المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أثر القراءات القرآنية في إنتاج تعدد الدلالات دراسة وموازنة

جمال جلول دواجي

صفحة ٨ من ١١

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 99 إذاً فالتبينُّ استظهار الحقّ من الباطل قبل اتخاذ القرار و ظلم النّاس لأنّ هذا الذّي جاء بالخبر فاسق،و الفاسق لا يؤتمن له مهما قال من الحقّ لأنّ غايته من نقل الخبر ليست إعلام النّاس و إنّّا هو التفريق بينهم . و القراءة الثانية (فتثبّ توا)،جاء في لسان العرب:"تثبّت في الأمر و الرأي تأنىّ فيه،و لم يعجل،و استثبت في أمره،إذا شاور و فحص عنه ."(4) يقول الحقُّ سبحانه وتعا:"          "(2) بمعنى يرسّخها في الأرض حت لا تسقطوا أو تزلّوا لقوله تعالى:"                     "(3) يقول الطاهر بنعاشور:"اطلبوا الثّابت الذّي لا يتبدّ ل،و لا يحتمل نقيض ما بدا لكم." (1) من خلال ما سبق يتبينّ أنّ القراءتين ترتيب لمراحل الوصول إلى الحقيقة فالتثبُّت يأتي بعد التبينُّ فيظهر التكامل بين القراءتين و التأمل و التمحيص و إعمال التريث في قطع الأمر هو تبينّ يقود الإنسان إلى التثبت من الأمر. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ - (4 )لسان العرب،ابن منظور مادة ( ثبت)،ج2/ص41. - (2 )الآية(7)،سورة محمد . - (3 )الآية(27)،سورة إبراهيم . - (1 )التحرير و التنوير،محمد الطاهر بن عاشور،ج 7 /ص407.

عدد الصفحات ١١٢

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 100 المبحث الثّالث الحرف بين الإثبات و الحذف.

عدد الصفحات ١١٣

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 101 *الأنموذج الأول* قال الله تعالى:                  (4) تعدُّ سورة الفاتحة من السور التي جمعت في طياتها كلّ معاني القرآن الكريم،و أسس الدعوة المحمدية ،و ركائز العقيدة الإسلامية حيث تبتدد بالحمد ،ثمّ الثناء على اه ،ثمّ التمجيد له . و قد تعدّ دت القراءات في قوله تعالى :"ملك يوم الدّين " ،فقرأ عاصم و الكسائي (مالك)،و قرأ الباقون (ملك). تتكون الكلمة من ثلاثة أحرف و هي الجذر اللغوي لها كما جاء في لسان العرب:" ملكت العجين أملكه ملكاً،إذا شدّ دت عجنه،و قويت عليه،قال قيس بن الخطي : ملكت ب ا كفي فأن رت فتق ا يرى قائ من ون ا ما وراءها يعني شددّت بالطعنة ،وما تمالك ،أي ما تماسك."(2) أي أنّّا تفيد القوة و التماسك و الشدّ و كلّ هذه الدلالات مترامية بين أحرف هذه الكلمة. و إذا ما عدنا إلى القراءة الأولى (مالك)،وجدنا لها خصوصية لا تتوفر في القراءة الثانية و هذه الخصوصية تتمثل في أنّ المالك يتصرف في ملكه ،و هي اسم فاعل لمن ملك و قرنّا بيوم الدّين لأنّ اه سبحانه وتعالى يملك ذلك اليوم و يملك التصرف فيه لقوله تعالى:"                   "(3) و قوله تعا:"            "(1 ) و مالك الشيء هو المتصرّف فيه بقدرته و لا يستطيع هذا الأخأن يقوم بأدنى حركة من دون إذن مالكه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ - (4 )الآية(4-2-3-1)،سورة الفاتحة . - (2 )لسان العرب ،لابن منظور مادة ( ملك)،ج46/ص111. - (3 )الآية(40 )،سورة غافر. - (1 )الآية(37،سورة النبأ

عدد الصفحات ١١٤

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 102 قال تعا:"                           " (4) و ليس المقصود فقط المتصرّف في أحكام يوم الدّين ،بل تطلق الصيغة على عموم الملك بما فيه. أمّا قراءة (ملك) فيه صفة مشبّهة تدّل على الثبوت،و هي صفة تطلق على الآمر و الناهي المتحكّم في تصرفا ت الناس يقول الإمام الطبري:"ه ملك يوم الدّ ين خالصاً دون جميع خلقه،الذّ ين كانوا من قبل ذلك ملوكاً جبابرة."(2) فاه سبحانه وتعالى جعل له في الأرض ملوكاً يتصرفون في ملكهو الفرق بين الصفتين أنّ صفة الملك في الدنيا زائلة بزوال صاحبها ،و لكن اه سبحانه وتعالى حيّ لا يموت فصفة ملكه ثابتة،كما أنّ ملوك الأرض إن تصدّ قوا انتقص ذلك من ملكهم ،و لكن اه سبحانه وتعالى لا ينتقص ملكه بل يزداد . إذاً فالقراءتين جمعتا بين صفتين متكاملتين كمال اه سبحانه وتعالى ،فهو الملك والمالك في نفس الوقت ،ملك لأنّه يدبّر شؤون الخلق،و مالكهم لأنّه خلقهم و سيعودون إليه كما خلقهم أول مرّة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ - (4 )الآية(20)،سورة آل عمران . - (2 ) جامع البيان عن تأويل القرآن،للطبري،ج 4/ص07.

عدد الصفحات ١١٥

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 103 *الأنموذج الثاني* قال الله تعالى:                                          "(4) هذه الآيات نداء لمن لبس الإيمان قلوبهم ،دعوة من الحقّ سبحانه وتعالى إإتباع الحقّ و العدل بين النّاس ولو كان ذا قربى. و تعدّ دت القراءة في كلمة (تلوا)،فقرأ الجمهور بواوين (تلوو ا)،و قرأ ابن عامر وحمزة بواو واحدة (تلوا) و قراءة الجمهور مشتقة من الفعل لوى يلوي و معناه الثنيُّ أو الفتل ،لقوله تعالى:"                              "(2) والمعنى يثنون ألسنتهم لتحريف الكلمة كما كان يقول اليهود لأنبيائهم ومنها قوله تعالى : "                     "(3) و بما أنّ الآية الكريمة تشير إلى الشهادة الحقّة ،فقد حذّر اه سبحانه وتعالى أهل الإيمان من أن ينزاحوا إلى العاطفة و يحكّموا أهوائهم فيها و هو بمثابة ليٍّ للّ سان الذّي فطر على الشهادة بالحقّ فتغير فطرته هو ليي له و تبديل للحقّ . و قراءة (تل وا) فسّرها الإمام الطبري بقوله:"و إن تل وا أمور النّاس أو تتركوا ." (1) أماالشيخ ابن عاشور فقد وجّه الكلام إلى القضاء قائلاً :"و إن تلوا القضاء بين الخصوم."(7) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ - (4 )الآية(437)،سورة آل عمران . - (2 )الآية(73)،سورة آل عمران . - (3 )الآية (77)،سورة البقرة . - (1 )جامع البيان،ج7/327. - (7 )التحرير و التنوير،الطاهر ابن عاشور،ج7/ص223.

عدد الصفحات ١١٦

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 104 و المعنى و إن تتولوا القضاء بين النّاس فعليكم بالعدل لذلك أتبعها بقوله تعالى:"فإنّ الله كان بما تعملون خبيراا ". و الموازنة بين القراءتين يبين عن معاني غزيرة متراكمة في حرف واحد ،فيا أيُّها الناّس إن توليتم القضاء بين الناّس فاعدلوا ولا تعرضوا عن الحقّ ،فإن لويتم و غيرتم وجهة الحقّ فإنّ اه عليم خبير،لذلك فإنّ القراءتين متكاملتين متتابعتين في المعنى فيهما أمر بالعدل و نّي عن الظلم و الفارق بينهما حرف واحد فسبحان من جعل في الحرف معنيين متناسبين متكاملين.

عدد الصفحات ١١٧

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 105 *الأنموذج الثالث* قال الله تعالى:                                 ( "4 ) إنّ الآية الكريمة خطاب لطائفة المؤمنين ،و الخطاب جاء مقروناًبإيمانّم حيث ناداهم اه سبحانه وتعالى بما صرّ حوا به بألسنتهم و حان وقت التصريح بالقلب من خلال الانصياع لأمر اه . و قد تعددت القراءة في كلمة (فأذنوا)،فقرأ أبو بكر عن عاصم و حمزة بالمد (فآذنوا)،و قرأ الجمهور بالهمزة (فأءذَن وا). و قراءة الجمهور جاءت على صيغة الأمر :من أذن به ،يقال:" أذنت بهذا الشيء أي علمت." (2) و التقدير اعلمواأيُّها المخالفون لهذا الأمر أنّكم أعلنتم حرباً على أنفسكم من اه و رسوله . و من الدلالات أيضاً الاستماع ،لقوله تعالى:"       " (3) و كأنّه يقول لهم أنّني أنذرتكم فاسمعوابأخبار من يستمر على ما هو عليه من أكل الر با. و إذا قلنا أذن له،أي سمح له بفعل الأمر لقوله تعالى:"                  "(1) و كأنّّمسمحوا للعذاب ليحلّ بهم من خلال عصيانّم لأمر اه سبحانه وتعالى. و يقول الحقّ سبحانه وتعالى:"                             ("5) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ - (4 )الآية(273-271)،سورة البقر . - (2 )العين ،للخليل بن أحمد الفراهيدي،دار إحياء التراث العربي،بيروت لبنان،ص 24. - (3 )الآية(4-2)،سورة الانشقاق . - (1)الآية(11)،سورة التوبة . - (7 )الآية(04)،سورة التوبه .

عدد الصفحات ١١٨

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 106 فالّذين كفروا كانوا يقولون أنّ الرسول صلى اه عليه و سلم هو فأل شر فردّ عليهم القرآن بأنّه هو الخير كلّه و الدلالة التي تفيدها القراءة من خلال هذه الإشارة هو أنّّم بأكلهم الر با فقد فتحوا أبواب الشرّ على أنفسهم و قد علمتم ذلك. أمّا القراءة الثانية (فآذنوا) ،فهي من آذنه بكذا أي أعلمه (4) لقولهتعالى:"               "(2) أي أعلمتكم جميعاً بما هو كائن فأعلموا غيركم بأنّ متعاطي الرّبا ستحلّ عليه حرب من اه و رسوله،و هنا المغزى إذ أنّ اللذّين سمعوا هذا الخطاب سيعلمون أنفسهم بذلك فترتعد فرائسهم كما قال ابن عطية:"فأعلموا نفوسكم هذا"(3) و هنا إشارة إلى خطورة هذه الظاهرة إذا حلّت بالمجتمع ،ومن خلال الجمع بالقراءتين يظهر لنا ذلك ،فالأولى تحمل معنى التحذير المباشر لهم ،و الثانية هي دعوة من أجل إعلام الآخرين بهذا الفيروس القاتل الذّي ينخر أركان المجتمع فتظهر لنا رسالة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ،فقراءة (فأذنوا) تخاطب الفرد في حين تخاطب قراءة (فآذنوا ) المجتمع. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ - (4 )النشر في القراءات العشر،ابن الجزري،ج 2/ص230. - (2 )الآية(461)،سورة الأنبياء . - (3 )الإعجاز البياني في ضوء القراءات القرآنية،أحمد بن محمد الخراط،ص 423.

عدد الصفحات ١١٩

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 107 *الأنموذج الرابف* قال الله تعالى: "         "(4) فالكفار و المشركون لم يجدوا باباً إلاّ و طرقوه من أجل الطعن في الرسالة الإسلامية. و تعددت القراءة في كلمة(درست ) فقرأ ابن عامر (دَرَسَتء ) ،و قرأ ابن كثير و أبو عمرو (دارسءت)،و قرأ حمزة و الكسائي و نافع (دَرَسءتَ ). يقال :"درس الثوب درساً أي بمعنى بلي وأخلق ،و درسته الرّيح أي محته". (2) فقراءة ابن عامر (دَرَسَت) بمعنى صارت قديمةً لذلك في كثير من الآيات يتبع اه سبحانه وتعالى اتهاماتهم بقوله:"          "(3) و الفعل يقع على الآياتالتي جعلوها من الأساطير القديمة التي انّحت و صارت بالية لا فائدة فيها و كأنّّم يعلمون ما جاء به النبيّ صلى اه عليه وسلم ،معلنين حرباً نفسية على اللذّين آمنوا لتثبيط عزيمتهم،فهم نظروا إلى الفكرة و تركوا الغاية لأنّ كلّ الأنبياء جاؤوا برسالة واحدة و هي توحيد اه سبحانه وتعالى. أمّا قراءة (دارست ) فجاءت على وزن فاعل،و الخطاب موجّه للنبي صلى اه عيه وسلم،و المفاعلة تحتمل وجود شخص آخر كان يذاكره النّ بي و يظهر ذلك من خلال قوله تعالى:"                  "(1 ) و الحقيقةكذلك فمحمد صلى اه عليه وسلم لم يكن يستقي الآيات من نفسه بل علمه ربّه فقولهم فيه جزء من الحقيقة،و الحقيقة الثاني ة أنّّم أقاموا الحجة على أنفسهم فهم يعلمون أنّه لا يقرأ و لا يكتب فكيف يتدارس مع شخص آخر؟ و قراءة (دَرَسءت) على صيغة الخطاب للنبي بإسناد الفعل إليه حيث يقولون أنّه درس كتب الأولين أي كتب أهل الكتاب و هذه الأخبار أتيت بها من عندهم و لا مصدر لك غيرها. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ - (4 )الآية(467)،سورة الأنعام . - (2 )لسان العرب ،لابن منظور مادة (درس)،ج0/ص71. - (3 )الآية(7)،سورة الفرقان . - (1 )الآية(1 )،سورة الفرقان .

عدد الصفحات ١٢٠

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 108 و اه سبحانه وتعالى سبق في علمه أنّّم سيقولون ذلك "وكذلك نصرّف الآيات " لتدل على الصيرورة . قال الباقلاني :" من كان يختلف إلى تعلُّم علم لم يخف على الناس أمره ،و لم يشتبه عندهم مذهبه و قد كان يعرف فيهم من يحسن هذا العلم ،و إن كان نادراً ،و ليس يخفى في العرف عالم كل صنعة ومتعل مها ،فلو كان منهم لم يخف أمره." (4) و الجمع بين القراءات الثلاث يظهر أبدع الد ت ،فهي تظهر المشركين يقلبون في الأرض يبحثون عن إبرة يخزون بها الإسلام و المسلمين فأتوا من كلّ الجوانب ،أولها توجيه الاتهام للآيات (درَسَتء ) و ،الثاني توجيه الاتهام لقائلها المتعل م (درَسءتَ ) ،و الجانب الثالث لمعلّمها (دارسءت)،و لكنّهم في كلّ مرة يجدون الباب موصداً أمامهم ،لأنّ اتهاماتهم لم تبن على أسس منطقية. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ - (4 )إعجاز القرآن،للباقلاني،تحقيق السيد أحمد صقر،دار المعارف،مصر ،الطبعة الثالثة،ص 37.

عدد الصفحات ١٢١

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 109 *الأنموذج الخامس* قال الله تعالى:              تمثّل هذه الآيات خروج الجنس البشري عن الفطرة الفطره اه عليها ،و هي خطاب صارخ من لوط عليه السلام لقومه اللذّين انحرفوا عن المنهج الربّ اني. و وقع التعدّ د في قراءة (إنّك ) ،حيث قرأ حفص عن عاصم ،و نافع (إنّك ) ،و قرأ الجمهور (أإنّك ) و القراءتا ن تختلفان في الأسلوب ،فالأولى على صيغة الخطاب و الثانية على صيغة الاستفهام. فقراءة الاستفهام هنا ليست للعلم و إنّّا تفيد التوبيخ و الإنكار ،فاستعظم لوط عليه السلام عملهم الدنيء الذّي لا يمتّ بأي صلّ ة مع العلاقات الاجتماعية ،فاه سبحانه وتعالى خلق المر أة لتكون الطرف الثاني المتحمّل لمتطلبات الرجل و خلق الرجل ليكون المتحمّل لمتطلبات المرأة ،فهذه الثنائية هي الفطرة السليمة التي فطر اه عليها بني آدم ،و أي تغير فيها سيصيب المجتمع بنوع من الانحطاط الحيواني ،و من شأن الاستفهام هنا تشنيع عملهم و التنفير منه موسّعاً درجة فداحتها. و الاستفهام هو من أبلغ الأساليب التي نقيم بها الحجة على الطرف الآخر كو نه يحمل في طياته خصوصية بلاغية ،و التي من خلالها تتحرك كلّ الحواس لتتلقف الخبر الذّي يأتي بعدها ،و أي خبر هو إنّه الهلاك. أمّا قراءة الإخبار فهي متناسبة و السياق إذ قال الحقّ سبحانه وتعالى:"              "(2) و لكن هذه الآية لم تفصح عن نوع هذه الفاحشة تاركة القارد يتساءل ماذا كان يعمل قوم لوط،كما أنّّا حملت استفهاماً إنكارياً بينّ شناعة الجريمة المرتكبة ،فجاءت القراءة الثانية لتكسر تلك الرغبة من خلال تفسير الإبهام ،فالمتلقي حين تواجهه بأسلوب الإخبار سيدرك أنّه لا مفر له من مواجهة الحقيقة و ترقب العقاب . لقد أفادت القراءتين بيان التوبيخ و الإنكار و في نفس الوقت بيان فعلتهم النكراء . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ - (4 )الآية(34)،سورة الأعراف . - (2 )الآية(36)،سورة الأعراف .

عدد الصفحات ١٢٢

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 110 *الأنموذج السا* قال الله تعالى: "                           "(4) تقص الآية الكريمة مشهداً من مشاهد يوم القيامة أين سيقف ذلك الذّي تمتّ ع في الدنيا ونسي حظّه من الآخرة حتّ إذا جاء أمر اه تذّكر. و قد تعدّ دت القراءة في قوله تعالى (أذهبتم)،فقرأ ابن عامر و ابن كثير (أأذهبتم) بهمزتين و قرأ الجمهور (أذهبتم). جاءت الصيغة الأولى على منوال الاستفهام الذّي يحمل في طي اته التوبيخ و الإنكار ، و التقدير أأذهبت طيباتك في حياتك و تنتظرون الفرج ؟. إنّه استفهام موجع للقلوب مكس ر لعنجهية النفس التي كانت تتطاول في الدنيا ،فنتصور المشهد و الرسول صلى اه عليه وسلم يتلو هذه الآ يات على أصحابه و كأنّّا صعقة كهربائية تحرّك الإنسان و تذكره بأنّ الدنيا دار عمل و اجتهاد،و لنتصور الموقف يوم القيامة وذلك الإنسان الذليل يقف بين يدي اه واضعاً في حسبانه أنّه ناج من العذاب فتأتي هذه الآية بهذا الاستفهام لتجعله يحمل نفسه على تعذيب نفسه،فاه سبحانه وتعالى له صنفين من العذاب :عذاب للنفس و عذاب للجسد. كما أنّ الآية بدأت بالإخبار (يوم يعرض..) لتنقلب فجأة بأسلوب الالتفات محدثة زلزال لكلّ من يقرأ أو يسمع حت يظنّ أنّه يعيش ذلك المشهد. أمّا قراءة الجمهور (أذهبتم) فهي على صيغة الإخبار و تقرير الحقيقة التي تجعل الكافر يتأكد من مصيره لأنّه أفنى طيباته في الدنيا فأنسته ذكر اه سبحانه وتعالى،و لو تدبرنا الآية الكريمة سنلمح فيها صورة بالغة الدّقة و هي السرعة في التقرير و الحساب ،و كأنّّم وقفوا بين يدي اه سبحانه وتعالى فعجّل بعذابهم دون أن يسألهم ،و هنا تكمن العلاقة بين القراءتين ،فالقراءة الأولى هي التي سألتهم وجاءت القراءة الثانية متضمّ نة الإجابة و تقرير المصير و التقدير:أأذهبتم طي باتكم،نعم أ ذهبوا طيباتهم،فاليوم يجزون العذاب. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ - (4 )الآية(26)،سورة الأ حقاف.

عدد الصفحات ١٢٣

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 111 *الأنموذج السابف* قال الله تعالى: "                           "(4) تمتدح هذه الآية الكريمة من أحسن إلى رسول اه صلى اه عليه و سلم و آثر على نفسه بالغا و النفيس ،و جاء هذا المديح من ربّ السموات و الأرض الذّي وعدهم بجنّة الخلد فوصف هذه الجنّة بأن قال:تجري تحتها الأنّار،و تعدّ دت القراءة في الآية الكريمة فقرأ ابن كثير :"من تحتها"،وقرأ الجمهور تحتها. يقول الإمام ابن أبي مري :"و الفرق بين القراءتين في المعنى :أنّه إذا ألحق من أفاد أنّ الأنّار مبتدأ جريها من أسفل الجنّات ،لأنّ من لابتداء الغاية،و من نصب و لم يلحق من أفاد أنّ الأنّار جارية من جهة أسفلها."(2) و هنا يظهر التكامل بين القراءتين فإذا كانت من تفيد ابتداء الغاية فإنّ قراءة ابن كثير تفيد أنّ منابع هذه الأنّار تكمن تحت هذه الجنان ،و على قراءة الجمهور تفيد بأنّ هذه الأنّار مجراها تحت هذه الجنان. إنّ هذه الصورة التي بين أيدينا من خلال تأمل القراءتين تبرز درجات الجنّة فهؤلاء اللذّين يرون منبع الأنّار نعيمهم متجدد و درجتهم عالية رفيعة ،اختصهم اه سبحانه و تعالى بهذا الفضل على غرار إخوانّم من المؤمنين و هذا ما يبيّنه قوله تعالى:"                       "(3 ) فمنبع العين موجود في الجنّة و في أصلها،و يمكن الاستفادة من القراءتين للدلالة على حركية النهر . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ - (4 )الآية(466)،سورة التوبة . - (2 )الإعجاز البياني في ضوء القراءات القرآنية،أحمد بن محمد الخراط،ص 430. - (3 )الآية(10-17-13-11-76)،سورة الرحمن .

عدد الصفحات ١٢٤

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 112 *الأنموذج الثامن* قال الله تعالى: "       (4) خاطب النبيُّ صالح قومه بهذه الآية في سياق لومهم و التقريع لهم بعد أن ذكّرهم بنعم اه عزّ وجلّ و هم قوم (ثمود) الذّين كانوا يسكنون مدينة الحجر و يتخذون من الجبال بيوتاً وتعدّ دت القراءة في قوله تعالى:"فرهين" ،فقرأ ابن عامر و عاصم و الكسائي و حمزة (فارهين)،و قرأ الباقون (فرهين). و الفاره في اللغة كما جاء في لسان العرب :الحاذق بالشيء. (2) و قد فسّر الإمام الطبري هذه القراءة بقوله :"إنّ القوم حاذقون بنحتها،متخيرّون لمواضع نحتها،كيّسون." (3) ،و هذا ما يبيّنه قوله تعالى:"      "(1) ومعنى جابوا هنا أي قطعوا الصخر ونحتوه،وتبينّ قراءة (فارهين) أنّّم كانوا متقنين للحرفة النّ حت و ليس هذا فقط و إنّّا كانوا أذكياء في اختيار المكان المناسب للنّ حت و درجة صلابة التربة في ذلك الجبل مما يدلّ على أنّّم تميّ زوا في هندسة البناء السابقة لعصرهم فلو نظرنا إلى مدينة البتراء التي هي من عجائب الدنيا لرأينا درجة الإتقان الهندسي في البناء . أمّ ا قراءة (فرهين ) فهي من الفره :"أي الأَشةر و البَطةر ،ورجل فره أشر ." (7) و فسرها الإمام ابن كثير على أنّّم كانوا يتخذون تلك البيوت أشراً ،و بطراً ،و عبثاً ،أي من غير حاجة إلى سكناها لقوله تعالى:"      "(0) كما فسرها البعض على أنّّا من الفره و العيش في النعيم لقوله تعالى :"               "(7) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ - (4 )الآية(411)،سورة الشعراء . - (2 )لسان العرب ،ابن منظور مادة (فره )،ج43/ص722. - (3 )جامع البيان،للإمام الطبري،ج41/ص464. - (1 )الآية(1)،سورة الفجر . - (7 )لسان العرب، مادة (فره )،ج43/ص722. - (0 )الآية(423)،سورة الشعراء . - (7 )الآية(410-417-413)،سورة الشعراء .

عدد الصفحات ١٢٥

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 113 وقد فسرها ابن مجاهد بقوله:"معجبين بصنعتهم". و بالنظر إلى القراءتين نجد أنّ إحداما تمثّ ل السبب و الأخرى تمثّل النتيجة ،فقوم صالح كانوا متمكّ نين في صنعتهم وعمله م الذّي كانوا يباهون به بين الأمم ،و لتحقيق ذلك كانوا يعمّ رون في الأرض بالبنيان لأنّ البنية التحتية لأي بلد تمثّل الوجه الحقيقي للتطور و الازدهار ،هذا الأمر حقّ ق لهم كلّ متطلبات الحياة فعاشوا حياة الترف و البذخ الأمر الذي أنساهم ذكر اه سبحانه وتعالى،لأنّ الإنسان الفره دائماً ما نجده يستغني بعلمه وذكائه لقوله تعالى:"         "(4) فهم رأوا بذكائهم أنّّم استغنوا فطغوا في الأرض و القراءتا ن تصوّران ذلك. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ - (4 )الآية(0-7)،سورة العلق .

عدد الصفحات ١٢٦

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 114 *الأنموذج التاسف* قال الله تعالى: "               (1) لقد توعّد اه سبحانه و تعامن أشرك به و جعل نفسه رباً ي عبد بأشد العذاب يوم القيامة. تعدّدت القراءة في كلمة(أدخلوا) ،فقرأ ابن عامر ابن كثير و أبو عمرو عن عاصم و أبو عمرو بوصل الهمزة و ضمّ الخاء (ادءخ لوا)،و قرأ الباقون بهمزة القطع و كسر الخاء (أَدخةلوا ). وقراءة القطع (أدخلوا) تفيد الأمر الموجّه إلى ملائكة العذاب لقوله تعالى:"                       " (2) فهم ينتظرون فقطأمر اه لينفذوه،ولكن هذا الأمر خصّ بطائفة معينة إنّّم آل فرعون ،لأنّّم يعذّبون قبل قيام الساعة (النار يعرضون علي ا) ،وهذا العرض هو تعذيب نفسي قبل أن يكون تعذيباً حسياً و لكنّهم لم يدخلوها ليأتي الفعل (أدخلوا) المصاحب لقيام الساعة فيذوقوا العذاب الحسي ،و هذا إشارة إلى أنّّم لن ينتظروا مع الأقوام الأخرى للحساب،كما أنّ الفرق بين (ادخلوا ) و (أدخلوا) واضح جداً من ناحية الصوت ففعل القطع يحمل كلّ أنواع الشدة في الأمر و الغضب، مبرزاً نوعية العذاب و حال المعذّب. و جاءت القراءة الثانية (ادخلوا) و هي تشترك مع سابقتها في صفة العذاب و لكن الأمر موجّه باسمه إلى الطائفة المخصوصة بالعذاب (آل فرعون) ،وهذه القراءة تزيد عن سابقتها كو ن النداء هنا على الأشهاد ما يزيد المشهد خوفاً و رهبة ،و يزيد آل فرعون بؤساً وندماً ،و الملاحظ في الأمر أنّ الإنسان يلبي النداء إذا كان فيه خيراً له ،فكيف يدخل آل فرعون العذاب بأقدامهم ؟ تشير القراءة هنا إلى سلب الإرادة منهم وتح كم الجوارح بهم لأنّّا منصاعة لأمر اه فلا مفرّ لهم منه فتلك النفس التي كنت تشاطرها الرأي في الدنيا تقودك يوم القيامة إلى المصير المحتوم . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ - (4 )الآية(10)،سورة غافر . - (2 )الآية(60)،سورة التحر .

عدد الصفحات ١٢٧