المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الجزء الثاني من كـتاب عودة الخلافة

غير معروف

صفحة ١٠ من ٤٢

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv ٧ وكتب إليه إسماعيل بن عياش: (أهل قريص أذلاء مقهورون يغلبهم الروم على أنفسهم ونسائهم، فقد يحق علينا أن نمنعهم ونحميهم، فقد كتب حبيب بن مسلمة لأهل تفليس في عهده: إنه إن عرض للمسلمين شغل عنكم، وقهركم عدوكم فإن ذلك غير ناقض عهدكم بعد أن تفوا للمسلمين، وأنا أر أن يُقروا على عهدهم وذمتهم، فإن الوليد بن يزيد قد كان أجلاهم إلى الشام فاستفاع ذلك المسلمون، واستعامه الفقهاء، فلما وي يزيد بن الوليد بن عبد الملك ردهم إلى قريص، فاستحسن المسلمون ذلك من فعله، ور أوه عدلاً )(4). وقال الأوزاعي –إمام أهل الشام -: (ما وفى لنا أهل قريص قط، وإنا لنر أنهم على عهدهم، وأن صلحهم وقع على شيء فيه شرط لهم –ألا يكتموا الروم أمر المسلمين– وشرط عليهم، ولا يستقيم نقوه إلا بأمر بينّ يعرف فيه غدرهم ونكثهم) (2). وكتب إليه يحيى بن حمزة (كل أهل عهد لا يقاتل المسلمون من روائهم، وتبري عليهم أحكامهم في دارهم فليسوا بأهل ذمة، لكنهم أهل فدية، يُكف عنهم ما كفّوا، ويوفى لهم بعهدهم ما وفوا ورضوا، ويقبل عفوهم ما أدّوا)(3). وكل ما سبق دليل على أن الخلافة العباسية تعد نفسها امتدادا للسلطة التنفيذية في الدولة الإسلامية ؛ كما الخلافة الأموية التي قبلها ؛ فتلتزم بعهودها التي وقعتها، وتبري الأحكام التي أصدرها قواتها، وتلتزم بالمرجعية التشريعية ذاتها، وتشاور فقهاء العصر الذين كانوا يمثلون تلك المرجعية، ويشكلون سلطة حقيقية لا تستطيع السلطة التنفيذية تباوزها في الأحكام الفقهية الاجتهادية ؛ وهي سلطة موازية للسلطة القوائية التي تتمتع (4) فتوح البلدان للبلاذري ص343 - 344. (2) فتوح البلدان للبلاذري ص345. (3) فتوح البلدان للبذري ص 244.

عدد الصفحات ١٤٧

vvvvvvvvvvvvvvvv 442 هي أيوا باستقلال كامل عن السلطة التنفيذية، فلا يستبد الخلفاء ولا الأمراء في الأقاليم بالأحكام الفقهية دون الرجوع إليهم ومشاورتهم، والالتزام بما اتفقوا عليه. وقد كان أبو جعفر المنصو ر يقول: لا يستقيم الملك إلا بأربعة: (قاض لا تأخذه في الله لومة لائم، وصاحب شرطة ينصف الوعيف من القوي، وصاحب خراج يستقصي ولا يالم الرعية فإني عن للمها غني، وصاحب بريد يكتب بخري هؤلاء على الصحة)(4). وكان يقول: (لا يصلح السلطان إلا بالتقو ، ولا الرعية إلا بالطاعة، ولا البلاد إلا بالعدل، ولا يدوم ذلك إلا بالمال)(2). وكان يقول: (إنما تحتاج العامة إلى ثلاث خلال: إذا أقيم لهم من ينار في أحكامهم فينصف بعوهم من بعض، ويؤمن سبلهم حتى لا يخافوا في ليلهم ولا نهارهم، ويسد ثغورهم حتى لا يبيئهم عدو)(3). 2- المهدي محمد بن انصور: بويع بعهد من أبيه بعد وفاته سنة 452ه، وتوفي سنة 469ه، فكانت مدة خلافته 42 سن وكان المهدي (جوادا حازما وصولا لرحمه يباشر الأمور بنفسه) وكان (عادلا حتى قيل بأنه في بني العباس كعمر بن عبد العزيز في بني أمية)، وكان يبلس للماالم، ورد كثيرا (4) ابن جرير4/522 سنة452ه (2) المصدر السابق بتصرف (3) المصدر السابق4/534.

عدد الصفحات ١٤٨

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 449 من الأموال ا لتي صادرها أبوه، وأطلق من كان في السبون، وحج في الناس سنة 459ه، وفرق الأموال في الناس. (4) وكان المهدي من أهل العلم والفول، فرق الأموال على الناس ولم يعط أهل بيته ومواليه منها شيئًا؛ بل أجر لهم أرزاقًا من بيت المال بحسب كفايتهم، لكل واحد خمسمائة في كل شهر.(2) وأمر بإطلاق كل من كان في السبن إلا من كان عليه دم، أو عليه مالمة وحق، أو معروفًا بالإفساد في الأرض، فأطلق قادة المعارضة السياسية. (3) وأمر أن تُبر الأرزاق على جميع المساجين والمبذومين في جميع أطراف الدولة، وأن ينفق عليهم ما يكفيهم.(4) قال ابن كثير في تاريخه في أحداث سنة 462: (وفيها أجر المهدي الأرزاق في سائر الأقاليم والآفاق على المبذمين والمحبسين، وهذه مثوبة عايمة ومكرمة جسيمة). وكان حسن السيرة محببًا للرعية.(5) وكان المهدي أول من نام الرييد بين مكة والمدينة واليمن، وأول من اتخذ "دواوين الأزمة"، وهو البهاز الإداري والمحاسبي الماي المشرف على الدواوين الأخر ، وكل ما يصدر عنها من نفقات، وما يرد عليها من واردات، قال ابن كثير في أحداث سنة 462: (وفيها اتخذ المهدي دواوين الأزمة، ولم يكن بنو أمية يعرفون ذلك). (4) مآثر الإنافة4 /423 -425. (2) ابن كث42/٧، وتاريخ الذهبي 9/432. (3) ابن جرير4/549 سنة459هـ، وتاريخ الذهبي9/24. (4) ابن جرير4/564 سنة462هـ، وتاريخ الذهبي9/44. (5) تاريخ الذهبي9/435.

عدد الصفحات ١٤٩

vvvvvvvvvvvvvvvv 452 وقد غزا ولده هارون الرشيد سنة463ه أرض الروم يريد القسطنطينية وفتح كثيرا من حصونها. واستوزر المهدي أبا أياب المورياني ثم خالد بن برمك. وفي خلافته توفي سفيان الثوري وإبراهيم بن أدهم الزاهد سنة 464ه. وقضى على فتنة المقنع الخرساني الذي ادّ عى الربوبية. وفي أيامه هرب إلى المغرب الأقصى إدريس بن عبدالله بن إدريس بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي ودعا لنفسه بالإمارة. وقد كانت خلافة المهدي من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب ولم يخرج عنه إلا الأندلس بيد عبد الرحمن الداخل أميرا عليها لا خليفة. وقال ابن كثير في تاريخه في سنة 459 عن مركزية الدولة في عهد المهدي، وولاة اقاليم وقواتها الذين استنابهم عليها، من أطراف السند شرقا إلى أقصى المغرب، وكانوا من الأكفاء العدول من العرب والمواي : (وغالب نواب البلاد قد تغيروا في هذه السنة، غير أن إفريقية مع يزيد بن حاتم، وعلى مصر محمد بن سليمان أبو ضمرة، وعلى خراسان أبو عون، وعلى السند بسطام بن عمرو، وعلى الأهواز وفارس عمارة بن حمزة، وعلى اليمن رجاء بن روح، وعلى اليمامة بشر بن المنذر، وعلى البزيرة الفول بن صالح، وعلى المدينة عبد الله بن صفوان البمحي، وعلى مكة والطائف إبراهيم بن يحيى بن محمد بن عبد الله بن صفوان البمحي، وعلى أحداث الكو فة إسحاق بن الصباح الكندي، وعلى خراجها ثابت بن موسى، وعلى قوائها شريك بن عبد الله النخعي، وعلى أحداث البصرة عمارة بن حمزة، وعلى صلاتها عبد الملك بن أيوب بن لبيان النميري، وعلى قوائها عبيد الله بن الحسن العنريي).

عدد الصفحات ١٥٠

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 454 صلاحيات السلطة القضائية : وقد كان نفوذ السلطة القوائية في عهد المهدي واسعا، إلى الحد الذي كانت تمثل المرجعية العليا في الأحكام السياسية نفسها ؛ تقضي بها حتى على السلطة التنفيذية التي يمثلها الخليفة نفسه، كما ورد في أخبار القواة: (كتب المهدي إلى عبيد الله بن الحسن العنريي، أن ينار الأنهار التي كانت أيام عمر وعثمان، فيأخذ الصدقة، ويأخذ من الأنهار التي أحدثت بعد ذلك الخراج، فلم ينفذ كتابه فتوعده، فلما بلغ الخري عبيد الله بن الحسن، جمع أشراف أهل البصرة أهل العلم بالقواء، فأشهدهم أنه قضى لأهل الأنهار كلها التي في جزيرة العرب بالصدقة، فلم يرد شيئا من القواء..)(4). رسالة القاضي العنبري الإصلاحية للمهدي وقد كتب القاضي عبيد الله بن الحسن العنريي البصري إلى الخليفة العباسي المهدي سنة 459ه كتابًا طويلاً في السياسية الشرعية التي يلزم الإمام اتباعها، وذكر الشور ؛ فقال: (أصلح الله أمير المؤمنين، إني رأيت، وإن كنت أعلم أن الله قد أعطى أمير المؤمنين وصالح وزرائه من العلم بكتاب الله، وسنة نبيه ﷺ، وما سلف من الأئمة، ما قد استحق به الشكر له عليه، والعمل له به.. أني أذكّ ره الذي علمه الله من ذلك، وأنهى إليه النصيحة فيما علمت، بحق الله علي في ذلك، وحق أمير المؤمنين، ونصيحته مني له وللرعية.. وإن قيام أمير المؤمنين بهذه الخلافة وافق من الناس جهدا جاهدا، ورأوا رجاء منهم عايما، وأملا لهم، وتأميلا منهم فيه سديدا: أن يكون لهم إماما عدلا، وحكما مقسطا، يهدي فيهم بمثل هدي أولئك، ويسير فيهم بمثل سيرهم، فيؤتى بمثل أجورهم.. (4) أخبار القواة لوكيع بن البراح 2 /96.

عدد الصفحات ١٥١

vvvvvvvvvvvvvvvv 452 وقد علم أمير المؤمنين أن والأحكام، والف يء، والصدقة، وأن مما تصح بهذه الخصال الأربع بإذن الله خصلتان: فأما الثغور؛ فقد علم أمير المؤمنين أن قوامها بإذن الله أهل النبدة والشباعة، من أهل الحنكة والتبربة، وأن مما يصلح أولئك ما استعين بهم أن يسبغ عليهم وعلى جندهم من العطاء والأرزاق، وأن لا يوكلوا إلى ما يصيبون من غنائمهم، بل يبلب لهم ولبندهم عندما يحدث الله لهم وعلى أيديهم من ذلك العطاء، والألطاف، ويخص ببمال ذلك أهل النبدة والبأس والنكاية في العدو منهم، ويسمو بهم إلى أفول غايتهم ويعرف ذلك لهم، ويذكرون به، ويحفظ لهم، ويحفاون به في أعقابهم من بعدهم بواجب حقهم، وليتنافس في ذلك من سواهم وليستنصروا به ثم لا يحبب لهم بقبولها ولو طرق طروقا.. فالثغور الثغور يا أمير المؤمنين، ثم الثغور الثغور يا أمير المؤمنين، فإن الثغور حصو ن بإذن الله للعباد، وسكن للبلاد، وقرار لهذه الأمة ليبلغوا منافعهم وصلاحهم في دينهم ودنياهم، ولتتم لهم مدة بقاء معالم دينهم آمنين مطمئنين وفي ذلك.. فأما الأحكام فإن الحكم بما في كتاب الله ثم بما في سنة رسول الله ﷺ، إن لم يوجد ذلك في كتاب الله، ثم ما أجمع عليه الأئمة الفقهاء إن لم يوجد ذلك في سنة رسول الله ﷺ، ثم اجتهاد الحاكم، فإنه لا يألو إذا ولاه ا لإ مام ذلك، مع مشاورة أهل العلم. فأما الحكام، فقد علم أمير المؤمنين، إن شاء الله، أدنى مأموله أن يكون في الحاكم: الورع والعقل، فإن أحدهما إن أخطأه لم يقمه أهل العلم، واختيار خيار ما يشار به عليه في ذلك فإن كان له مع ذلك، فهم وعلم من الكتاب والسنة، كان بالغا فإن كان مع ذلك ذا حكم، وصرامة وفطنة بمذاهب الناس، وغوامض أمورهم التي عليها يتاالمون فيما بينهم وبها يقارعونه عن دينه ودنياه، كان ذلك هو الكامل التام، فإذا وجد أحد أولئك استعين به ثم ثبتت لعله وأعلى كعبه، وشد لهره وأزره، وأنفذ حكمه، وأسبغ عليه، وعلى أعوانه وكتابه

عدد الصفحات ١٥٢

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 453 من الأرزاق، فإن الحكم مهيمن على سائر الأعمال مقدم بين يديها إمام لها، وحكم عليها، وقوام لها. ومن ذلك هذا الفيء، وأخذه من مواضعه بسنته، وعدله على قدر ما ي طلق أهله من التخفيف عنهم، وحتى يترك لهم ما يصلحهم وأرضهم، ومن تحت أيديهم من أعوانهم وعيالاتهم، وحتى ينفق على فقيرهم، وكذلك بلغني من السيرة فيهم، كان يفعل ويذكر ذلك فيهم، في عامهم لقابلهم؛ فإن ذلك أعمر للبلاد، وأدر للحلب وأكثر للخراج، وأعدل في الرعية فإن قليل ما يوجد منهم في التخفيف عليهم مع عمارة بلادهم، وأنصبتهم أكري أضعافا كبير ما يوجد منهم في التخفيف عليهم مع عمارة بلادهم، وأنصبتهم أكري أضعافا كبير ما يوجد منهم في إهلال أنفسهم، وإخراب بلادهم وأن يوفى لموادعهم بشروطهم، فإني أر فيما قبلي ههنا عببي من أمرين في شيء واحد، أما أحدهما فإني آتي في بعض ما قبلنا الأرض التي هي منها وإلى جنبها وأربية من أرابيها، يوفى لأهلها بالشروط وفي المزارعة ويقارب لهم الوفاء، فيخرج من الخراج أكري مما تخرج تلك الكور كلها. وفي الأمر الآخر الذي كتب فيه أمير المؤمنين أبو جعفر إلى سو ار بن عبد الله، وهو يومئذ على قواء البصرة، إني قد أمرت بالوفاء للمزارعين المتقبلين بشروطهم فاعلم ذلك وأعمله الناس قبلك، ثم أر الرجل من أولئك المزارعين يشكو أنه يؤخذ منه أضعاف ما قوطع عليه، يا أمير المؤمنين أبي جعفر ثم يوضع هذا الفيء، بعد استخراجه، على سننه وعدله مواضعه.. وهذه الصدقات أخذها من مواضعها، لا يباوز فريوة إلى ما فوقها، ولا يقتصر بها إلى ما دونها، ولا يغلى عليها قيمتها..

عدد الصفحات ١٥٣

vvvvvvvvvvvvvvvv 454 وأن يؤخذ من الحبوب والثمار وسائر الأموال التي جرت فيها الصدقات، على سننها التي قد علمها المسلمون، وعملوا بها ، وأن يؤخذ من تبار أهل الذمة ضعف ما يؤخذ من تبار المسلمين.. ويؤخذ من تبار الحرب إذا قدموا على المسلمين، كنحو ما يأخذ أهل الحرب من تبار المسلمين إذا قدموا عليهم، ووضع هذه الصدقات في مواضعها من أهل الصدقة الذين أمر الله بهم في كتابه، لا يباوز بها إلى غيرهم، ولا يقصر بها دونهم، تدلك الآية التي في براءة، وهي ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلرفُقَرَاء وَالرمَسَاكِينِ﴾ إلى ﴿وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيم﴾ تقسم بين أهل هذه الآية على ما ير الإمام من قسمتها بينهم على قدر قلة كل صنف منها وكثرته، ولا يعدل صدقة عن أهل بلدها إلا أن يستغنوا عنها، أو يستغنوا بما يقسم فيهم منها في عامهم ذلك إلى حين يقسم الصدقة فيهم من قابلهم، فإذا كان كذلك عدلت عنهم عامهم ذلك إلى أدنى من يليهم من الفقراء على نحو من ذلك القسم.. فهذه الخصال الأربع التي يعلم أمير المؤمنين أنها هي جمل الأعمال في رعيته، ويعلم أن ليس لأحد في كت اب الله ولا في شيء من سنة من رسول الله ﷺ من أمر رأ ألا الانقياد له، والمباهدة عليه، وما سو ذلك من الأمور التي تبتلى بها الأئمة مما يؤتى فيه الناس مما لم يحكم القرآن ولا سنة النبي ﷺ فإن وي أمر المسلمين، وإمام جماعتهم لا يقدم فيها بين يديه، ولا يقضى فيه دونه، بل على من دونه رفع ذلك إليه، والتسليم لما قضى. وأما الخصلتان اللتان تصلحان بهم بإذن الله إن شاء الله؛ فالمسألة لأهل الذكر، والأمانة عن قاصي عمال أمير المؤمنين، ودانيهم، ثم اللحاق بكل ما هو أهله من جزاء المحسن بإحسانه، وتأديب المسىء منهم بإساءته، أو عز له والاستبدال به على قدر ما يستحقون من التأديب والعزل..

عدد الصفحات ١٥٤

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 455 فإن رأ أمير المؤمنين أن يكون بحضرته قوم منتخبون من أهل الأمصار، أهل صدق وعلم بالسنة، أولو حنكة وعقول وورع، لما يرد عليه من أمور الناس وأحكامهم، وما يرفع إليه من ماالمهم؛ فليفعل، فإن أمير المؤمنين، و إن كان الله قد أنعم عليه وأفول بما أفاد من العلم بكتابه وسنته، رد عليه أمور هذه الأمة أهل شرقها وغربها، ودانيها وقاصيها، فيشغله بعوها عن بعض، ففي ذلك عون صدق على ما هو فيه إن شاء الله، وقد قال الله عز وجل لنبيه ﷺ، والوحي ينزل عليه، وهو خير وأبقى وأبر وأعلم ممن سواه من الناس: ﴿وَشَاوِررهُمر فيِ الأَمررِ فَإِذَا عَزَمرتَ فَتَوَكَّلر عَلىَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الرمُتَوَكِّلِين﴾، وقال للقو م وهو يصف حسن أعمالهم: ﴿وَأَمررُهُمر شُورَ بَيرنَهُمر وَمِمَّا رَزَقرنَاهُمر يُنفِقُون ﴾، وذلك إلى ما قد سر الناس مما بلغهم من بروز أمير المؤمنين لهم وبحاجاتهم، ورجوا أن يتم الله ذلك لأمير المؤمنين، بمباشرته أمورهم، وصريه نفسه على ذلك لهم، وأن يزيده الله قوة ورغبة فيه وموالبة عليه، فإن ذلك من أعلام العدل، وآياته، ومما يقوم به الواي على أمر الرعية، ويخلص به إلى التي يريد المبالغة فيها، والمباشرة لها، فتمم الله ذلك لأمير المؤمنين، ويسره له، وأرجو أن يكون طائره إلى ذلك عمله بعدله، ودينه وقوته وناره لنفسه، واختياره لها خيار الأمور وأحسنها؛ وأنه قد عرف ما قيل في إغلاق الباب دون ذوي الحاجة، والخلة والمسكنة، أسأل الله لأمير الم ؤمنين رحمته وسعة فوله، وأن يبعل ولايته ولاية معدلة، ويرزقه معافاة، وأن يلهمه العطف على الرعية، والرأفة بهم، والرحمة لهم وأن يرزقه منهم السمع والطاعة، وأن يبمع كلمتهم، ويلم شعثهم)(4) . (4) أخبار القواة لوكيع بن البراح2/٧.

عدد الصفحات ١٥٥

vvvvvvvvvvvvvvvv 456 لقد كانت رسالة القاضي العنريي هذه إالخليفة المهدي رؤية إصلاحية شاملة تؤكد مد الوعي النفوذ السياسي الذي كان يتمتع به القواة، والفهم العميق لطبيعة ناام الخلافة الإسلامي ورسالته، وقد تومنت رؤيته: 4- التنايم العسكري؛ لتأمين ثغور الدولة الإسلامية وحدودها، وأهمية ذلك لاستقرارها الداخلي وازدهارها، وتأمين رواتب البند وأسرهم. 2- والتنايم التشريعي والقوائي، والالتزام بالأحكام الشرعية كتابا وسنة وإجماعا واجتهادا ومشاورة، واختيار القواة الأكفاء العدول. 3- التنايم الماي للخراج والفيء والزكاة، والالتزام بمصارفها الشرعية، وتخفيف الأعباء المالية على المزارعين ؛ لتطوير القطاع الزراعي الذي به تطور العمران البشري ، ونهوة الدولة الاقتصادية. 4- التنايم الإداري؛ بمتابعة أداء الولاة والبباة، ومراقبة عملهم، ومحاسبتهم، وتكريم من يستحق التكريم منهم، ومعاقبة من يستحق العقاب. 5- التنايم السيا؛ بانتخاب مبلس للشور ، من الأكفاء العدول والأذكياء، من كل أقاليم الدولة ومدنها، يمثلون أهلها، و يشاركون الخليفة المهدي التصدي لشئون الأمة ونوازلها، وأحكامها، و لما يرد عليهم من الماالم وحاجات الناس؛ اتباعًا للنبي ﷺ وصحابته الذين كان أمرهم شور بينهم، كما وصفهم القرآن في أشرف صفاتهم. دور المهدي في مواجهة حركة الردة: و قد شهد عهد المهدي منذ بدايته سنة 459 لهور حركة المقنع الخرساني الذي ادّ عى الألوهية، واشتدت فتنته، وقد قال الرازي عن المقنع: (ادعى النبوة، فعام أمره، واجتمع

عدد الصفحات ١٥٦

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv ٧ عليه خلق كثير، ثم ادعى الألوهية) (4) ومع هزيمته عسكريا سنة 463ه، فقد لل أتباعه يسرون بدعوتهم التي تستبطن عقائد المبوسية والتي تطورت بعد ذلك في أخطر حركة سرية منامة، وهي ثورة بابك الخرمي سنة 224ه التي كادت تسقط الخلافة حتى قضى عليها المعتصم، وكانت من مآثره. وقد ذكر الذهبي في تاريخ الإسلام في سنة 463ه حصار المسلمين للمقنع، وانتحاره بالسم، وإرسال رأسه للمهدي، وهو يبهز جيوشه في حلب لغزو الروم، ثم قال: (وفيها قتل المهدي بحلب جماعة من الزنادقة، وصلبهم، وأحضر كتبهم فقطعت، وسار المهدي مشيعا جيوشه حتى بلغ الدرب، ثم زار بيت المقدس). وكذا قال ابن العماد في شذرات الذهب في هذه السنة: (فيها قتل المهدي جماعة من الزنادقة، وصرف همته إلى تتبعهم، وأتى بكتبهم فقطعت بحضرته بحلب). وقال ابن الأثير في حوادث سنة ٧: (وفيها جد المهدي في طلب الزنادقة، فأخذ يزيد بن الفيض، فأقر، فحبس، فهرب، فلم يقدر عليه، وكان المتوي لأمر الزنادقة عمر الكلواذي). وقال الطريي في سنة 462 :(وفيها قتل المهدي الزنادقة ببغداد). ولم يقتل المهدي كل من ثبتت عليه الزندقة، بل كان يستتيبهم، فيحبس بعوهم، ويطلق سراح بعوهم، كما ذكره الطريي في تاريخه في حوادث سنة 466 للهبرة. وقد عُدّ من فوائل المهدي أنه قضى على الزنادقة والزندقة، وهي حركة سياسية سر ية معروفة تبطن المبوسية والمزدكية وتدعو لها وتسعى لإسقاط دولة الإسلام، وتبشر بعودة (4) "اعتقادات المشركين" ص 6

عدد الصفحات ١٥٧

vvvvvvvvvvvvvvvv 452 الملك الكسروي، كما قال عنها المسعودي: (وما ينتاره البميع في المستقبل من الزمان الآتي من عود الملك فيهم)(4). وقد قال عنها المسعودي أيوا: (أمعن -المهدي- في قتل الملحدين، والمداهنين عن الدين، لاهورهم في أيامه وإعلانهم باعتقادهم في خلافته، لما انتشر من كتب ماني، وابن ديصان، ومرقيون، مما نقله عبد الله بن المقفع وغيره، وترجمت من الفارسية، والفهلوية، إلى العربية، وما صنف في ذلك ابن أبي العوجاء، وحماد عبرد، ويحيى بن زياد، و مطيع بن إياس: من تأييد المذاهب المانوية، والديصانية، والمرقيونية، فكثر بذلك الزنادقة و لهرت آراؤهم في الناس)(2). وقد قال ابن النديم عن المرقيونية وهم من الثنوية: (وهم يتسترون بالنصرانية و هم بخراسان وأمرهم لاهر كاهور أمر المنانية)(3). ولم يكتف المهدي باستعمال القوة لمكافحة الزنادقة، بل شبع العلماء على التصدي للزندقة التي اتخذت من الحرية العلمية التي يعيشها المسلمون وسيلة لنشر أفكارها، فكان أمر المهدي وراء لهور كتب البدل وتطور علم الكلام للدفاع عن الإسلام وعقائده وأحكامه، كما قال السيوطي: (المهدي أول من أمر بتصنيف كتب البدل في الر د على الزنادقة والملحدين)(4). لقد تتبع المهدي الزنادقة واستأصل شأفتهم كحركات ارتداد باطنية سرية تريد تقويض الدولة ودينها، وهي حركات لم تتوقف منذ عهد النبي ﷺ سواء من مرتدي العرب (4) "التنبيه والإشراف" 4 /325 (2) "مروج الذهب" 4 /354 (3) "الفهرست" ص 442 (4) تاريخ الخلفاء ص 239

عدد الصفحات ١٥٨

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 459 ومشركيهم كالأسود العنسي ومسيلمة الحنفي، أو مرتدي الفرس ومبوسيهم كالمقنع الخرساني وبابك الخرمي، وقد اُتهم أيوا الريامكة بأنهم يدعمونها سرا، وكانت السبب في نكبة الرشيد لهم. وبعد لهور أمر الزنادقة واعتراف بعض من اعتقل منهم بأهداف حركتهم وطبيعة دعوتهم، وأنهم ياهرون الإسلام ويبطنون المبوسية أو الدهرية ويدعون إليها، ويسعون لإسقاط الدولة؛ اختلف الفقهاء في حكم استتابتهم؛ لأنهم ليسوا كالمنافقين الذين يبطنون الكفر وياهرون الإسلام من أجل الدنيا لا تدينًا فيتركون وشأنهم، بل هم حركات دينية سياسية سرية منامة تتخذ الباطنية والاستسرار دينًا تستهدف منه إسقاط الدو لة الإسلامية بالقوة، والقواء على الإسلا م نفسه، فمنهم من رأ قتلهم على كل حال، و عدم الاعتداد بتوبتهم؛ لأن توبتهم ليست عن أمر ديني يبب قبولها منهم فيما بينهم وبين الله، بل عن مذهب ديني سياسي باطني يتدينون بالاستسرار به ولا يمكن الوثوق بر جوعهم عنه. 2- الهادي موسى بن المهدي محمد بويع بعهد من أبيه سنة 469ه، وتوفي سنة 2ه، فكانت مدة خلافته سنة واحدة، وكان (شباعا بطلا أديبا جوادا صعب المراس بويع له بالخلافة بعد وفاة أبيه المهدي وكان في جرجان يحارب أهل طريستان، وقام أخوه الرشيد ببيعته، وكتب إلى الآفاق بموت المهدي وأخذ البيعة للهادي، فقدم الهادي بغداد بعد عشرين يوما على الرييد).(4) وقد خرج عليه بالمدينة الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي؛ فقتل (4) مآثر الإنافة 4/492.

عدد الصفحات ١٥٩

vvvvvvvvvvvvvvvv 462 ووصل إدريس بنعبدالله بن إدريس إلى طنبة في أقصى المغرب؛ فتغلب عليها. وكان الهادي قد ولى على مكة والمدينة واليمن: جعفر بن سليمان. وولى على مصر: الفول بن صالح العباسي ثم علي بن سليمان العباسي. وأقر على أفريقية والمغرب: يزيد بن حاتم بن قبيصة المهلبي. 5- الرشيد هارون بن محمد المهدي بويع بعهد أبيه إليه، بعد وفاة أخيه الهادي سنة 2ه، فأقام نحو 24 سنة خليفة، وتوفي غازيا بمدينة طوس سنة 493ه، وله خمس وأربعون سنة، وكان (سمحا شباعا كثير الغزو والحج والصدقة والصلاة).(4) قال عنه الذهبي: (من أميز الخلفاء، وأجل ملوك الدنيا، وكان كثير الغزو والحج كما قيل فيه: فــمــن يــطــلــب لــقــاك أو يــرده فبالحرمين أو أقـــصــ ــــ ى الثغور وكان يحب العلم وأهله، ويعام حرمات الإسلام، ويبغض المراء في الدين، والكلام في معارضة النص)(2). (4) مآثر4/492. (2) تاريخ الإسلام 43 /426.

عدد الصفحات ١٦٠

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 464 وكان هارون من أحسن الملوك سيرة بالرعية وأكثرهم غزوًا ،(4) وأكثرهم عناية بالعلم والعلماء، وشئون الدولة: (وقد أقام من الصناعات ما لم يُقم قبله، وقسم الأموال في الثغور والسواحل وحماها).(2) وقد (كانت خلافته في غاية العامة والفخامة).(3) وفي أيامه توفي الإمام مالك بن أنس بالمدينة سنة 9ه تطور نظام الوزارة في عهد الرشيد: وقد استوزر هارون الرشيد -وكان سنه 22 سنة- والده بالرضاعة يحيى بن خالد بن برمك، وابنيه جعفر والفول، وقد و لاّ ه الوزارة وفوضه تفويوا كاملا بالحل والعقد، وهو أول خليفة يسن التفويض للوزير نيابة عن الخليفة، لتصبح الوزارة بعده أجل مؤسسات الدولة في ناام الخلافة، وليصبح الوزير -وهو بمثابة رئيس الوزراء اليوم في الناام الرئاسي- بعد الخليفة في المكانة والصلاحيات، كما كانت أم الرشيد الخيزران هي المشاورة في شئون الدولة ؛ لصغر الرشيد آنذاك حتى توفيت بعد ثلاث سنوات من توي الرشيد للخلافة، وكانت ذات دين وعقل وحكمة. قال ابن كثير: (ولما ولىّ الرشيد يحيى بن خالد الوزارة قال له: قد فوضت إليك أمر الرعية، وخلعت ذلك من عنقي، وجعلته في عنقك، فولّ من رأيت، واعزل من رأيت. ففي ذلك يقول إبراهيم الموصلي: (4) تاريخالإسلام للذهبي 42/426، وابن كث42/222. (2) فتوح البلدان ص223. (3) مآثر4/494.

عدد الصفحات ١٦١

vvvvvvvvvvvvvvvv 462 ألم تر أن الشــمس كـانت ســقيمة بيمـــ ن أمين الله هـارون ذي الند فــلــمــا وي هــارون أشرق نورهــا فــهــارون واليهــا ويحيى وزيرهــا وكانت الخيزران هي المشاورة في الأمور كلها، لا يقطع يحيى بن خالد أمرا حتى يشاورها فيما يريمه ويحله ويمويه ويحكمه)(4). وحين وفاتها كان الرشيد قد تأهل لإدارة الدولة. وقد ذكر عن الباحظ قوله عن زبيدة زوجة الرشيد: (وزوجته أم جعفر يعني زبيدة، وكانت أرغب الناس في كل خير، وأسرعهم إلى كل بر ومعروف، أدخلت الماء الحرم بعد امتناعه من ذلك، إلى أشياء من المعروف). وقال ابن كثير في حوادث سنة 2 :(وفيها فوض الرشيد أمور الخلافة كلها إلى يحيى بن خالد بن برمك). وقد خرج على الرشيد بالديلم يحيى بن عبدالله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب، ودعا لنفسه فأرسل إليه هارون الفول بن يحيى ببيش سنة 6ه فطلب الأمان فأعطاه هارون الأمان ثم أكرمه ووهبه مالا جزيلا، ث م خشي منه فسبنه ثم أطلقه. تطور النظام القضائي في عهد الرشيد: وكما تطور ناام الخلافة بالوزارة والتفويض في السلطة التنفيذية ؛ تطور كذل ك في السلطة القوائية بولاية قاضي القواة للدولة كلها، فقد ولىّ الرشيد أبا يوسف القاضي يعقوب بن إبراهيم الأنصاري على السلطة القوائية كلها، وجعله قاضي القواة، وهو الذي يوي من تحته من القواة في كل أقاليم الدولة، وكان قد وي القواء للمهدي، ثم لولده الهادي، ثم لولده الرشيد. (4) البداية43 /562.

عدد الصفحات ١٦٢