المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الجزء الثاني من كـتاب عودة الخلافة

غير معروف

صفحة ٩ من ٤٢

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 434 وقد أجلى الوليد بن يزيد بعض أهل قريص إلى الشام؛ لما اتهمهم بممالأة الروم، فأنكر الناس عليه ذلك، فردهم بعده يزيد بن الوليد إلى بلدهم.(4) 62. إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بويع بعد أخيه فأقام نحو شهرين، وخلع نفسه سنة ٧ه وسلم الأمر إلى مروان بن محمد. والصحيح أنه لا يعد في الخلفاء لعدم ثبوت خلافته، كما لا يعد الوليد بن يزيد لعدم أهليته بالفسق، قال السيوطي : (وقال المدائني: لم يتم لإبراهيم أمر، كان قوم يسلمون عليه بالخلافة، وقوم يسلمون بالإمرة، وأبى قوم أن يبايعوا له، وقال بعض شعرائهم: نبايع إبراهيم في كل جمعة... ألا إن أمرا أنت واليه ضائع)! (2) 62. مروان بن محمد بن مروان بن الحكم بويع بعد إبراهيم فأقام خمس سنين، وخرج عليه بنو العباس في خراسان والعراق، فوجه السفاح إليه من الكوفة عبدالله بن علي بن عباس ببيش، فخرج مروان له في زاب الموصل فانهزم مروان، فاتبعه عبدالله إلى فلسطين فالتقيا ودارت الدائرة على مروان، ففر إلى مصر فتبعه صالح بن علي بن عبدالله بن عباس فقتله سنة 432ه، وهو آخر خلفاء بني أمية. (4) فتوح البلدان للبلاذري ص242. (2) تاريخ الخلفاء ص429.

عدد الصفحات ١٣١

vvvvvvvvvvvvvvvv 432 قال عنه السيوطي: (وكان مشهورا بالفروسية، والإقدام، والرجولة، والدهاء، والعسف، فلما قتل الوليد وبلغه ذلك وهو على أرمينية دعا إلى بيعة من رضيه المسلمون فبايعوه، فلما بلغه موت يزيد أنفق الخزائن، وسار فحارب إبراهيم فهزمه، وبويع مروان وذلك في نصف صفر سنة سبع وعشرين، واستوثق له الأمر.. ثم إنه لم يتهن بالخلافة؛ لكثرة من خرج عليه من كل جانب إلى سنة اثنتين وثلاثين، فخرج عليه بنو ا لعباس، وعليهم عبدالله بن علي عم السفاح فسار لحربهم، فالتقى البمعان بقرب الموصل، فانكسر مروان، فرجع إلى الشام، فتبعه عبد الله، ففر مروان إلى مصر، فتبعه صالح أخو عبد الله، فالتقيا بقرية بوصير، فقتل مروان بها في ذي الحبة من السنة). (4) وكان مروان قد افتتح قونيا سنة 425 وكان أميرا على البزيرة، وكان كما قال الذهبي: (بطلا شباعا داهية، رزينا.. وقد افتتح في سنة خمس ومائة قونية، ووي إمرة البزيرة وأذربيبان لهشام في سنة أربع عشرة ومائة، وقد غزا مرة حتى جاوز نهر الروم.. ومع كمال أدواته لم يرزق سعادة، بل اضطربت الأمور، وولت دولته، مبويع بالإمامة في نصف صفر، سنة سبع وعشرين ومائة، ولما سمع بمقتل الوليد في العام الماضي، دعا إلى بيعة من رضيه المسلمون، فبايعوه.. قال المدائني: كان مروان عايم المروءة.. قال الوزير أبو عبيد الله: قال ي المنصور: ما كان أشياخك الشاميون يقولون؟ ق لت: أدركتهم يقولون: إن الخليفة إذا استخلف، غفر له ما مضى من ذنوبه، فقال: إي والله، وما تأخر. أتدري ما الخليفة؟ به تقام الصلاة، والحج، والبهاد، ويباهد العدو، قال: فعدد من مناقب الخليفة ما لم أسمع أحدا ذكر مثله، وقال: والله لو عرفت من حق الخلافة في دهر (4) تاريخ الخلفاءص 492.

عدد الصفحات ١٣٢

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 433 بني أمية ما أعرف اليوم، لأتيت الرجل منهم فبايعته، فقال ابنه: أفكان الوليد منهم؟ فقال: قبح الله الوليد! ومن أقعده خليفة؟! قال: أفكان مروان منهم؟ فقال: لله دره ما كان أحزمه وأسوسه، وأعفه عن الفيء..)(4). فهو آخر خليفة من بني أمية، قال ابن تغري بردي: (وأما عدد خلفاء بنى أمية فهم أربعة عشر، هم: معاوية بن أبى سفيان، ثم ابنه يزيد بن معاوية، ثم ابنه معاوية بن يزيد، ثم مروان بن الحكم، ثم ابنه عبد الملك بن مروان، ثم ابنه الوليد ابن عبد الملك، ثم أخوه سليمان بن عبد الملك، ثم ابن عمه عمر بن عبد العزيز بن مروان، ثم يزيد بن عبد الملك، ثم أخوه هشام بن عبد الملك ثم الوليد الفاسق ابن يزيد بن عبد الملك، ثم ابن عمه يزيد بن الوليد بن عبد الملك، المعروف بالناقص، ثم أخوه إبراهيم، ثم مروان بن محمد بن مروان بن الحكم المعروف بالحمار؛ وهو آخرهم، قتل بسيف بنى العباس)(2). كذا قال ابن تغريوغيره من المؤرخين، وفيه نار! بل عدتهم على الصحيح ثمانية خلفاء ممن ثبتت ولايتهم شرعا وواقعا، واجتمعت عليهم الأمة أو أكثرها -فلا يعد فيهم يزيد بن معاوية كما قال ابن البوزي لخروج الأمة عليه، وعدم استقرار الأمر له، ولا يعد معاوية بن يزيد؛ لرده الأمر إلى الأمة، وخروجه منه بعد توليه بأيام، ولا مروان بن الحكم لعدم ثبوت ولايته فلم يبايعه إلا أهل الشام، ولا الوليد بن يزيد ؛ لعدم أهليته، وعدم استقر ار الأمر له، وخروج الأمة عليه وقتله بعد ستة أشهر، ولا يزيد بن الوليد مع صلاحه وعدله ؛ لاضطراب مدته مع قصرها ، فلم يبتمع الناس عليه، ولا إبراهيم بن الوليد؛ لعدم ثبوت (4) سأعلام النبلاء 6/5. (2) النبوم الزاهرة5 /٧

عدد الصفحات ١٣٣

vvvvvvvvvvvvvvvv 434 بيعته- فهؤلاء الذين يصح دخولهم -بعد الخلفاء الراشدين الأربعة - في الحديث الصحيح: (لا يزال هذا الدين -أو هذا الأمر - عزيزا منيعا إلى اثني عشر خليفة كلهم من قريش). و قد كان آخر ولا ة بني أمية على مصر: عبد الملك بن مروان بن موسى بن نصير. وولى مروان على مكة والمدينة والحباز: يوسف بن محمد بن يوسف الثقفي، ثم عبدالعزيز بن عمر بن عبد العزيز، ثم عبد الواحد بن بشر. وعلى أفريقية والمغرب: عبد الرحمن بن حبيب الفهري وهو آخر عمالها لبني أمية. وعلى الأندلس: ثوابة البذامي ثم يوسف بن عبد الرحمن الفهري وهو آخر ولاتهم فيها. وهرب عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك إلى الأندلس؛ فبايعه أهلها أميرا.

عدد الصفحات ١٣٤

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 435 الفصل الرابع: الخلافة العباسية في العراق من سنة 623هـ إلى 232 هـ: تمثل الخلافة العباسية امتدادا للدولة الإسلامية الواحدة، وناا مها السياسي الواحد (الخلافة) القائم على وحدة دار الإسلام، ووحدة الأمة، ووحدة المرجعية (الكتاب والسنة)، وإن كانت سلطة جديدة، تختلف في أسباب قيامها عن السلطة الأموية ؛ التي تمثل فتر ة زمنية من مراحل تلك الدولة الواحدة التي كانت أحوج ما تكون إلى الوحدة ، واجتماع الكلمة، واستئناف الفتوح ، بعد أن عصفت بها الفتن الداخلية منذ قتل الخليفة الراشد عثمان إلى عام البماعة؛ وهو ما قام به الخلفاء الأمويون على أكمل وجه إلى أن بلغت حركة الفتح مداها، واتسعت حدود الدولة الإسلامية إلى أقصاها، شرقا وغربا، بينما أصبحت في القرن الثاني الهبري أحوج إلى الشور وعدم الاستئثار بالسلطة؛ وهو ما نبح العباسيون في تحقيقه؛ ما أد إلى استقرار الخلافة سبعة قرون لاحقة، في عصريها بين بغداد والقاهرة، إلى مطلع القرن العاشر الهبري! لقد تتابعت الثورات وحركات الاحتباج في العهد الأموي ضد الاستبداد بالس لطة، والاستئثار بالأمر دون الأمة، وبلغ ذلك ذروته في حركة بني العباس التي ابتدأت الدعوة إليها بشكل سري منذ وفاة عمر بن عبدالعزيز سنة 424ه إلى أن لهرت سنة432ه، والتي كانت في حقيقتها ثورة شعبية عامة؛ شاركت فيها جميع الأقاليم، بما فيها الشام والحباز، حيث ألقي القبض على أنصارها في مكة، وكانوا من الفقهاء والقواة، وإن كان بدء لهور الدعوة العباسية من خراسان؛ لبعدها عن دمشق عاصمة الخلافة، حيث وجد أنصارها

عدد الصفحات ١٣٥

vvvvvvvvvvvvvvvv 436 فرصة للحركة والاهور، حتى كان النصر حليفها في معركة الزاب سنة432ه، وبويع أبو العباس السفاح خليفة، واتخذ الكوفة عاصمة للدولة، ثم بنى أخوه أبو جعفر المنصور بغداد، وللت عاصمة للخلافة مدة خمسة قرون، إلى أن سقطت بغزو هولاكو 656ه وكان عدد خلفاؤهم فيها ٧ خليفة ثم انتقلوا إلى مصر، و كان عددهم فيها ٧ خليفة. قال مرعي: (وفي صدر ولايتهم إلى المتوكل على الله كانت أعمالهم سائر ب لاد الإسلام، غير الأندلس فإنها خرجت عنهم بتغلب بني أمية عليها، واستمرت الخلافة فيهم نحو 222 سنة، وكان يان بقاؤها فيهم إلى أن يسلموها للمهدي آخر الزمان(4) وقال البشاري المقد في عدد خلفاء بني العباس وقواتهم: (أبو العباس عبدالله بن محمد بن علي بن العباس بويع له سنة 432ه، ومات سنة 436ه، بالأنبار، وكان قاضيه: يحيى بن سعيد الأنصاري. ثم بويع للمنصور أبي جعفر عبدالله بن محمد سنة 436 ومات سنة 452ه، وكان قاضيه: عبيد الله بن صفوان وشريك والحسن بن عمارة. ثم جلس بعده المهد ي أبو عبدالله بن المنصور سنة 452ه، وكان قاضي ه: محمد بن عبدالله بن علا ثة وعافية ابن يزيد توفي سنة 469ه. وبويع للهادي أبي محمد موسى بن المهدي، وكان قاضيه: أبو يوسف وسعيد بن عبدالرحمن توفى سنة 2ه. وجلس بعده الرشيد أبو جعفر هارون بن المهدي ليلة البمعة رابع عشر ربيع الأول سنة 2ه، قاضيه : الحسين بن الح سن الصوفي ثم عون بن عبدالله المسعودي، وحفص بن غياث مات بطوس سنة 493ه. فبويع للأمين محمد ابنه لسبع خلون من جماد الآخرة سنة 493ه، ثم خرج إليه أخوه المأمون فقتله، وبويع له سنة 492ه، قواته: الواقدي ومحمد بن عبدالرحمن المخزومي ثم بشر بن الوليد ثم يحيى بن أكثم، وتوفى سنة 242ه بطرسوس. وبويع لأبي إسحاق محمد بن (4) نزهة النالرين ص65.

عدد الصفحات ١٣٦

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv ٧ الرشيد المعتصم، قاضيه: أحمد بن ابى دؤاد ومات سنة ٧ه. ثم بويع لابنه الواثق أبى جعفر هارون، قاضيه: أحمد بن ابى دؤاد توفي سنة 232ه. فبويع لأخيه أب ي الفول جعفر المتوكل، قاضيه: جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، وتوفى سنة ٧ه. فبويع لابنه المنتصر أبي جعفر محمد، قاضيه : جعفر بن عبد الواحد، توفى سنة 242ه. ثم بويع لابنه أب ي العباس أحمد المستعين، قاضيه: جعفر بن محمد ابن عمار، ثم خلع نفسه بعد ثلاث سنين وثمانية أشهر. وبويع للمعتز بن المتوكل، قاضيه: الحسن بن محمد بن أبي الشوار ب. ثم بويع للمعتمد أبي العباس أحمد بن المتوكل سنة 256ه، قاضيه: ابن أبي الشوارب، ومات سنة 9ه. ثم بويع لابنه أب ي العباس أحمد بن أبى أحمد المعتود قاضيه إسماعيل بن إسحاق ويوسف بن يعقوب وابن ابى الشوارب توفى سنة 229ه. ثم بويع ابنه أبو محمد علي المكتفي قاضيه يوسف بن يعقوب وابنه محمد توفى سنة 295ه. ثم بويع ابنه أبو الفول جعفر المقتدر بالله قاضيه محمد بن يوسف بن يعقوب ثم ابنه يوسف ثم يعقوب أبو عمرو، قتل سنة 322ه. ثم جلس القاهر سنة وستة أشهر . ثم الراضي سبع سنين وعشرة أيام . ثم المتقي ثلاث سنين وأحد عشر شهرا . ثم المستكفي سنة 333ه، قاضيه أبو عبدالله ابن أبى موسى الضرير ثم كحل سنة 334ه، وأجلسوا المطيع أبا القاسم الفول، وكل هؤلاء أبناء المعتود فبقي له الأمر الى سنة 363ه، ثم خلع نفسه. واجلس ابنه عبد الكريم أبا بكر الطائع، قاضيه أبو محمد عبيد الله بن أحمد بن معروف).(4) وفي هذا النص يتبلى بوضوح مكانة القواء وقاضي القواة، كمؤسسة من مؤسسات الدولة، وأهمية السلطة القوائية، حتى صارت شرعية الخليفة والسلطة التنفيذية نفسها منوطة بعدالة من يتولى السلطة القوائية؛ ولهذا صار يذكر الخليفة ومن يتولى القواء (4) أحسن التقاسيم ص434

عدد الصفحات ١٣٧

vvvvvvvvvvvvvvvv 432 له، كما كانت الوزارة في العالعباسي من أبرز مؤسسات الدولة منذ أول خليفة عباسي؛ اعترافا بحق القو الاجتماعية والسياسية البديدة خاصة من غير العرب في المشاركة في إدارة شئون الدولة، قال القلقشندي: (أول من سُ مّ ي وزيرا في الإسلام : أحمد بن سليمان الخلال، وزير السفاح أول خلفاء بني العباس، ثم تبعه وزراء الخلفاء والملوك على ذلك، وكانوا قبل ذلك يقولون كاتبا. وأول من لُ قّ ب بالصاحب من الوزراء: كافي الكفاة إسماعيل بن عباد، وكان السبب في ذلك أنه كان يصحب الأستاذ ابن العميد، فكانوا يقولون صاحب ابن العميد، ثم غلب عليه اللقب حتى قيل له الصاحب مبردا وتبعه الخلفاء على ذلك. وأول من لُ قّ ب بالملك الفلاني من وزراء الفاطميين بالديار المصرية: رضوان بن ولخشي وزير الحافظ، لقب الملك الأفول، ثم صار رسما لوزرائهم بعد ذلك، وتبعهم ملوك الديار المصرية على ذلك إلى الآن..). (4) لقد كان استحداث الوزارة كمؤسسة رديف للخلافة -التي هي أعلى مؤسسات ناام الدولة- تنوب عنها في مباشرة أعمالها، واتخاذ أبي العباس السفاح منذ بداية عهده وزيرا من المواي : خطوة ضرورية على طريق الإصلاح، وتحقيق أهداف الثورة، بإشراك القو الاجتماعية البديدة من غير العرب -الذين باتوا قوة رئيسة كان لها دور كبير في الثورة- في إدارة الدولة في السلطة البديدة، التي جاءت بمشروع إصلاحي سياسي مبتمعي ؛ ير وجوب إشراك الأمة بالأمر، وعدم الاستئثار بالسلطة من دونها، وكان المواي وهم من دخلوا في الإسلام من الأمم الأخر ، خاصة من الفرس والترك قد برزوا مبكرا في الساحة العلمية و الفقهية، حتى كان أكثر فقهاء الأمصار منهم في أواخر القرن الأول، كمباهد، وطاووس، (4) صبح الأع 4 /5 لأبي العباس القلقشندي المتوفى سنة 224 ه- 4442م

عدد الصفحات ١٣٨

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 439 وعطاء، وعكرمة، والحسن البصري، وابن سيرين، ومكحول، ثم تولوا القواء، وشاركوا بعد ذلك في حركات الاحتباج والثورة، كما ذكر ابن عبد ربه عن الباحظ، في كتابه "المواي والعرب": (أن الحباج لما خرج عليه ابن الأشعث وعبد الله بن البارود، ولقي ما لقي من قراء أهل العراق وكان أكثر من قاتله وخلعه وخرج عليه، الفقهاء والمقاتلة والمواي من أهل البصرة؛ فلما علم أنهم البمهور الأكري والسواد الأعام، أحب أن يسقط ديوانهم ويفرق جماعتهم حتى لا يتألفوا ولا يتعاقدوا، فأقبل على المواي وقال: أنتم علوج وعبم، وقراكم أولى بكم)(4). فابتدأت الخلافة في عهدها العباسي بإعادة توزيع السلطة بين مكونات المبتمع الإسلامي البديدة -التي لم تعد تقتصر عل العرب وحدهم بعد امتداد حركة الفتح شرقا وغربا، ودخول الأمم في الإسلام ورسوخ قدمها فيه- وتحقيق المساواة بينها في توي الولايات العامة في الدولة، وهو من أهم أسباب استقرار الخلافة واستمرار العهد العباسي نحو ثمانية قرون، حيث استطاعت الخلافة فيه حل المشكل السياسي الذي تمثل في الاستبداد بالسلطة، والاستئثار بها في العهد الأموي، وستكون ال وزارة التي تنوب عن الخلافة في إدارة شئون الدولة هي الحل الأمثل لفتح الطريق أمام الأكفاء -من كل مكونات المبتمع- من رجال الدولة وقادتها لتوي المسئولية، جنبا إلى جنب مع الخلفاء؛ وهو ما خفف من حدة الاحتقا ن السياسي الداخلي، ونزع فتيل الثورات الشعبية العامة الت ي حدثت في العهد الأموي، وسيكون لتطور الناام السياسي في هذا العهد أكري الأثر في استقرار الدولة و ازدهارها قرونا طويلة، هذا التطور الذي واكب التحولات العميقة في المبتمع الإسلامي، ووراعى تنافس مكوناته البديدة -سواء القومية من الفرس والترك وغيرهم، أو المهنية من الكتاب الإداريين، (4) العقد الفريد3 /364.

عدد الصفحات ١٣٩

vvvvvvvvvvvvvvvv 442 والعسكريين المقاتل - على المشاركة في إدارة شئونه، فشهد استحداث ناام الوزارة وصلاحيات الوزير، ثم ناام السلطنة وصلاحيات السلطان، هذا التطور السياسي الذي بدأ منذ البيعة لأول خليفة عباسي بعد نباح الثورة مباشرة. تطور النظام السياسي في العصر العباسي: 6- أبو العباس السفاح عبدالله بن محمد بن علي بن عبدالله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم، تولى الخلافة بعد القواء على سلطة بني أمية في الشام بعد معركة الزاب، ودخول جيوشه دمشق عاصمة الخلافة والدولة، وبويع سنة 432ه بالكوفة، وتوفي سنة 436ه. وقد نزل الأنبار وبنى الهاشمية فيها، واستوزر حفص بن سليمان الخلال، فكان أول من لقب بالوزارة في الإسلام، وجعل على ديوان الخراج خالد بن برمك ثم استوزره، وكان من كبار شيعتهم مع الخلال، واستقضى ابن أبي ليلى.(4) وقد ولى على مصر عمه صالح بن علي بنعبدالله بن عباس، وعلى الشام عمه عبدالله بن علي، وعلى خراسان أبا مسلم، وعلى مكة والمدينة والحباز واليمن عمه داود بن علي فتوفي سنة 433ه فولى بعده زياد بن عبدالله الحارثي، وعلى اليمن عمر بن زيد بن عبدالله الحارثي، وأقر على أفريقية والأندلس يوسف بن عبد الرحمن الفهري بعد أن بعث بطاعته إليه. (4) مآثر الإنافة4/2.

عدد الصفحات ١٤٠

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 444 وقد كان الوزير حفص بن سليمان من كبار شيعة بني العباس (ولما غلب أبو مسلم ع خراسان واستولى على كورها وقويت شوكته، سار إلى العراق بالبنود، وكان لما قبض مروان على إبراهيم الإمام وحبسه بحران خاف أخواه السفاح والمنصور وجماعة من أقاربهم فهربوا وقصدوا الكوفة، وكان لهم بها شيعة، منهم أبو سلمة حفص بن سليمان الخلال، وكان من كبار الشيعة بالكوفة، وصار بعد ذلك وزيرً ا للسفاح ثم قتله السفاح، فأخلى لهم أبو سلمة الخلال دارً ا بالكوفة وأمر لهم بها وتولى خدمتهم بنفسه وكتم أمرهم. واجتمعت الشيعة إليه وقويت شوكتهم، فوصل أبو مسلم بالبنود من خراسان إلى الكوفة، فدخل على بني العباس وقال: أيكم ابن الحارثية؟ فقال له المنصور: هذا، وأشار إلى السفاح. وكانت أمه حارثية، فسلم أبو مسلم عليه بالخلافة، وخرج السفاح ومعه إخوته وعمومته وأقاربه وأكابر الشيعة، وأبو مسلم بين يديه إلى البامع، فصلى وصعد المنري وألهر الدعوة وخطب الناس وبويع بالخلافة، وذلك في سنة مائة واثنتين وثلاثين... كان أبو سلمة سمحًا كريمًا مطعامًا كثير البذل مشغوفًا بالتنوق في السلاح والدواب، فصيحًا عالمًا بالأخبار والأشعار والسير والبدل والتفسير، حاضر الحبة ذا يسار ومروءة لاهر ة، فلما بويع السفاح استوزره وفوض الأمور إليه وسلم إليه الدواوين ولقب وزير آل محمد).(4) فقد كان توزير الخلال اعترافا من العباسيين بدور المواي السياسي ووقوفهم مع الثورة على بني أمية، حيث بدأت المكونات المبتمعية من غير العرب تأخذ مكانها في الدولة، قال الصفدي عنه: (كان من دعاة بني العباس، وكان يعرف بوزير آل محمد، وهو أول من وقع عليه اسم الوزير في الإسلام، قدم الحميمة من أرض الشراة، و أشخصه منها إبراهيم الإمام (4) الفخري في الآداب السلطانية- ابن طباطبا ـ ص 53.

عدد الصفحات ١٤١

vvvvvvvvvvvvvvvv 442 بالكتب إلى النقباء بخراسان، قال أحمد بن سيار في أسماء النقباء الاثني عشر: كلهم من مرو، سبعة من العرب وخمسة من المواي ، فلما قبض على إبراهيم، لهر من أبي سلمة الميل إلى أبي علي، فدس عليه أبو مسلم الخراساني من قتله سنة اثنتين أو ثلاث وثلاثين ومائة. فقال سليمان بن المهاجر الببلي: إن المســاءة قـد تســ ـــــ ر وربما إن الــوزيــر وزيــر آل مــحــمــد كان الســــرور بما كرهت نذيـــ را أود فمن يشــناك كــــان وزيــــ را وكان السفاح يأنس به؛ لأنه كان ذا مفاكهة حسنة، ممتعا في حديثه، أديبا عالما بالسياسة والتدبير، وكان ذا يسار. وأنفق أموالا كثيرة في إقامة الدولة العباسية . ولما وي الس فاح، استوزره. وكان السفاح لما أشار عليه أبو مسلم بقتله قال: هذا الرجل بذل ماله في خدمتنا ونصحنا، وقد صدرت منه زلة، فنحن نغفرها له. فلما سمع أبو مسلم ذلك، سير جماعة كمنوا له ليلا، فلما خرج من عند السفاح ليلا، وكان يسمر عنده ليلا بالأنبار، وثبوا عليه وخبطوه بالسيوف. وأصبح الناس يقولون: قتله الخوارج. وكانت قتلته بعد بيعة السفاح بأربعة أشهر سنة اثنتين وثلاثين ومائة).(4) تطور ديوان الوزارة وقد تطور البهاز الإداري للدولة من خلال اتساع أعمال الوزارة التي كان يتولاها الكتاب الأكفاء، كما قال ابن التغري بردي: (ثم صارت الخلافة لبني العباس فاتخذوا كتابهم وزراء، وكان أول خلفاء بني العباس أبو العباس عبدالله بن محمد السفاح فاتخذ أبا سلمة حفص بن سليمان الخلال، وهو أول وزير وزر في الإسلام، ثم استوزر معه خالد بن برمك وسليمان بن مخلد والربيع بن يونس، فتراكمت عليهم الأشغال، واتسعت عليهم الأمور، (4) الوافي بالوفيات4 /324)

عدد الصفحات ١٤٢

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 443 فأفردوا للمكاتبات ديوانًا، وكانوا يعريون عنه تارة بصاحب ديوان الرسائل، وتارة بصاحب ديوان المكاتبات، وتفرقت دواوين الإنشاء في الأقطار، فكان بكل مملكة ديوان إنشاء).(4) وقال العسكري(2): أول من اتخذ الدفاتر للحساب في الديوان خالد بن برمك: وكان قبل ذلك في أدراج، وهو أول من رسم ديوان الخيل على ما هو عليه اليوم، وجدت بخط أبي أحمد لما استخلف السفاح أقر خالد بن برمك على ما كان إليه من أمر الغنائم وقسمها، وضم إليه ديوان الخراج والبند فحسن أثره وكان الديوان صحفًا مدرجة، فبعلها دفاتر فخص بأبي العباس وعرض إليه بعد أبي سلمة، وقال الشاعر في آل برمك: وزارة تشـــــــغل عقـــــد العاقد قــد أحكمــت بــالشـــد والوطــائــد ورثــتــمــوهــا عــن أبــيــكم خــالــد للــــولــــد الــــغابر بعد الوالد 3- أبو جعفر المنصور عبدالله بن محمد بن علي بويع بعهد أخيه السفاح إليه، وبنى بغداد، فأقام 22 سنة خليفة، وتوفي محرما بالحج قرب مكة سنة 452ه، وقد (كان حازم الرأي، على غاية من الحزم وصواب التدبير).(3) وقد استوزر خالد بن برمك ثم الربيع بن يونس مولاهم (وكان الربيع جليلا نبيلا منفذا للأمور مهيبا فصيحا كافيا حازما عاقلا فطنا، خبيرا بالحساب والأعمال، حاذقا بأمور الملك، بصيرا بما يأتي ويذر، محبا لفعل الخير).(4) (4) النبوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة2 /355 (2) الأوائل للعسكري 4 /426 (3) مآثر الإنافة4/5. (4) الفخري في الآداب السلطانية ص 66

عدد الصفحات ١٤٣

vvvvvvvvvvvvvvvv 444 وفي عهد المنصور فتحت ا لتان والقندهار من أرض السند، وهدم البد صنمهم وبني مكانه مسبد، وكانت الملتان قد فتحها محمد بن القاسم أيام الوليد بن عبد الملك، ثم خرجوا عن الطاعة. وفي سنة 445ه بنى مدينة بغداد واتخذها عاصمة وبنى الرصافة، وفي هذه السنة خرج عليه محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن ذو النفس الزكية في الحباز، فأرسل إليه جيشا فهزمه، فخرج أخوه إبراهيم بن عبدالله في العراق، فقاتله وقتله. وفي سنة 442ه توفي جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين، وتوفي أبو حنيفة إمام أهل الرأي في العراق سنة 452ه، وفي سنة 456ه توفي الأوزاعي فقيه أهل الشام. وكانت كل الأمصار تحت ولايته من المشرق إلى المغرب، حتى انتزع الأندلس صقر قريش عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان سنة 439ه واتخذ قرطبة عاصمة له ولل فيها أميرا حتى توفي سنة 4ه. وقد كان شباعًا حازمًا مستبدًا مع صلاح ودين وعدل في الرعية.(4) ولم يدّعِ عبد الرحمن الخلافة، ولم يُ نازع فيها، بل اكتفى بالإمارة الخاصة على الأندلس، واتخذ قرطبة عاصمة له، وكان مع ذلك كما قال ابن الأثير: (يدعو للمنصور)(2)، ومن قبله للسفاح؛ اعترافا منه بالخلافة العامة في بغداد، وقد تركه أبو جعفر المنصور؛ اكتفاء منه بهذا الاعتراف بالتبعية، وليقوم بحفظ ثغر الأندلس في وجه الفرنبة، حيث كان شارلمان (4) تاريخ الذهبي2/466. (2) الكامل في التاريخ5 /9.

عدد الصفحات ١٤٤

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 445 يهدد باجتياحه، وقد كان أبو جعفر المنصور هو الذي لقب عبد الرحمن "صقر قريش وكان يعبب من شباعته ودهائه! وقال ابن خلدون عن اعتراف عبدالرحمن بالخلافة ببغدا د: (واستقر بقرطبة، وبنى القصر والمسبد البامع.. ووفد عليه جماعة من أهل بيته من المشرق، وكان يدعو للمنصور، ثم قطعها، لما تم له الملك بالأندلس)، وقال بعد ذلك: (وكان أبو جعفر المنصور يسميه صقر بني أمية لما رأ ما فعل بالأندلس، وما ركب إليها من الأخطار، وأنه صم د إليها من أنأ ديار المشرق من غير عصابة، ولا قوة، ولا أنصار، فغلب على أهلها وعلى أميرهم.. وكان عبدالرحمن هذا يلقب بالأمير، وعليه جر بنوه من بعده، فلم يدع أحد منهم بأمير المؤمنين، إذ بايع الخلافة بمقر الإسلام ومبتدأ العرب، حتى كان عبد الرحمن الناصر وهو ال ثامن منهم على ما نذكره فتسمى بأمير المؤمنين وتوارث ذلك بنوه واحدا بعد واحد.. وكان عبد الرحمن عندما تمهد له الأمر بالأندلس، ودعا للسفاح، ثم خلعه واستبد بأمره)(4). وهذا نص صريح باعتراف عبد الرحمن وبنيه من بعده بوحدة الدولة، وبالخلافة العامة ببغداد والتبعية لها، والدعاء لأبي العباس السفاح ثم للمنصور ؛ لما تقرر شرعا من بطلان تعدد الخلفاء والأئمة في دولة الإسلام، وإنما استبد بالأمر في إقليم الأندلس وحده، دون منازعة منه للخلافة ببغداد في السلطة العامة على الأمة، حتى جاء ثامن أمراء الأندلس في مطلع القرن الرابع، وهو عبد الرحمن الناصر وادّ عى الخلافة سنة 346ه،بعد أن استولى الفاطميون على المغرب وادّ عائهم الخلافة، وانقطع ما بينه وبين الخلافة ببغداد من اتصال (4) العري 4 /456.

عدد الصفحات ١٤٥

vvvvvvvvvvvvvvvv 446 بعد ضعفها، فرأ بأن شرعيته السياسية باتت مهددة، فادّعى الخلافة حينئذ، ودخل في صراع مع الفاطميين؛ مما يؤكد تبعيته قبل ذلك للخلافة ببغداد، وإن استبد بالأندلس. وما ذكره ابن خلدون من أن عبدالرحمن قطع الدعوة للمنصور بعد أن توطد له الأمر، فيه نار، فقد توفي المنصور سنة 452هقبل أن يستقر الأمر لعبد الرحمن في الأندلس، حيث لم تتحقق له السيطرة على الإقليم إلا بعد سنة 462ه، ولم تتوقف الثورات عليه إلى قبيل وفاته، كما كان الخطر الأوربي يهدده، فكانت حاجته للشرعية السياسية التي توطد سلطته تمنعه من منازعة الخلافة ببغداد الأمر، أو الخروج عنها . وقد كان المنصور يتحر العدل، وكان معاوية قد صالح أهل قريص صلحا دائمًا على مال، فزاده عليهم عبد الملك بن مروان، فلما استخلف المنصور العباسي قال: (نحن أحق من أنصفهم، ولم نتكثّر بالمهم، فردهم إلى صلح معاوية).(4) وقد أحدث أهل قريص حدثًا، فاستشار عبد الملك بن صالح بن علي العباسي أمير الشام علماء عصره وأراد نقض الصلح، فكتب إليه مالك بن أنس: (أر ألا تعبل بنقض عهدهم ومنابذتهم حتى تتبه الحبة عليهم، فإن الله تعالى يقول: ﴿فَأَتِمُّوار إِلَيرهِمر عَهردَهُمر إِلىَ مُدَّتِهِمر﴾) (2). وكتب موسى بن أعين: (لم أر أحدًا ممن مضى نقض عهد أهل قريص ولا غيرها، ولعل عامتهم وجماعتهم لم يمالئوا على ما كان من خاصتهم، وأنا أر الوفاء لهم والتمام على شرطهم، وإن كان منهم الذي كان…) (3). (4) فتوح البلدان للبلاذري ص244. (2 )المصدر السابق ص 242. (3) المصدر السابق ص 243.

عدد الصفحات ١٤٦