المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أثر القراءات القرآنية في إنتاج تعدد الدلالات دراسة وموازنة

جمال جلول دواجي

صفحة ٩ من ١١

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 115 *الأنموذج العاشر* قال الله تعالى: "    "(4) تشير الآية الكريمة إلى مشهد من مشاهد الإنكار و التكذيب التي كانت قريش تواجه بها رسالة الإسلام ،فبعد إن قصّ عليهم حادثة الإسراء و المعراج استخفوا به و استهزءوا بقوله رغم ما جاءهم به من دلائل و براهين . وتعدّ دت القراءة في قوله تعالى (أفتمر ونه) ،فقرأ حمزة و الكسائي (أَفـَتَمءر ونَه) ،و قرأ الباقون (أفـت مارونه). و بالعودة إلى معاجم اللغة العربية نجد أنّ جذر القراءة الأولى من الثلاثي (مرا) :مريته حقّه ،أي جحدته إيّ اه. (2 ) و هذا الأمر كان معروف اً لدى كفار قريش ،فدرجة إنكارهم لما جاء به محمد صلى اه عليه و سلم جعلتهم لا يكذّبون فقط ما يقول لهم بل انتقلوا على أمر أعظم من هذا و هو تكذيبهم له فيم يرى ،و تكذيب الإنسان في حاسة من حواسه دليل على أنّك تجحده حقّه في كلّ شيء،و قد عدّ ي الفعل (بعلى) ما حمّله معنيين :معنى الجحود و التكذيب ،و معنى المغالبة يقول الطاهر بن عاشور:"تعدّية الفعل بحرف الاستعلاء لتضمنه معنى الغلبة :أي هبء ك م غالبتموها على عبادتكم الآلهة،وعلى الإعراض عن سماع القرآن وغير ذلك ، أتغلبونه على ما رأى ببصره ." (3) أمّا القراءة الثانية(أفت مارونه) فجاءت على منوال سابقتها و لكن بمعنى تكميلي و تصوير لمشهد حيّ ،وهي من :ماراه يماريه مماراة ،أي جادله وحاججه .(1) و يقال للمناظرة (مماراة)،لأنّ كلّ واحد (يمْ تري) الآخر لاستخراج ما عنده لذلك يقال : مَ ري الناقة،أي استخراج ما في ضرعها من لبن . و إذا كان الأمر كذلك فإنّ القراءة أضافت لوناً آخر من ألوان الجحود الذّي واجهت به قريش محمد صلى اه عليه وسلم ،فهم لم يكذّبوه فقط بل راحوا يجادلونه جدالاً واسعاً من خلال التساؤلات التي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ - (4 )الآية(42)،سورة النجم . - (2) لسان العرب ، مادة (مرا )،ج47/ص273. - (3 )الإعجاز البياني في ضوء القراءات القرآنية،أحمد بن محمد الخراط،ص 411. - (1)ينظر:الدرّ المصون ،ج46/ص13.

عدد الصفحات ١٢٨

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 116 تحمل في طياتها التكذيب ومحاولةطمس الحقائق . إذاً فالقراءتين متكاملتين تكاملاً لفظياً و معنوياً ،و القراءة الثانية هي تحقيق للأولى ،و القراءة الأولى نتيجة للثانية.

عدد الصفحات ١٢٩

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 117 المبحث الرابف الإبدال في الحركات الإعرابية .

عدد الصفحات ١٣٠

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 118 *الأنموذج الأوّل* قال الله تعالى: "             (4) لما خاطب اه الملائكة قال لهم إني جاعل في الأرض خليفة و لكن لم يوحي إليهم كيفية تمام أمر الخلافة ،فجعل الأمر تعليمي ،فقال لآدم لا تأكل من هذه الشجرة ،ولكنه عصى ربّه و أطاع الشيطان فعلمه اه سبحانه وتعالى التوبة من الذّ نب و أعلمه أنّ الشيطان عدو مبين لك و لذريتك و كانت هذه الآية هي أول درس تلقاه آدم من ربّه و كان كلمات،و تعددت القراءة في هذه الآية فقرأ ابن كثير بنصب (آدمَ ) و رفع (الكلمات ) ،و قرأ الباقون برفع (آدم ) و نصب (الكلماتَ ). و التعدد في الفاعلية و المفعولية بين الكلمات و آدم ،ففي القراءة الأولى نصب آدم على أنّ الكلمات هي التي تلقت ه و جاء الفعل (فتلقى) على صيغة المذكر لأنّ الكلمات مؤنثة مجازياً ،و الدلالة الناتجة تبرز المشهد و كأنّ الكلمات شخص تلقى آدم و حضنه و ضمّ ه بعد أن لقيه ،و كأنّ آدم كان يبحث عمن يواسيه في المصيبة التي هو فيها بعد معصية اه ،يبحث هنا و هناك فلا يجد أحداً ،ت ظلم الدنيا في وجهه ،و ينقطع نفسه لأنّه يظن أن لا ملجأ من اه إلاّ إليه ،و لكنّ ه عصى أمر من يلجأ إليه فأين المفر ،و فجأة تبرز كلمات التوبة لتعلّ مه أن لا يقنط من رحمة اه تعالى،و المشاهد أنّ المفعول تقدّم على الفاعل لأمرين: أول ما: لإبراز أنّ آدم هو من كان يبحث عن مفر من عقاب اه تعالى. ثاني ما: لأنّ المعني بالأمر هنا ليس الكلمات و إنّّا آدم عليه السلام ،و معها يبرز أمر آخر و هو أنّ آدم سارع في التوبة و لم يتريث ،و ظهر ذلك من خلال إتباع الفعل (فتلقى) الذّي يمثّل التوبة لصاحب المعصية. أما فيم يتعلّ ق بالقراءة الثانية فإنّ الدور ينعكس فيصبح الذّي كان فاعلاً مفعولاً ،و الذي كان مفعولاً يصبح فاعلاً ،و الأمر منوط بأنّ آدم هو من تلقى الكلمات و لكنّه تلقاها من ربّه ،فحفظها و فهمها و عجّل بالتوبة بها. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ - (4 )الآية(37)،سورة البقرة .

عدد الصفحات ١٣١

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 119 و لكن لا يتوقف الأمر عند هذا الحدّ فقط ،و إنّّا يتجاوز الكلمات في حدّ ذاته ،فاه سبحانه وتعالى سبق في علمه أنّ آدم سيذنب حين قال:"إنّي جاعل في الأرض خليفة"،و لم يقل في الجنّة،و إنّّا كانت المعصية درساً له لما سيلقاه في الأرض من عدوّه اللّ دود إبليس لعنه اه أو هي تدريب على المعركة التي سيخوضها ضدّ الشيطان ،فجهّزه اه بكلّ أنواع الأسلحة و أمّ ها الشحن المعنوي الذّي تفيده التوبة. ومن تضافر القراءتين يبرز لنا ما خفي في كلّ قراءة على حدا ،إنّه تعبير عن الفرحة العارمة التي وجدها آدم حين تاب إلى ربّه ،إنّّا كلمات و لكن ليست كسائر الكلمات ،بل هي الروح الجديدة التي نفخها اه في آدم بعدما احترقت روحه بالمعصية فالتوبة إحياء للقلب و محو للذنوب ،إذن تلقي آدم للكلمات هو توبة ،و تلقي الكلمات لآدم هو الدرس.

عدد الصفحات ١٣٢

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 120 *الأنموذج الثاني* قال الله تعالى: "                                       (4) صوم رمضان من العبادات العظيمة التي أخفى اه أجرها و جعلها له، و لكن الإسلام دين يسر و ليس دين عسر كما يدعي بعض المتخاذلين ،فلمن لم يطق الصيام لمرض أو علّة جعل له اه من رحمته مخرجاً و كفارة . و تعدّ دت القراءة في قوله تعالى :" فدية طعامِ " بالرفع الفدية و جرّ الطعام،و هي قراءة نافع و أبو جعفر و ابن ذكوان،و قرأ الباقون (فدية ) بالتنوين و طعام (بالرفع ). قراءة التنوين يكون الطعام بدلاً من فدية ،و في ذلك تبين للفدية ما هي،فيكون معنى القراءة أنّ الفدية طعام لاغير لأنّ البدل و المبدل بمعنى واحد. و أمّا قراءة الإضافة فهي تبين أنّ الفدية مخصوصة بالطعام فقط لأنّ الفدية إسم للقدر الواجب،و الطعام يعمُّ الفدية وغيرها .(2) و بينهما يتجلى المعنى المراد و هو التيسير على الأمة المحمدية ،فقراءة التنوين تجعل الطعام نوعاً من الفدية دون حصرها ، و قراءة الإضافة كما سبق و أشرنا تفسير و تبين لمعنى الفدية و نوعها. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ - (4 )الآية(431)،سورة البقرة . - (2 )البحر المحيط ،أبو حيان الأندلسي ، دار إحياء التراث،بيروت الطبعة الثانية،(4144ه/4114م)،ج2/ص37.

عدد الصفحات ١٣٣

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 121 *الأنموذج الثالث* قال الله تعالى: "                  (4) إنّّا مشهد من مشاهد يوم القيامة التي يتجلى فيها اه على عباده دون تجسيد ولا تشبيه ليس كمثله شيء و هو السميع العليم،ففي أرض المحشر أين يقف النّاس يترقبون مصائرهم التي أمر ها بين يديه،و المعنى من الفعل (يأتيهم) ليس متعلقاً باه لأنّ اه لا يأتي و إنّّ ا كلهم آتيهم يوم القيامة،فالفعل متعلّق بيوم الحساب. و تعددت القراءة في كلمة (ملائكة) ،فقرأ أبو جعفر بالجر ،و قرأ الباقون بالرفع . (2) فقراءة الجرّ عطف على الغمام أو الظلل ومعناها كما جاء في تفسير الطبري و ابن كثير :"هل ينظرون إلاّ أن يأتيهم اه تعالى في ظلل من الغمام و في الملائكة."(3) و أمّا قراءة الرفع ففيها إضافة الملائكة إلى اه تعالى ،حيث أنّ الملائكة تحمل عرش الرحمن،و الإتيان كما قلنا يليق به وحده . رغم أنّ الآية تتعلق بمشهد من الغيب و تتعلق به سبحانه وتعالى و لا يمكن الخوض فيها إلاّ بمقدار ما تيسر فإنّ القراءتين تصوّران مشهداً عظيماً من مشاهد يوم القيامة ترتعد له الفرائس بمجرد التفكير في الأمر. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ - (4 )الآية(246)،سورة البقرة . - (2 )النشر في القراءات العشر،ج 2/ص227. - (3 )تفسير ابن كثير،ج 4/ص230.

عدد الصفحات ١٣٤

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 122 *الأنموذج الرابف* قال الله تعالى: "                                                                          (4) تشير الآية الكريمة إلى الأسس التي تبنى عليها العلاقات الأسرية ،حيث جمعت كلّ النواحي فهي تعتبر دستور الأسرة الأول،و قد تعددت القراءة في كلمة (تضّار) فقرأ ابن كثير و أبو عمرو بالضمّ (تضارُّ ) ،وقرأ الباقون بالنصب (تضار ). أمّا قراءة النصب فقد جاءت على صيغة النهي، فالراء الأولى سكنت للإدغام و الراء الأخيرة سكنت للجزم فالتقى ا لساكنان فتحّرك الأخير منهما بالفتح (2)،و الآية تنهى الأبوين على أن يستعملوا الولد لتحقيق الضرر لبعضهما يقول الشيخ ابن عاشور:" و لم تعطف على الجملة التي قبلها ،تنبيهاً على أنّّا مقصودة لذاتها. " (3) فمن الأزواج من يستخدم الولد كوسيلة للضغط على الطرف الآخر و إخضاعه لقوله تعالى: "            "(1) أمّا قراءة الضمّ فهي إشارة إلى الولد بحدّ ذاته ،أي أنّه يجب الفصل بين المشاكل الزوجية داخل الأسرة و بين مصلحة الولد ،فإنّ أي ضرر بين الوالدين قد ينزاح إلى الطرف الثالث و هو الأولاد،و هذا ليس من الدين في شيء و ليس من أخلاق المسلمين ،و لا من باب الإنسانية أن يستخدم الولد وسيلة للضرر. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ - (4 )الآية(233)،سورة البقرة . - (2 )الموضح في علل القراءات و إعرابها ،أبي علي الحسن الفارسي،ج 4/ص321. - (3 )التحرير و التنوير ،الطاهر بن عاشور،ج 2/133. - (1 )الآية(60)،سورة الطلاق .

عدد الصفحات ١٣٥

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 123 إنّ المعاني الجليلة التي تبرز من الجمع بين القراءتين توحي بمدى الإعج از الذّي تكتنفه الكلمة القرآنية ،فهي كلمة واحدة و لكنّها غزيرة المعاني و الدلالات،و فيها كلّ التوجيهات التي تساهم في استمرار الأسرة المسلمة مراعية حقوق كلّ فرد فيها الأب ،الأمّ ،و الأبناء. ونلاحظ في الآونة الأخيرة حملة تحت عنوان قانون الأسرة الذّي يحاول من خلاله المشرّع الثاني تغليب العقوبة على مصالح الأسرة ،و الذّي كان من أول نتائجه التفكك الأسري الذّي لا يمكن معالجته إلاّ بالعودة إلى قانون الأسرة الذّي شرعه المشرّع الأول و الأخير من خلال القرآن الكريم،فاه سبحانه وتعالى سنّ لكلّ فرد في الأسرة حقوقاً و واجبات تتلاءم و استمرارية العلاقات الاجتماعية.

عدد الصفحات ١٣٦

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 124 *الأنموذج الخامس* قال الله تعالى: "           " (4) إنّّا تطمين لكلّ من لبس الإيمان بقلب خاضع ه سبحانه وتعالى أنّه ما من عمل يقوم به إلاّ و وافّاه اه حسابه كاملاً . و تعددت القراءة في كلمة ( يخاف )،فقرأ ابن كثير بالجزم ( فلا يخَفء )،و قرأ الباقون بالضمّ (فلا يخاف ) و قراءة الجزم تفيد معنى حرف اللام هنا (لا) التي تفيد النهي ،و التقدير :فلا تخفء على الأعمال التي قمت بها أيُّها المؤمن ،و قد يحمل معنى الإخبار على الحقيقة بأنّ المؤمن يوم القيامة آمن لقوله تعالى:"           " (2) لأنّ الذّي سيوفيك عملك يوم القيامة ليس ذلك الإنسان الذّي ربما تعودت أن يجحدك من عملك و يسلبك لمصلحته ،و لكنك ستقف بين يدي اه سبحانه وتعالى الغنيّ عنك وعن عملك فهو العزيز ،و يفيد معنى النهي تمجيدًا ه و تنزيهاً له عن بعض الصفات التي لا تليق به جلّ في علاه. أمّا قراءة الرفع فقد رأى فيها النحاة نكتة ،حيث قالوا بأنّ الفاء ليس من مواضعها أن تقترن باللام في جواب الشرط فقالوا أنّ ثمة جملة إسمية محذوفة مقدرة كالآتي : فهو لا يخاف ويكون المعنى المتشكّل نفي الخوف عن المؤمن الذّي يعمل الصالحات.(3) و لكن فيها لمحة أخرى و هو أنّ جواب الشرط محذوف ،و يكون المعنى أنّ المؤمن الذّي يعمل الصالحات عدم خوفه محقّق مقرّر ، فيكون المعنى على الإخبار. و لكن بالتدبُّر العميق البعيد عن ضغط قواعد النحو نجد لمحة رائعة ،و هي أنّ قراءة الجزم تفيد إخبار المؤمن أنّه لن يخاف في المستقبل و هو واقف يوم القيامة بين يدي اه ،لأنّ اه سيؤمّ نه من الفزع ،أمّا قراءة الرفع فهي تفيد الإخبار بأنّ هذا المؤمن يعيش مطمئن البال في الدنيا لقوله تعالى :"         ( "4) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ - (4 )الآية(442)،سورة طه . - (2 )الآية(02)،سورة يونس . - (3 )مفتاح العلوم للسكاكي،تحقيق نعيم زرزور ندار الكتبالعلمية،بيروت،الطبعة الثانية،4167ه،ص243. - (1 )الآية(01)،سورة يونس .

عدد الصفحات ١٣٧

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 125 *الأنموذج السا * قال الله تعالى: "                        (4) تبرز اية الكريمة رحمة اه بعباده ال ذّين آمنوا إذ أنّه يدخلهم الجنّة و أسند الفعل إليه مبرزاً درجة تكريمه لهم و مقامهم عنده ،فالضيف الذّي يدخله صاحب القصر ليس كالذّي يدخله خدم ملك ذلك القصر و هذا من كرم اه سبحانه وتعالى ،كما أنّّ ا تبرز أنواع هذا التكريم الذّي يلقونه من ربّ العزّة إذ يزيّ نهم بالحليّ رجالاً كانوا أو نساءً ،و قد تعددت القراءة في قوله تعالى (لؤلؤًا)،فقرأ عاصم ونافع بالنصب (لؤلؤًا) ،و قرأ الباقون بالكسر (لؤلؤ). فأمّا قراءة النّصب فجاءت على سياق نصب الأساور ،و التقدير :يحلّون أساور و لؤلؤًا أمّا النكتة في زيادة (من) فيفسّرها الطاهر بن عاشور بقوله:"و من في من أساور ،زائدة للتوكيد ." (2) و لكن ما نشير إليه في زيادة (من) هو إبراز الأنواع المختلفة للأساور التي يتزينون بها ،فهي مختلفة الشكل و اللون و المادة كلي حسب ذوقه ،و أنّه لكلّ يوم زينته التي تختلف عن سابقتها ،و لكلّ مجلس أساوره الخاصة به ،و هذا ما لمح إليه الطاهر بن عاشور حين قال إنّ الفعل (يحلّون) يدُّل على النعيم المتجدّد،فمرة أساور من ذهب و مرّة أساور من اللؤلؤ. وعلى قراءة الجر (لؤلؤٍ )،فإنّ اللؤلؤ معطوف على الذهب و يكون تقدير المعنى :أنّ هذه الأساور مصنوعة من اللؤلؤ و الذهب معاً ،فيبرز لنا نوع جديد من الأساور التي يحلّ ون بها ،بالإضافة إلى أنّ لباسهم من الحرير . إذاً فالقراءتان تفيدان إبراز النعيم المتجدّد في الجنّة التي وعد اه عباده. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ - (4 )الآية(23)،سورة الحجّ. - (2 )التحرير و التنوير،ج 47/ص232.

عدد الصفحات ١٣٨

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 126 *الأنموذج السابف* قال الله تعالى: "                                  "(4) تأتي هذه الآية الكريمة في مقام الردّ بالقسم المنسوب إلى النبيّ محمد صلى اه عليه وسلم على الذّين كفروا و أنكروا قيام الساعة ملحقاً قسمه بالتعظيم ه عزّ وجلّ من خلال صفة (عال ) التي تعدّدت القراءة فيها، فقرأ ابن عامر و نافع بالرفع (عال ) ،و قرأ ابن كثير وعاصم و أبو عمرو (عال ِ )،و قرأ حمزة و الكسائي (علاَّم). أما قراءة (عال ِ ) فجاءت على أنّّا بدل من قوله تعالى:"ربي" المجرورة بواو القسم ،أو على النعت لها . و على تقدير كونه نعتاً فلابد من تقدير تعريفه ،لأنّ كلّ صفة يجوز أن تتعرّف بالإضافة إلى الصفة المشبهة(2) الدّالة على الثبوت ،و قد أفادت هذه القراءة إثبات صفة من صفات اه يقو ل ابن عاشور:" و في هذه الصّفة إتمام لتبينُّ سعة علمه ." (3) أمّا قراءة الرفع(عالم ) فجاءت مقطوعة عمّ ا قبلها "ربيّ " المجرورة بواو القسم ،في مقام المدح و التعظيم يقول الفارسي:"إذا قطعت صفات في معرض المدح أو الذّ م ،فالأحسن أن يخالف في إعرابها ..لأنّ المعاني عند اختلافها تتنوع وتتفنّن..." (1 ) و ليس هذا الغرض منها فقط و إنّّا توجيه ذهن القارد إلى الصفة بالالتفات الحركي،و لكنّه سبّق الرّد عليهم ثمّ ابتدأ بالتعظيم و هذا حت يؤكد السابق باللاحق ،فألحقها بعلمه ليدلّل على أنّ عدم علمهم بها ليس دليلاً على عدم وقوعها. أمّا قراءة (علاّم) على صيغة فعّال للدلالة عل التكثير ،أي أنّه سبحانه وتعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض و لا في السماء ،فعلمه أحاط بكلّ شيء فقد يكون الإنسان عالماً ولكنّه ليس علاّماً . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ - (4 )الآية(63)،سورة سبأ . - (2 )الدرّ المصون ،ج1/ص413. - (3 )التحرير و التنوير،ج22/ص412. - (1 )الإتقان في علوم القرآن ،للسيوطي،ج 3/ص261.

عدد الصفحات ١٣٩

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 127 لأنّ علمه محدود و هو لا يعلّم و لا يعلم إلاّ ما علّ مه اه سبحانه وتعالى،و مع تظافر القراءات فيم بينها فإنّّ ا تنتج كماً هائلاً من المعاني و الدلالات التي تصبّ كلّ ها في إعلام هؤلاء الجاحدين بأنّ علم اه واسع واقع محيط بكم أينما كنتم لقوله تعالى :"                                    (4) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ - (4) الآية(20-27-23)،سورة نوح .

عدد الصفحات ١٤٠

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 128 *انموذج الثامن* قال الله تعالى: "          (4) تخاطب الآية الكريمةالجنّ و الإنس ،بأنّّم لن يستطيعوا النفاذ من أقطار السموات و الأرض هرباً من اه سبحانه وتعالى و عذابه. و عن ابن عبا رضي اه عنه أنّه قال:"الشواظُّ هو لهب النّار." (2) وقال أيضاً :"الشواظُّ الدُّ خان"،و قال الضحاك:"شواظ من نار،سيل من نار."(3) و في مسائلابن الأزرق لبن عبا رضي اه عنهما عن الشواظ قال :"هو اللهب الذّي لا دخان معه" ثمّ سأله عن (النحا ) فقال:"هو الدُّخان الذّي لا لهب معه." و استشهد بقول الشاعر: يظلُّ يشبُّ كيراا بعد كيرٍ و ينفخ ائباا ل ب الشواظ. (1) أمّا فيم يتعلق بالقراءات فقد تعدّ دت في كلمة (نحاس) ،فقرأ ابن كثير و أبو عمرو بالخفض (نحاس )،و قرأ الباقون بالرفع (نحاس ). و على قراءة الخفض فإنّ المعنى المتولّد يبين عن تركيب الشواظ و تبيان صفاته الخارجية إذ أنّه يتشكل من النحّاس بالدرجة الأولى،و هذا النحاس ملتهب ذائب و هذا ما يشير إليه لفظ النّار،إنّ العذاب التي توعد به اه سبحانه وتعالى الإنس و الجنّ الذّين يظنون أنّّم سيفرون من العذاب حارق خانق. و على قراءة الرفع فهنا يتجلى نوعين من العذاب ،العذاب الأول نار حارقة خالية من الدخان تتلظى محرقة كلّ من يحاول الهرب،فإذا تجاوزوا هذا النوع يظهر عذاب آخر من الدخان الذّي يبعثه النُّحاس فيجعلهم يتلوون و يضطربون . و الجمع بين القراءتين يحدث نوعاً من العمليات الكيميائية التي لا نراها إلاّ في المصانع و المخابر،فالقراءة الأولى توحي بذوبان النحاس عند بلوغه درجة الانصهار فيبدأ هذا العنصر الكيميائي في إطلاق الدخان،إذا فالقراءتين متكاملتين تكامل العملية الكيميائية . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ - (4 )الآية(37)،سورة الرحمن . - (2 )جامع البيان،ج27/ص414. - (3 )الإعجازالبياني في ضوء القراءات القرآنية،أحمد بن محمد الخراط،ص 223. - (1 )الإعجاز البياني للقرآن و مسائل ابن الأزرق،عائشة عبد الرحمن، دار المعارف مصر،ص 237.

عدد الصفحات ١٤١

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 129 *الأنموذج التاسف* قال الله تعالى: "                                  "(4) إنّه تصوير حيّ للحياة في الجنّة ونعيمها ،حيث يشعر القارد بتراتيل المؤمنين الجالسين على الأرائك و الغلمان يطوفون حولهم يلبون رغباتهم من شراب أو طعام ،و قد تعددت القراءة في قوله تعالى:"وحور عين "،حيث قرأ حمزة و الكسائي بالخفض (وحور عين )،و قرأ الباقون ب الرفع (وحور عين ) ،و لكلّ قراءة مغزى ومعنى أفادته. فقراءة الرفع فيها عطف على الولدان و يكون التقدير أنّ الو لدان يطوفون بالأكواب و الأباريق ،و في نفس السياق تطوف الحور العين عليهم،و هنا نوعين من النعيم و التنعّم ،نعيم حسي بما يناله المؤمن من الأطعمة و الأشربة اللذيذة ،ونعيم معنوي يناله ا لبصر من جمال الحور العين، يقول السمين:" و هو للخدمة أبلغ،لأنّّم إذا خدمهم مثل أولئك فما الظن بالموطوءات؟" (2) ورأى مكي بأنّ الحور العين لا يطاف بهنّ على المتنعّ مين ،و إنّّا قدّر العطف حملاً على المعنى ،فرأى بأنّ معنى يطوف عليهم ولدان مخلّدون بأكواب أي عندهم أكواب ،فيكون المعنى و عندهم حور. و يرى الفارسي بأنّه يجوز عطفها على الضمير في (متكئين)(3)،في قوله تعا :"    (1)،أي أنّّم متقابلين مع الحور العين على السرر و الغلمان يطوفون عليهم يخدمونّم،إنّه النعيم الذّي يطمح إليه كلُّ مؤمن كونه يلبي كلّ الرغبات البشرية. أمّا قراءة الخفض فجعلت الحور العين معطوفة على الأكواب و الأباريق التي يطوف بها الولدان،فيكون التقدير أنّّم يطوفون بالحور العين على أهل الجنّة و قد أجاز ابن كثير هذا حين ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ - (4 )الآية(47-43-41-26-24-22-23)،سورة الواقعة . - (2 )الدرُّ المصون،ج46/ص263. - (3 )الحجة في علل القراءات،ج 0/ص277. - (1 )الآية(40)،سورة الواقعة.

عدد الصفحات ١٤٢

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 130 قال:"أن يكون مما يطوف به الولدان المخلّ دون الحور العين ،و لكن يكون ذلك في القصور."(4) ولكن الأقرب هو ما أشار إليه اه بقوله تعا :"                             " (2) فالحور العين متكئين علىالأرائك مع المؤمنين و الولدان يطوفون عليهم،و مع اجتماع القراءتين تبرز أنواع جديدة من النعيم الخالد . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ - (4 )تفسير ابن كثير ،ج 43/ص302. - (2 )الآية(72-73-71-77-70)،سورة الرحمن .

عدد الصفحات ١٤٣