المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أثر القراءات القرآنية في إنتاج تعدد الدلالات دراسة وموازنة

جمال جلول دواجي

صفحة ٧ من ١١

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 83 *الأنموذج الثاني* قال الله تعالى: "            "(4 ) سورة المائدة في مجملها خطاب لليهود والنصارى ،أمّا بالنسبة لهذه الآية الكريمة فإنّّا موجّهة لليهود خاصة اللذّين كانوا يتحاكمون عند رسول اه صلى اه عليه وسلم ،و لكنّ هم لم يكونوا يرضون بحكمه لقوله تعالى:"                                   " (2) رغم أنّّم يعلمون أنّه الحقّ من ربهّم و لكن البغض و الكراهية تمنعهم من الرضوخ لحكم النّ بي صلى اه عليه و سلم و الذّي هو حكم اه لقوله تعالى:"                       "(3) أماّ بالنسبة لهذه الآية فهي خطاب إنكاري مناه سبحانه وتعالى إلى هؤلاء ال ذّ ين لا يرضون بحمكه وتعدّ دت القراءة في كلمة (يبغون)،فقرأ ابن عامر بالتاء(تبغون) و قرأ الباقون بالياء (يبغون). و تحليل القراءة الأولى يوجه الناظر إلى أسلوب بلاغي عظيم و هو اللتفات يقول العلوي:"الالتفات من أجلّ علوم البلاغة،فهو أمير جنودها..."(1) وسياق الآية يظهر من خلاله أنّ الكلام موجّه للغائب ،و فجأة تتغير وجهة السهام الكلامية للمخاطب بأسلوب الاستفهام الإنكاري ،يقول السمين الحلبي:"الالتفات أبلغ في زجرهم و ردعهم،ومباكتته لهم،إذ واجههم بهذا الاستفهام الذّي يأنف منه ذوو البصائر."(7 ) فبعد الاستفهام يأتي المفعول به"حكم الجاهلية"،لأنّه المخصوص بالكلام و الجاهلية هنا هي وصف ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ - (4 )الآية(71)،سورة المائدة . - (2 )الآية(426)،سورة البقرة . - (3 )الآية(461 )،سورة البقرة . - (1 )الطراز للعلوي،دار الكتب العلمية،بيروت،ج 2/ص434. - (7 )الدّر المصون في علوم الكتاب المكنون،السمين الحلبي،تحقيق أحمد محمد الخراط،دار القلم ، دمشق،ج2/ص434.

عدد الصفحات ٩٦

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 84 لهم لا للحكم فقط لأنّّم مازالوا يعيشون في الضلال الذّي ميّز الجاهلية ،و قد أضاف الالتفات طرقة قويّة تهزّ القلوب و النفوس الضالة قبل المؤمنة ،فتحسّ عند تغير الوجهة كأنّك كنت تسير في طريق ثمّ انحرفت به إ لى وجهة ثانية ،و هذا الانحراف قد يكون له علاقة بانحراف اليهود عن الطريق و الحقّ الذّ ي أمرهم به اه سبحانه وتعالى كما أنّنا نستحضر الموقف الذّي كان فيه اليهود ،فنتصور حضورهم بين يدي رسول اه صلى اه عليه و سلم و هو يحكم بينهم،و يتلو عليهم هذه الآيات بأسلوب الغائب ثمّ ينحدر بهم و يخاطبهم وكأنّّم أخذوا صفعةً على وجوههم. أمّا القراءة الثانية (يبغون) فجاءت على منوال السياق بأسلوب الغائب و هنا يكون المخاطب هو محمد صلى اه عليه وسلم و هذا الخطاب ليس خطاب لوم،و إنّّا هو خطاب رحمة و عطف عليه حيث كان يرهق نفسه بالحسرة عليهم لقوله تعالى :"            "(4) و هذه القراءة تكمّل الصورةو توضحها أكثر،فالقراءة الأولى كما قلنا تصوّر حضور اليهود في مجلس النبيّ ،أما الثانية فتصوّ ر انصرافهم عن المجلس فصاروا بمثابة الغائب ،وإذا ما ربطنا بين الصورتين فالناتج حركي . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ - (4 )الآية(0)،سورة الكهف .

عدد الصفحات ٩٧

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 85 *الأنموذج الثالث* قال الله تعالى: "                                            "(4) عن ابن عباس رضي اه عنه أنّه قال أنّ هذه الآيات نزلت فيمن آمن من الأحبار ، كعبد الله بن سلام و أسد بن عبيد ،و ثعلبة بن سعيد و غيرهم ،أي لا يستوي من تقدّ م ذكرهم بالذّ م من أهل الكتاب و هؤلاء اللذّين أسلموا. (2) و هذه الآية بمثابة مدح للذين آمنوا،و تثبيت لهم و قد تعددت القراءات في (يفعلوا)،و (يكفروه). فقرأ ابن عامر و ابن كثير ،و أبو بكر عن عاصم و أبو عمرو و نافع بالتاء (تفعلوا)،(تكفروه) و قرأ الباقون بالياء (يفعلوا)،(يكفروه). نجد في القراءة الأولى (بالتاء) التفاتاً أيضاً ،فسياق الآية على أسلوب الغائب ثمّ ينتقل بنا إلى المخاطب يقول أبو حيان :"و الذيّ يظهر أنّّا التفات إلى قوله تعالى :"أمّة قائمة "،لما وصفهم بأوصاف جليلة أقبل عليهم تأنيساً لهم ،و استعطافاً عليهم ،فخاطبهم بأنّ ما تفعلون من الخير فلا تمنعون ثوابه ،و لذلك اقتصر على قوله :"من خير "،لأنّه موضع عطف عليهم ،و لم يتعرض لذكر الشرّ . "(3) هذا ما يظهر من سياق الآية و لكن لو تدبرنا قليلاً لوجدنا في الالتفات تحريكاً لمشاعر الصحابة من أجل المسارعة في فعل الخيرات ،فلو سمع أحد ما هذا الخطاب فإنّ نفسه سترتقي محاولةً تجسيد الوصف الأول ،فأي إنسان إذا بدأت بوصفه مادحاً إياه فإنّه سيصغي لأي أمر تطلب منه أن ينفذه. أمّا القراءة الثانية فجاءت مشاكلةً لأسلوب الآية لكنّها تحمل معنى مكملاً للقراءة الأولى،فالآية نزلت ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ - (4 )الآيات(443-441-447)،سورة آل عمران . - (2)ينظر،تفسير القرآن العظيم،أبي الفداء إسماعيل ابن كثير،دار ابن حزم ،ج4/ص061. - (3 )البحر المحيط،لأبي حيان ،مكتبة النصر الحديثة ،الرياض،ج 3/ص30.

عدد الصفحات ٩٨

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 86 مخاطبةً لكلّ النّاسحضوراً كانوا أم غائبين ،و خطاب الغائب هو دعوة لمن لم يدخلوا الإسلام بعد. إذاً فالنّص القرآني من خلال هاتين القراءتين ينقل رسالة إلى النبي صلى اه عليه و سلم ليبلّغها للناس أجمعين .

عدد الصفحات ٩٩

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 87 *الأنموذج الرابف* قال الله تعالى:                           "(4) قرأ ابن كثير ونافع وعاصم :" يقصُّ الحق " بالصاد. و قرأ أبو عمرو و حمزة و الكسائي و ابن عامر :" يقض الحقّ " بالضاد ،و كانت حجتهم فيها أنّ قراءة ابن مسعود :"يقضة بالحق "(2) و استدلّ أبو عمرو على قراءته بقوله تعالى :"و هو خير الفاصلين" قائلاً إنّ الفصل في القضاء لا في القصص ،و استدلوا بقوله تعالى:"                  "(3) و حجة من قرأ بالقصّ قوله تعالى:"       "(1) و مقصودهم أنّه جاء الفصل في القول لقوله تعا:"    "(7) إنّ الظاهر يوحي بأنّ قراءة(يقض) هي المناسبة لسياق الآية لأنّ الفصل لا يكون إلاّ في القضاء كما أنّّا على نّط المشاكلة و التناسب الذّي يعطي ذوقاً يشدُّ أذن السامع و لسان القارد ،و نحن بهذا لا نفضّ ل قراءة على قراءة لأنّ المعنى الذّي توحي به قراءة (يقصُّ ) غاية في الجمال و البلاغة ،كيف؟ الآية الكريمة تتحدث على حكم اه ،و القصّ بمعنى التتبع لقوله تعالى :"           ( "0 ) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ - (4 )الآية(77)،سورة الأنعام. - (2 )الحجة في علل القراءات السبع،أبي علي الحسن بن عبد الغفار الفارسي النحوي،تحقيق الشيخ عادل أحمد عبد الموجود،دار الكتب العلمية4174،ج2/ص134. - (3 )الآية(26)،سورة ،غافر . - (1 )الآية(02)،سورة آل عمران . - (7 )الآية(43)،سورة الطارق . - (0 )الآية(01)،سورة الكهف .

عدد الصفحات ١٠٠

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 88 أي أنّ نبيّنا موسى عليه السلام لما أراد الوصول إلى الرجل الصالح تتبع الأثر و غايته إيجاد الحقيقة التي تعلّمه أنّه مهما أوتي من العلم فهناك من هو أعلم منه،و هذا هو الحقّ الذي أراده اه سبحانه وتعالى كما أنّه من معاني (القصّ ) القطع،فاللّه إذا حكم بين النّاس فلا معقّب لحكمه لأنّه قطع الجدال فيه. و لو أردنا تقريب المعنى بمثال من الواقع ،نقول أنّ القاضي -و ه المثل الأعلى- إذا أراد أن يقضي بين النّاس فإنّه لا يصدر أحكاما هكذا عبثاً و إنّّا عليه أن يتتبع الأدّ لة للوصول إلى الحقائق،فإذا وصل إليها فهنا يأتي الحكم و القضاء. إذاً فالآية الكريمة تصوّر مراحل إصدار الحكم،و اه عالم الغيب و الشهادة يعلم الحقّ و يعل مه ولا يحتاج إلى تتبع للأدّ لة و لكن المقصود هو أنّه يري النّاس بالأدّ لة أنّ هذا هو الحقّ و لا داعي للجدال فيه لأنّ الإنسان لا يؤمن إلاّ بما هو ملموس و عقلي مثبت بالأدلة،فحين قال الرسول صلى اه عليه وسلم:"قل إنّي على بيّنة من ربي" ،فهو هنا يقرُّ بأنّه علم الحقيقة ممن يقصُّ الحقّ و يقضي به بين النّاس.

عدد الصفحات ١٠١

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 89 *الأنموذج الخامس* قال الله تعالى:                                            "(4) قرأ ابن عامر :"هو الذّي ينش ر كم" بالنون و الشين. و قرأ الباقون :"هو الذّي ي س يركم" بالسين و ضم الياء.(2) و حجة ابن عامر هي قوله تعا:"                               "(3) و قوله تعا:"                  "(1) و البثُّ تفريق و نشر . (7) و أمّا حجّة من قرأ (ي سير كم) فهي قول الشاعر: لسيّان حرب أن تبوءوا بخزيةٍ و قد يقبل الضّي الذّليل المسيئّر . (0 ) و كذلك استدلوا بقوله تعا :"                "(7) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ - (4 )الآية(22)،سورة يونس . - (2) الحجة في علل القراءات السبع،أبي علي الحسن بن عبد الغفار الفارسي،ج 3/ص431. - (3 )الآية(4)،سورة النساء . - (1 )الآية(21)،سورة الشورى . - (7 )ينظر، الحجة في علل القراءات السبع،ج 3/ص437. - (0 )البيت لزهير بن أبي سلمة ،الأشباه و النظائر ج 2/ص311. - (7) الآية(46)،سورة الجمعة .

عدد الصفحات ١٠٢

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 90 و لكن هذه الآية تدعم قراءة ابن عامر أكثر . قال العلماء(4):يسيرّكم فيها ،أي يجعلكم تسيرون فيها،و يحملكم على السير ،و يمكنكم منه لقوله: "           "(2) من خلال هذه القراءة (ي سيرّكم) تتجلى لنا قدرة اه سبحانه و تعالى ،فالسير في الأرض هو المضيّ فيها ،و هذا السير إنّّا هو بقدر ته لأنّه أولاً جعل لنا الأرض سهلة لقوله:"      "(3) وجعل لنا فيها سبلاً لقوله تعالى:"     "(1) و السير لا يكون من غير هدى خاصةً في البحر كما أنّ هذه الفلك لا تسير من تلقاء نفسها بل بقدرة اه الذّي جعل لنا الرياح محرّكاً لها،و جعل لنا علامات نّتدي بها لقوله تعالى:"و بالنَّ جْ ِ ه ْ يئ ْ ت د ون " ،و قوله تعالى:"                       ( "7)،و هذا التسهيل كلّه من رحمة اه سبحانه و تعالى و تسيره لنا. و أمّا عن قراءة (ينشركم ) ،فهي تبرز أنّ الإنسان من طبيعته أن يسافر و يتنقل بين البلدان طلباً للعلم أو الرزق ،و اه قدر لكلّ إنسان ذلك. و إذا أردنا الموازنة بين القراءتين تبينّ لنا ذلك التكامل الذّي تتجلى من خلاله قدرة اه سبحانه و تعالى ،فهو يسيرنا في الأرض و هذا السير ينتج عنه النشر و التفريق و البثّ ،فيظهر من خلال الكلمات حركية النّاس على الأرض و سعيهم لقضاء حوائجهم التي تتناغم فيما بينها منتجة بحراً من الدلالات و لا نجد ذلك إلاّ في كتاب اه سبحانه وتعالى. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ - (4 )الإعجاز البيافي ضوء القراءات القرآنية المتواترة، أحمد بن محمد الخراط، مجمع الملك فهد للطباعة و النشر،ص77. - (2 )الآية(44)،سورة الأنعام . - (3 )الآية(41)،سورة نوح . - (1 )الآية(26)،سورة نوح . - (7 )الآية(03 )،سورة النمل .

عدد الصفحات ١٠٣

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 91 *الأنموذج السا* قال الله تعالى: "                  "(4) بدأ اه سبحانه وتعالى بالإشارة إلى مكان الحساب بالثواب أو العقاب و تعددت القراءة كلمة(تبلوا) ،فقرأ حمزة و الكسائي (تتلو) ،و قرأ الباقون (تبلوا). أما عن قراءة (تتلو) فجاءت بمعنى تتبع لقول الشاعر: إنّ المريب يتبف المريب كما رأيت الذّيب يتلو الذّيب.(2) و التلاوة بمعنى تتابع الكلمات وفق نسق مضبوط و تعني القراءة ،فكل نفس مقيّ دة يوم القيامة بكتاب تقرأه لقوله تعالى :"          "(3) و قوله تعا :"                 "(1) فهي تقرأ ما كتبته الملائكة من أعمال حسنة كانت أو سيّئة ،فهذا الكتاب لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها و وجدت ما عملت النفس حاضراً و هذا المعنى على التلاوة بمعنى القراءة. أما إذا قلنا تتلو بمعنى تتبع فهنا تصوير حيّ و تجسيد للعمل الذّي قامت به النفس على أنّه إنسان في هيئة قائد يجرّ ها فإن كان خيراً فهي إلى الجنّة تسير و إن كان شراً فهي إلى النار تجرُّ أقدامها متثاقلة. و أما القراءة الثانية (تبلو ا) فمعناها من الإختبار لقوله تعالى:"             "(7 ) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ - (4 )الآية(36)،سورة يونس . - (2 )الإعجاز البياني في ضوء القراءات القرآنية المتواترة، أحمد بن محمد الخراط،ص 70. - (3 )الآية (41)،سورة الحاقة . - (1 )الآية (74)،سورة الإسراء . - (7 )الآية(2)،سورة الملك .

عدد الصفحات ١٠٤

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 92 و يقولالزمخشري:"كما يختبر الرجل الشيء و يتعرّفه،ليكتنه حالته."(4) و لكن هل هذا الوقت مناسب للنفس لتختبر الأشياء و تتعرف حقيقتها؟ إنّ الإنسان في هذا الموقف يرى بعين اليقين لا بالبصر الدنيوي لقوله تعالى :"     "(2) فهو في حالة من اليقظة و الانتباهيتفحص ذلك السّجل صفحة صفحة ،و سطراً سطراً لأنّ الموقف موقف تحديد مصير ،فهو يختبر عن عمله الذّي عمله في الدنيا و هل كلّ الأعمال مسجلّة ومن كثرة تقليبه يكاد يبليه. و لو جمعنا بين الصورتين لتجلّت لنا حقيقة ذلك الموقف و شدّ ته على النّ اس و كأنّنا نشاهد عبر شاشة ثلاثية الأبعاد تلك الصورة للإنسان و هو مشفق على نفسه يقوده عمله إلى مصيره. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ - (4 )الكشاف ،للزمخشري،دار الريان،القاهرة ،الطبعة الثالثة،ج2/ص311. - (2 )الآية(7)،سورة التكاثر .

عدد الصفحات ١٠٥

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 93 *الأنموذج السابف* قال الله تعالى: "            "(4) قرأ ابن كثير (و ل ي سْم ف الصُّ ) ،وقرأ الباقون (و ل ت سْمِف الصُّ َّ ). في قراءة ابن كثير يبرز لون بلاغي مصوّر ،حيث شبّه اه الكفار بالصُّم ،فكما أنّ الأصّمّ لا يسمع الكلام ،فكذلك الكفار،ومن كثرة إعراضهم عن رسول اه صلى اه عليه كانوا يجعلون أصابعهم في أذانّم لقوله تعالى:"                           "(2) فصار سمعهم الآن حاسة لا ينتفع بها و الذّي لا ينتفع بسمعه هو الأصّم. و كذلك احتوت هذه القراءة لوناً بلاغياً راقياً و هو الالتفات حيث كان يجري الكلام على منوال الخطاب لينتقل بنا إلى الغائب و يجعل التشبيه ضمني تاركاً للقارد تحديد أركانه محدثاً في ذهنه صورة حسيّة لهؤلاء البشر ،كما أنّه يحمل في طياته التقريع للكفار و الذّم لهم. أمّا في القراءة الثانية فكان التناسب و المشاكلة على منوال الخطاب لرسول اه صلى اه عليه و سلم،و هو تسلية له،فكما أنّك يا محمد لا تستطيع أن تسمع الموتى فإنّك لا تستطيع إسماع هؤلاء المعرضين عن دعوتك ،فحرص الرسول صلى اه عليه وسلم على إبلاغ كلّ النّاس جعله يرهق نفسه فوق طاقتها،فجاءت هذه الآية لتخفّ ف عنه العبء الثقيل ،و في نفس الوقت هي تصوّر الحالة النفسية لهؤلاء الكفار حيث صارت قلوبهم كالصخر لقوله تعالى :"            "(3) فهم قدفقدوا الشعور و صاروا كالموتى في القبور لا يصلهم النداء . و الجمع بين القراءتين و الموازنة بينهما يفيد وجود دلالة ثالثة و هو أنّ الأصّم ،و الميّت ،و الكافر لا يفيدون و لا يستفيدون من نعمة السمع ،لأنّّم انقطعوا عن العالم الخارجي. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ - (4 )الآية(36)،سورة النمل . - (2 )الآية(43-41)،سورة البقرة . - (3 )الآية(71)،سورة البقرة .

عدد الصفحات ١٠٦

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 94 *الأنموذج الثامن* قال الله تعالى:                   "(4) تصّف هذه الآية الكريمة حال أهل الجنّة و هم يسكنون غرفها ،و قد تعددت القراءة في كلمة ( لن بَ وة ئن هم) ،فقرأ حمزة و الكسائي بالثاء و الياء (لن ثءوةيـَنـَه مء )،و قرأ الباقون بالباء و الهمزة . و القراءة الأولى مشتقة من الفعل ثوى ،يقول الحقُّ سبحانه وتعالى :"                    "(2) و قال أيضاً:"                "(3) فالثواء من خلال الآيتين يعني الإقامة و الاستقرار،جاء في لسان العرب:"الثواء :طول المقام،و أثويت به أطلت الإقامة به."(1) أمّا القراءة الثانية فهي مشتقة من الفعل(بو أ) جاء في لسان العرب:"بوّأ إنساناً منزلاً،أي أنزله و بوّأ المنزل له:أي أعدّ ه،و التبوُّء :أن ي علم الرجل الرجل عن مكان أعجبه لينزله ،و تبوّأه أصلحه و هي ئه."(7) و قالالراغب:" أصل البواء مساواة الأجزاء في المكان ،و بوّأت له مكاناً سويته فتبوأ." (0) و قالالسخّ اوي:"أنّ أثويت إنساناً ،إذا أنزلته منزلاً يقيم فيه." (7) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ - (4 )الآية(73)،سورة العنكبوت . - (2 )الآية(17)،سورة القصص . - (3 )الآية(06 )،سورة الزُّمر. - (1 )لسان العرب ،لابن منظور مادة (ثوى)،دار صادر ،بيرروت،ج41/ص427. - (7 )المصدر نفسه،ج4/ص33. - (0 )الإعجاز البياني في ضوء القراءات القرآنية المتواترة، أحمد بن محمد الخراط،ص 16. - (7 )المرجع نفسه ،ص 16

عدد الصفحات ١٠٧

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 95 ويقول الحقُّ سبحانه وتعا:"                          " (4) إنّ التكامل بين القراءتين يظهر مباشرة من المعنى اللغوي ،و يمثّل مرحلتين من مراحل الاستعداد لاستقبال الضيف ،فالإنسان إذً ا في الحياة الدنيا إذا دعا إليه شخصاً فإنّه يلتزم بتكريمه و يقوم بتجهيز المكان الذّي سيحلُّ به ،و ه المثل الأعلى فقد وعد اه سبحانه و تعالى عباده الذّين آمنوا بأن يعدّ لهم جنّات ،فنجده ينقل لنا صورتها التقريبية عبر صور تعلقت في ذهن الإنسان ،فعلى قراءة البواء فإنّ اه عزّ وجل قد أوكل لنفسه تجهيز و إعداد الجنّة بغرف و ما يتناسب مع إكرام الضيف كلُّ حسب مقامه. و على قراءة الثّواء تأتي المرحلة الثانية فهذا المكان المجهّز يحتاج إلى من يقيم فيه ،فبعد أن يأخذ كلّ مؤمن مكانه في الجنّة فإنّه سيثوي بها مقيماً إقامةً غير محدودة بفترة زمنية ،و هذا تطمين لهم بأن تلك التقلُّ بات التيّ كانت في الدنيا زالت في المقام الذّي أنتم فيه. اه سبحانه وتعالى جعل من خلال هاتين القراءتين القارد يشتاق إلى الجنّة من خلال أسلوب تحريك المشاعر التي تتظافر منتجة رغبة عارمة للاجتهاد من أجل الوصول إلى ذلك المقام الرفيع،كما تتجلى رحمة اه في أنّه لم يخضع تلك الجنان للقانون الدنيوي المصاحب للتقلبات فجعل فيها خلوداً ما بقيت السموات و الأرض. و على العموم فإنّ كلا القراءتين لها أثر نفسي على القارد الذّي يشد سمعه تلك الكلمات المترامية على صفحة الإنتاج الدلالي. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ - (4 )الآية(13)،سورة يونس .

عدد الصفحات ١٠٨

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 96 *الأنموذج التاسف* قال الله تعالى:            "(4) كما وصفت الآية السابقة الجنّة و أهلها فإنّ هذه الآية تصف النّار و أهلها،و قد تعدّدت القراءة في كلمة (يغلي)،فقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم (يغلي)،و قرأ الباقون (تغلي). سنبدأ مع شج ر ة الزّقوم قال الواحدي :" و شج ر ة الزّقوم شيء مرّ كريه ،ي كره أهل النار على تناوله،فهم يتزقّ مونه،و هي على هذا مشتقة من التزقّم ،و هو البلع على جهد لكراهتها ونتنها ." (2 ) و قد وصفها اه سبحانه وتعالى في قوله:"     " (3) فوصف المتخيّل بالمحسوس رغم أنّه غير ظاهر،فهي شجرة تخرج في أصل الجحيم ،و أغصانّا تخرج على دركاتها،و ثمرها كأنّ ه رؤوس الشياطين ،و قد تعلق في أذهاننا قبحها وكراهيتها ،كما تعلق في أذهاننا جمال الحور العين و بهاؤها. و على القراءة الأولى (تغلي)،فإنّ الفعل مسند إلى الشجرة و المعروف أو المتعلق بذهننا أنّ الغليان للماء و ليس للشجر ،فأي حرارة هذه التي جعلت الشجر يغلي كالحمم ،إنّ هذا التصوير في الحقيقة يجعل المرء يترنح بين الحياة والموت لأنّه يتصور ما لا يحتمل العقل تصوره ،ثمّ إنّّا تغلي في البطون ،ولو استحضرنا البطن و الشجر فلا تناسب بينهما ،فلنتخيل بطن ذلك الآثم القابع في الجحيم و بطنه فيها شجرة تغلي ،لقد ملأ اه سبحانه وتعالى المشهد بالحركة من خلال كلمة واحة لا غير (تغلي). و على القراءة الثانية (يغلي) فإنّ الفعل مسند للطعام و هذا الطعام من تلك الشجرة فصار كالزيت أو القطران أو النُّ حاس المذاب لقوله تعالى:"                      "(1 ) ولكن لو أردنا تحويل المشهد إلى ثلاثي الأبعاد لقلنا بأنّ الكلام في البداية من خلال قراءة (تغلي) كان على عموم القول ،و جاءت القراءة الثانية لتفصّل الأمر ،فنرى الآثم و هو يأكل من تلك ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ - (4 )الآية(13-11-17)،سورة الدّخان. - (2 )فتح القدير للشوكاني، دار إحياء التراث العربي،بيروت ج1/ص317. - (3 )الآية(07)،سورة الصافات . - (1 )الآية(10)،سورة الكهف .

عدد الصفحات ١٠٩

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 97 الشجرة دون توقف حت صارت كلّها في بطنه لتأتي عملية الهضم و هي المرحلة الثانية منالأكل و التي بها تتحول المواد الصلبة إلى مواد كريهة تعتمل في بطنه متحوّلة إلى حمم ،كما نستطيع أن نتصور ذلك الآثم و الحمم تتدفق منه كأنّه بركان.

عدد الصفحات ١١٠

مستويات الإنتاج الدلالي للقراءات الفصل الثاني 98 *الأنموذج العاشر* قال الله تعالى: "                  "(4) ترشدنا الآية الكريمة إ لى السلوك الاجتماعي القويم الذّي يجب على المسلم العمل به و إلاّ كان آخر أمره الندامة ،و الدعوة جاءت موجّهة لطائفة الإيمان و هي الطائفة المخصوصة من الأمة الإسلامية على صيغة التحذير من هؤلاء اللذّين يمشون بين النّاس بالنميمة كما وصفهم القرآن بالفسق. و قد تعددت القراءة في كلمة (فتبي نوا) التي قرأ بها الجمهور،و قرأ حمزة و الكسائي (فتثب توا). القراءة الأولى مشتقة من الفعل تبين ،جاء في لسان العرب :"التبينُّ الإيضاح ،و تبينّ الشيء:ظهر ،و استبنت الشيء إذا تأملته حت يتبينّ لك ،و بان الشيء :اتضح." (2) و منه البيّنة و هي وضوح الحقّ لقوله تعالى:"             "(3 ) و قوله تعا :"                  "(1) من خلال الآيةالكريمة فإنّ التبينُّ عكس التشابه الذّي هو اختلاط الحقّ بالباطل،إذًا هذا النبأ قبل التبينُّ يحمل في طياته احتمالين أحدما حقيقة و الآخر كذب،و الإ نسان إذا اختلط عليه الأمر وجب عليه البحث يقول الطبري:"التبينُّ هو التّ أني و النظر،و الكشف عنه حت يتضح." (7) ويقولالطاهر بن عاشور:"التبينُّ طلب بيان الأمور فلا تعجلوا، فتتبعوا الخواطر الخاطفة الخاطئة."(0) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ - (4 )الآية(0)،سورة الحجرات . - (2 )لسان العرب،ابن منظور،ج 43/ص07. - (3 )الآية(4)،سورة البيّنة. - (1 )الآية(76 )،سورة البقرة . - (7 )جامع البيان عن تأويل القرآن،للطبري،دار الفكر ،بيروت، ج7/ص227. - (0 )التحرير و التنوير،محمد الطاهر بن عاشور،الدار التونسية للنشر،ج 7/ص407.

عدد الصفحات ١١١