- 65 - عهد بالإسلبـ ، ولدّا يدخل الإلؽاف بُ قلؤّم ، فأنا أتألفُهم ، وأرغّبهم فيو ، خشية أف يعودوا إلى الكفر فيكبهم الله بُ النار ، ووكلت ذلك الرجل إلى إلؽانو ، إف من ت٘كن الإلؽاف بُ قلبو وحلَّ بُ سويدائو ، وذاؽ حلبوتو استغتٌ بو عن الدنيا وما فيها . قلػبٌ بػو الله لا يػػحػتػاج أُعػطيػةً فػالله أكػرمػػو بػػالػديػن والػتػقػوى والداؿ يُهدى لتأليف الألى وىَنوا والدؤمن الحق بُ إلؽانو أقوى (ٔ)
عدد الصفحات ٦٥- 66 - مَهر غالٍ ىذه امرأة يبدو عليها الحاجة إلى الاستقرار بُ بيت زوج مناسب ، لػفظها من أقاويل الناس إف بقيت دوف زوج أو معيل ، فهي تعيش بُ وحدةِ ووحشة . . . أليس لذا أب أو إخوة ؟! قد يكوف . .، أليس لذا أرحاـ لػوطونها ويدفعوف عنها ويقيوف حوائجها ؟! قد يكوف . . . لكنَّ ىؤلاء لا لؽلؤوف مكاف الزوج الذي لػدب عليها ، ويهتمُّ ّٔا ، وتِتمُّ بو ، لؽلؤ عليها بيتها ىناءةً وسعادةً ، وتٖفظو بُ بيتو ومالو وولده . . إلى أين تذىب ؟ وعلى مَنْ تعرض نفسه ا ؟!! فلتذىب إلى رسوؿ الله ػ صلى الله عليو وسلم ػ فهو أولى ّٔا من الآخرين ، وأولى ّٔا من نفسها . وىو الرسوؿ والقائد . . . دخلت عليو ، فقالت : يا رسوؿ الله جات أىب نفسي !! ولم تزد على ىذا فليست رغبتها بالدهر ولا الأثاث الفاخر ، ولا بشيءٍ من ّٔارج الدنيا . . سوى رجل يصونها . . وىا ىي تِب نفسها للنبي ػ صلى الله عليو وسلم ػ ، إف أراد أف يستنكحها خالصة لو من دوف الدؤمنتُ . . . ووقفت أمامو ػ صلى الله عليو وسلم ػ طويلبً ، وىو ينظر إليها ، مصوّباً ومدققاَ ، فهي تعرض نفسها عليو ، ولو ػ صلى الله عليو وسلم ػ أف يرى ، فقد تعجبو ، وقد لا تروؽ لو ، فإف قاؿ نعم فهي لو . . ومن أدبو ػ صلى الله عليو وسلم ػ أف لا يرفض ىذا العرض بقوؿ ، أو إشارة ، فهذا أدعى لحفظ ماء وجو الدرأة وكرامتها ، وسكوتػُو ػ صلى الله عليو وسلم ػ أبلغ ردّ . فلما طاؿ مقامها ، قاؿ رجل جالس بُ حيرة الدصطفى : يا رسوؿ الله ، إف يكن لك ّٔا حاجة فزوجنيها . نظر إليو الرسوؿ الكريم بٍ قاؿ : (( ادخلي إلى عائشة )) ،
عدد الصفحات ٦٦- 67 - بٍ قاؿ للرجل : (( أعندؾ ما تدفعو مهراً لذا ؟ قاؿ الرجل : لا يا رسوؿ الله . قاؿ الرسوؿ ػ صلى الله عليو وسلم ػ : (( اذىب ، فاتْ ث ما تستطيع ولعلَّ أحداً ينفلك )) فذىب الرجل وعاد خالي الوفاض فقاؿ : والله يا رسوؿ الله ما وجدتُ شيااً فأنا رجل فقتَ . قاؿ ػ صلى الله عليو وسلم ػ : (( اذىب فالتمس شيااً ولو كاف خات٘اً من حديد )) . يريد ػ صلى الله عليو وسلم ػ من الرجل أف يشعر بألعية الزواج ، وأنّو حتُ يدفع مهراً لزوجتو مهما قلَّ ىذا الدهر ، قد أصبح مسؤولاً عن بيتو، وعليو أف يتعب ويكدَّ بُ سبيلو .. وكأف البحث قد أعياه ، ليس لأف الدسلمتُ تٓلوا عليو لكنْ ػ والله أعلم ػ ليعلم أف للزواج أعباءً ، ولحكمة يريدىا الله سبحانو ، فعاد يقوؿ حزيناً كاسف الباؿ : لا ػ والله يا رسوؿ الله ػ ولا خات٘اً من حديد . . . وجلس لا يدري ما يفعل . . . كاف عليو إزار ، والإزار ما يلفػّو الرجل على جسده ويربطو على خصره أو على أحد عاتقيو وليس معو غتَه ػ أما الرداء وىو الثوب الدخيط يرتديو الإنساف فلم يكن لؽلكو . قاؿ : يا رسو ؿ الله أُصدِقُها إزاري ىذا . . فنظر إليو رسوؿ الله ػ صلى الله عليو وسلم ػ وقاؿ : (( أتعطيها إزارؾ ؟! إف أنتَ جعلتَو عليكَ لم تستفدِ الدرأة منو ، وإذا كاف عليها فستظلُّ أنت دوف إزار )) . ووجم الرجل ، وجلس مكانو بائساً وقد أسقط بُ يده . فلما ياس ولى مدبراً ، وبُ قلبو جرح كبتَ وحزف شديد . . ولكنَّ النبيَّ الرحيم والرسوؿ الحاني كاف يريد لو أف يبتٍ بيتاً مسلماً فيو زوجة لزبّة فاضلة ، وبراعم مسلمة تكوف عدة للغد الدسلم الدشرؽ . . قاؿ لبعض أصحابو : (( ادعوه لا يبتعد )) فأسرع أحدىم إليو فقاؿ : إف رسوؿ الله ػ
عدد الصفحات ٦٧- 68 - صلى ا عليو وسلم ػ يدعوؾ . . فرجع مسرعاً مستبشراً . . . ىذا أنا يا رسوؿ الله ، ىل دعوتتٍ ؟ تبسّم النبي ػ صلى الله عليو وسلم ػ بٍ قاؿ : (( ما تٖفظ من القرآف ؟ )) قاؿ : أحفظ كذا وكذا ، وبدأ يعدد السور التي لػفظها . . . إذاً فهو ليس فقتَاً ، ففي قلبو كنوز رائعة و فتَة ، قاؿ ػ صلى الله عليو وسلم ػ : (( قد ملَّكْتُكَها تٔا معك من القرآف ، بارؾ الله لكما ، وبارؾ عليكما وتٚع بينكما على ختَ )) . وكاف ىناؾ أسرة مسلمة جديدة .
عدد الصفحات ٦٨- 69 - اضربوا لي معكم بسهم انطلق رىط من أصحاب النبي ػ صلى الله عليو وسلم ػ بُ سفرة سافروىا ، فلما قاربت الشمس للمغيب أسرعوا الخطا ، فقد كاف على مرمى نظرىم حيّّ من أحياء العرب، وختَ لذم أف يقيوا ليلتهم بُ أرض مأىولة ، من أف يقيوىا بُ مكاف مقفر موحش ، لا يدروف بُ ىذا الليل البهيم ما لغري حولذم ، كما أفّ بإمكانهم زيارة القوـ ، يتعرّفوف إليهم ويدعونهم إلى الإسلبـ ، فإفْ كتب الله الذداية لأحدىم أو لذم تٚيعاً كما حدث لقبيلة عبد القيس غمرىم من الله الختَ والفيض الرباني من الحسنات إلى يوـ القيامة . ووصل الرىط إلى ميارب القبيلة وسألوا أوّؿ واحد لقػُوه : أين شيخكم ؟ فدلوىم عليو ، فلما وصلوا إليو وسلموا عليو لقيهم بوجو جاؼ ، ولم يسألذم النزوؿ عليو !! أمْرُىُمْ عجيب . . إنهم تٚيعاً كانوا تٓلبء أصحاب شحٍّ وعهدىم بالعرب أىل كرـ وضيافة . . ألم يقل الشاعر بُ مدح قبيلتو : يُغشَوْف حتى ما تِرُّ كلبُّٔم لا يَسألوف عن السواد الدقبل وىذا طرفة لا يسكن التلبؿ لسافة الييفاف ، بل ينصب خيمتو أسفل الطريق ، ليسهل قدوـ الدسافر إليو : ولست تْلبّؿ التلبع لسافة ولكنْ متى يستًفدِ القوـُ أرفدِ وآب الرىط راضتُ من الغنيمة بالإياب وضربوا خيامهم ق ريباً من ىؤلاء . ولُدغ سيّدُ الحي ، فسعى لو الناس بكل حيلةٍ ، فلم تنفعو حيلة ، إف الحمّى تشتد ، الزّبَدُ لؼرج من فمو ، فما ىم فاعلوف !؟ قاؿ بعيهم : لو أتيتم ىؤلاء الغرباء الذين قد نزلوا بكم ، لعلو أف يكوف عند بعيهم
عدد الصفحات ٦٩- 71 - دواء أو ترياؽ فننقذ صاحبنا فأتوىم ، وقالوا : أيها الرىط إف سيدّنا لُدغ ، فسعينا لو بكل شيء ينفعو ، فلم يُشفَ ، فهل عندكم ما تداوونو بو ؟. قاؿ أحد الرىط : نعم والله ، إف عندنا ما ينفع . نظر أحدىم إلى صاحبو . . إنّو يعلم أفْ ليس معهم شيء ، وما منهم طبيب . . إلا أف القائل أردؼ : ولكن والله لقد اس تيفناكم فلم تييّفونا ، وما أنا لكم راقياً حتى نأخذ أجرتنا ، فإف فعلتم رقيناه . قالوا لكم ذلك . قاؿ الراقي : نذىب معكم على أف يكوف لنا قطيع من الغنم ، قاؿ القوـ : نعم ، فهلمّوا . . فانطلق الجميع حتى وصلوا إلى سيّد القوـ الذي جفاىم وطردىم فرأوه يتلوّى من الألم، فقرأ عليو الفاتٖة مرّات كثتَة ، وكاف كلما قرأ مرة يتفل عليو وينفخ حتى أبرأه الله تعالى فكألظا نشط من عقاؿ ، لؽشي ليس يشعر بألم . فأوفوىم ما اتفقوا عليو . قاؿ بعيهم : اقسموا بيننا ىذا الرزؽ ، فهو حلبؿ . قاؿ الراقي : لا تفعلوا ذلك حتى نأبٌ رسوؿ الله ػ صلى الله عليو وسلم ػ فنق َّ عليو ما فعلنا . قالوا : نعم فلعلها رُقػْيَةٌ لا تٕوز لنا ، فلما قدموا عليو ػ صلى الله عليو وسلم ػ أخبروه تٔا كاف . فقاؿ : وما يدريك أنها رُقيةٌ ؟ أصبتُم ، اقسموا ، واضربوا لي معكم بسهم .
عدد الصفحات ٧٠- 71 - أبو طلحة وسعد ـ رضي الله عنهما ـ لضن الآف قرب جبل أحد ، بينو وبتُ جبل الرماة ، والدشركوف لػيطوف بالدسلمتُ بعد أف كاف الدسلمتُ لػيطوف ّٔم ، فلماذا انقلب نصرىم إلى ىزلؽة ؟!! وىل يعقل أف ينهزـ الدسلموف وفيهم رسوؿ الله ػ صلى الله عليو وسلم ػ ؟! . الذزلؽةُ : شعور باليعف ، يتبعو استخذاء ويأس ، بٍ إحساس بفتور العزلؽة ، بٍ رغبة بُ التخلّي عن القتاؿ ، وىذا يؤدي إلى خوؼ يتنامى حتى يُلجِئَ صاحبو إلى الذروب من أرض الدعركة ، والفرار بالنفس لسافة الدوت أو الأسر . ويتًؾ الفارُّ كلَّ شيء طمعاً بالنجاة وينسى أنو مقاتل فيكوف جلُّ لعو منصباً على لرانبة النزاؿ . . . بٍ يطلق ساقيو أو فرسو للريح . . غتَ مباؿٍ تٔا يصيب الآخرين من قتل أو أسرٍ ، وتنحلُّ عقدة الجيش وينفرط تٚعو ، ويلحق العدوُّ ّٔم ليجهز عليهم إف استطاع. فهل حدث ىذا للمسلمتُ يوـ أحد ؟ .. ٔ ػ أصدر رسوؿ الله ػ صلى الله عليو وسلم ػ للمسلمتُ أمراً أف لغتمعوا ، فقد تفرَّقوا أوّؿ الأمر وراء الدنهزمتُ من مشركي قريش ، ونزؿ الرماة عن الجبل فدلعهم خالد مغتنماً الفرصةَ فصار من ورائهم بفرسانو ففاجأىم فبغتوا إلا رسوؿ الله ػ صلى الله عليو وسلم ػ ومَنْ معو . . ٕ ػ قتل عدد من الدسلمتُ كانوا لغالدوف الدشركتُ مهياتُ ا لفرصة للآخرين أف لغتمعوا حوؿ الرسوؿ ػ صلى الله عليو وسلم ػ فيكونوا قريبتُ من القائد ، فيدافعوف عنو وعن أنفسهم ، وليؤكدوا لذم أف الإشاعة بقتل النبي ػ صلى الله عليو وسلم ػ التي أطلقها الدشركتُ لتوىتُ عزائم الدسلمتُ ليس لذا ذرةٌ من الصحة ، فيثوبوا إلى رشدىم و يعودوا للقتاؿ ،
عدد الصفحات ٧١- 72 - ولكي يذكروىم أف القتاؿ الدائر ليس للدفاع عن رسوؿ الله ػ صلى الله عليو وسلم ػ فحسب بل لتثبيت دعائم دين الله سبحانو وتعالى ، وليموتوا على ما مات عليو لزمد عليو الصلبة والسلبـ ، ولينبهوىم إلى أف الدوت بُ سبيل الله ختَ من الذروب والفرار والعودة إلى الجاىلية . ىذه آّالدة والدصابرة مكّنت رسوؿ الله ػ صلى الله عليو وسلم ػ من اللجوء إلى سفح جبل أحد فأمّنت لذم العَطاء الظهريّ وباتوا أحسنَ حالاً ، فقاموا ّٔجوـ ميادٍّ أوقف تقدُّـ الدشركتُ وأقنعهم بالتوقف عن مهاتٚتهم ، فاحتجز الفريقاف كلّّ منهما يهابُ الالتحاـ بالآخر . . إذاً . . . فهذه ليست ىزلؽةً بالدعتٌ الذي يفهمو الناس ، فالدسلموف بُ أرض الدعركة ، وجهاً لوجو أماـ العدو الذي أمسك عن ملبحقتهم لقناعتو بأنو لا يقدر على ذلك ، ولو كاف يظنّ إمكانيّة استاصالذم لفعل ، وما جاء إلا لذلك ، ولحدَّثتو نفسو باحتلبؿ الددينة الدنورة واستباحتها ، والقياء التاـ على نور الإلؽاف . . . فهذه جولة ينتصر الباطل فيها انتصاراً لا يوازي خسارتو الشنيعة أماـ الدسلمتُ بُ بدر ، لكنّو رضي تٔا ناؿ الدسلمتُ من جهد وضعيعة . والرسوؿ عليو الصلبة والسلبـ يصوّر ىذا أحسن تصوير فيقوؿ : (( ر أيت بُ رؤياي أنيّ ىززت سيفاً ، فانقطع صدره ، فإذا ىو ما أصيب من الدؤمنتُ يوـ أحد ، بٍ ىززتو أخرى ، فعاد أحسنَ ما كاف ، فإذا ىو ما جاء بو الله من الفتح واجتماع الدؤمنتُ ، ورأيتُ بقراً - واللهُ ختٌَ - فإذا ىم الدؤمنتُ يوـ أحد )). رواه البخاري . بُ أحد كاف أبو طلحة رضي الله عنو ثابتاً مع رسوؿ الله ػ صلى الله عليو وسلم ػ ، لػوطو بتًس من جلد ، لػميو من نباؿ الدشركتُ ، فإذا أشرؼ النبي ػ صلى الله عليو وسلم ػ من خلفو ينظر إلى القوـ خاؼ عليو أبو طلحة ، وقاؿ : بأبي أنت وأمي يا رسوؿ الله ، لا
عدد الصفحات ٧٢- 73 - تشرؼ يصبك سهم من سهاـ القو ـ . . لضْري دوف لضْرؾ يا رسوؿ الله . وكاف أبو طلحة نبّالاً شديد الرمي شديد النزع كسر يوماذ قوستُ أو ثلبثة ، فكلما مرَّ مُسْلِمٌ ّٔما قاؿ النبي ػ صلى الله عليو وسلم لو ػ : (( انثر ما فيها لأبي طلحة )) . وكاف سعد بن أبي وقاص إلى جانبهما يرمي السهاـ ، وكاف رم يو دقيقاً سريعاً صائباً ، أوقع بُ العدوّ وخلخلو ، فكاف النبي ػ صلى الله عليو وسلم ػ يشجعو ولػفز لعتو قائلبً : ارـِ سعد ، ارـِ ، فداؾ أبي وأمي )) .. وكاف سعدٌ رضي الله عنو يسمع ىذا فيزداد نشاطاً . وكاف ػ صلى الله عليو وسلم ػ يدعو على الدشركتُ فيقوؿ : (( اشتد غيب الله على مَنْ قتلو النبيُّ ػ صلى الله عليو وسلم ػ )) . (( اشتدَّ غيبُ الله على قوـ دمَّوْا وجو نبي الله )) . وقد كُسِرَت رَباعيتُو ػ صلى الله عليو وسلم ػ ودخلت بعض حلقات الدغفر بُ وجهو الكريم ، وشُجَّ وجهو وكُسِرَت البيية على رأسو ، والبيية غطاء الرأس . ػ ولدا وقف الدشركوف والدسلموف وجهاً لوجو قاؿ أبو سفياف قائد الدشركتُ أنشدكم الله أفيكم لزمدٌ ؟ يريد أف يعرؼ أحيُّ ىو أو ميتٌ ، فأمرىم الرسوؿ الكريم ػ صلى الله عليو وسلم ػ أف لا لغيبوه ، فيظن أبو سفياف أف رسوؿ الله قتل ، وىذه أدعى إلى تسكتُ لعة الدشركتُ . . فلم لغيبوه . ونادى مرَّة أخرى : أفيكم أبو بكر بن أبي قحافة ؟ فما أجابوه . ونادى ثالثة : أفيكم عمر بن الخطاب ؟ . . . . لم يستطع عمر رضي الله عنو السكوت لأكثر من سبب . الأوّؿ : أف طبيعتو ت٘يل إلى ردّة الفعل وقد كاف مغتاظاً من الدشركتُ . .
عدد الصفحات ٧٣- 74 - الثاني : أنو أراد إغاظة الدشركتُ بوجود الرسوؿ الكريم ووزيريو أحياء ، فكأف مستَة الدعوة ستستمر تْياة النبي ػ صلى الله عليو وسلم ػ على الرغم من كيد الكائدين وحقد الحاقدين . الثالث : لتَيهم أف الدسلمتُ قادروف وىم على ىذه الحاؿ أف يتابعوا القتاؿ . . وقد تبسّم الرسوؿ ػ صلى الله عليو وسلم ػ حتُ سمع عمر رضي الله عنو يقوؿ : أخزاؾ الله يا ابن حرب فها ىو رسوؿ الله ػ صلى الله عليو وسلم ػ ح يّّ وإلى جانبو الصديق، وأنا عمر .. فتوقف أبو سفياف عن تعداد من كاف يظن أنهم قتلوا بٍ صاح بأعلى صوت : اُعلُ ىبل اُعلُ ىبل ، والدسلموف ساكتوف ، فقاؿ الرسوؿ الدعلّم : (( ألا تٕيبونو ؟ )) قالوا : وماذا نقوؿ ؟ قاؿ : (( الله أعلى وأجل )) فارتفعت صيحات الدسلمتُ بتحدٍّ وإصرار ت٘لؤ أرجاء الدكاف : الله أعلى وأجلُّ ، الله أعلى وأجل . . . فما كاف من شيطاف أبي سفياف إلا أف وسوس لو ف قاؿ: لنا عزّى ، ولا عزّى لكم .. دعوةٌ عجيبة ، غريبةٌ ، تدؿُّ على سفاىة قائلها ، ومَنْ عُزَّى ىذه ؟! إنها صنم يعبده الدشركوف كاف بوادي لطلة ، ىدمو خالد رضي الله عنو وقتل شيطانتو وسادِنهَا . والتفت الرسوؿ الكريم إلى اصحابو قائلبً : (( ألا تٕيبوف ؟ )) قالوا : وم لصيب يا رسوؿ الله ؟ قاؿ : (( قولوا : الله مولانا ، ولا مولى لكم )) فارتج الدكاف بصيحات الدسلمتُ . الله مولانا ، ولا مولى لكم . . . الله مولانا ، ولا مولى لكم . . وعاد الدشركوف راضتُ تٔا حصلوا عليو من الدعركة ، إلى مكة ، ورجع الدسلموف تّراحاتِم إلى الددينة ،
عدد الصفحات ٧٤- 75 - لكنَّ الله تعالى أراد أف يُري الدشركتُ قوَّة الدسلمتُ فلب يفكروف بالذجوـ على الددينة ، وليبلغهم أف ىذه الدعركة لم توىن الدسلمتُ ، فخرج رسولو الكريم ػ صلى الله عليو وسلم ػ بالدسلمتُ الدقاتلتُ أنفسهم دوف غتَىم تّراحاتِم إلى تٛراء الأسد جنوب الددينة باثتٍ عشر كيلو متً فأقاـ فيها ثلبثة أياـ ينتظروف فيها الدشركتُ الذين قرروا ملبحقة الدسلمتُ إلى الددينة ، قائلتُ : أصبنا حدَّ أصحابو ، وأشرفهم ، وقادتِم بٍ نرجع قبل أف نستأصلهم ؟! لنكرَّف على بقيّتهم فلنفرغَنّ منهم . . فلما علموا انتظار الدسلمتُ لذم أوقع الله الرعب بُ قلؤّم فثنَوا رواحلهم وانطلقوا إلى مكة . . وعاد الدسلموف إلى مدينة رسوؿ الله ، وعتُ الله ترعاىم .
عدد الصفحات ٧٥- 76 - زاىر . وابن مسعود رضي الله عنهما ػ رجل من أىل البادية اسمو زاىر . . ولكل من اسمو نصيب ، فهو ذو روح طيبة وأخلبؽ رائعة تفوح منو كرائحة الزىر الأخَّادة . ػ كاف إذا جاء الددينة تٛل إلى النبي ػ صلى الله عليو وسلم ػ من باديتو ختَىا ، لبنها ، سمنها ، زبدتِا ، ويقوؿ : يا رسوؿ الله ىذه ىدية زاىر إليك ، فاقبلها منو تٕبرْ خاطره ، وتسعدْ قلبو . ػ كاف النبي ػ صلى الله عليو وسلم ػ يبتسم لو ويأخذىا منو قائلبً : قد قبلناىا منك يا زاىر ، جزاؾ الله عن نبيّو ختَاً ، وأجزؿ لك الدثوبة ، فإذا ما عاد إلى أىلو جهزه النبي ػ صلى الله عليو وسلم ػ من الطػُّرَؼ والدستحسنات الددنيَّة ما يقر ّٔا عينو ، جزاءً وفاقاً ، وكاف ػ صلى الله عليو وسلم ػ يقوؿ : إف زاىراً باديتنا ، ولضن حاضره ، وكأنو ػ صلى الله عليو وسلم ػ يقوؿ للناس : تِادَوا تٖابُّوا . . ومهما كانت الذديّة صغتَة فإف أثرىا بُ النفس كبتَ . . ػ رآه ػ صلى الله عليو وسلم ػ بُ السوؽ مرّة فجاءه من خلفو ، واحتينو ػ وكاف زاىر دميماً ػ إلا أف رسوؿ الله ػ صلى الله عليو وسلم ػ لػبو لحسن أخلبقو ورفعة شمائلو . . وحاوؿ زاىر أف يعرؼ لزتينو فالتفت قائلبً : دعتٍ يا من احتينتٍ ، فلما عرفو جعل ظهره إلى صدر رسوؿ الله ػ صلى الله عليو وسلم ػ تيمّناً وتباركاً ، واجتهد أف يظل ظهره ملتصقاً بصدر الدصطفى عليو الصلبة والسلبـ ، فجعل النبي ػ صلى الله عليو وسلم ػ يقوؿ: (( من يشتًي العبد ، من يشتًيو ؟ )) . قيقوؿ زاىر : إذف ػ والله ػ تٕدني كاسداً ، من يشتًي دميماً يا رسوؿ الله ؟ !!
عدد الصفحات ٧٦- 77 - فيقوؿ الرسوؿ الكريم ػ صلى الله عليو وسلم ػ (( ولكنّك عند الله لست بكاسد ، أنت عند الله غاؿ . إف الله لا ينظر إلى صوركم وأجسادكم ، إلظا ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم )) . . إلى لزل التقوى ، والخلق الرفيع ، والعمل الصالح . . . وقيمةُ الإنساف تٔخبره لا تٔظهره . وقد كاف عبدالله بن مسعود حتُ أسلم أبى إلا أف يعلن بالقرآف عند الكعبة فحذره رسوؿ الله ػ صلى الله عليو وسلم ػ من الدشركتُ أف يؤذوه فقاؿ : ومالي أف ألقى بُ سبيل الله ما ألقى !! وصدح بالقرآف الكريم والدشركوف يسمعوف ويكرىوف . فما كاف من أبي جه ل إلا أف شدّه من أذنو شدَّة قطعتها ، فرماىا إليو وىو ييحك شامتاً . أخذ الألم من ابن مسعود مأخذه ، وتٛل أذنو إلى رسوؿ الله ػ صلى الله عليو وسلم ػ يشكو ظلم الظالدتُ ، وفجور الدستكبرين . فما كاف من الطبيب الرحيم إلا أف أعادىا إلى مكانها ، ودعا الله لو بالشفاء ، فعادت كما ىي كأنها لم تقطع ..... يد مباركة رحيمة ، خ َّ الله صاحبها ػ صلى الله عليو وسلم ػ باليمن ، بالختَ والبركات . قاؿ ابن مسعود رضي الله عنو : لذي أقوى من أختها وأسمع ، ولأختػُها أشدُّ حاجة إلى ما حصل للؤولى ، وىمَّ أف يعود إلى الدشركتُ ليسمعهم القرآف الكريم ويغيظهم ، فيقوؿ لو الدعلم الأوؿ : حسبك الآف يا ابن مسعود فلقد كاف ما فعلتو اليوـ شديداً عليهم . . ويوـ بدرجاء ابن مسعود رضي الله عنو لػمل رأس من قطع أذنو رأس أبي جهل ، فقاؿ لو النبي صلى الله عليو وسلم " الأذف بالأذف ، والرأس زيادة . ىذا الصحابي الجليل كاف قصتَاً لضيفاً . . صعد مرة إلى شجرة ، فرأى الصحابة دقة
عدد الصفحات ٧٧- 78 - ساقيو فيحكوا لذلك ، فما كاف من الذادي العظيم وأستاذ الأساتيذ إلا أف نبههم إلى أف كرامة الإنساف ومكانتو بعملو لا بقولو فقط ، وبفعلو لا تٔظهره فقاؿ : إف ساقو لأثقل عند الله من جبل أحد . . نعم من جبل أحد . ليػس الإنػساف بػمظهػره وبػػمػػسػكػنػو وبػمػا يػمػلػك فػإذا مػا ظػنّ بػهػا يعػلػو بُ الدرؾِ ىوى ، وبو يهلِكْ ػػػػػػػ ػػػػػػػ ػػػػػػػػػ إف الإنػسػػػاف بػػتػػقػػواهُ يػعػػلػو ويػػبػػارؾ مػػسػعػاه والػعػمل الصالح يرفعو فػي الػنػاس ، ويػكػرمػو الله ػػػػػػ ػػػػػ ػػػػػػ فاعمل ختَاً تلقً الأجرا تػُرفػعْ عػنػد الػمػولػى ذكػرا وتػعػاىد إخػوانػك دوماً فػإذا عسػرْؾ يصػبحُ يُسرا(ٔ)
عدد الصفحات ٧٨- 79 - ثم أسلمتُ قاؿ أحد أحبار اليهود - زيد بن سعنة - الذين أسلموا حتُ رأوا صفات النبي ػ صلى الله عليو وسلم ػ الدكتوبة بُ التوراة واضحةً وضوحاً بيّناً بُ ر سوؿ الله ػ صلى الله عليو وسلم: لم يبقَ من علبمات النبوّة الداعية إلى تصديق الرسوؿ الكريم واتّْباعو علبمة إلا وعرفتها إلا صفتتُ اثنتتُ لم يتسنَّ لي معرفتهما . الأولى : يسبق حلمو جهلو . . فهو واسع الصدر حليم لا يغيب لنفسو . الثانية : كلّما جهل عليو أحد زاد حلمو وأضاءت أخلبقو ، فكنت أزوره وأتطلف لو لأستطيع لسالطتو والتعرُّؼ عليو عن كثب ، فلما خرج رسوؿ الله ػ صلى الله عليو وسلم ػ يوماً من الأياـ من الحجرات ( وىي بيوت أزواجو رضي الله عنهن ) ومعو علي بن أبي طالب رضي الله عنو ، أتاه رجل بدوي على راحلتو ، فقاؿ : يا رسوؿ الله إف قرية بتٍ فلبف قد أسلمو ا ، وقد أصأّم قحط شديد ، وجوع ىدَّ جسومهم ، وأنا رسولذم ، فإف رأيت أف ترسل إليهم بشيء تعينهم بو يكونوا لك شاكرين ، ولأفيالك ذاكرين ، ولم يكن مع الرسوؿ ػ صلى الله عليو وسلم ػ إذ ذاؾ شيء يعطيو إياه ، ولا بُ بيت ماؿ الدسلمتُ ما يكفي ، فقاؿ لو : انتظر يا أخا العرب لعلَّ الله تعالى يؤذف بالفرج . فقلت لنفسي : يا زيد ىذه فرصة ذىبيّة فاغتنمها ، لتختبر حلم رسوؿ الله ػ صلى الله عليو وسلم ػ ، فدنوت منو فقلت : يا لزمد إف رأيتُ أف تبيعتٍ ت٘راً معلوماً من بستاف بتٍ فلبف إلى أجل كذا وكذا ( وكاف ت٘رىم معروفاً تّودتو ) فقاؿ : (( لا ، يا أخا يهود ، ولكنْ أبيعك ت٘راً معلوماً إلى أجل لزدود معروؼ ولا أسمي بستاف بتٍ فلبف )) .
عدد الصفحات ٧٩- 81 - فقلت : نعم . فبايعتٍ وأعطيتُو تٙانتُ ديناراً ، سرعاف ما أعطاىا لذلك الرجل وقاؿ لو: انطلق إلى قومك راشداً عسى الله تعالى أف لؼفف عنهم . . استداف رسوؿ الله ػ صلى الله عليو وسلم ػ ليخفف عن الناس ، ويقيي حوائجهم ، ويعينهم على نوائب الدىر ، وىكذا القائد يسعى إلى خدمة مرؤوسيو ويسهر على مصالحهم ، ولغهد نفسو لتَاىم بُ موقف مريح ، وحياة طيبة ، أما من يستغل منصبو ليملؤ خزائنو ظلماً وعَدْواً ، ولؽت قوت شعبو ، وي فرض عليهم ما يثقل كاىلهم ، ويرىقهم ، ليفوز بالداؿ ويغتٌ على حسأّم دوف أف يأبو لذم ، ل ّّ لا ختَ فيو ، ولررـٌ لا فرؽ بينو وبتُ قطّاع الطرؽ . قاؿ زيد : فلما كاف قبل لزل الأجل بيومتُ أو ثلبثة ، خرج رسوؿ الله ػ صلى الله عليو وسلم ػ بُ جنازة رجل من الأنصار ، ومعو أبو بكر ، وعمرُ ، وعثمافُ ، بُ نفر من أصحابو ، فلما صلى على الجنازة أتيتُو ، فأخذت تٔجامع ثوبو ونظرتُ إليو متصنّْعاً الغلظة والجفاء ، بٍ قلت : ألا تقيي يا لزمد حقّْي ، ىا قد مرَّ الأجل ولم تلتزـ بوعدؾ فيو ؟ فوالله ما علمتكم ػ يا بتٍ عبدالدطلب ػ لسيّاي القياء ، مُطػْلبً ، ورأيتو وقد أثرت جبذة الرداء بُ عنقو ، ولم ينبس حتى ذاؾ الوقت ببنت شفة . فتحرَّؾ عمرُ وعيناه تدوراف من الغيظ ووجهو لزمرّّ من الغيب واستَلَّ سيفو قائلبً : أيْ عدوَّ الله أتقوؿ ذلك لرسوؿ الله ػ صلى الله عليو وسلم ػ ؟ خلّْ عنو ، فوالذي بعثو بالحقّْ لولا العهدُ الذي بيننا وبينكم - معشر يهود - ليربتُ بسيفي رأسك . ورسوؿ الله ػ صلى الله عليو وسلم ػ ينظر إلى عمر بسكوف وتبسُّم فقد كاف عمر بلسماً لجراحات الدسلمتُ مدافعاً عنهم خادماً لذم ، أفلب يكوف كذلك لسيده وسيدىم تٚيعاً لزمد رسوؿ الله ػ صلى الله عليو وسلم ػ !
عدد الصفحات ٨٠