سنة الله في القلة والكثرة« في ضوء القرآن الكريم وموقف المسلمين منها بين الوعي والسعي تأليف : د. رمضان خميس زكي الغريب أستاذ مشارك في الأزهر، وجامعة قطر 1437الطبعة الأو
عدد الصفحات ١1437الطبعة الأو حقوق الطبع والنشر محفوظة© لمؤسسة وعي للدراسات والأبحاث الدوحة - قطر « مؤسسة وعي
عدد الصفحات ٢نَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ َ قَالَ الَِّينَ يَظُنُّونَ أ ﴿ َةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً كَم مّهِن فِئَةٍ قَلِيل ﴾ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللُّ مَعَ الصَّابِرِين ]٢٤٩ :البقرة[
عدد الصفحات ٣المقدمة 5 وآلهﷺأحمد الله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة وهداية للعالمين، محمدٍ وصحبه والتابعين، اللهم إنا نبرأ من حولنا وطولنا وقواتنا، ونلوذ بحولك وطولك وقوتك، فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا قبضتها يا أرحم الراحمين، اللهم إنا نسألك يا حنان يا منان يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام أن تجعل أقوالنا وأعمالنا وحركاتنا وسكناتنا لك خالصة إنك على كل شيء قدير، اللهم إنا نسألك إيمانا لا يرتد، ونعيما لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، ونسألك مرافقة النبيين في الجنة... أما بعد: فإن المسلمين اليوم، وكل يوم في أمسِّ الحاجة إلى استلهام رأي القرآن الكريم في قضاياهم وتصوراتهم، وهم اليوم يعيشون عصرا تتنازعه الأفكار من كل صوب، وتتناوشه النظريات البشرية من كل حدب، وفي هذا الضجيج من الرؤى المتباينة، والتقدم التقني الباهر يشعرون بالقلة والذلة، وبعضهم يشعر فكريا أو عملياً بأن التدين عامة سبب من أسباب الرجوع الحضاري، خالطين بين ديانات عزلت أصحابها عن واقع الحياة وحرَّمت بل جرَّمت التقدم والعلم والمعرفة، وما نهض أتباعها إلا بعد أن قالوا:(اشنقوا آخر قيصر بأمعاء آخر قسيس)، وبين دين أول كلماته: (اقرأ)، وتكررت فيه الدعوة إلى عمارة الأرض وإثارة خيرها وارتفاق عطائها والسير في مناكبها، أكثر مما تكرر فيه الحديث عن الأحكام والفروع، فالفروع 11/وحديث القرآن الكريم عنها لا يتجاوز آيات الأحكام تقريبا، أما عمارة الأرض وخلافة الحياة فيدور أغلب القرآن الكريم عليها وما يقدم لها وما يدور حولها من بناء الإنسان الصالح الذي يُصلح الأرض بصلاح نفسه، ويربطها بارتباطه هو بالله رب العالمين. مقدمة
عدد الصفحات ٥سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم 6 أولا أهمية الموضوع وأسباب اختياره تبدو أهمية الموضوع من خلال النقاط الآتية: 1 وتصوراتهم، ومن ثم في أفعالهم وسلوكهم بما يتناسب مع سنن الله الجارية والخارقة في القلة والكثرة. 2 زمان ومكان، والتي تسميها السنة المطهرة: (الراحلة 3 من الوهدة، وتقال من العثرة، وتقوم من تلك الكبوة التي تردت فيها إثر بعدها كلاً أو بعضا عن منهاج الصلاح والفلاح في الدنيا والآخرة. ولدراسة هذه القضية أسباب دفعتني إليها، منها: 1 ومعاشهم، ومعادهم، هي القرآن الكريم، يفيدون منه حُكمَه في كل قضية، وفصله في كل مسألة. 2 الفكري، وبدؤهم من الصفر، دون الإفادة من عطاء القرآن وهديه مما يوفر عليهم تجارب بشرية ثبت فشلها حتى عند أصحابها. 3 لديهم، وشعورهم بالقلة نحوها 4 المؤثرة ثانيا مشكلة البحث: ﷻ في القلة تدور مشكلة البحث حول توصيف وتوظيف آيات القرآن الكريم لسنة الله والكثرة، وبيان موقف المسلمين من الوعي بهذه السنة، والسعي بها في التدافع الحضاري بين الحق والباطل، ومدى إفادتهم من منهجية القرآن الكريم لبيان هذه السُّنَنِيّة في تلك القضية.
عدد الصفحات ٦المقدمة 7 ثالثا أسئلة البحث السؤال الأساس لهذه الدراسة هو: ما سنة الله في القلة والكثرة؟ وما موقف المسلمين منها بين الإعمال والإهمال؟ ويتفرع عنه أسئلة أخرى هي: 1 2 3 4 للأمة المسلمة؟ 5 رابعا أهداف الدراسة يمكن حصر أهداف الدراسة من خلال الإجابة على الأسئلة السابقة في الآتي: 1 2 3 4 5 خامساً: حدود الدراسة تقتصر الدراسة على حصر الآيات التي تتناول القلة والكثرة وتمضي على المنهج الموضوعي الوسيط الذي يسعى إلى حصر الآيات الجامعة للصورة القرآنية الشاملة عن سننية القلة والكثرة في القرآن الكريم، والاستعانة على فهم ذلك بالتفاسير المعتمدة، والعلوم الإنسانية المتاحة، وما أنتجه علم الاجتماع الإسلامي حسب الطاقة البشرية. سادساً: منهج البحث وأداته: يستخدم الباحث المنهج الوصفي والاستقرائي والاستنباطي، حسب طبيعة التناول، وكانت أداته جمع الآيات ذات الصلة بالموضوع، وتحليلها، واستنباط الخصائص، والسمات، والأسباب، والشروط، والأهداف المتعلقة بسنة الله في القلة والكثرة، اعتمادا على ما كتبه
عدد الصفحات ٧سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم 8 علماء التفسير واللغة، وما يدعم ذلك من ومضات السنة النبوية المطهرة، وما يخدم هدف البحث من الدراسات الإنسانية، دون الإفراط في الشروح؛ حرصا على عدم خروج البحث عن مساره. وحرَصت على جمع الآيات المتعلقة بالموضوع، ثم تصنيفها من حيث أجمعُها للقضية، ورتبتها من حيث المكيةُ والمدنيةُ، حتى تعطي صورة كاملة عن القضية - والزمن جزء من رسم تلك الصورة الصادقة-، وحرَصت على أن تكون العناصر المعنونة من صميم الآيات القرآنية؛ جريا على المعتمد من المناهج في هذا اللون من ألوان التفسير الموضوعي والاستنباط، فأفدت من كتب التفسير في كل المدارس من مأثور ورأي، فمررت على مدارس متعددة وألوان متباينة، زمانا، ومكانا، واتجاها، ومنهاجا، وفكرا، كما أفدت من السنة، وهي الشارح الُمِبين والُمَبِّين لآيات القرآن الكريم، وأفدت مما قدمه الجهد البشري من دراسات إنسانية أو عربية في هذا الصدد، حسب الطاقة والوسع، وحسب طبيعة الدراسة. سابعاً: الدراسات السابقة: الحق أني لم أقف على دراسة علمية تتناول جانب السنن في القلة والكثرة، وكل ما وقفت عليه مقالات ورصد لآيات القلة والكثرة، ومن تناول القلة والكثرة في دراسة علمية تناولها من جانب أصولي أومن جانب لغوي بعيد عن قضية الدراسة هنا. ثامناً: هيكل البحث: اشتمل البحث على مقدمة، وثلاثة فصول، وخاتمة. القلة: مفهومها وصفاتها وسنن الله فيها، وفيه أربعة مباحث: الفصل الأول: المبحث الأول: مفهوم سنة الله في القلة، في اللغة، والقرآن، وورود لفظة القلة ومرادفاتها في القرآن الكريم. المبحث الثاني: القلة المحمودة وصفاتها في القرآن الكريم. انظر: المدخل إلى التفسير الموضوعي، لأستاذنا د عبد الستار فتح الله سعيد ط:دار التوزيع والنشر الإسلامية، ط 1( الثانية،
عدد الصفحات ٨المقدمة 9 المبحث الثالث: القلة المذمومة وصفاتها في القرآن الكر المبحث الرابع: ملامح السننية في القلة. الكثرة: مفهومها، وصفاتها، وسنن الله فيها، الفصل الثاني: وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: مفهوم سنة الله في الكثرة في اللغة والقرآن، وورود لفظة الكثرة ومرادفاتها في القرآن الكريم. المبحث الثاني: الكثرة المحمودة وصفاتها في القرآن الكريم. المبحث الثالث: الكثرة المذمومة وصفاتها في القرآن الكريم المبحث الرابع: ملامح السننية في الكثرة. : موقف المسلمين من سنة الله في القلة والكثرة، بين الوعي والسعي، الفصل الثالث وفيه مبحثان: المبحث الأول: ريادة القلة العاملة وأثرها في الشهود الحضاري للأمة المسلمة في ضوء سُنّة الله في القلة والكثرة المبحث الثاني: فقه صناعة القلة الرائدة في ضوء سنة الله في القلة والكثرة. وتشمل أهم النتائج والتوصيات.الخاتمة، فهرس المصادر والمراجع. فهرس الموضوعات. والله من وراء القصد
عدد الصفحات ٩الفصل الأول القِلّة: مفهومها، وصفاتها، وسنن الله فيها.
عدد الصفحات ١١الفصل الأول : القلة: مفهومها, وصفاتها, وسنن الله فيها 13 الفصل الأول القلة: مفهومها، وصفاتها، وسنن الله فيها، وفيه أربعة مباحث المبحث الأول مفهوم سنة الله في القلة، في اللغة والقرآن، وورودها ومرادفاتها في القرآن الكريم. مفهوم سنة: السنة (هي القانون الضابط المهيمن، والفعل النافذ الحاكم الذي يجري باطراد وثبات وعموم وشمول، مرتبًا على سلوك البشر القلة في اللسان العربي: وردت القِلة ومادتها في اللسان العربي دالة على عدد من المعاني نريد أن نقف أمامها، ونفيد من خلالها ما يعيننا على حسن التعامل مع سنة الله ﷻ في القلة في القرآن الكريم، فالتصور أساس السلوك، والحكم على الشيء فرع عن تصوره. ومن تتبع اللسان العربي، عبرْ لسان العرب، وأساس البلاغة ،والخصائص، والتهذيب، والمقاييس، وما دار حول ذلك من معاجم وقواميس نجد الكلمة تدور حول هذه الدلالات: تدل المادة على الارتفاع، وعلى العلو، والتفرد، والانفراد، وتدل على أنها معتمد غيرها، وارتفاع غيرها بها، و قمة الشيء وأعلاه، والنهضة من عثرة، والنهوض من علة، والنهوض من فقر، والسرعة، والخسة والدناءة، النذارة، وعدم الاستقرار، والنقص، والصغر. يكنى بها عن العزة وتدل على الجهالة. 1( ص
عدد الصفحات ١٣سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم 14 وأورد هنا من نصوص اللغة ما يؤيد ما قلناه دون إغراق في النقل، بل ما تمس إليه الحاجة، وتوجبه ضرورة الاعتماد والاستناد، ونحيل في النصوص المتشابهة على الأقدم زمنا، فالكل يمتح من إناء واحد وإن اختلفت المشارب والموارد: غرفا من البحر أو رشفا من الديم. قَالَ اللَّيْث غيرهُ قِلّة. قَالَ اللَّيْث: وققُلَّةُ كل شَيْء: رأسُه، وققُلّةُ الجَبَلِ: أَعْلاَهُ فهنا تدل كما هو واضح على القِصَر، والخسة، كما تدل على الارتفاع والعلو. و ( قلّ الشيء يقل قلة، وهو قليل. والقل: القلة، كالذل والذلة ...وفلان قل ابن قل، إذا كان لا يعرف هو ولا أبوه...والقلة: قلة الجبل، واستقل القوم: مضوا لسبيلهم وهنا تدل تلك النصوص على جهالة الموسوم بالقلة، وعدم معرفة أصوله، وتدل على الارتفاع، والعلو، والسير قدما. الْفرق بَين الْيَسِير والقليل: (الْقلَّة تقَقْتَضِي نقُقْصَان الْعدَد يقُقَال قوم قَلِيل وقليلون، وَمن الْقُرْآن (لشرذمة قَلِيلُونَ) يُرِيد أَن عَددهمْ ينقص عَن عدَّة غَيرهم وَهِي نقيض الْكَثقْرَة وَلَيْسَت الْكَثقْرَة إِلاَّ زِياَدَة الْعدَد وَهِي فيِ غَيره اسْتِعَارَة وتشبيه واليسير من الأَْشْيَاء مَا يقَتقَيَسَّر تحَْصِيله أَو طلبه وَلاَ يقَقْتَضِي مَا يقَقْتَضِيهِ الْقَلِيل من نقُقْصَان الْعدَد أَلا ترى أَنه يقُقَال عدد قَلِيل وَلاَ يقُقَال عدد يسير وَلَكِن يقُقَال مَال يسير لأَِن جمع مثله يقَتقَيَسَّر فَإِن اسْتعْمل الْيَسِير فيِ مَوضِع الْقَلِيل فقد يجْرِي اسْم الشَّيْء على 2( .)691 /3( 3( وإن كان سيئ الحفظ - متابع. وبقية رجاله ثقات رجال الصحيح. حجاج: هو ابن محمد المصيصي الأعور، والرك بن الربيع: هو ابن عميلة الفزاري الكوفي.وأخرجه الحاكم شَريك إلى إسرائيل وأخرجه أبو يعلى 83501( 908( الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذه 4( 5(
عدد الصفحات ١٤الفصل الأول : القلة: مفهومها, وصفاتها, وسنن الله فيها 15 غَيره إِذا قرب مِنْهُ وَقد يقْصُرُ القُلُّ الْفَتى دون همّه وَقد كَانَ لَوْلاَ القُلُّ طَلاّعَ أنجُْدِ وإذا انتقلنا إلى الراغب الأصفهاني في المفردات وجدناه يرى أن :(القِلَّةُ والكثرة يستعملان في الأعداد، كما أنّ العظم والصّغر يستعملان في الأجسام، ثم يستعار كلّ واحد من الكثرة والعظم، ومن القلّة والصّغر للآخر... ويكنىّ باِلْقِلَّةِ عن الذّلّة اعتبارا بما قال الشاعر: ولست بالأكثر منهم حصا وإنمقققققققققققققققققا الققققققعققققققققققققزّة للكققققققققققاثر ويكنىّ بها تارة عن العزّة ][ ﴾ َلِيلاً فَكَثََّكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ ق﴿ (وعلى ذلك قوله: ، وذاك أنّ كلّ ما ][ ﴾َلِيلٌ ما هُمْ وَق﴿][ ﴾وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ﴿اعتبارا بقوله: يعزّ يَقِلُّ وجوده.والقُلَّةُ: ما أَققَلَّهُ الإنسان من جرّة وحبّ ، وققُلَّةُ الجبل: شَعَفُهُ اعتبارا بقلّته إلى ما عداه من أجزائه، ويقولون: (وصعدوا قلّة الجبل وقلل الجبال، وفرس قلقل: سريع. ورجل قلقل: خفيف ماض. ومن المجاز: هو مستقلّ بنفسه إذا كان ضابطاً لأمره. وهو لا يستقلّ بهذا الأمر: لا يطيقه. واستقلّوا عن ديارهم، واستقلّت خيامهم، واستقل القوم عن مجلسهم، واستقلّوا في مسيرهم. واستقلّ الطائر في طيرانه... واستقلّ البناء: أناف، وبناء مستقل. واستقل فلان غضباً: شخص من مكانه لفرط غضبه، وقيل: هو من القلّ: الرّعدة. وبلغ الماء قلة رأسه، وهم يضربن القلل، ورجل طويل القلّة وهي القامة. ورجل قليل: صغير الجثّة... ونسوةٌ قلائل، ورجل قليل. وقوم أقلة: خساس. وهو يقلّ عن كذا: يصغر عنه. وتقلقل في البلاد: طالت أسفاره. وقلقل الحزن دمعي: أساله أصحاب اللسان والمفردات 6( 7( 8( شاقتك من قتلة أطلالها ... بالشط فالوتر إلى حاجر 9( 10( 11(
عدد الصفحات ١٥سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم 16 ومن هذه التطوافة في كتب اللغة ندرك أن القلة تستعمل في المعاني السابقة، ومن تتبع آيات القرآن في بيان معنى القلة نجد أن القرآن الكريم تناولها بهذه الصورة أيضا، كما سيرد ذلك في حديث القرآن عن القلة، ودوران الكلمة فيه، وهذا يشير أيضا إلى أن حديث القرآن عن القلة تناول جوانبها ودلالاتها اللغوية، كما سنقف عليه بعد إن شاء الله. ألفاظ القلة ومقارباتها في القرآن الكريم ورد التعبير عن القلة في القرآن الكريم بعبارات متعددة دارت حول ما يأتي: 1 2 3 4 كما وردت الدلالة على القلة بالنص على العدد، مثل: قال رجلان، سبعين رجلا، عشرون صابرون، مائة صابرة، دراهم معدودة، اثني عشر نقيبا، أو باستخدام لفظة تدل على القلة مثل: يستضعفون، يسير، قتور، أو التركيب الدال عليها مثل التبعيض، والاستثناء... ونحو ذلك. أنواع القلة في القرآن الكريم: وقد تناول القرآن الكريم الحديث عن القلة تناولا واضحا يبين خصائصها ويبرز سماتها، وبالتأمل في حصر الآيات التي تدل على القلة صراحة أو ضمنا يمكننا أن نقسم القلة إلى نوعين جامعين: النوع الأول: القلة المحمودة: وهي التي ورد التعبير عنها في القرآن الكريم في مقام المدح لأصحابها، والدلالة على أنهم تفردوا بسمات واتصفوا بصفات يرضاها الله ﷻ ويدعو إليها، سواء كانت تلك الصفات ريادة وسبقا في وقت يندر فيه السبق والريادة، أو إيمانا يستحق أن يؤيده الله ويأوي أهله، ويرزقهم من الطيبات لعلهم يشكرون، أو ثباتا في ميدان القتال والجهاد في سبيل الله، أو يقينا صادقا في نصرة الله على الرغم من قلة العَدد والعُدد، أو دواما على الأمانة وبعدا عن الخيانة، أو سبقهم في العلم والمعرفة، أو شكرهم على العطاء مع قلة الشاكرين وكثرة الجاحدين، أو عدالتهم في الشركة
عدد الصفحات ١٦الفصل الأول : القلة: مفهومها, وصفاتها, وسنن الله فيها 17 والخلطة، وبعدهم عن البغي على الخلطاء، أو رضاهم بما قسم الله لهم من زخرف الدنيا وزينة الحياة، مع إيمانهم ورؤيتهم لكثرة مال الكافرين الجاحدين وولدهم، ونحو ذلك مما سنقف عليه تفصيلا عند تناول الآيات الكريمة إن شاء الله. النوع الثاني: القلة المذمومة: وهي التي ورد الحديث عنها بصورة تنفر منها، وتبعد عنها، وتدل على اتصاف أصحابها بصفققققققققققات لا يرضاها الله ﷻ، ولا تقبلها الفطر السققققققققققوية، والنفوس الأبيققققققققققة، ينعى القرآن على أصحابهققققققققققا، ويحذر من مغبة الميل إليها، مثل وصف ما لدى المفترين بأنه ليس فلاحا بل متاع قليل، لا يلبث أن يزول ويحول، أو أن أمانهم لا يستمر، وعدوانهم على المرسلين لا يدوم، بل عما قليل ليصبحن نادمين، نادمين على إنكارهم وشققققققققققنيع صنيعهم مع الأنبياء والمرسققققققققققلين، أو وصف شققققققققققكرهم مع عظم ما ينعم به عليهم بأنه قليل، لا يتناسققققققققققب مع حقيق الشكر وواجب الاعتراف، أو وصف التذكر الصادر من بعض البشققققققققققر بأنققققققققققه قليل على الرغم من توفر دواعي التذكر، وأسققققققققققباب التفكر، أو النكير عليهم أنهم اسققققققققققتبدلوا الذي هققققققققققو أدنى بالذي هو خير، فيشترون بآيات الله ثمناً قليلاً، ويبيعون دينهم بعرض من الدنيا زائل، وعطاء من الحياة حائل، أو وصف متاع الحياة بأنه في جنب الآخرة قليل، أو النعي على بني إسققققققققققرائيل بأنهم لا يؤمنون إلا قليلاً، أو وصف متعتهم وفرحهم في الحياة بأنه قليل، أو أنهم لا يأتون البأس إلا قليلاً، ونحو ذلك مما سيتضح عند تناول الآيات الكريمة بإذن الله. ولنتناول أولا القلة المحمودة وصفاتها في الصفحات القادمة:
عدد الصفحات ١٧سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم 18 المبحث الثاني القلة المحمودة صفاتها وخصائصها في القرآن الكريم ومن خلال تتبع الآيات الكريمة يمكن أن نتبين القلة المحمودة ، وأهم سماتها على النحو التالي: القلة هم الخلاصة المصطفاة والبقية المنتقاة القلة المحمودة هي في كل مكان الخلاصة المصطفاة، والبقية المنتقاة، المنتقاة من كل شيء: زمانا، ومكانا، وأفرادا، ومعادن، هم الرواحل التي تتحمل إذا كَلَّ غيرها، وتصبر إذا مَلَّ سواها، تحمل حملها وكثيرا من حمل غيرها، فهي الرائدة في المتاهة، وهي القائدة في اضطراب الأمور، ولقد قيل في واحد من مثل هذه النماذج، وهو صاحب عمامة علمية رائدة: أولت عمامتك العمائم كلها فخراً تقاصر دونه التيجان إن الزعقققامة والطققققققققققريق مخُوفَةٌ غيرُ الزعامة والطريق أمقققان تلك القلة هي التي تقل عند الطمع، وتكثر عند الفزع، فهم - بحق خلاصة جنسهم، وبقية نوعهم، ولقد تبين من خلال سَوْق القرآن الكريم لتلك النماذج القليلة ما يؤكد تفردهم وندرتهم، وقلتهم (بما تعنيه مادة القلة من دلالة) فيما يتصفون به، وإذا طالعنا القلة التي عبرت البحر مع طالوت، عرفنا إلى أي مدى تتضح فيهم تلك الصفة، فهم قلة لكنهم هم، هم وحدهم الذين عبروا النهر مع طالوت، وهم هم وحدهم الذين أدركوا واعين قوانين الله في النصر والهزيمة إدراكا عمليا، وإن أدركه غيرهم إدراكا ثقافيا معرفيا، وسيَبِين لنا في الصفحات القادمة لقيَم يندر أن يجمعها سواهم، ويقل وجودها فيمن عداهم، كم كانوا واعين بل واعب وتلك من سنن الله ﷻ في خلقه وناموسه في عباده، لقد سئل الحسن عن الذين عبروا النهر :(أَلَيْسَ الْقَوْم جمَِيعًا كَانُوا مُؤمنين الَّذين جاوزوا ؟! فقَالَ: بلَى، وَلَكِن تفاضلوا بمَِا شحت . أنفسهم من الجِْهَاد فيِ سَبيله وعب الشَّيْء وعبا وأوعبه: واستوعبه: أخذه أجمْع، المحكم والمحيط الأعظم(1( 13(
عدد الصفحات ١٨الفصل الأول : القلة: مفهومها, وصفاتها, وسنن الله فيها 19 فالذين عبروا النهر كانوا كلهم مؤمنين لكن الذين صبروا، وصابروا، ودعوا غيرهم إ المصابرة هم خلاصة هؤلاء، فهؤلاء َ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنهم ملاقوا الله (أي: يقَتقَيقَقَّنْون أَنقَّهُمْ مُلاقُوا اللَِّ ويتوقعون ثوابَ الشهادة وهم الخُلْصُ من أهل البصيرة، قالوا: لا تفزعوا من كثرة عددهم كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بإِِذْنِ اللَِّ وإرادته ومعونته، ... وَاللَُّ مَعَ الصَّابِرِينَ بالنصر والمعونة و(كذلك الخواص في كل وقت يقل عددهم ولكن يجل قدرهم يصطفيها الله ﷻ هي الخلاصة التي يقوم عليها بناء الحياة، وتنهض بها الريادة والقيادة، وتتقدم الأمم، وتستعاد القيم، والمتأمل لكل قليل في الحياة والأحياء يجده بقية جنسه، وخلاصة نوعه، فالذهب سيد المعادن وهو بينهم قل، والأنبياء هم رواد الأمم وهم بين أقوامهم قلة، والدعاة الصادقون هم الأدلاء للبشر وهم بين المدعوين قلة، والأزمنة المفضلة بين سائر الأزمنة قلة، والأماكن المقدسة بين الأماكن قلة: تعققققققققققققيرنا أنّقققققا قققققليل عققققققديققققققققققدنا فققققققلت لها إن الكقققرام قلققققققيل ومقققققا ضققققققرنا أنا ققققققققليل وجققققققارنا عزيز وجقققققار الأكققققققثرين ذليل وما مات منا سيد حتف أنفه ولا طل منا حيث كان قتقيل إذا مققققققات منا سيد قام سققققققيد قؤول لما قال الكقققققققققققققرام فعول فهذه القلة على الرغم من أنها في عين غيرها قلة، إلا أنهم في واقع العمل كثرة؛ لأنهم قلة عاملة، (والقلة العاملة تهزم الكثرة النائمة). هم المنصورون في كل زمان المتتبققققققققققع لآيات القلة في القرآن الكريم، والراصد لطبيعققققققققققة القلة في واقع الحياة والأحياء يجققققققققققد أن القلة العاملة في كل زمان هم المنصورون، لما يشققققققققققتملون عليه من سمات وخصائص، تعققققققققققوض قلة عددهم بكثرة يقينهم واعتمادهم، وببذلهم مققققققققققا لا يبذله غيرهم من الكثرة النائمة الهائمة، التي تقف عند حدود الشققققققققققكل والمظهر فتغرهم كثرتهققققققققققم ويخدعهم عددهم، والراصد لنصققققققققققر المؤمنين في غزواتهم كلها يجد أنهم لم يبلغوا عققققققققققدد عدوهم، بل لم يتعدوا ثلث عدوهم، البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ( 1( 15( البيان والتبي( 1(
عدد الصفحات ١٩