سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم 20 والمعركة الوحيدة التي قالوا فيها (لن نغلب اليوم من قلة الكريم عليهم فيها الهزيمة، ونسبها إلى هذه الكثرة المعجبة، والعدد الذي اعتمدوا في حسابهم عْجَبَتْكُمْ كَثَْتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَ َ لَقَدْ نَصََكُمُ اللَُّ فِ مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيٍْ إِذْ أ ﴿عليه، (فالقليل من ذوي العزائم . سققققققققققورة التوبة ﴾رْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّْتُمْ مُدْبِرِينَ وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الَْ الصادقة والنفوس التي أشققققققققققربت حب الإيمان وامتلأت غيرة عليه- يفعل ما لا يفعله الكثير من ذوى الأهواء المختلفة، والنزعات المتضاربة وسر ذلك أن القلة المحمودة لها حساب آخر غير حساب الكثرة المعتمدة على عَددها وعُددها، (وقققققققققققد يكققققققققققون عدوك كثيراً لكن ليس له رصيد من ألوهية عالية، وقد تكون في قلة من العدد، لكن لك رصيققققققققققد من ألوهية عالية، وهققققققققققذا ما يريد الحق أن يلفتنا إليه بقوله كَم مّهِن ﴿قَلِيققققققققققلاً ، أي: أن الغلبة تأتي بإذن الله، إذن فالشققققققققققيء ][ ﴾َ فِئَ المرئققققققققققي واحد، لكن وجهة نظر الرائين فيه تختلف على قدر رصيدهم الإيماني ... فالعدو قد يكون كثيراً أمامنا ونحن قلة، وكلنا رأى العدو كثيراً ورأى نفسققققققققققه قليلاً، لكن المواجيد تختلف أنا سأحسب نفسي ومعي ربي، وغيري رآهم كثيرين وقال: لا نقدر عليهم؛ لأنه أخرج ربه من الحساب وإذا تتبعنا عدد القلة في جيش طالوت الذين كتب لهم وبهم النصر على جالوت وجنوده وجدناهم ثلاثمائة أو يزيدون قليلا،(أخرج سعيد بن مَنْصُور عَن عُثْمَان بن عَفَّان أَنه ققَرَأَ }َشَِبُوا مِنْهُ إِلَّ قَلِيلا مِنْهُم ف{ والفئة القليلة (لأن المقاييس ليست بكثرة الجمع، ولكن بنصرة الحق سبحانه وتعا تكون قلتها في الظاهر المرئي للناس أما القوة المعنوية والروحية والتي هي أساس النصر فتلك لها مقاييس أخرى، مقاييس البصيرة لا البصر، فالإمداد على قدر الاستعداد، (والفئة القليلة تكون قلَّتُها في الأفراد والعَتَاد وكلِّ لوازم الحرب، والفئة الكثيرة، تظهر كثرَتها في العُدَّة والعَدَد وكلِّ لوازم الحرب، والفئة القليلة إنما تقَغْلِب بإذن الله تعالى. وهكذا يوضِّح الحق سبحانه أن الأسباب تقضي بغلبة الفئة الكثيرة، لكن مشيئته سبحانه تغلب الأسباب وتصل إلى ما شاءه 17( 18( 19( 20( 21(
عدد الصفحات ٢٠الفصل الأول : القلة: مفهومها, وصفاتها, وسنن الله فيها 21 الله ﷻ ولأمر ما ذكر الله ﷻ تلك النماذج في القلة لجيل النصر الأول؛ يفيدون منه، ويقفون عنده، ويقيمون دولتهم على أساس تلك المفاهيم التي تبني الحضارة وتنشئ الاستمرار الحقيق في ريادة الدنيا باسم الدين. وحري بمن انتدب نفسه لبلاغ رسالة الله للناس واستهدف إنارة الدنيا بالدين أن يعي هذه المفاهيم، حتى لا تبهره الكثرة فتقهره، فينتقل من دور المبهور إلى دور المقهور أو المسحور، أو إلى دور الحمامة ينظر إليه الثعبان فتنشل وتنحل وكان بمكنتها أن تطير، وواقع الأمة المسلمة اليوم ونظرتها للعالم الغربي خير شاهد على هذا، فوعي المسلم بسنة الله في القلة والكثرة يقيه هذه النظرة ويعفيه من تلك الوهدة. أهل اختبار وابتلاء ميزات القلة وصفاتهم لا تأتي هكذا ضربة لازب، ولا تكون لكل حي، بل بعد تضحيتهم بما لا يضحي به غيرهم، وصبرهم على ما لا يصبر عليه سواهم، فالقلة تأتي بعد اختبار ينخل الغث من السمين، ويميز الخبيث من الطيب. من هنا تتعرض القلة للتمحيص والابتلاء فيفوز بوصفها من تحقق بصفاتها، ويبعد عنها من لا يستطيع دفع مهرها، ولذا تعرض بنو إسرائيل مع طالوت للاختبار والابتلاء، حتى يتبين الصابر المجاهد من الخائر الجبان، والمقدام الجسور من الخائف الرعديد (فالْمَقْصُودَ مِنْ هَذَا الاِبْتِلاَءِ أَنْ يقَتَمَيقَّزَ الصِّدِّيقُ عَنِ الزِّنْدِيقِ، وَالْمُوَافِقُ عَنِ الْمُخَالِفِ، فقَلَمَّا ذَكَرَ اللَُّ تقَعَالىَ أَنَّ الَّذِينَ يَكُونُونَ أَهْلاً لهَِذَا الْقِتَالِ هُمُ الَّذِينَ لاَ يَشْرَبُونَ مِنْ هَذَا النقَّهْرِ، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَإِنَّهُ لاَ يَكُونُ مَأْذُوناً فيِ هَذَا الْقِتَالِ، وَكَانَ فيِ ققَلْبِهِمْ نقَفْرَةٌ شَدِيدَةٌ عَنْ ذَلِكَ الْقِتَالِ، لاَ جَرَمَ أَقْدَمُوا عَلَى الشُّرْبِ، فقَتَمَيقَّزَ الْمُوَافِقُ عَنِ الْمُخَالِفِ، وَالصَّدِيقُ عَنِ الْعَدُوِّ ولكل اختبار نتيجة، ولكل بلاء عطاء، ولكل شدة رخاء، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، وتأتي نتيجة اختبار القلة في هذا الموقف مباشرة إذ يصبر على القتال من لم يشرب من النهر أصلاً، ويتردد من اغترف غرفة بيده، ولا يقوى على العزم فضلا عن السير والقتال من عب وأترع، فبشم وترنح، وأخلد إلى الأرض غير مأسوف عليه؛ ذلك أن من لم يصبر على الماء كيف يصبر على بذل الدماء؟!، ومن لم يتحمل العطش كيف يتحمل وهج 22( 23(
عدد الصفحات ٢١سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم 22 السيوف وتطاير الأعضاء؟!، (فمن ظهرت طاعته في تقَرْك الماءِ، علم أنه يطيع فيما عدا ذلك، ومن غلبته شهْوَتُه في الماء، وعصى الأمر، فهو بالعصيان في الشدائد أحرى ورخَّص للمطيعين في الغُرْفة ليرتفع عنْهم أذى العَطَش بعض الاِرتفاعِ، وليكسروا نزاعَ النقَّفْس في هذه الحال. ولقد أحْسَنَ من شبه الدُّنْيا بنقَهَرِ طالوتَ، فمن اغترف منْها غرفة بيد الزهد، وأقبل على ما يعينه من أمر آخرته، نجا، ومَنْ أكبَّ عليها، صدَّته عن التأهُّب لآخرته، وقلَّت سلامته إِلاَّ أنْ يتدارَكَه ا (وحكمة هذا الامتحان: ليتخلص للجهاد المطيعون المخلصون، إذ لا يقع النصر إلاَّ بهم هم دائماً لحمة واحدة المتتبع للقلة وواقعها يجد أنها لحمة واحدة، وسبيكة متماسكة، انصهر بعضها في بعض، يحرص كل منهم على الآخر، ينصحه ويعظه ويرشده ويهديه، ذلك ما صنعته القلة مع طالوت، وهذا ما عرف حالهم بعضِهم مع بعض، يعرض ﷺ، ومن طالع سيرة القلة معه ﷺعاشته القلة مع النبي الواحد على أخيه ماله، ومتاعه، وزرعه، وضرعه، وعلى الجانب الآخر يتأبى أخوه فالأول يعطي في سخاء والآخر يتعفف في إباء، وبمثل تلك النماذج التي تعطي الواجب قبل أن تطالب بالحق، وتعيش بالفضل قبل العدل تقوم النهضات وتستمر الحضارات، وإذا رجعنا إلى دلالة القلة وألفاظها في اللغة أعطتنا من المعاني ما يسند تلك النظرة، ويقوي تلك الفكرة، (فالْفِئَةُ: الجَْمَاعَةُ، لأَِنَّ بقَعْضَهُمْ قَدْ ، فلفظة الفئة تدل على الجماعية والتماسك، كما تدل على رجوع فَاءَ إِلىَ بقَعْضٍ فَصَارُوا جمََاعَةً بعضهم على بعض،(فَالْفِئَةُ: الجَْمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ مُشْتقَقَّةٌ مِنَ الْفَيْءِ وَهُوَ الرُّجُوعُ، لأَِنَّ بقَعْضَهُمْ يقَرْجِعُ إِلىَ بقَعْضٍ، وَمِنْهُ سمُِّيَتْ مُؤَخِّرَةُ الجَْيْشِ فِئَةً، لأَِنَّ الجَْيْشَ يَفِيءُ إِلَيقْهَا كان عددهم أو كثيرا 24( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد (12( 26( 27( 28(
عدد الصفحات ٢٢الفصل الأول : القلة: مفهومها, وصفاتها, وسنن الله فيها 23 والفئة، الجماعة التي يرجع إليها في الشدائد، من قولهم: فاء يفيء إذا رجع، وقد يكون الرجل الواحد فئة تشبيها، والملك فئة الناس، والجبل فئة، والحصن، كل ذلك تشبيه قولهم كَمْ مِنْ فِئَةٍ الآية، تحريض بالمثال وحض واستشعار للصبر، واقتداء بمن صدق ربه، و هم السابقون إلى الإيمان والناصرون للحق والدعوات أكد القرآن الكريم من خلال رصد آيات القلة والكثرة فيه أن السابقين إلى الإيمان حَتَّ ﴿ والناصرين للدعوات قلة، وهم الذين تقوم عليهم الدعوة، وتبلغ بهم الرسالة، قال تعالى: َكَ إِلَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آَمَنَ هْل َ ٍ زَوْجَيِْ اثْنَيِْ وَأ مْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احِْلْ فِيهَا مِنْ كُّه َ إِذَا جَاءَ أ يقول:(وما أقرّ بوحدانية الله مع نوح من قومه إلا قليل سورة هود ﴾َلِيلٌ وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّ ق وعلى الرغم من إسراف كثير من المفسرين في القول في هذا القليل إلا أننا نقف عند ما ورد في القرآن الكريم، ولا نتجاوزه، إيمانا منا أنه لو كان في تفصيله فائدة لما أغفله القرآن، قال أبو جعفر:( والصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال الله: (وما آمن معه إلا قليل) صحيح، فلا ﷺ، يصفهم بأنهم كانوا قليلا، ولم يحُدّ عددهم بمقدار، ولا خبر عن رسول الله ينبغي أن يقُتَجاوز في ذلك حدُّ الله، إذ لم يكن لمبلغ عدد ذلك حدٌّ من كتاب الله، أو أثر عن 31()ﷺرسول الله الظاهر، فيقُنقَفِّذُ كما نفذ نوح والقلة المؤمنة معه، دون أن يتوقف عند أسباب الأرض، بل يمتد نظره ونظرهم إلى مسبب الأرض والسماوات، من في يده الأسباب وهو ربها، فإن نوحا ومن معه من القلة المؤمنة السابقة إلى إجابة دعوة التوحيد نفذوا مراد ربهم، على الرغم من سخرية َوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنْ ق وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكَُّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلٌَ ﴿ الكثرة الغالبة منهم، َيْهِ تِيهِ عَذَابٌ يُْزِيهِ وَيَحِلُّ عَل ْ 38 فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأ َإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ مِنَّا ف .سورة: هود ﴾عَذَابٌ مُقِيمٌ 39 29( 30( 31(
عدد الصفحات ٢٣سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم 24 فإنه (لما تحقّق بما أمر الله به لم يأبه عند إمضاء ما كلّف به بما سمع من القيل، ونظر إلى الموعود بطرف التصديق فكان كالمشاهد له قبل الوجود السمع والطاعة على الرغم من فقد الأسباب وكثرة السخرية والاستعجاب. وأما عن عدد هؤلاء القلة فقد قيل: (كانوا ثمانية: نوحٌ عليهِ ، وأهلُه، وبنوه الثلاثةُ، ونساؤُهم. وعن ابن إسحق: كانوا عشرةً: خمسةَ رجالٍ، وخمسَ نسوةٍ ،وعنه أيضاً: أنهم كانوا عشرةً سوى نسائِهم. وقيل كانوا اثنين وسبعين رجلاً وامرأةً وأولادُ نوحٍ سامٌ وحامٌ ويافث ونساؤُهم فالجميع ثمانيةٌ وسبعون نصفُهم رجالٌ ونصفُهم نساء واعتبارُ المعيةِ في إيمانهم للإيماء إلى المعية في مقر الأمان والنجاة ومما يدل على أن السابقين إلى إجابة الحق قلة وصف أعداء الحق لهم بسرعة إجابتهم، الَِّينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّ بَشًَا مِثْلَنَا وَمَا فَقَالَ الْمَلَُ ﴿وهذا ما ورد في قوله تعالى: َضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ َكُمْ عَلَيْنَا مِنْ ف يِ وَمَا نَرَى ل ْ رَاذِلَُا بَادِيَ الرَّأ َ نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّ الَِّينَ هُمْ أ .سورة: هود ﴾كَذِبِيَ فهؤلاء أسلموا بادي الرأي، أي: أول الأمر، وفور وصول الدعوة إليهم، ودون تفكر بل بظاهر من الرأي،- في زعمهم- وتلك التي عابوها عليهم هي طبيعة النفوس الصافية، والقلوب الرائقة الفائقة، التي لا يحول بينها وبين الحق حائل، ولا يمنعها من الإيمان بداية ظهوره مانع. إن قوم نوح لما رأوا إيمان هؤلاء مسرعين قالوا ما قالوا، وتلك عجيبة الكثرة والغالبين أن يعدوا ما يمدح به عيبا، وهي سنة ماضية في الزمان والمكان والأمم والأفراد: إذا محققققققاسني اللاتي أدل بها كانت ذنوبا فقل لي كيف أعتذر وهؤلاء هم الذين يحرص عليهم ولا يفرط في صحبتهم لقد أرشد الله ﷻ رسوله إلى ملازمتهم؛ لأن بهم تقوم الدعوات وتنشأ الحضارات، وما أعظم قول الله في أمثال هؤلاء لرسوله ﷺ: 32( 33( 34( فيها علي بن مر الطائي، جمهرة الأمثال
عدد الصفحات ٢٤الفصل الأول : القلة: مفهومها, وصفاتها, وسنن الله فيها 25 ِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا 27 وَاصْبِْ وحَِ إِلَْكَ مِنْ كِتَابِ رَبّهِكَ لَ مُبَدّهِلَ لِكَِمَاتِهِ وَلَنْ تَ ُ وَاتْلُ مَا أ ﴿ ِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ نَفْسَكَ مَعَ الَِّينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِّهِ يُر . الكهف﴾مْرُهُ فُرُطًا 28 َ ُ وَكَنَ أ غْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاه َ الَْيَاةِ الدُّنْيَا وَلَ تُطِعْ مَنْ أ هنا بأمرين: تلاوة ما أوحي إليه من كتاب ربه، والصبر مع الذين يدعون ﷺفلقد أمر الله رسوله ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، وأمره ﷻ بأن لا يعدو عينيه عنهم، فالوحي واتباع كلماته، والقلة العاملة المحمودة، هما جناحا النصر والحضارة ، ودعامتا البقاء والاستمرار، وهذا ما جعل نوحا يمتنع عن طرد القلة معه الذين وصفوا بأنهم: (أراذل)، من قِبَلِ الكثرة الجاهلة، وفي تعليل نوح لعدم طردهم يحتاج إلى مزيد تأمل،(وَجمُْلَةُ:(وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ) اعْترَِاضٌ لِتَكْمِيلِ الْفَائِدَةِ مِنَ الْقِصَّةِ فيِ قِلَّةِ الصَّالحِِينَ وهي كذلك السنة في القلة. ..﴾يِ ْ راذِلُا بادِيَ الرَّأ َ وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّ الَِّينَ هُمْ أ ﴿ (أي: دون ترو ولا تفكير..وهذه تهمة كذلك توجه دائماً من الملأ العالين لجموع المؤمنين..أنها لا تتروى ولا تفكر في اتباع الدعوات. ومن ثم فهي متهمة في اتباعها واندفاعها، ولا يليق بالكبراء أن ينهجوا نهجها، ولا أن يسلكوا طريقها. فإذا كان الأراذل يؤمنون، فما يليق إذن بالكبراء أن يؤمنوا إيمان الأراذل ولا أن يدعوا الأراذل يؤمنون مِنْ فَضْلٍ إلى الهدى، أو أعرف بالصواب. فلو كان ما معكم خيراً وصواباً لاهتدينا إليه، ولم تسبقونا أنتم إليه! وهم يقيسون الأمور ذلك القياس الخاطئ الذي تحدثنا عنه. قياس الفضل بالمال، والفهم بالجاه، والمعرفة بالسلطان..فذو المال أفضل. وذو الجاه أفهم. وذو السلطان أعرف!! هذه المفاهيم وتلك القيم التي تسود دائماً حين تغيّب عقيدة التوحيد عن المجتمع، أو تضعف آثارها، فترتد البشرية إلى عسورة هود الجاهلية. وفي التعقيب على قصة نوح وقومه ما يحقق عددا من الحكم الباهرة، والسنن الحاكمة، التي لا تتخلف ولا تتبدل. 35( 36(
عدد الصفحات ٢٥سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم 26 وهؤلاء القلة هم السابقون إلى الإيمان في كل زمان ومكان، وكما كانوا مع نوح عليه السلام، كانوا مع موسى عليه السلام، ومع محمد- صلى الله عليه وسلم- ومع الأنبياء والمصلحين في كل العصور وعلى تطاول الدهور، وكلام فرعون عن أتباع موسى عليه السلام يظهر هذه السنة جيدا؛ إذ قال عنهم: سورة الشعراء ﴾ إِنَّ هَؤُلَءِ لَشِْذِمَةٌ قَلِيلُونَ 54 وَإِنَّهُمْ لََا لَغَائِظُونَ 55 وَإِنَّا لََمِيعٌ حَاذِرُونَ 56 ﴿ فوصفهم بأنهم شرذمة، وهي: الطائفة والبقية القليلة، فهم كانوا السابقين إلى دعوة موسى ، والمستجيبين لنداء الإيمان، بين هذه الأعداد الغفيرة التي ذكرها المفسرون في عدد جيش فرعون فضلا عن رعيته، وهكذا السابقون إلى الإيمان قلة، (يقَعْنيِ هُمْ قَلِيلٌ فيِ كَثِيرٍ، وَكَانَ أَصْحَابُ مُوسَى سِتَّ مِائَةِ أَلْفٍ، وَفِرْعَوْنُ وَأَصْحَابُهُ سِتَّةَ آلافِ أَلْفٍ، هَذَا تقَفْسِيرُ السُّدِّيِّ وقد حرص فرعون على وصفهم بملازمة القلة من خلال هذا اللفظ(لشرذمة)، ومن خلال جمعهم على(قليلون)، فهو يؤكد قلتهم بهذه الصورة لفظا ومعنى، (وقيل: قليلون، لأن وقد ظلمهم كل جماعة منهم كان يلزمها معنى القلة؛ فلما جمع، جمع جماعاتهم قيل: قليلون فرعون بهذا الوصف، وبغى عليهم وعدا. ووصف الطاغين لهم بأنهم أراذل أو شرذمة لا يقلل من سبقهم، ولا يكدر من صفوهم فالسابقون السابقون أولئك المقربون، أولئك الذين يؤمنون بلا تردد، ويعتنقون بلا صوارف، ويقبلون بلا اشتراط، حسبهم أنهم عرفوا طريقهم ووجدوا ضالتهم، والله ورسوله في ذلك أمنّ أنهم سبقوا في الإيمان فذكرهم الله ﷻ بأن السبق وأكرم، ولقد عتب الله على قوم زعموا سْلَمُوا قُلْ لَ تَمُنُّوا عَََّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ اللَُّ يَمُنُّ َ نْ أ َ َيْكَ أ يَمُنُّونَ عَل ﴿ محض منة من الله وحده، رْضِ وَاللَُّ َمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالَْ إِنَّ اللََّ يَعْل ) 17(ِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِيَ نْ هَدَاكُمْ لِلْ َ عَلَيْكُمْ أ ،سورة: ق ﴾بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ18 37( 38(
عدد الصفحات ٢٦الفصل الأول : القلة: مفهومها, وصفاتها, وسنن الله فيها 27 قلة المال وعدم احتفالهم ومن صفات القلة الرائدة، أنهم لا يأبهون بالمال، ولا يحفلون بالجاه والسلطان، إلا بقدر ما يحقق أهدافهم، ويعينهم في الوصول إلى غاياتهم، لا يأبهون بما يأبه به الناس، ولا يشغلون لأصحابه عن رجل رث الثياب، رقيق الحال، قليل ﷺ بما يشغل به العامة، ولعل سؤال النبي المال، وآخر عظيم الثراء، كثير الزينة والمتاع ، ليرسخ لديهم هذا القانون الصادق والسنة الحقيقة بالبقاء، فقد (مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقَقَالَ قَالُوا: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يقُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْتَمَعَ، قَالَ: ثمَُّ سَكَتَ، فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ فقُقَرَاءِ المُسْلِمِينَ، فقَقَالَ « :ﷺيقُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لاَ يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لاَ يُسْتَمَعَ، فقَقَالَ رَسُولُ اللَِّ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا يريد أن يلفت نظر أصحابه إلى هذه السنة الماضية في القلة وأصحابها، ﷺفكأن النبي وأنهم لا يأبهون بالدنيا ومتاعها، والحياة وزخرفها، أما الكبراء والأغنياء فلا يرون العز والتقدم إلا في المال والجاه والسلطان، فيقولون لنوح (عليه السلام)، مبينين له عدم إيمانهم: (وَما نَراكَ اتقَّبقَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا، بادِيَ الرَّأْيِ كما ينظر الكبراء دائماً إلى الآخرين الذين لم يؤتوا المال والسلطان! وأولئك هم أتباع الرسل السابقون غالباً لأنهم بفطرتهم أقرب إلى الاستجابة للدعوة التي تحرر الناس من العبودية للكبراء، وتصل القلوب بإله واحد قاهر عال على الأعلياء. ولأن فطرتهم لم يفسدها البطر والترف، ولم تعوقها المصالح والمظاهر عن الاستجابة ولأنهم لا يخافون من العقيدة في الله أن تضيع عليهم مكانة مسروقة لغفلة الجماهير واستعبادها للخرافات الوثنية في شتى صورها. وأول صور الوثنية الدينونة والعبودية والطاعة والاتباع للأشخاص الزائلة بدلاً من الاتجاه بهذا كله لله وحده دون شريك. فرسالات التوحيد هي حركات التحرير الحقيقية للبشر في كل طور وفي كل أرض. ومن ثم كان يقاومها الطغاة دائماً، ويصدون عنها الجماهير ويحاولون تشويهها واتهام الدعاة إليها بشر التهم للتشويش والتنف 39( 40( 41(
عدد الصفحات ٢٧سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم 28 إن هؤلاء لا يبالون بالمال فلا يشغل بالهم، ولا يلهثون وراء السلطان، فلا يهز يقينهم، ولا يركعون للمنصب والوجاهة، فالنفوس الكبيرة لا تكثر في أعينها الأشياء مهما تكاثرت، ولا تشغلها لعاعات الدنيا مهما أبرقت، ف(صانع الحياة يدوس الألقاب برجله ويحطمها، ويمضي يصنع الحياة من موطن التخصص والفن والإبداع. هو مليء النفس ولا يحتاج أحداً لملئها. الذي يُطالب بالمسؤوليات والألقاب الدعوية والنقابة والإمارة على المؤمنين إنما هو العاجز الذي لا يحُسنُ علماً ولا تخصصاً ولا فنّاً، فيطلب التعويض بإنعام الألقاب عليه، ويعارك، ويختلف، ويناضل دون مكتسباته السابقة، ويملأ الكواليسَ همساً وسعياً، وأما المقتدر فيتقدم تقدم الواثق وداود رمز من رموز القلة التي أثرت الحياة وأنقذت بني إسرائيل من ويلات جالوت، والصفات التي بدا بها تؤكد هذه الصفة لدى تلك القلة المؤثرة في تاريخ الحياة، بدا ذلك في ثيابه التي لقي بها جالوت، وفي سلاحه الذي قتله به، وفي عدم احتفاله بوجاهته ومنصبه، وجنده وحاشيته، حتى أغاظ ذلك جالوت وكسر نفسه كسرا وهزمه هزيمة وقتله أولا روحا ونفساً قبل أن يقتله بنياناً وجسداً، (كَانَ غُلاَمًا يقَرْعَى الْغَنَمَ، وَلمَْ يقَقْبَلْ أَنْ يقَلْبَسَ دِرْعًا وَلاَ أَنْ يحَْمِلَ سِلاَحًا، بَلْ حمََلَ مِقْلاَعَهُ وَحِجَارَتَهُ، فَسَخِرَ مِنْهُ جَالُوتُ، وَاحْتَمَى عَلَيْهِ إِذَا لمَْ يَسْتَعِدَّ لَهُ، وَقَالَ: هَلْ أَناَ كَلْبٌ فقَتَخْرُجُ إِليََّ باِلْمِقْلاَعِ؟ فقَرَمَاهُ دَاوُدُ بمِِقْلاَعِهِ فَأَصَابَ الحجر رَأْسَهُ فَصَرَعَهُ فَدَناَ مِنْهُ فَاحْتقَزَّ رَأْسَهُ، وَجَاءَ َآتَاهُ اللُ بِهِ فَأَلْقَاهُ إِلىَ طَالُوتَ فقَعُرِفَ دَاوُدُ، وَكَانَ لَهُ الشَّأْنُ الَّذِي وَرِثَ بِهِ مُلْكَ إِسْرَائِيلَ، كَمَا قَالَﷻ:﴿و .43(﴾ُِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء الْمُلْكَ وَالْ (شاء الله أن يرى القوم وقتذاك أن الأمور لا تجري بظواهرها، إنما تجري بحقائقها. وحقائقها يعلمها هو ومقاديرها في يده وحده. فليس عليهم إلا أن ينهضوا هم بواجبهم، ويفوا الله بعهدهم، ثم يكون ما يريده الله بالشكل الذي يريده. وقد أراد أن يجعل مصرع هذا الجبار الغشوم على يد هذا الفتى الصغير، ليرى الناس أن الجبابرة الذين يرهبونهم ضعاف، ضعاف يغلبهم الفتية الصغار حين يشاء الله أن يقتلهم.. وكانت هنالك حكمة أخرى مغيبة يريدها الله. فلقد قدر أن يكون داود هو الذي يتسلم الملك بعد طالوت، ويرثه ابنه سليمان، فيكون عهده هو العهد الذهبي لبني إسرائيل في تاريخهم 42( 43(
عدد الصفحات ٢٨الفصل الأول : القلة: مفهومها, وصفاتها, وسنن الله فيها 29 الطويل جزاء انتفاضة العقيدة في نفوسهم بعد الضلال والانتكاس والشرود إن قيمة المرء في نفسه، ومكانته هو الذي يصنعها، بعيدا عن زخرف الدنيا، وشارات الحياة، وواقع الناس ينبئ بذلك إنباءً، فأحرص الناس على وجاهتهم وتقدمهم هم أكثر الناس فراغا، فالممتلئ من داخله ليس في حاجة إلى من ينعم عليه بشارة أو عبارة، ولعل هذا من ؛ رمزاً للتقلل مما يثقل البدن، ويُعتِم النفس، ﴾إل من اغترف غرفة بيده﴿ حِكَم الله في: فالذي يتخفف من حاجاته الأساسية يكون على ترك غيرها أقدر، والميدان ميدان قتال ودماء، وبذل وأشلاء، والذي لا يصبر على ترك الماء لا يصبر على ملاقاة الأعداء، ومقارعة الأبطال، أما الذي يكرع حتى يمتلئ، ويعب حتى يتورم فلا يقوى على مقاومة نفسه، ومن لا يقوى على مقاومة نفسه لا يقوى على مقارعة غيره. وهم علماء فقهاء العلم أساس الحضارة، به تنشأ وعليه تقوم، وبدونه لا تستمر ولا تزدهر، وحضارة لا تتبنى العلم ولا تعتمد عليه حضارة شوهاء، ترف - إن رفت- بجناح واحد، أو هي عرجاء تمشي – إن مشت - على ساق واحدة، من هنا كان أول ما نزل في بناء حضارة الإسلام ،سورة: محمد ﴾فاعْلَمْ أنَّهُ لَ إِلََ إِلَّ الل ﴿ (اقرأ)، ومن هنا كان العلم قبل العقيدة والقلة الرائدة العاملة لا تكون مؤثرة إلا بالعلم؛ لذا ترى من أبرز صفات القلة أنهم عالمون فاقهون، وهذا شأن القلة، تكون أكثر أهل أمتها علما، وأوفرها فهما لأنهم الرادة الذين يسبقون، والقادة الذين يدلون قومهم إلى مواطن الهدى والفلاح. وهؤلاء العلماء هم الأصفياء الخُلَّص، والخواص من عباد الله ﷻ ؛ ولذا أطلعهم بعلمه على معرفة عدد هؤلاء الأولياء من عباده، أهل الكهف الدعاة الصابرين الفارين بدينهم من الظلم وأهله، (لما كانوا من أوليائه فلا يعلمهم إلا خواصَّ عبادِه، ومن كان قريبا في الحال منهم فهم في كتم الغيرة، وإيواء الستر، لا يطّلع الأجانب عليهم، ولا يعلمهم إلا قليل؛ لأنّ الحق ﷻ يستر أولياءه عن الأجانب، فلا يعلمهم إلا أهل الحقيقة فالأجانب لا يعرفون الأقارب، ولا تشكل أحوال الأقارب على الأقارب 44( 45( 46(
عدد الصفحات ٢٩سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم 30 وهؤلاء العالمون هم الذين وفقوا لعلم الصواب وإصابة الحق، (وهم الذين أصابوا الصواب وعلموا إصابتهم إن هؤلاء القلة هم أهل العلم بزمانهم، وأهل الوعي بشأنهم، وما يلزمهم في وقتهم، وذلك العلم أحد الأسباب الرئيسة التي تبنى عليها الحضارة، وتؤسس عليها الدعوة إلى الله ﷻ، وتحفظ هذه الحضارة من التفسخ والانحلال. والناظر في القلة مع داوود يرى أنهم علماء واعبون وفقهاء فاهمون، بدا ذلك في ترتيب الدعاء لديهم كما بدا في نصحهم لمن معهم، وحرصهم على هدايتهم، ومما يدل على ذلك ﴿تقَقْويةُ قلوب الَّذِينَ قالوا: ﴾َةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ الل كَم مّهِن فِئَةٍ قَلِيل ﴿ أيضا قولهم: والمعنى: لا عِبرة بكثرةِ العددِ، وإِنمَّا العبرةُ بالتَّأْييد الإِلهي، ثم ﴾لَ طَاقَةَ لََا الوم بَِالُوتَ وَجُنودِهِ فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَِّينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا ﴿. وهذا من تمَامِ قولهم﴾والل مَعَ الصابرين﴿قال: ِ أَيِ اسْتقَقَلُّوا أَنقْفُسَهُمْ عَنْ لِقَاءِ عَدُوِّهِمْ لِكَثقْرَتهِِمْ، فَشَجَّعَهُمْ ﴾لَ طاقَةَ لََا الَْوْمَ بِالُوتَ وَجُنُودِه عُلَمَاؤُهُمْ الْعَالِمُونَ بأَِنَّ وَعْدَ اللَِّ حَقٌّ، فَإِنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللَِّ لَيْسَ عَنْ كَثقْرَةِ عَدَدٍ وَلاَ عِدَدٍ مؤمنون بالله ومن صفات القلة أنهم مؤمنون بالله إيمانا يقينيا عمليا فهم يدركون أن الإيمان أساس النصر والتأييد، (إنَّ الإِْيمَانَ بِلِقَاءِ اللهِ تقَعَالىَ فيِ الآْخِرَةِ، وَالاِعْتِصَامَ باِلصَّبرِْ - الَّذِي هُوَ مِنْ أَرْكَانِ الْبرِِّ وَكَمَالِهِ مِنْ ثمََرَاتِ الإِْيمَانِ - سَبقَبَانِ مِنْ أسباب نَصْرِ الْعَدَدِ الْقَلِيلِ عَلَى الْعَدَدِ َةٍ غَلَبَتْ فِئَةً نَّهُمْ مُلاَقُو اللِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيل َ قَالَ الَِّينَ يَظُنُّونَ أ ﴿ الْكَثِيرِ وَذَلِكَ ققَوْلُهُ ﷻ: سورة البقرة ﴾كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللِ وَاللُ مَعَ الصَّابِرِينَ وهذا الإيمان هو الذي يحملهم على التمسك بمبدئهم، والتضحية في سبيله، والصبر على مشاقه، لعلمهم إن الله ناصر دينه، ومؤيد أهله 47( 48( 49( 50(
عدد الصفحات ٣٠الفصل الأول : القلة: مفهومها, وصفاتها, وسنن الله فيها 31 وهم أصحاب العزم من صفات القلة أنهم أولو عزم ومثابرة، والمتأمل لقصة الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى يدرك مدى عزم هؤلاء الذين رأوا عدوهم أضعاف عددهم أضعافا مضاعفة، فما وهنوا وما استكانوا بل صبروا في رضا، ومضوا في عزم واثقين من نصر الله وتأييده، ومدده وتمكينه، وأفرغوا هذه المعاني على من معهم داعين غيرهم إلى الصبر واليقين في موعود الله تعالى بالنصر لَ طَاقَةَ لََا الَْوْمَ بَِالُوتَ ﴿والظفر، وعندما قال أكثر العابرين للنهر لما رأوا طالوت وجنوده: كَمْ مِنْ فِئَةٍ ﴿سورة: البقرة ﴾وَجُنُودِهِ . قَالَ الْبقَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ: كُنَّا نقَتَحَدَّثُ أَنَّ عِدَّةَ أَهْلِ بَدْرٍ كَعِدَّةِ ﴾َةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَِّ قَلِيل أَصْحَابِ طَالُوتَ الَّذِينَ جَاوَزُوا مَعَهُ النقَّهَرَ ثقَلاَثمُِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً- وَفيِ رِوَايَةٍ: وَثقَلاَثَةَ عَشَرَ رَجُلاً- وَمَا جَازَ مَعَهُ إِلاَّ مُؤْمِنٌ وهؤلاء المؤمنون الصابرون الثابتون المصابرون هم القلة العاملة وهم خلاصة غيرهم، الذين يثبتون عندما ينكسر غيرهم وهم لعظيم إيمانهم أكثر ثقة من غيرهم فهؤلاء هم (الخلص منهم الذين تيقنوا لقاء الله وتوقعوا ثوابه، أو علموا أنهم يستشهدون عما قريب فيلقون الله تعا موصولون بالله متعلقون بدعائه ومن صفات القلة التي نفيدها من موقفهم مع طالوت أنهم على صلة قوية بالله ﷻ، بدا ذلك في يقينهم في أنهم ملاقوه، وبدا كذلك في صيغة تعبير القرآن عنهم بأنهم (الذين يطنون أنهم ملاقو الله)، والظن هنا إن كان بمعنى اليقين فهو يدل على ثقتهم ويقينهم في لقاء ربهم، وإن كان على بابه فهو من هضم نفسهم حيث إنهم في موطن الشهادة والقدوم على فْرِغْ عَلَيْنَا َ قَالُواْ رَبَّنَا أ﴿الموت، كما يبدو إيمانهم وحسن صلتهم بالله من تعبيرهم في الدعاء: (وأَفْرِغْ بمعنى: اصبب، وَثقَبِّتْ أَقْدامَنا أي: قوِّ ﴾قْدَامَنَا وَانصُْنَا عََ الْقَوْمِ الْكَفِرِين َ صَبًْا وَثَبّهِتْ أ قلوبنا لتثبيت أقدامنا، وإنما تثبت الأقدام عند قوة القلوب 51( 52( 53(
عدد الصفحات ٣١سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم 32 وفي اختيارهم الدعاء بلفظ الربوبية فيه ما فيه من وعيهم وحسن صلتهم بربهم، و(هذه هي الشحنة الإيمانية لمن يريد أن يواجه عدوه فهو ينادي قائلا: (رَبقَّنَآ) إنه لم يقل: يا الله، بل يقول: (رَبقَّنَآ)؛ لأن الرب هو الذي يتولى التربية والعطاء، بينما مطلوب والتكاليف؛ لذلك ينادي المؤمن ربه في الموقف الصعب تفيدنا أنهم طلبوا أن يملأ الله ﴾فْرِغْ عَلَيْنَا صَبْاً َ أ﴿وتمدنا بالأسباب... وعندما نتأمل كلمة حتى يواجهوا العدو بإيمان، ﴾قْدَامَنَا َ وَثَبّهِتْ أ ﴿قلوبهم بالصبر ويكون أثر الصبر تثبيت الأقدام وعند نهاية الصبر وتثبيت الأقدام يأتي نصر الله للمؤمنين على القوم الكافرين، وتأتي النتيجة 54(﴾...فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ الل﴿للعزم الإيماني والقتال في قوله الحق: وفي ترتيب الدعاء: حسن صلة، وجودة وعي، من طلب إفراغ الصبر، ثم تثبيت الأقدام، وهو مرتب على سابقه، ثم النصر على الكافرين، وهو نتيجة المقدمتين السابقتين، واستخدام لفظ: (الكافرين)فيه تحضيض عليهم، واستجلاب للنصر على هؤلاء الكافرين، فلم يقولوا انصرنا على عدونا، بل على القوم الكافرين، تحضيضا عليهم وبيانا لسبب طلب نصرهم على هؤلاء الذين جحدوا الله في ربوبيته وألوهيته، ففي هذا الدعاء مع حسن الصلة ودقة الوعي ( ترتيب بليغ إذ سألوا أولاً إفراغ الصبر في قلوبهم الذي هو ملاك الأمر، ثم ثبات القدم في مداحض الحرب المسبب عنه، ثم النصر على العدو المترتب عليهما غالباً. فقَهَزَمُوهُمْ بإِِذْنِ اللَِّ: فكسروهم بنصره، أو مصاحبين لنصره إياهم إجابة لدعائهم ومن لطائف صاحب البحر جمعُه لبعض اللمسات التي يتميز بها في قوله: (فَزِعُوا إِلىَ الدُّعَاءِ للَِِّ ﷻ فقَنَادَوْا بِلَفْظِ الرَّبِّ الدَّالِّ عَلَى الإِْصْلاَحِ وَعَلَى الْمُلْكِ، فَفِي ذَلِكَ إِشْعَارٌ باِلْعُبُودِيَّةِ. وَققَوْلهُُمْ: أَفْرِغْ عَلَيقْنَا صَبقْرًا سُؤَالٌ بأَِنْ يَصُبَّ عَلَيْهِمُ الصَّبقْرَ حَتىَّ يَكُونَ مُسْتقَعْلِيًا عَلَيْهِمْ، وَيَكُونَ لهَُمْ كَالظَّرْفِ وَهُمْ كَالْمَظْرُوفِينَ فِيهِ.وَثقَبِّتْ أَقْدامَنا فقَلاَ تقَزَلُّ عَنْ مَدَاحِضِ الْقِتَالِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ تَشْجِيعِ ققُلُوبهِِمْ وَتقَقْوِيَتِهَا، وَلَمَّا سَأَلُوا مَا يَكُونُ مُسْتقَعْلِيًا عَلَيْهِمْ مِنَ الصَّبرِْ سَأَلُوا تقَثْبِيتَ أَقْدَامِهِمْ وَإِرْسَاخَهَا. وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ أَيْ: أعنا عليهم، وجاؤا باِلْوَصْفِ الْمُقْتَضِي لخُِذْلاَنِ أَعْدَائِهِمْ، وَهُوَ الْكُفْرُ، وَكَانُوا يقَعْبُدُونَ الأَْصْنَامَ، وَفيِ ققَوْلهِِمْ: رَبقَّنَا، إِققْرَارٌ للَِِّ ﷻ باِلْوَحْدَانِيَّةِ، وَإِققْرَارٌ لَهُ باِلْعُبُودِيَّةِ 54( 55( البحر المحيط في التفس 56(
عدد الصفحات ٣٢الفصل الأول : القلة: مفهومها, وصفاتها, وسنن الله فيها 33 واعون بسنن الله الجارية والخارقة في الحياة والأحياء من أهم صفات القلة المحمودة والتي تظهر السننية في هذا الجانب أنهم على وعي ملحوظ ،كما ﷺبسنن الله ﷻ في الحياة والأحياء، يظهر ذلك في الجيل القرآني الفريد الذي رباه الرسول يظهر في كل قلة تمنح النصر، والمتأمل للقلة مع طالوت يلحظ ذلك في غير موضع، في وعيهم بالدعاء، ومدى جلبه للنصر بعد الأخذ بالأسباب، وفي ترتيب الدعاء، كما مر، وفي اختيار الألفاظ ودقتها، وفي قولهم:(كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين)، فإدراكهم لما مضى على الخلق من نصر القلة العاملة على الكثرة النائمة، وذلك من خلال التعبير بق(كم) التي تفيد التكثير، وقولهم (والله مع الصابرين)، وهذه سنة من سنن الله تعالى. يقول أبو حيان في البحر:(إنا لا نكترث بجالوت وَجُنُودِهِ وَإِنْ كَثقُرُوا، فَإِنَّ الْكَثقْرَةَ لَيْسَتْ سَبقَبًا لِلاِنْتِصَارِ، فَكَثِيرًا مَا انقْتَصَرَ الْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ وَلَمَّا كَانَ قَدْ سَبَقَ ذَلِكَ فيِ الأَْزْمَانِ ، وذلك هو عين إدراك 57(الْمَاضِيَةِ. وَعَلِمُوا بِذَلِكَ، أُخْبرُِوا بِصِيغَةِ: كَمْ، الْمُقْتَضِيَةُ للتكث السنن الربانية، والإفادة منها. كما أن المتأمل لدعائهم يلحظ فيه بوضوح هذا الوعي الراقي، فهم سألوا الله ﷻ بلفظ الربوبية، وهي مدار العطاء والرعاية والتربية والعناية، ولم يسألوه بالألوهية التي هي مدار التكليف، كما أنهم قالوا: ( أفرغ ) الذي يدل على الشمول والعموم والاستيعاب، كما أنهم ربطوه بلفظ: (على) الذي يدل على العلو وفيه من التمكن ما فيه، وتلك طبيعة القلة الواعية والقلة المؤمنة معه يلمح هذا بوضوح، ﷺللسنن في كل زمان ومكان، والناظر في أدعية النبي ويلمح مدى الترابط البديع بين صفات القلة على ترابط الزمن وتباعد الأمصار، ففي ندائِهِم بقولهم دونَ غيرها، وأَتوا بلفظِ ﴿وشاملاً لهم كالظرفِ. ونظيره ما حكى اللهُ عن قوم آخرين أَنقَّهُم قالوا حين لاقوا عدوَّهم: قْدَامَنَا وانصُْنَا َ مْرِنَا وَثَبّهِتْ أ َ ن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لََا ذُنُوبَنَا وَإِسَْافَنَا فِ أ َ َوْلَهُمْ إِلَّ أ وَمَا كَنَ ق يفعل في المواطنﷺ، وكذلك كان ][﴾عََ الْقَوْمِ الْكَفِرِين كما تلمح وعيهم بالسنن كذلك في طلبهم للصبر، وثبات الأقدام، وتوقع النصر بهذا التدرج، وتلك هي مطالب الفئة المؤمنة للنصر على العدو وخلاصتها في ثلاثة أمور: 57(
عدد الصفحات ٣٣سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم 34 الصَّبر على مشاهدة المخاوف وهو المراد بقولهم: (وَثقَبِّتْ أَقْدَامَنَا الأول: أن يكون قد وجد من الآلات والأدوات ما يمكنه أن يقف ويثبت، ولا يصير الثاني: ملجأ إلى الفرار. زيادة القوَّة على العدوِّ؛ حتى يقهره، وهو المراد من قولهم (وانْصُرْناَ عَلَى القَوْمِ الثالث: الكَافِرِينَ وهذا هو ترتيب العقل والواقع، بما يشعر بأنهم واعون واعبون لسنن الله ﷻ في الحياة،( وَهَذِهِ الأُْمُورُ الثقَّلاَثَةُ بقَعْضُهَا مُرَتَّبٌ عَلَى بقَعْضٍ بحَِسَبِ الأْسباب الْغَالِبَةِ، فَالصَّبقْرُ سَبَبٌ لِلثقَّبَاتِ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ مِنْ أسباب النَّصْرِ، وَأَجْدَرُ النَّاسِ باِلصَّبرِْ المؤمنون باِللهِ عَزَّ وَجَلَّ الْغَالِبِ عَلَى أَمْرِهِ القراءات في الآية الكريمة وعلاقتها بالسننية في القلة ومن القراءات الواردة في الآيات الكريمة التي تعقب على قصة الملأ من بني إسرائيل ما يفيد في تأكيد السننية فيما حوته الآيات الكريمة، فقد ورد فيها: (ولولا دفاع الله الناس)، وهي قراءة: نافع، وأبي جعفر، ويعقوب، وورد فيها:(لولا دفع الله الناس) وهي قراءة الباق (وَقَدْ سمََّى هَذَا دَفقْعًا عَلَى قِرَاءَةِ الجُْمْهُورِ باِعْتِبَارِ أَنَّهُ مِنْهُ سُبْحَانَهُ، إِذْ كَانَ سُنَّةً مِنْ سُنَنِهِ فيِ الاِجْتِمَاعِ الْبَشَرِيِّ، وَسمََّاهُ دِفَاعًا فيِ قِرَاءَةِ ناَفِعٍ باِعْتِبَارِ أَنَّ كُلاًّا مِنْ أَهْلِ الحَْقِّ الْمُصْلِحِينَ وَأَهْلِ الْبَاطِلِ الْمُفْسِدِينَ يقُقَاوِمُ الآْخَرَ وَيقُقَاتِلُهُ ولعل تذييل الآية الكريمة بهذا التذييل ليكون نهاية وتعقيبا على كل ما مضى من الآيات المتعلقة بهذه القصة وما قبلها، كما يرى صاحب التحرير والتنوير: أن هذه الآية ذيلت (كُلَّ الْوَقَائِعِ الْعَجِيبَةِ الَّتيِ أَشَارَتْ بهَِا الآْياَتُ السَّالِفَةُ لِتَدْفَعَ عَنِ السَّامِعِ الْمُتقَبَصِّرِ مَا يخَُامِرُهُ مِنْ تَطَلُّبِ الحِْكْمَةِ فيِ حَدَثاَنِ هَذِهِ الْوَقَائِعِ وَأَمْثَالهَِا فيِ هَذَا الْعَالمَِ وَلِكَوْنِ مَضْمُونِ هَذِهِ الآْيَةِ عِبقْرَةً مَنْ عِبرَِ الأَْكْوَانِ وَحِكْمَةً مِنْ حِكَمِ التَّارِيخِ، وَنُظُمِ الْعُمْرَانِ الَّتيِ لمَْ يقَهْتَدِ إِلَيقْهَا أَحَدٌ ققَبْلَ نقُزُولِ هَذِهِ الآْيَةِ، وَققَبْلَ إِدْرَاكِ مَا فيِ مَطَاوِيهَا، عُطِفَتْ عَلَى الْعِبرَِ الْمَاضِيَةِ كَمَا عُطِفَ 59( 60( 61( 62(
عدد الصفحات ٣٤الفصل الأول : القلة: مفهومها, وصفاتها, وسنن الله فيها 35 وَمَا بعده من رُؤُوس الآْيِ. وَعدل عَن الْمُتقَعَارف ][ ﴾وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ ﴿ ققَوْلُهُ: فيِ أَمْثَالهَِا مِنْ تقَرْكِ الْعَطْفِ، وَسُلُوكِ سَبِيلِ الاِسْتِئقْنَافِ وما يؤكد السننية في القلة ومهمتها في الحياة ونظرتها للمقاييس والمعايير، واستمدادهم للقوة الحقيقية اختفاء الأشخاص من العرض القرآني بهدوء وظهور الحكمة الماضية الثابتة التي هي سنة الله التي لا تتخلف ولا تتأجل، سنته في القلة المؤمنة الصابرة، والكثرة المغرورة المتكبرة، التي تتكرر في كل زمان ومكان، وفي كل عصر ومصر. وما جرى على داود هو ما يجري على القلة في كل زمان ومكان فهي سنة ماضية، وناموس لا يتبدل ولا يتخلف، ولقد رصد لنا القرآن الكريم نموذجا آخر من نماذج القلة بدت في عينه الدنيا قليلة، بالنسبة إلى صادق موعود الله ﷻ وعظيم إنعامه على المؤمنين، إنه صاحب ذي الجنتين، الذي وقف أمام صاحبه معلما ومرشدا، ومبينا وهاديا، ذاكرا له أن القلة في الدنيا لا تعني القلة في الآخرة وأن الغنى في الأولى ليس دليلا على وفرة المال في الثانية، ومقاييس العاجلة ليست مقاييس الباقية، وبعد حوار طويل رصده القرآن الكريم، أكد له المؤمن أنه وإن كان في المال خُلواً، وفي الأولاد قُلاً فالله خير وأبقى.. كَفَرْتَ بِالَِّي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً َ قَالَ لَُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يَُاوِرُهُ أ ﴿ ُلْتَ مَا شَاءَ اللَُّ لَ قُوَّةَ إِلَّ بِاللَِّ حَدًا 38 وَلَوْلَ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ ق َ ِ أ ِكُ بِرَبّه شْ ُ ِ وَلَ أ 37 لَكِنَّا هُوَ اللَُّ رَبّه .39_سورة الكهف ﴾قَلَّ مِنْكَ مَالً وَوَلدًَا 39 َ نَا أ َ إِنْ تَرَنِ أ وهذا القول من المؤمن بيان واعٍ للقلة في الدنيا وصفاتها، وهو مثل يتكرر في كل زمان ومكان، و(َهُوَ ققَوْلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لاَ مَالَ لَهُ، وَلاَ عَشِيرَةَ، مِثْلُ صَاحِبِ الجَْنقَّتقَينِْ وَعَشِيرَتِهِ، وَهُوَ مِثْلُ سَلْمَانَ وَصُهَيْبٍ وَخَبَّابٍ، يقَقُولُ: قَالَ الْمُؤْمِنُ لِلْكَافِرِ: إِنْ تقَرَنِ أَيقُّهَا الرَّجُلُ أَناَ أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَدًا عزيز، وبعطائه غني، وبرضاه مطمئن، وبتأييده آمن، فأنا عبده وهو سيدي، (وهكذا تنتفض عزة الإيمان في النفس المؤمنة، فلا تبالي المال والنفر، ولا تداري الغنى والبطر، ولا تتلعثم في الحق، ولا تجامل فيه الأصحاب. وهكذا يستشعر المؤمن أنه عزيز أمام الجاه والمال، وأن ما عند الله خير من أعراض الحياة، وأن فضل الله عظيم وهو يطمع في فضل الله. وأن نقمة الله جبارة 63( 64(
عدد الصفحات ٣٥