِ، نقَعُوذُ باِللَِّ مِنقْهَا، وَمِنْ عَمَلٍ يقُقَرِّبُ مِنقْهَا 19( 20( 21( 22(
عدد الصفحات ٤٨الفصل الأول : القلة: مفهومها, وصفاتها, وسنن الله فيها 49 فيِ الدُّنقْيَا،(يقَعْنيِ: إِلىَ مَوْتهِِمْ والله ﷻ يبين للمؤمنين الصادقين أن متاع هؤلاء لا يدوم؛ فلا يغرنكم ما هم فيه، فهو ظل زائل، وعارية مستردة، يبتليهم الله بها ويبتلي بها غيرهم، فكأنه ﷻ يقول:(لاَ تقَنْظُرُوا إِلىَ مَا هَؤُلاَءِ الْكُفَّارِ مُترْفون فِيهِ، مِنَ النِّعْمَة والغِبْطَة وَالسُّرُورِ، فعَمّا قَلِيلٍ يقَزُولُ هَذَا كُلُّهُ عَنقْهُمْ، ﴿وَيُصْبِحُونَ مُرتهَنين بأَِعْمَالهِِمُ السَّيِّئَةِ، فَإِنمََّا نمَُدّ لهَُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ اسْتِدْرَاجًا، وَجمَِيعُ مَا هُمْ فِيهِ 25(﴾وَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ْ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأ متَاعٌ القلة المذمومة في العدد كثر ورود القلة في العدد في القرآن الكريم في موطن المدح، وهنا وردت القلة في العدد حَتَّ ﴿في موطن الذم وهذا من المواطن القليلة الورود في القرآن الكريم، ومن ذلك قوله ﷻ: سورة: الجن ﴾َلُّ عَدَدًا ق َ ضْعَفُ نَاصًِا وَأ َ وْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أ َ إِذَا رَأ والوصف بقلة العدد هنا من مواطن الوصف بالقلة المذمومة، ومعنى الآية الكريمة:(إذا عاينوا ما يعدهم ربهم من العذاب وقيام الساعة (فَسَيقَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناَصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا)، أجند الله الذي أشركوا به، أم هؤلاء المشركون به هذا الأمر ثم يعصي. بعد التلويح بالجد الصارم في التكليف بذلك البلاغ، وإذا كان المشركون والمؤمنين القلائل معه، فسيعلمون ﷺيركنون إلى قوة وإلى عدد، ويقيسون قوتهم إلى قوة محمد حين يرون ما يوعدون- إما في الدنيا وإما في الآخرة الفريقين هو الضعيف المخذول القليل الهزيل قلة شكر عموم الناس ورد الوصف بالقلة لشكر عموم الناس في القرآن الكريم في مواطن متعددة منها قول الله الملك: ﴾فْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُون بْصَارَ وَالَْ كُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالَْ َ نْشَأ َ قُلْ هُوَ الَِّي أ ﴿ﷻ سورة ﴾رْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ َقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِ الَْ وَل﴿ 23( الأعراف 23( 24( 25( 26( 27(
عدد الصفحات ٤٩سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم 50 سورة ﴾فْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ بْصَارَ وَالَْ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالَْ ﴿ السجدة أي:(قليلا ما تشكرون ربكم على هذه النعم التي أنعمها عليكم ودلهم الله ﷻ على موطن المؤاخذة وهو أنهم لم يسخروا النعم فيما خلقت لها، فلم يسمعوا مراد الله، ولم يأتمروا بأمره وينتهوا بنهيه، ولم يعقلوا عنه، وهو الذي خلقهم لذلك، (قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ يعني: خلقكم وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ لكي تسمعوا بها الحق، وَالأَْبْصارَ يعني: لكي تبصروا، وَالأَْفْئِدَةَ يعني: القلوب لكي تعقلوا بها الهدى.قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ يعني: شكركم فيما صنع إليكم قليلاً. ويقال: معناه خلق لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة آلة لطاعة ربكم، وقطعاً لحجتكم، وقدرة على ما أمركم فاستعملتم الآلات في طاعة غيره ولم توحدوه (ذكر عظيم منّته عليهم بأن خلق لهم هذه الأعضاء، وطالبهم بالشكر عليها. وشكرهم عليها استعمالها في طاعته فشكر السّمع ألا تسمع إلا بالله ولله، وشكر البصر ألا تنظر إلا بالله لله، وشكر القلب ألاّ تشهد غير الله، وألاّ تحبّ به غ ولعل السر في تخصيص السمع والأبصار والأفئدة لأنها مواطن الانتفاع في الحياة، ولأنها (يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية ما لا يتعلق بغيرها. ومقدمة منافعها أن يعملوا ويستدلوا بقلوبهم. ومن لم يعملها فيما أسماعهم وأبصارهم في آيات الله وأفعاله، ثم ينظروا بْصارُهُمْ وَل َ غْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَل أ َ فَما أ﴿خلقت له فهو بمنزلة عادمها، كما قال الله ﷻ: . سورة الأحقاف ﴾فْئِدَتُهُمْ مِنْ شَْءٍ إذ كنوا يجحدون بآيات الل وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَنُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ َ أ ومقدمة شكر النعمة فيها الإقرار بالمنعم بها، وأن لا يجعل له ندّ ولا شريك، أي: تشكرون شكرا قليلا، وما مزيدة للتأكيد بمعنى حقا وفي الآية الكريمة تنبيه على أن هذا العطاء لمهمة، وأن إغفال الإفادة من هذه النعم مجلبة للوم والذم، ناهيك عن العتاب والعقاب،( كَأَنَّهُ تقَعَالىَ قَالَ: أَعْطَيقْتُكُمْ هَذِهِ الإِْعْطَاءَاتِ الثقَّلاَثَةَ مَعَ مَا فِيهَا مِنَ الْقُوَى الشَّرِيفَةِ، لَكِنَّكُمْ ضَيقَّعْتُمُوهَا فقَلَمْ تقَقْبقَلُوا مَا سمَِعْتُمُوهُ وَلاَ اعْتقَبقَرْتمُْ بمَِا أَبْصَرْتمُُوهُ، وَلاَ تأََمَّلْتُمْ فيِ عَاقِبَةِ مَا عَقَلْتُمُوهُ، فَكَأَنَّكُمْ ضَيقَّعْتُمْ هَذِهِ النِّعَمَ وَأَفْسَدْتمُْ هَذِهِ الْمَوَاهِبَ، 28( 29( 30( 31( 32(
عدد الصفحات ٥٠الفصل الأول : القلة: مفهومها, وصفاتها, وسنن الله فيها 51 فَلِهَذَا قَالَ: قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ وَذَلِكَ لأَِنَّ شُكْرَ نِعْمَةِ اللَِّ ﷻ هُوَ أَنْ يَصْرِفَ تِلْكَ النِّعْمَةَ إِلىَ وَجْهِ رِضَاهُ، وَأَنقْتُمْ لَمَّا صَرَفقْتُمُ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْعَقْلَ لاَ إِلىَ طَلَبِ مَرْضَاتِهِ فَأَنقْتُمْ ما شكرتم نعمته ألبتة قلة إيمان المدعوين من المواطن التي ورد فيها ذم القلة، أو التعبير عنها في مقام الذم، وصف إيمان المدعوين والمعنى: . سورة: الحاقة ﴾َوَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُون ﴿بالقلة، وورد ذلك في قوله ﷻ: (أقلكم من يُؤمن والقلة هنا تدل على العدم، أو الوجود غير المفيد فهو أشبه بالعدم، أي: (لا تصدقون بأن القرآن من عند الله، وأريد بالقليل نفي إيمانهم أصلاً، كما تقول لمن لا يزورك: قلَّ ما تأتينا، وأنت تريد: لا يأتينا أصلاً أو دلالتها الفرعية على العدم هنا في موطن الذم. قلة تذكر المدعوين من المواطن التي ورد فيها الحديث عن القلة في مقام الذم، وصف تذكّر المدعوين بالقلة، ،سورة: ﴾وَلَ بِقَوْلِ كَهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ ﴿وقد ورد ذلك في مواطن متعددة منها قوله ﷻ: عْمَ وَالَْصِيرُ وَالَِّينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالَِاتِ وَلَ الْمُسِءُ وَمَا يَسْتَوِي الَْ ﴿الحاقة مَّنْ يجُِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ َ أ ﴿،سورة غافر ﴾َقَلِيلاً مَا تَتَذَكَّرُون ، سورة النمل ﴾َلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ إلٌَ مَعَ اللَِّ ق َ رْضِ أ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الَْ أو:( قليلا ما تتعظون وتعتبرون فتراجعون الاتعاظ، يقول الطبري: (قليلا ما تعتبرون به الحق أو المراد قلة زمن التذكر 33( 34( 35( 36( 37( 38( راجع: تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمن 39(
عدد الصفحات ٥١