المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

في رياض المصطفى صلى الله عليه وسلم

د .عثمان قدري مكانسي

صفحة ٦ من ٧

- 81 - قاؿ رسوؿ الله ػ صلى الله عليو وسلم ػ معلماً عمرَ ومعلماً إياي ومَنْ كاف حاضراً : (( يا عمر أنا وىو إلى غتَ ىذا منك أحوج . أف تأمره تْسن الاقتياء ، وتأمرني تْسن القياء ، اذىب يا عمر إلى بيت ماؿ الدسلمتُ ، بزيد بن سعنة فاقيو حقو ، وزده عشرين صاعاً مكاف ما روّعْتَو وأفزعتو . ما ىذا الخلق العظيم والحلم الواسع والذدوء الرائع ؟! والله ما يكوف ىذا إلا لنبي ، وإف لزمداً لذو رسوؿ الله حقاً وصدقاً ، وانطلق بي عمر ليعطيتٍ حقي وىو واجد عليَّ ، لكنّو لا لؽلك إلا التزاـ أمر رسوؿ الله ػ صلى الله عليو وسلم ػ ، فلما وصلنا قاؿ لي : ىذا حقك يا رجل ، فخذه ، لا بارؾ الله لك فيو . قلت : (( بل إنو سبحانو بارؾ لي فيو . أتدري يا عمر ؟ )) . فنظر إليَّ دىشاً وقاؿ : وكيف ذلك يا يهوديَّ ؟ قلت : يا عمر ، كل علبمات النبوّة قد عرفتُها بُ وجو النبي ػ صلى الله عليو وسلم ػ ، إلا اثنتتُ لم أخبرلعا : يسبق حلمو جهلو ، ولا تزيده شدّة الجهل عليو عليو إلا حلماً ، فقد اختبرتو ّٔما ، فاشهد يا عمر أني قد رضيتُ بالله ر باً وبالإسلبـ ديناً ، وتٔحمد ػ صلى الله عليو وسلم ػ نبياً ، وإني أشهدؾ يا عمر أف ىذا التمرَ وشطرَ مالي ( نصفو ) إلى فقراء الدسلمتُ . واعتنق عمر زيد بن سعنة أخاه بُ الإسلبـ واعتنق زيدٌ أخاه عمر بُ الإسلبـ . وأسلم أىل بيتو إلا شيخاً كبتَاً غلبت عليو الشقوة . اللهم صلّ على حبيبك رسوؿ الله واحشرنا بُ زمرتو الدباركة ، وشفػّعْو فينا ... يا أكرـ الأكرمتُ ..   

عدد الصفحات ٨١

- 82 - أمهات المؤمنين كانت بنو النيتَ من الددينة على ميلتُ ػ ثلبثة كيلو متًات ػ فلما نقيوا عهدىم وتآمروا على رسوؿ الله ػ صلى الله عليو وسلم ػ ، فأرادوا قتلو غيلةً ، وخططوا لذلك فيحهم الله تعالى ، وأمر رسولو الكريم ػ صلى الله عليو وسلم ػ فزحف تّيشو إليهم ، فلما علموا بقدومو دخلو ا حصونهم لػتموف ّٔا ، فلما ألقى الله تعالى الرعب بُ قلؤّم ػ فقد نصر رسولو الكريم بالرعب مستَة شهر ، فماذا تقوؿ بُ ميلتُ ػ نزلوا على حكمو ػ صلى الله عليو وسلم ػ ، فأجلبىم ولم يسمح لذم أف لػملوا معهم إلا ما يستطيعوف من زاد ، وثياب ، وآنية . فالدسلموف – إذاً - لم يقاتلوا ، ولا ركبوا إلى بتٍ النيتَ طريقاً شاقاً ، ولم يبذلوا ذلك الجهد الديتٍ ، افتتحها رسوؿ الله ػ صلى الله عليو وسلم ػ وأجلبىم عنها وأخذ أموالذم ، فجعلها الله تعالى لرسولو ػ صلى الله عليو وسلم ػ خاصة ، ييعها حيث يشاء ، ولو ػ صلى الله عليو وسلم ػ أف يصرفها على نفسو وعلى مصالح الدسلمتُ ولأقرباء الرسوؿ ػ صلى الله عليو وسلم ػ ولليتامى والدساكتُ والغريب الدنقطع . قاؿ تعالى بُ سورة الحشر الآية ٚ : (( مَّا أَفَاء اللَّوُ عَلَى رَسُولِوِ مِنْ أَىْلِ الْقُرَى فَلِلَّوِ وَلِلرَّسُوؿِ وَلِذِي الْقُرْبىَ وَا لْيَتَامَى وَالْمَسَاكِتُِ وَابْنِ السَّبِيلِ )) . . . وتنطبق ىذه الآية كذلك على يهود بتٍ قريظة . وظن أزواجو حتُ قرأف ىذه الآية أف الله تعالى اختصو بنفائس يهود وذخائرىم ، وكنَّ تسع نسوة ، فقلن : يا رسوؿ الله ؛ بناتُ كسرى وقيصر بُ الحليّ والحلل والإماء ، وا لخدـ والحشم ، ولضن على ما تراه من الفاقة ، والييق ، وقلػّة ذات اليد .

عدد الصفحات ٨٢

- 83 - وآلَمْنَ قلبو تٔطالبتهن إياه بتوسعة الحاؿ ، وأف يعاملهن تٔا تعامل بو الدلوؾ وأبناء الدنيا وأزواجهم . . ولم يكن رسوؿ الله ػ صلى الله عليو وسلم ػ يفكر بنفسو أبداً ، كما لم يفكر بأىلو ، ولم لؼطر على بالو أف يوزع ىذا الداؿ على نسائو ليعشن بُ أّّٔة ، وسعةٍ ، ورغد ، إنو لا يريد لنفسو ولا لذنّ أف يعيشوا كما يعيش ذوو الجاه والسلطاف . إف الداؿ يُطغي ، ولغعل صاحبو يتًفّع . (كَلبَّ إِفَّ الإِْنسَافَ لَيَطْغَى ( ٙ ) أَف رَّآهُ اسْتػَغْتٌَ ( ٚ ) ) . إنو ػ صلى الله عليو وسلم ػ يريد لآلو أف يعيشوا كفافاً لا لذم ، ولا عليهم وكثتَاً ما دعا : (( اللهم أحيتٍ مسكيناً ، وأمتتٍ مسكيناً ، واحشرني بُ زمرة الدساكتُ )) . وإذا كانت نساؤه يتطلّعن إلى مسَرّات الدنيا ويسعَتُْ إليها ، فلهُنَّ ذلك ، شرط أف يفارقنو . إنّو الداعية الأوّؿ ، والداؿ ورغد العيش يثتٍ الداعية عن دعوتو ويشدّه إلى أثقاؿ الدنيا وملذَّاتِا . فأنزؿ الله تعالى عليو : (يَا أَيػُّهَا النَّبيُِّ قُل لأَّْزْوَاجِكَ إِف كُنتنَُّ تُرِدْفَ الحَْيَاةَ الدُّنػْيَا وَزِينَتػَهَا فػَتػَعَالَتَُْ أُمَتػّْعْكُنَّ وَأُسَرّْ حْكُنَّ سَرَاحًا تَِٚيلبً ( ٕٛ ) وَإِف كُنتنَُّ تُرِدْفَ اللَّوَ وَرَسُولَوُ وَالدَّارَ الآْخِرَةَ فَإِفَّ اللَّوَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ( ٜٕ ) ) [سورة الأحزاب الآيتاف ٕٛػ ٜٕ ]. فبدأ رسوؿ الله ػ صلى الله عليو وسلم ػ بقراء ة ىاتتُ الآيتتُ على نسائو ، وبدأ بعائشة رضي الله عنها ، ولدا كانت رضي الله عنها أثتَة لديو صغتَة السنّْ ، وقد تتطلّعُ إلى الحياة الدنيا ، ولأنها الدرأة الوحيدة التي تزوجها بكراً ، وأبوىا رضواف الله عليو ، أقرب أصحابو إلى نفسو قاؿ لذا : (( إني ذاكر لك أمراً ما أحب أف تعجلي فيو حتى تستأمري أبويك )) .

عدد الصفحات ٨٣

- 84 - فقالت : ما ىو يا رسوؿ الله ؟ فتلب عليها الآيتتُ الكرلؽتتُ ، ونظر إليها يقرأ ما بُ نفسها . فقالت : يا رسوؿ الله ، أيها الزوج العظيم ، أفيكَ أستأمر أبويَّ ؟! أتتخلّى الدرأة من أجل حطاـ الدنيا الفانية عن أشرؼ رسوؿ وأكرـ رجل ؟! . قاؿ: (( بوركت أيتها الصديقة ، يا بنت الصدّيق )) . قالت: يا رسوؿ الله إنها الدنيا الفانية من جهة ، ويقابلها بُ الجهة الثانية الله تعالى خالق الكوف ومدّبره وسيده سبحانو والدار الباقية ذات النعيم الأبدي الخالد . ورسولو الكريم أحب الناس إلى قلبي. فتبسَّم رسوؿ الله ػ صلى الله عليو وسلم ػ وضمَّها إليو . بٍ انطلق إلى زوجاتو الأخريات الكرلؽات فقلن ما قالتو عائشة ، فشكر لذنّ إلؽانهنّ وأكرمهن فأطلق عليهن (( أمهات الدؤمنتُ )) . إفَّ بعض مَنْ يتلفػّعن بعباءة الدعوة من النساء الآف تراىُنّ لا لػيرْف لقاءً بالثياب التي كانت عليهن بُ اللقاء الداضي .. فإذا نبػَّهْتػَ هُنَّ إلى ذلك قلن : ىذا أدعى إلى الاحتًاـ !!! وقلن : لصاري النساء حتى ندخل إلى قلؤّنّ !!! وقلن : إف الله لػب أف يرى أثر نعمتو على أمَتِو !!! وقلن ، وقلنَ ، وحسبنا الله ونعم الوكيل . ولا حوؿ ولا قوة إلا بالله .   

عدد الصفحات ٨٤

- 85 - عزيز عليو ما عنتّم ت٘ت بيعة العقبة الثانية بُ السنة الثالثة عشرة للبعثة : وكاف من بنودىا أف يهاجر الدسلموف من مكة إلى إخوانهم بُ يثرب ، فموطن الإتساف الحقيقي وداره التي لغب أف يسعى إليها ، ويعيش فيها ، ذلك الدكاف الذي يتعبّد فيو تْريّة ، ويقيم فيو شعائره دوف أف يكوف عليو رقي ب ، ولػسُّ فيو بشخصيتو ، ويصنع فيو مع إخوانو بُ العقيدة لرتمعاً مسلماً . . إنها الددينة الدنوَّرة إذاً . . وأمر الرسوؿ الكريم ػ صلى الله عليو وسلم ػ الدسلمتُ أف يهاجروا إليها ، والذجرة ليست أمراً سهلبً ، فهي إىدار للتجارة وتيحية بالدصالح الدادية ، يتًؾ الإنساف متجره ، وأرضو الزراعية ، ومصنعو ، وبيتو الذي تعب بُ إنشائو ، وقد يدع أىلو وأولاده ومَنْ لػب لينجو بنفسو ودينو . . ولا مفرَّ من التيحية وإف كانت فادحة الثمن ليكسب ما ىو أتٙن وأغلى وأدوَـُ . . . وبدأ الدسلموف يهاجروف . . كلّّ بطريقتو ، وبدأ الدشركوف يتعقَّبونهم ولؽنعونهم لشعورىم أفَّ مَنْ يتًؾ كلَّ شيء لا بدَّ أف يكوف بُ نفسو قوياً ، وسيعود ليهددىم بُ عقر دارىم ، ويستعيد حقّو ، ويقيي عليهم . وكاف ىناؾ لظاذج من الدنع . ٔ ػ لدا أراد صهيب رضي الله عنو الذجرة جعل مالو بُ مكاف آمن بٍ انطلق لضو الددينة، فأحسَّ بو الدشركوف ، فقد كاف حانوتو ػ مصنع الحدِادَةِ للسيوؼ وأسّنةِ الرماح ػ مغلقاً . . وطاردوه تٓيولذم حتى صاروا على مقربةٍ منو ، فشعر ّٔم وأسرعَ إلى تلٍّ قريب يشرؼ عليهم وانتيى أحد سهامو ووضعو بُ قوسو وسدَّد لضوىم ، فلما عرفوا فيو صدؽ ما انتواه قالوا : ما أنتَ فاعل يا صهيب ؟

عدد الصفحات ٨٥

- 86 - قاؿ : ولأيّْ شيء تبعتموني يا أعداء الله ؟ قالوا وقد كشروا عن نواياىم الخبيثة : أتيتنا صعلوكاً حقتَاً فكثر مالك عندنا ، وبلغتَ الذي بلغتَ ، بٍ تريد أف تٗرج تٔالك ونفسك ؟ قاؿ لذم : تعلموف أنتٍ والله أشدكم إصابة للهدؼ ، وأف سهمي لا لؼيب ولن تصلوا إليَّ حتى تفرغ سهامي وأقتل بكل سهم رجلبً . قالوا : ىات مالك نػَعُدْ أدراجنا . قاؿ : لا أتٛل منو شيااً وقد تركتو بُ لسبأ بُ مكة . قالوا : دلّنا عليو إذاً . . قاؿ : ىو بُ مكاف كذا وكذا وأنتم تعلموف صدقي . فانطلقوا إلى ذلك الدكاف الذي حدَّدَه بٍ توقف أحدىم ، فقاؿ ألا يكوف كاذباً بُ قولو لنا آنفاً ؟ قالوا لو : لضن نعرؼ أصحاب لزمد لا يكذبوف . . فقد رأوا الداؿ بُ الدكاف لذي حدّدَه . وحتُ وصل إلى الددينة الدنوّرة استقبلو رسوؿ الله ػ صلى الله عليو وسلم ػ باشّاً ، فرحاً بقدومو قائلبً لو : (( ربح البيع أبا لػتِ ، ربح البيع أبا لػتِ )) . ٕ ػ كاف أبو سلمة رضي الله عنو أوّؿ الدهاجرين ػ قبل العقبة الكبرى بسنة ػ وخرج بزوجتو أـ سلمة وابنو سلمة ، فلما أتٚع الخروج قاؿ لو أصهار ه : لا نستطيع أف نغلبك على نفسك ، أما زوجتك فهي ابنتنا ، فعلبـ نتًكك تستَ ّٔا بُ البلبد ، لا والله لا تأخذىا، فانتزعوىا منو ومعها ابنها . غيب آؿ أبي سلمة حتُ رأوا أىل زوجتو قد منعوىا أف تسافر معو فقالوا : ىذه

عدد الصفحات ٨٦

- 87 - ابنتكم حبستموىا ، فعلبـ نتًؾ سلمة معها ؟ والله لا نتًؾ ابننا معها ، وتٕاذبوا الغلبـ بينهم فخلعوا يده ، وذىبوا بو . وانطلق أبو سلمة وحده إلى الددينة ، وكانت أـ سلمة بعد ذىاب زوجها ، وضياع ابنها ، تٗرج كل صباح إلى خارج الدنازؿ تبكي على تشتت أسرتِا حتى ت٘سي . . وميى على ذلك سنةٌ ، فرَؽَّ لذا أحد ذويها ، وقاؿ : ألا تٗرجوف ىذه الدسكينة ؟!! فرَّقتم بينها وبتُ زوجها وابنها ، فرَقّوا لذا وقالوا لذا : الحقي بزوجك إف شات ، فاستًجعت ابنها من عصبتو ، وخرجت تريد الددينة وليس معها أحدٌ مِنْ خلق الله . . والددينة تبعد عن مكة ثلبث ماة ميل ، ولكنْ ما تقوؿ بُ قسوة القلوب ، وجفاء الطبع ؟!! حتى إذا كانت بالتنعيم ػ خارج مكة صوب الددينة ػ لقيها عثماف بن طلحة بن أبي طلحة قاؿ لذا : ىل أفرج عنك يا أـَّ سلمة ؟ وكاف يعرؼ حالذا ، قالت : نعم . . قاؿ : أزمعت اللحاؽ بزوجك ؟ قالت : نعم فلم تطب نفسو أف يتًكها تستَ وحدىا لا معتُ لذا ، فشيعها إلى الددينة ػ وىو صاحب لطوة ومروءة ػ فلما نظر إلى قباء قاؿ : زوجك بُ ىذه القرية بٍ انصرؼ راجعاً إلى مكة . ٕ ػ تواعد عمر بن الخطاب رضي الله عنو وعياش بن أبي ربيعة الدخزومي وىشاـ بن العاص بن وائل موضعاً يصبحوف عنده ، بٍ يهاجروف إلى الددينة الدنوّرة ، إلا أف ىشاـ بن العاص حبسو أىلو حتُ علموا بعزمو مغادرة مكة فهاجر عمر وعياش وحدلعا ، ولدا قدما الددينة نزلا بقُباء . . ولم ت٘ض مدة حتى قدـ إلى قباء أبو جهل وأخوه الحارث يريداف عيّاشاً ػ وأـ الثلبثة واحدةٌ ػ فقالا لو : إف أمك نذرت أف لا لؽس رأسها مشط ، ولا تستظل بشمس حتى تراؾ ، وكاف باراً بأمو ، لزباً لذا ، فرؽَّ قلبو ، وأزمع السفر إلى مكة ، فقاؿ لو عمر : يا عياش ؛ والله ، إف القوـ يريدوف أف يفتنوؾ عن دينك ، ولػبسوؾ ، ويعذبوؾ ،

عدد الصفحات ٨٧

- 88 - فاحذرىم ، فوالله لو كثر القمل بُ رأس أمك لامتشَطَتْ ، ولو قد اشتد عليها حرُّ مكة لاستظلت ، وما ىذاف إلا كاذباف مدّعياف . فأبى عياش إلا الخروج معهما ليَبػَرَّ قَسَمَ أمو فقاؿ لو عمر : إذا أبيت نصيحتي وقررت الخروج معهما ، فخذ ناقتي ىذه ، فإنها ناقةٌ أصيلة ذلوؿ ، فالزـ ظهرىا ، وراقبهما ، فإف رأيت بُ القوـ ريبة فانج عليها . فخرج عليها معهما ، حتى إذا كانوا بُ بعض الطريق ، يليناف لو القوؿَ ويبتسماف بُ وجهو ، قاؿ أبو جهل : والله يا أخي ؛ إفَّ بعتَي ىذا غليظ ىجتُ ، أفلب تردفتٍ على ناقتك ىذه ؟ قاؿ عياش : بلى ، فأناخ ناقتو ، وأناخا ليتحوؿ أبو جهل عليها ، فلما استووا بالأرض عَدَوَا عليو ، وأوثقاه ، وربطاه ، وظل ىكذا على حالتو ىذه حتى وصلوا إلى مكة فدخلوىا نهاراً لتَاه الجميع مكبلبً ، فلب لغرؤ أحد على الذجرة ، ولسالفة الدشركتُ ، وقالا : يا أىل مكة ىكذا فافعلوا بسفهائكم كما فعلنا بسفيهنا ىذا !! وبقي عياش بُ قيد الكفار حتى إذا ىاجر رسوؿ الله ػ صلى الله علي وسلم ػ قاؿ يوماً : (( مَن لي بعيّاش وىشاـ ؟! فقد طاؿ أسرلعا وأرجو الله أف يفرّجَ عنهما . . فهما لزبوساف بُ بيت لا سقف لو إمعاناً بُ التعذيب ، تلفحهما الشمس بُ النهار ، ويؤذيهما البرد بُ الليل ، وتٖمل إليهما طعامهما امرأة )) . قاؿ الوليد بن الوليد : أنا لك يا رسوؿ الله ّٔما . قاؿ الرسوؿ ػ صلى الله عليو وسلم ػ : (( سِرْ على بركة الله )) . فقدـ ال وليد مكة مستخفياً ، ولقي الدرأة تٖمل طعامهما ، فتبعها حتى عرؼ مو ضعهما ، فلما أمسى تسوَّر الجدار، وقطع قيدلعا، وتٛلهما على بعتَه حتى قدـ الددينة. ولا تسل ع ن فرحة رسوؿ الله ػ صلى الله علي و وسلم ػ والدسلمتُ ّٔم تٚيعاً .   

عدد الصفحات ٨٨

- 89 - عين تبوك قاؿ الصحابة رضواف الله عليهم : يا رسوؿ الله قلَّ الداءُ ، فما نكاد لصد ماءً . قالوا ذلك وىم منطلقوف إلى غزوة تبوؾ . قاؿ : (( تشربوف إف شاء الله تعالى )) . فما إف ساروا ساعات حتى قاؿ لذم رسوؿ الله ػ صلى الله عليو وسلم ػ : (( إنكم ستأتوف غداً إف شاء الله تعالى عتُ تبوؾ ، وإنكم لن تأتوىا حتى يُيحي النهارُ ، فمن جاءىا فلب لؽسَّنَّ من مائها حتى آبٌ )) . وانطلق الجيش يغذُّ السبر ليلو حتى أصبح ، فقاموا يتيمموف لصلبة الفجر ، فلما أدّوىا تابعوا الدستَ حتى وصلوا عتُ الداء فوجودىا لا ماء فيها سوى رشح ضايل لا يكفي أحداً . سأؿ رسوؿ الله أصحابو : (( ىل مسّها أحدٌ ؟ )) قالوا : يا رسوؿ الله سبقنا إليها فلبف وفلبف وكانا منافقتُ فلم يأّٔا لأمر رسوؿ الله ػ صلى الله عليو وسلم ػ حتُ نهى عن مسّْها وشربا منها ، فلعن رسوؿ الله ػ صلى الله عليو وسلم ػ الدنافقتُ بٍ قاؿ : (( ألم أنهكم أف ت٘سّوىا ؟! فسكتا وعيونهما تنبئ عن غيب دفتُ ، بٍ نزؿ إلى العتُ ووضع يده تٖت الوشػَل (( الطتُ الدبلوؿ )) فجعل يصب بُ يده ما شاء الله أف يصبَّ حتى اجتمع لو قليل من الداء ، توضأ منو بٍ نيحو بُ العتُ ، ودعا تٔا شاء الله أف يدعو بو . . ولم ت٘ض ىنيهة حتى كبر الدسلموف وىللوا ، وصلوا على نبيهم الكريم ذي الفيل العظيم ، فقد رأوا بأعينهم وسمعوا بآذانهم . . فماذا رأوا وماذا سمعوا ؟!! . لقد تفجّر الداء من الصخر انفجاراً فملؤ النبع واندفع بقوّة بُ لرراه ، يتسع ويتّسع ،

عدد الصفحات ٨٩

- 91 - وسمعوا لانفلبؽ الصخر صوتاً كحسّْ الصواعق ، وانفلق مُؤذناً للماء الحبيس أف ينطلق . . فشرب الناس ، واستقوا حاجتهم منو ، وملؤوا أوعيتهم وسقوا دوأّّم . قاؿ رسوؿ الله ػ صلى الله عليو وسلم ػ : (( لان بقيتُم ، أو بقي منكم ليسمعن ّٔذا الوادي وىو أخصب ما بتُ يديو وما خلفو )) . وتبوؾ الآف واحة رائعة الاخ يرار كثتَة الداء ، واسعة الانتشار . . اللهم صلّْ على الدبارؾ لزمد ، واحشرنا معو بُ زمرة عبادؾ الصالحتُ اللهم آمتُ . ىػذا النػػبػي وعػيػن الله تػكػلػؤه قد فجَّر الأرض بالأمواه تندفع يػسقي العػطػاش بإذف الله خالقِنا وكم بفيل رسوؿ الله نػنػتػفػع وىا ىي الداء حتى الآف جارية وبُ تبوؾ غراس الختَ تػتسع قػد أكػرـ الله بالػمػخػتػار أمػتػو على ىداه إذا سرنا سنرتفػع ( ٔ)   

عدد الصفحات ٩٠

- 91 - مزاحو ـ صلى الله عليو وسلم ـ روى أنس بن مالك قاؿ : ٔ ػ إفْ كاف النبيُّ ػ صلى الله عليو وسلم ػ ليخالطنا ػ أي : يلبطفنا ولؽازحنا ػ حتى يقوؿ لأخٍ لي (( يا أبا عُمتَ ، ما فػَعَلَ النػُّغَتَ ؟ )) . وكاف للصغتَ طتٌَ يلعب بو ، فمات ، فحزف عليو . ٕ ػ وكاف ػ صلى الله عليو وسلم ػ لؽازح نساءه ، فهذه عائشة رضي الله عنها كاف رأسها يؤلدها ، فقالت : وارأساه ، فأراد الرسوؿ اللطيف أ ف لؽازحها فقاؿ : (( يا عائشة لو أنّك متّْ لساعتك ، وأنا حيَّ لاستغفرتُ لك ، وكفػّنتػُكِ وصليتُ عليك ، وىذا ختَ من أفْ ت٘وبٌ بعدي ، ولن تٕدي مثلي مَنْ يفعل ذلك )) . فنادت : واثكلياه . . أتريد أف أموت يا رسوؿ الله لتتخلّ متٍ ؟! أنتم ىكذا يا معشر الرجاؿ ، تر يدوف أف ت٘وت نساؤكم لِتػَرَوْا غتَىُنَّ ، ولو أني متُّ لدا اىتممتَ بي ، ، ولأتيتَ إلى بعض نسائك بُ بيوتِن تلبعبهن وتداعبهن وأنا ما أزاؿ مسجّاةً على فراش الدوت . ٖ ػ وجاء رجل إلى النبي ػ صلى الله عليو وسلم ػ يسألو أف يهبو دابّة يبلغ ّٔا أىلو فقاؿ لو النبي ػ صلى الله عليو وسلم ػ : (( إني حاملك على ولد الناقة )) . قاؿ : يا رسوؿ الله ، ما أصنع بولد الناقة ؟ وظنَّ أنو يعطيو ولد الناقة الصغتَ، ونسي أف الناقة تلد الحُوارَ فيكبر حتى يصتَ تٚلبً . قاؿ ػ صلى الله عليو وسلم ػ : (( وىل يلدُ الإبلَ إلا النوؽُ ؟! )) .

عدد الصفحات ٩١

- 92 - ٗ ػ وجاءت امرأة فسألتو السؤاؿ نفسو قائلة : (( يا رسوؿ الله اتٛلتٍ على بعتَ )) . قاؿ لدن عنده : (( اتٛلها على ابن بعتَ )) . قالت : ما أصنع بو ؟ وما لػملتٍ يا رسوؿ الله ! قاؿ عليو الصلبة والسلبـ : (( وىل لغيء بعتٌَ إلا ابنَ بعتَ )) . ٘ ػ وجاءت امرأة إلى الرسوؿ الكريم ػ صلى الله عليو وسلم ػ فقالت : إف زوجي يدعوؾ . . فقاؿ ػ صلى الله عليو وسلم ػ : (( مَنْ ىو ؟ أىو الذي بعينيو بياض ؟ )) . فقالت : ما بعينيو بياض ! تقصد أنّو يرى جيداً وعيناه سليمتاف . فقاؿ ػ صلى الله عليو وسلم ػ : (( بل بعينو بياض )) . . قالت : لا والله . . وضحك رسوؿ الله ػ صلى الله عليو وسلم ػ وقاؿ : (( ما من أحد إلا بعينيو بياض . وىو الذي لػيط بالحدقة )) . ٙ ػ حتى إف أصحابو رضواف الله عليهم لؽازحونو ػ صلى الله عليو وسلم ػ فقد جاء عوؼ بن مالك الأشجعي إلى خيمة رسوؿ الله ػ صلى الله عليو وسلم ػ بُ غز وة تبوؾ ، وكانت من جلدٍ صغتَةً لا تتسع إلا للقليل ، فسلّم عليو فردّ السلبـ على عوؼ وقاؿ : (( ادخل يا عوؼ )) . . فقاؿ عوؼ : أكػُلػّي أدخل يا رسوؿ الله ؟ موحياً بصغر الخيمة ، قاؿ ػ صلى الله عليو وسلم ػ مبتسماً : (( كػُلػّك )) فدخل .

عدد الصفحات ٩٢

- 93 - الخوض مع الخائضين رأيتو بُ رىط من الفسقة يسخروف بالدسلمتُ ، وينعتونهم بالجهل والعودة إلى عصر الالضطاط والذمجيّة !! ويلمزوف الذين لػَُجّبُوف نساءىم فلب لغلس الرجاؿ إلى النساء ، ولؽنعوف أنفسهم من تعاطي الخمور !! ولػفظوف ألسنتهم عن الغيبة والنميمة والقذؼ والشتائم ، وأبصارَىم أف تقع فيها سهاـ إبليس . قلتُ لو : يا ىذا ألست تصلّي ؟ قاؿ : بلى . ألستَ تٗالفهم بُ فجورىم ؟ قاؿ : بلى . أما ترى الجلوس معهم يفتن النفس ، ويوقع بُ مستنقع الإبٍ وبار الفاحشات ؟ قاؿ : لي معهم مصالح أقييها ، وأنا لا أتأثرُ ّٔم . قلت : ولكن النقطة إلى النقطة ماء يتنامى ، والنكتة إلى النكتة حفرة تتسع ، ومن اعتاد على شيء وقع فيو ، بٍ أدمنو . قاؿ : أعرؼ نفسي ، فأنا لا أشاركهم بُ خوضهم . قلت : ولا تناقشهم كذلك ، ولا تقف أمامهم منبّهاً ومذكراً ؟! قاؿ : لست داعياً مثلك ، أنا من عامة الناس !! قلت : ألا تراؾَ لسطااً فيما أنت فيو ، منحدراً إلى ىاوية قد تتًدّى فيها ، ولا حتُ مندـ ؟! وتذكرت قوؿ الله ت عالى بُ سورة الأنعاـ الآية ٛٙ : ( وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ لؼَُوضُوفَ بُِ آيَاتِ نَا فَأَعْرِضْ عَنػْهُمْ حَتىَّ لؼَُوضُوا بُِ حَدِيثٍ غَتَِْهِ وَإِمَّا يُنسِيػَنَّكَ الشَّيْطَافُ فَ لب تػَقْعُدْ بػَعْدَ الذّْكْرَى مَعَ الْقَوْـِ الظَّالِمِتَُ (ٛٙ) )

عدد الصفحات ٩٣

- 94 - كاف أصحاب رسوؿ الله ػ صلى الله عليو وسلم ػ لؼالطوف ىؤلاء الدنافقتُ والدشرك واليهود ولا يسمحوف لأحد منهم أف يفسد بُ آّلس كلبماً كاف أـ عملبً ، وإذا بدر من أولاك ما يسيء أوصل ىذا إلى رسوؿ الله ػ صلى الله عليو وسلم ػ ، ولم يأؿُ أف يهدد ويتوعّد ، فالإخلبص للعقيدة أىم من صحبة أعدائها . كاف عمتَ بن سعيد ربيباً لجُلبس بن سويد بن الصامد ، وكاف لػبّو لأنّو رباه وكاف لو أباً بعد أبيو . سمع عمتَ ىذا من زوج أمو كلمةً نابيةً قالذا بُ النبي ػ صلى الله عليو وسلم ػ فقاؿ : والله يا جُلبس ، إنك لأحب الناس إليَّ وأكرمهم عندي فيلبً ، ولا أريد أف يصيبك مكروه أبداً ، ولكنك قلتَ مقالة لان أوصلتُها لأفيحنَّك ولان سكتُّ عنه ا ليهلكنَّ ديتٍ، والدين أغلى عليَّ وأكرـ . . بٍ مشى إلى رسوؿ الله ػ صلى الله عليو وسلم ػ فذكر لو ما قالو جُلبس . وجاء الجلبس يستغفر الله تعالى ويعتذر إلى الرسوؿ صلى الله عليو وسلم ، ويبكي أسفاً وندماً . وكانت توبتو صادقة ، وحَسُن إسلبمو بعد ذلك . واجتمع الدنافقوف يوماً بُ الدسجد يتناجوف بالإبٍ لا يوفّْروف ىذا الدين العظيم ولا حاملو ػ صلى الله عليو وسلم ػ ولا الدؤمنتُ . وسمعهم النبي ػ صلى الله عليو وسلم ػ فأمر بطردىم من الدسجد ، فأخرجهم الصحابة إخراجاً عنيفاً . ىذا أبو أيوب الأنصاري الدسلم الجليل الشأف ضائف رسوؿ الله ػ صلى الله عليو وسلم ػ من بتٍ النجار يشدُّ ابن عمو سادف آلذتهم بُ الجاىلية من رجلو فيسحبو من الدسجد ويرميو خارجاً ، بٍ يقبل إلى قريبو رافع بن وديعة ، فيمسك بتلببيبو وينتًُه نتًاً شديداً ويلطم وجهو بٍ لؼرجو من الدسجد .

عدد الصفحات ٩٤

- 95 - قاؿ لزمد بن علي رضي الله عنهما : لا تٕالسوا أىل الخصومات ، فإنهم الذين لؼوضوف بُ آيات الله . قاؿ ابن العربي : ىذا دليل على أف لرالسة أىل الكبائر لا تِٖلُّ . وقاؿ أحدىم : مَنْ خاض بُ آيات الله تُرِكَتْ لرالستُو ، وىُجِرَ مؤمناً كاف أو كافراً . ومنع الجمهور ػ إلا لسبب ػ الدخوؿ إلى أرض العدو ، ولرالسة الكفار وأىل البِدَع . وقاؿ فاسق لأبي عمراف النخعي : اسمع متٍ كلمة يا أبا عمراف . قاؿ أبو عمراف منتفياً : ولا نصف كلمة . وقاؿ الفُييل بن عياض : من أحبَّ صاحب بدعة أحبط الله عملو وأخرجَ نور الإسلبـ من قلبو ، ومَنْ زوّج ك رلؽتو من مبتدع فقد قطع رتٛها ، ومَنْ جلس مع صاحب بدعة لم يؤتَ الحكمة ، وإذا علم الله عزَّ وجلَّ من رجل أنو مُبغض لصاحب بدعة رجوتُ أف يغفر الله لو . وقاؿ : (( مَنْ وقػَّرَ صاحبَ بدعةٍ فقد أعاف على ىدـ الإسلبـ )) . وأقوؿ راجياً عفو ربي ومغفرتو : ليس بُ قلبي سوى الػ إيػمػاف بػالله الػعػظػيػػمْ فهو ربي ، وىو حسبي وىْوَ بػي البػرُّ الرحيمْ لا أوالػي فػػي حػيػاتػي غػيػر مػولاي الكريػم لا أجػاري الػفػاجػر الػ زنديق بُ سوء الكلبـ لا أوالػي غػيػر دين الػ مصطفى خػيػر الأنػاـ فهو حِبيّ ، نورُ عينػي ولػػػو منػي السػػػػلبـ   

عدد الصفحات ٩٥

- 96 -

عدد الصفحات ٩٦