المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الجزء الثاني من كـتاب عودة الخلافة

غير معروف

صفحة ٧ من ٤٢

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 99 فلم يقبل خالد البيعة لولدي الوليد بن يزيد؛ لصغرهما، وعدم أهليتهما، وربط البيعة لهما بقبول شهادتهما في القواء التي تقتضي العدالة، وصحة الصلاة خلفهما، مع أنه يعرض نفسه للقتل بهذا الرفض! فلما ذكر له فسق الو ليد نفسه، احتج خالد بأنه لم ير شيئا من ذلك، إلا أخبار الناس! مما يدل على عدم ثبوت ذلك عنده! وذكر ابن الأثير بعد ذلك قول الوليد حين حاصروه: (أما فيكم رجل شريف له حسب وحياء أكلمه؟ قال يزيد بن عنبسة السكسكي: كلمني. قال: يا أخا السكاسك، ألم أزد في أعطياتكم؟ ألم أرفع المؤن عنكم؟ ألم أعط فقراءكم؟ ألم أخدم زمناكم؟ فقال: إنا ما ننقم عليك في أنفسنا، إنما ننقم عليك في انتهاك ما حرم الله، وشرب الخمر، ونكاح أمهات أولاد أبيك، واستخفافك بأمر الله! قال: حسبك يا أخا السكاسك، فلعمري لقد أكثرت وأغرقت، وإن فيما أحل الله سعة عما ذكرت. ورجع إلى الدار وجلس وأخذ مصحفا فنشره يقرأ فيه وقال: يوم كيوم عثمان)(4)! فقول الوليد: (إن فيما أحل الله سعة عما ذكرت) يشير إلى كثرة الإشاعات التي راجت عنه كذبا، والتي نفاها عنه المؤرخون المحققون، بل والمعاصرون له، كما قال ابن الأثير بعد ذلك: (وقد نزه قوم الوليد مما قيل فيه، وأنكروه، ونفوه عنه، وقالوا: إنه قيل عنه، وألصق به، وليس بصحيح. قال المدائني: دخل ابن للغمر بن يزيد أخي الوليد على الرشيد، فقال له: ممن أنت؟ قال: من قريش. قال: من أيها؟ فأمسك، فقال: قل وأنت آمن ولو أنك مروان. فقال: أنا ابن الغمر (4) الكامل4 /425

عدد الصفحات ٩٩

vvvvvvvvvvvvvvvv 422 بن يزيد. فقال: رحم الله عمك الوليد ولعن يزيد الناقص، فإنه قتل خليفة مبمعا عليه ارفع حوائبك. فرفعها فقواها. وقال شبيب بن شيبة: كنا جلوسا عند المهدي فذكروا الوليد، فقال المهدي: كان زنديقا، فقام أبو علاثة الفقيه فقال: يا أمير المؤمنين إن الله -عز وجل- أعدل من أن يوي خلافة النبوة وأمر الأمة زنديقا، لقد أخريني من كان يشهده في ملاعبه وشربه عنه بمروءة في طهارته وصلا ته، فكان إذا حضرت الصلاة يطرح الثياب التي عليه المطايب المصبغة، ثم يتوضأ فيحسن الوضوء، ويؤتى بثياب نااف بيض فيلبسها ويصلي فيها، فإذا فرغ عاد إلى تلك الثياب فلبسها واشتغل بشربه ولهوه، فهذا فعال من لا يؤمن بالله؟! فقال المهدي: بارك الله عليك يا أبا علاثة)(4). وقد كان أكثر خلفاء هذا العهد عدولا، وفترتهم الأكثر استقرارا، والأطول مدة بالنسبة لغير العدول منهم مع قلة عدد غير العدول، فقد وصف بالعدل والصلاح منهم: 4- معاوية بن أبي سفيان، وكانت مدة خلافته22 سنة، من سنة44 إلى سنة62 للهبرة 2- ومعاوية بن يزيد، وقد بويع له بالخلافة بعد وفاة أبيه، فرد الأمر إلى الأمة، تختار لنفسها، وكان صالحا فاضلا، كما قال الذهبي: (بويع بعهد من أبيه، وكان شابا دينا، خيرا من أبيه، فوي أربعين يوما، ومات وله ثلاث وعشرون سنة، وصلىّ عليه مروان، ودفن إلى جنب قري أبيه ولم يعقب، وامتنع أن يعهد بالخلافة إلى أحد رحمه الله)(2). وقال عنه ابن كثير في تاريخه: (وكان رجلا صالحا ناسكا، ولم تطل مدته.. (4) الكامل4 /422 (2) سير الأعلام 4 /439

عدد الصفحات ١٠٠

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 424 ويرو أن معاوية بن يزيد هذا ناد في الناس: الصلاة جامعة ذات يوم، فاجتمع الناس، فقال لهم فيما قال: يا أيها الناس، إني قد وليت أمركم وأنا ضعيف عنه، فإن أحببتم تركتها لرجل قوي، كما تركها الصديق لعمر، وإن شئتم تركتها شور في ستة منكم كما تركها عمر بن الخطاب، وليس فيكم من هو صالح لذلك، وقد تركت لكم أمركم، فولوا عليكم من يصلح لكم، ثم نزل ودخل منزله، فلم يخرج منه حتى مات)(4) . 3- وعبد الملك بن مروان، ومدة خلافته عند أكثر المؤرخ22 سنة من سنة65 إلى سنة 26 ه، والصحيح أن خلافته ثبتت بعد عهد ابن الزبير من سنة 3 إ26 ه، وقد قال عنه ابن خلدون: (أعام الناس عدالة، وناهيك بعدالته احتباج مالك بفعله، وعدول ابن عباس وابن عمر إلى بيعته)(2). وكان والده مروان قد عهد بالأمر إليه من بعده، مع أن مروان لم تثبت له خلافة أصلا، فقد كان الخليفة ابن الزبير، فتأوّ ل عبدالملك في ذلك، وقاتل على جمع الكلمة ووحدة الأمة ؛ فاغتفر المسلمون له ذلك؛ لأهليته السياسية، وعدالته في نفسه، وهو أحد الفقهاء المعدودين في المدينة، واحتج به مالك في الموطأ الذي صنّ فه سنة 443ه في أوائل العصر العباسي، فلم يخش مالك السلطة العباسية -حديثة العهد بالولاية والوصول للسلطة، وفي عصر أبي جعفر المنصور أشدهم بأسا وسطوة- من أن يذكر في كتابه "الموطأ" معاوية، ومروان، وعبدالملك، وعمر بن عبد العزي ز، ويحتج برواياتهم وبفقههم؛ لعدالتهم عنده وأهليتهم، ولم يعترض عليه أحد من علماء عصره، ولا من جاء بعدهم، ولا اعترض عليه حتى خلفاء بني العباس أنفسهم الذين صنف مالك الموطأ في أول عصرهم، وباقتراح منهم! (4) البداية والنهاية44 /662 (2) الع 4 /242

عدد الصفحات ١٠١

vvvvvvvvvvvvvvvv 422 4- وابنه سليمان بن عبد الملك، ومدة خلافته ثلاث سنين، من سنة 96 إلى سنة99ه، وقد أقام العدل، حتى قيل عنه المهدي، كما جاء في مصنف ابن أبي شيبة عن عمران بن لبيان -وسؤاله أبي يحيى حكيم بن سعد الحنفي أحد ثقات التابعين في الكوفة عن سليمان بن عبد الملك- حيث قال: (لما قام سليمان فألهر ما ألهر، قلت لأبي يحي ى: هذا المهدي الذي يذكر؟ قال: لا)(4). 5- ثم عمر بن عبد العزيز، ومدة خلافته سنتان من سنة99 إلى سنة424ه، وكان عهده امتدادا لعهد سليمان، فقد كان وزيره ومستشاره ووي عهده من بعده، وهو أحد الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين. 6- ثم هشام بن عبد الملك، ومدة خلافته22 سنة، من سنة425 إلى سنة425ه. ٧- ثم يزيد بن الوليد الناقص، ومدة خلافته ستة أشهر من سنة 426ه. 2- ثم مروان بن محمد، ومدته5 سنوات، من سنة٧ إلى سنة 432ه. فمبموع مدة هؤلاء الخلفاء العدول 22 سنة، بينما مدة من وصف بالالم والفسق منهم نحو 45 سنوات، وهم: يزيد بن معاوية من سنة 62 إ64 للهبرة، ولم يستقر له الأمر حيث خرجت الأمة عليه لبوره، والوليد بن عبد الملك ومدته من سنة 26 إ96 ه، ووصف بالبور مع مروءته وجهاده، و الوليد بن يزيد ومدته سنة أو بوعة أشهر، وقد خرجوا عليه لفسقه. وقد أثنى على هذا العهد الأموي أكثر المؤرخين، ممن جاء بعد انقراض عصرهم، بحيث لا يتصور وقوع محاباة منهم لبني أمية، بل كل هؤلاء المؤرخين هم في العصر العباسي، فقد وصفهم بالعدل ابن خلدون في مقدمة تاريخه معللا ما وقع منهم من عهد للأبنا ء بار وف (4) مصنف ابن أبي شيبة- (ح رقم 654) بإسناد حسن.

عدد الصفحات ١٠٢

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 423 المرحلة التي اقتوتذلك جمعا للكلمة، لا استئثارا بالملك، ولا توريثا له، حيث يقول: (والذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون من سواه إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع الناس، واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل والعقد عليه حينئذ من بني أمية، إذ بنو أمية يومئذ لا يرضون سواهم، وهم عصابة قريش، وأهل الملة أجمع، وأهل الغلب منهم، فآثره بذلك دون غيره ممن يان أنه أولى بها، وعدل عن الفاضل إلى المفوول حرصا على الاتفاق، واجتماع الأهواء، الذي شأنه أهم عند الشارع، ولا يان بمعاوية غير هذا، فعدالته وصحبته مانعة من سو ذلك، وحوور أكابر الصحابة لذلك وسكوتهم عنه دليل على انتفاء الريب فيه، فليسوا ممن يأخذهم في الحق هوادة، وليس معاوية ممن تأخذه العزة في قبول الحق، فإنهم كلهم أجل من ذلك، وعدالتهم مانعة منه.. ثم إنه وقع مثل ذلك من بعد معاوية من الخلفاء الذين كانوا يتحرون الحق ويعملون به مثل عبد الملك، وسليمان من بني أمية، والسفاح، والمنصور، والمهدي، والرشيد من بني العباس، وأمثالهم ممن عرفت عدالتهم وحسن رأيهم للمسلمين والنار لهم..)(4).. وكذا قيل عن عمر بن عبد العزيز، فقد عُ دّ من الخلفاء الراشدين. وقد كان بنو أمية ساسة للدولة الإ سلامية منذ نشأتها، فقد كان أكثر ولاة البلدان في عهد النبي ﷺ منهم، كما قال ابن تيمية: (وكان بنو أمية أكثر القبائل عمالا للنبي ﷺ، فإنه لما فتح مكة استعمل عليها: عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية، واستعمل خالد بن سعيد بن العاص بن أميةذحج كلها البحرين نبران أو ابنه يزيد، ومات وهو عليها، وصاهر نبي الله ﷺ ببناته الثلاث لبني أمية، فزوّ ج (4) العري 4 /263

عدد الصفحات ١٠٣

vvvvvvvvvvvvvvvv 424 أكري بناته زينب بأبي العاص بن الربيع بن أمية بن عبد شمس، وحمد صهره.. وزوج ابنتيه لعثمان بن عفان، واحدة بعد واحدة)(4). وكذا ولى أبو بكر يزيد بن أبي سفيان على أحد البيوش الأربعة لفتح الشام، مع عمرو بن العاص، وشرحبيل بن حسنة، وأبا عبيدة بن البراح، وكان يزيد على فلسطين فأقره عمر عليها، ثم ولاه على دمشق بعد وفاة معاذ بن جبل، وبعد وفاته ولى عمر أخاه معاوية على الشام. قال ابن تيمية: (ثم لما مات يزيد بن أبي سفيان في خلافة عمر استعمل أخاه معاوية، وكان عمر بن الخطاب من أعام الناس فراسة، وأخريهم بالرجال، وأقومهم بالحق، وأعلمهم به، ولا استعمل عمر قط ، ولا أبو بكر على المسلمين: منافقا، ولا استعملا من أقاربهما، ولا كان تأخذهما في الله لومة لائم؛ بل لما قاتلا أهل الردة وأعادوهم إلى الإسلام منعوهم ركوب الخيل وحمل السلاح حتى تاهر صحة توبتهم، وكان عمر يقول لسعد بن أبي وقاص وهو أمير العراق: لا تستعمل أحدا منهم، ولا تشاورهم في الحرب. فإنهم كانو ا أمراء أكابر: مثل طليحة الأسدي، والأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، والأشعث بن قيس الكندي، وأمثالهم، فهؤلاء لما تخوف أبو بكر وعمر منهم نوع نفاق لم يولهم على المسلمين. فلو كان عمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان وأمثالهما ممن يتخوف منهما النفاق لم يولوا على المسلمين)(2). وقد لل معاوية أميرا على الشام كله مدة خلافة عمر كلها، مع أنه لا يوي أحدا أكثر من أربع سنين، إلا معاوية؛ لما رأ من حنكته وحسن سياسته، وهو ما أثبتت صحته الأيام بعد (4) منهاج السنة4 /444 (2) مبموع الفتاو35 /64

عدد الصفحات ١٠٤

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 425 ذلك، حيث كان اجتماع الأمة كلها عليه عام البماعة، بعد افتراقها مدة خمس س نوات، ولم يتوقف في أثنائها عن التصدي للروم وغزوهم، حتى قال عنه الذهبي: (وقال خليفة: ثم جمع عمر الشام كلها لمعاوية، وأقره عثمان. قلت: حسبك بمن يُؤمِّره عمر، ثم عثمان على إقليم –وهو ثغر – فيوبطه، ويقوم به أتم قيام، ويرضى الناس بسخائه وحلمه، فهذا الرجل ساد، وساس العالم بكمال عقله، وفرط حلمه، وسعة نفسه، وقوة دهائه ورأيه، وكان محببا إلى رعيته، عمل نيابة الشام عشرين سنة، والخلافة عشرين سنة، ولم يهبه أحد في دولته، بل دانت له الأمم، وحكم على العرب والعبم، وكان ملكه على الحرمين ومصر والشام والعراق، وخراسان وفارس والبزيرة واليمن والمغرب وغير ذلك)(4). وقال ابن خلدون: (ولما هلك عثمان، واختلف الناس على علي كانت عساكر علي أكثر عددا لمكان الخلافة والفول، إلا أنها من سائر القبائل من ربيعة ويمن وغيرهم، وجموع معاوية إنما هي جند الشام من قريش شوكة مضر وبأسهم، نزلوا بثغور الشام منذ الفتح فكانت عصبيته أشد وأمضى شوكه، ثم كسر من جناح علي ما كان من أمر الخوارج وشغله بهم إلى أن ملك معاوية وخلع الحسن نفسه، واتفقت البماعة على بيعة معاوية في منتصف سنة إحد وأربعين عند ما نسي الناس شأن النبوة والخوارق ، ورجعوا إلى أمر العصبية والتغالب، وتع ين بنو أمية للغ لب على مضر وسائر العرب، ومعاوية يومئذ كبيرهم، فلم تتعده الخلافة، ولا ساهمه فيها غيره، فاستوت قدمه، واستفحل شأنه، واستحكمت في أرض مصر رياسته، وتوثق عقده، وأقام في سلطانه وخلافته عشرين سنة ينفق من بواعة السياسة التي لم يكن أحد من قومه أوفر فيها منه يدا من أهل الترشيح من ولد فاطمة وبني هاشم وآل الزبير وأمثالهم، ويصانع رءوس العرب وقروم مضر بالإغواء والاحتمال (4) سالأعلام 3 /432

عدد الصفحات ١٠٥

vvvvvvvvvvvvvvvv 426 والصري على الأذ والمكروه، وكانت غايته في الحلم لا تدرك، وعصابته فيها لا تنزع، ومرقاته فيها تزل عنها الأقدام)(4). قال مرعي الكرمي عن بني أمية: (وعدة الخلفاء منهم: أربعة عشر، وكانت عمالهم بمصر والشام والحباز والهند والصين وخراسان والمشرق والمغرب والأندلس وسائر أقطار الإسلام، ومدتهم اثنتان وتسعون سنة). (2) 6. أولهم: معاوية بن أبي سفيان 26هـ – 14 هـ: تولى الخلافة بتنازل الحسن بن علي ومبايعته له واجتماع الأمة عليه عام البماعة سنة 44ه، وكانت خلافته تسع عشرة سنة وتوفي بدمشق، في رجب سنة 62ه، وله ثمان وسبعون سنة. وقد وجه جيشا لفتح القسطنطينية سنة 42ه وعليه ولده يزيد، وفيه أبو أيوب الأنصاري، واستشهد تحت أسوارها. وفي سنة 54ه عري سعيد بن عثمان بن عفان نهر جيحون إلى سمرقند والصغد وهزمهم، وفيها استشهد قثم بن العباس بن عبد المطلب، وتوفي أخوه عبدالله بن العباس بالطائف، وأخوه الفول بن العباس بالشام، وسعيد بن العباس بأفريقيا. (4) الع 3 /5 (2) نزهة النالرين في تاريخ من وي مصر من الخلفاء والسلاطين، للعلامة مرعي الكرمي الحنبلي، ص 64، تحقيق عبد الله محمد الكندري، ط 4 سنة2242م، دار النوادر

عدد الصفحات ١٠٦

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv ٧ ولاة الأمصار في عهد معاوية: ولى على مكة خالد بن العاص بن هشام. وعلى المدينة مروان بن الحكم ثم عزله سنة 54ه، وولى سعيد بن العاص، وجمع له بين مكة والمدينة، ثم ولاهما مروان بن الحكم ثم عزله سنة 59ه، وولى مكانه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان. وولى على صنعاء اليمن فيروز الديلمي؛ فبقي حتى توفي سنة 53ه. وولى على أفريقيا والمغرب معاوية بن حديج السكوني سنة 43 ه، ثم ولى عليها عقبة بن نافع الفهري سنة 45 ه، فبنى القيروان واتخذها قاعدة لبنده؛ وهي أول مدينة بنيت في الإسلام بأفريقيا. ثم ولى على مصر وأفريقيا مسلمة بن مخلد، فعزل مسلمة عقبة بن نافع عن أفريقيا سنة 55 ه، وولى عليها مولاه أبا مهاجر، فغزا المغرب وبلغ تلمسان؛ وهي المغرب الأوسط. وكان سهل بن حنيف على مصر أيام علي، فولى معاوية عليها عمرو بن العاص وهي ولايته الثانية عليها وبقي فيها حتى توفي سنة 43 ه، ثم ولى عليها أخاه عتبة بن أبي سفيان حتى توفي، ثم ولى عليها عقبة بن عامر البهني، ثم عزله سنة ٧ ه، وولى عليها مسلمة بن مخلّد الخزرجي؛ فبقي عليها 45 سنة وقد كان معاوية حسن السيرة، قال ابن جرير الطريي: (قدم معاوية، وبعث المغيرة بن شعبة واليًا على الكوفة، فأحب العافية، وأحسن في الناس السيرة، ولم يفتش أهل الأهواء عن أهوائهم، وكان يؤتى فيقال له: إن فلانا ير رأي الشيعة، وإن فلانا ير رأي الخوارج. وكان يقول: قضى الله ألا تزالون مختلفين، وسيحكم الله بين عباده فيما كانوا فيه

عدد الصفحات ١٠٧

vvvvvvvvvvvvvvvv 422 يختلفون. فأمنه الناس، وكانت الخوارج يلقى بعوهم بعوًا، ويتذاكرون مكان إخوانهم بالنهروان، ويرون أن في الإقامة الغبن والوكف، وأن في جهاد أهل القبلة الفول والأجر ).(4) وبهذه السياسة الراشدة رسّ خ معاوية مبدأ التعددية المذهبية، وأرسى قواعد الحرية الفكرية، والتسامح تباه الطوائف وخلافاتها التي بدأت تتنامى في لل اتساع الفتوحات وامتداد حدود الدولة، ما لم تستعمل القوة للخروج على السلطة؛ وهو ما حافظ على وحدة الأم ة والخلافة خلال هذه الفترة، حيث لم يشهد عهده الذي دام عشرين سنة أي اقتتال أو اضطراب داخلي. يزيد بن معاوية: عهد له معاوية بالأمر سنة 56ه، فاعترض عليه عبدالله بن عمر، و عبدالله بن الزبير، و عبدالله بن عباس، والحسين بن علي وعبد الرحمن بن أبي بكر، وبويع بعد وفاة أبيه، ولم تبتمع الأمة عليه؛ فخرج عليه الحسين بن علي في العراق، وخلع أهل المدينة بيعتهم له، وخرج عليه ابن الزبير في مكة، وأهل نبد مع نبدة الحروري، فكانت كربلاء، وحرة المدينة، وحصار مكة. وقد بلغ النعمان بن بشير  وكان أمير الكوفة سنة62ه خري مسلم بن عقيل بن أبي طالب، وأنه يأخذ البيعة سرًا للحسين بن علي  فقام خطيبًا: (فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فاتقوا الله عباد الله ولا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة، فإن فيهما يهلك الرجال، وتسفك الدماء، وتغصب الأموال -وكان حليما ناسكًا يحب العافية– قال: إني لم أقاتل من لم يقاتلني، ولا أثب على من لا يثب عليَّ، ولا أشاتمكم، ولا أتحرش بكم، ولا آخذ بالقرف ولا (4) تاريخ ابن جرير3/4 سنة42ه

عدد الصفحات ١٠٨

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 429 الانة ولا التهمة، ولكنكم إن أبديتم صفحتكم ي ، ونكثتم بيعتكم، وخالفتم إمامكم، فوالله الذي لا إله غيره لأضربنكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولو لم يكن ي منكم ناصر. أ ما إني أرجو أن يكون من يعرف الحق منكم أكثر ممن يرديه الباطل. قال: فقام إليه عبدالله بن مسلم بن سعيد الحضرمي حليف بني أمية، فقال: إنه لا يصلح ما تر إلا الغشم، إن هذا الذي أنت عليه فيما بينك وبين عدوك رأي المستوعفين؛ فقال: أن أكون من المستوعفين في طاعة الله أحب إي َّ من أن أكون من الأعزين في معصية الله؛ ثم نزل).(4) وتويزيد بدمشق سنة 64 ه، وله تسع وثلاثون سنة، ولم يعده ابن البوزي في عداد الخلفاء؛ لعدم استقرار الأمر له. 3. معاوية بن يزيد بويع بعد وفاة أبيه، وتنازل عن الخلافة بعد أربعين يوما، وتوفي بعدها، وله ثلاث وعشرون سنة، وكان رجلا صالحا. 2. خلافةعبدالله بن الزبير: وهو الخليفة العادل الراشد، ابن حواري النبي ﷺ الزبير بن العوام، وابن عمته ﷺ -صفية بنت عبدالمطلب- وكان عبد الله قد خرج على يزيد بن معاوية، ولم يعترف بخلافته، فخرج إلى مكة واعتصم بها، فلما توفي يزيد؛ بويع بمكة وله أربع وستون سنة، وجاءته (4) تاريخ ابن جرير3/9 سنة62هـ

عدد الصفحات ١٠٩

vvvvvvvvvvvvvvvv 442 البيعة من كل الأمصار، في رجب سنة 64ه، ومدته تسع سنين، وقتله الحباج سنة 3ه، فكان آخر خليفة صحابي، وآخر من تولاها بالشور بلا سيف ولا عهد ممن قبله. وقد عدّ ه السيوطي من الخلفاء الراشدين المهديبن العدول الاثني عشر الذين بشر النبي ﷺ بهم في الحديث الصحيح: (لا يزال الإسلام -أو هذا الدين- عزيزا منيعا إلى اثني عشر خليفة كلهم من قريش)، وهم عنده: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والحسن، ومعاوية، و عبدالله بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز؛ وقال: (هؤلاء ثمانية، ويحتمل أن يوم إليهم المهتد ي من العباسيين؛ لأنه فيهم كعمر بن عبد العزيز في بني أمية، وكذلك الااهر لما أوتيه من العدل).(4) ولم يزل ابن الزبير يقيم الحج للناس من سنة64 ه إلى 2 ه. وقد اتخذ ابن الزبير مكة عاصمة له وجعل على المدينة أخاه مصعب سنة 65 ه، ثم ولاه البصرة، وجعل على المدينة جابر بن الأسود بن عوف الزهري، وولى على الكوفة عبدالله بن مطيع، وكان على مصر عبد الرحمن الفهري؛ فأقره عليها، وكان على أفريقيا والمغرب عقبة بن نافع؛ فأقره عليها. 2. مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي بويع بالشام في رجب سنة 64ه، وتوفي بعد عشرة أشهر في رموان سنة 65ه، (وكان سلطانه بالشام خاصة وباقي الأمصار في طاعة عبدالله بن الزبير، والوحاك بن قيس بالشام في جماعة يحاربون لمبايعة ابن الزبير، ثم كانت الوقعة بين الفريقين بمرج راهط (4) تاريخ الخلفاء ص 46

عدد الصفحات ١١٠

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 444 بغوطة دمشق، فقتل الوحاك وانهزم من معه، ثم سار مروان إلى مصر في سنة65ه فبايعه أهلها)(4)، ثم توفي، قال مرعي: (ولم تصح له خلافة(2) 5. عبد الملك بن مروان بويع بعد وفاة أبيه بالشام، فكان خارجا على ابن الزبير ثمان سنين، ثم بويع له خليفة بعد قتله ابن الزبير سنة 3ه، قال السيوطي: (قال الذهبي: أحدهما خليفة والآخر خارج، لأن ابن الزبير سابق البيعة عل يه، وإنما صحت خلافة عبد الملك من حين قتل ابن الزبير)(3)، وقد اجتمعت الأمة بعد ذلك عليه، وقال مرعي: (ومن حينئذ صحت خلافته) (4). وخطب في الحج سنة5 ه فقال: (أيها الناس، إنا نحتمل منكم كل الغرمة، ما لم يكن عقد راية أو وثوب على منري).(5) وتوفي سنة26 ه، وعمره ستون سنة. وقد كان عبدالملك عالما فقيها عدلا احتج به مالك في كتابه "الموطأ"، وقال عنه الذهبي (الخليفة الفقيه.. ذكرته لغزارة علمه)(6). وقال عنه السيوطي: (قال ابن سعد: كان عبدالملك بن مروان عابدا زاهدا ناسكا بالمدينة قبل الخلافة.. وقال نافع: لقد رأيت المدينة وما بها شاب أشد تشميرا، ولا أفقه، ولا أنسك، (4) مآثر الإنافة4/425. (2) نزهة النالرين ص62. (3) تاريخ الخلفاء ص24 (4) نزهة النالرين ص62. (5) ابن كث9/62. (6) سير الأعلام 4 /246

عدد الصفحات ١١١

vvvvvvvvvvvvvvvv 442 ولا أقرأ لكتاب الله من عبدالملك بن مروان، وقال أبو الزناد: فقهاء المدينة: سعيد بن المسيب، وعبد الملك بن مروان، وعروة بن الزبير... وقال الشعبي: ما جالست أحدا إلا وجدت ي عليه الفول، إلا عبد الملك بن مروان، فإنني ما ذكرته حديثا إلا وزادني فيه، ولا شعرا إلا وزادني فيه)(4). وإنما أخذ عليه قتاله على الخلافة، وأخذه إياها بالسيف بلا شور الأمة، وكان والده مروان قد عهد له بالأمر بعده، بغير وجه حق ؛ لعدم صحة خلافة والده أصلا، الذي توفي سنة 65 في خلافة ابن الزبير، وإنما استقرت البيعة العامة لعبدالملك، ودخل المسلمون في طاعته سنة 3، بعد استشهاد ابن الزبير بمكة، فبايعه عبدالله بن عمر، وابن عباس، وكان ابن عمر لا يبايع أحدا حتى يبتمع المسلمون عليه، فدامت خلافة عبدالملك على الصحيح 43 سنة إ26 ه وقال عنه ابن خلدون: (أعام الناس عدالة، وناهيك بعدالته احتباج مالك بفعله، وعدول ابن عباس وابن عمر إلى بيعته)(2) . وإنما اجتمع المسلمون عليه، بعد أن عصفت بهم الفتن مرة أخر بوفاة معاوية سنة62 للهبرة، فاضطربت الأمور في عهد يزيد بن معاوية، ثم بويع ابن زبير، فبايعه أكثر الأمة، ولم يستطع توحيدها وجمع كلمتها، فكان حال خلافته كحال خلافة علي رضي الله عنه، فقد خرج المختار بن عبيد الثقفي في العراق، واستباح الدماء، وخرج الخوارج في الأحواز، ونبد، واليمن، حتى وحد عبدالملك الأمة مرة أخر ، وفي عهده تطورت الدولة إداريا، فعرب (4) تاريخ الخلفاء ص4 (2) الع 4 /242

عدد الصفحات ١١٢

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 443 الدواوين، وضرب الدينار الإسمي، واستكمل الفتوح في عهده غربا، ففتح شمال أفريقيا، والمغرب الأوسط، وولى موسى بن نصير عليه، فاستعد لفتح الأندلس. 1. الوليد بن عبد الملك بويع له بعهد من أبيه، فأقام خليفة تسع سنين ونصف، وتوفي بدمشق سنة 96ه، وله ثمان وأربعون سنة، وكثرت الفتوح في عهده، ففتحت طليطلة في الأندلس على يد طارق بن زياد، وفتحت أطراف السند وما وراء النهر، وتغلغل قتيبة بن مسلم بأمر الحباج في أرض الترك، وفتح محمد بن مسلمة أطراف الهند، وغزا مسلمة بن عبد الملك بن مروان أرض الروم. وبنى الوليد جامع دمشق، وجدد بناء المسبد الأقصى، وزاد في المسبد النبوي وأدخل فيه حبر أزواج النبي ﷺ، وكان الأمير على المدينة عمر بن عبد العزيز. قال عنه ابن كثير: (كان صينا في نفسه، حازما في رأيه، يقال: إنه لا تعرف له صبوة.. وهو باني جامع دمشق الذي لا يعرف في الآفاق أحسن بناء منه، وقد شرع في بنائه في ذي القعدة من هذه السنة -26ه-، فلم يزل في بنائه وتحسينه مدة خلافته، وهي عشر سنين فلما أنهاه انتهت أيام خلافته).(4) وقد أمر في ربيع الأول سنة 22هأمير المدينة عمر بن عبد العزيز بتوسعة المسبد النبوي، (وإضافة حبر أزواج رسول الله ﷺ فيه، وأن يوسعه من قبلته، وسائر نواحيه، حتى (4) البداية والنهاية9 /25

عدد الصفحات ١١٣

vvvvvvvvvvvvvvvv 444 يكون مائتي ذراع في مائتي ذراع، فمن باعك ملكه فاشتر منه، وإلا فقومه له قيمة عدل، ثم اهدم، وادفع إليهم أثمان بيوتهم، فإن لك في ذلك سلف صدق: عمر وعثمان. فبمع عمر بن عبد العزيز وجوه الناس، والفقهاء العشرة أهل المدينة، وقرأ عليهم كتاب الوليد، فشق عليهم ذلك وقالوا: هذه حبر قصيرة السقوف، وسقوفها من جريد النخل، وحيطانها من اللبن، وعلى أبوابها المسوح، وتركها على حالها أولى؛ لينار إليها الحباج والزوار والمسافرون، وإلى بيوت النبي ﷺ فينتفعوا بذلك ويعتريوا به، ويكون ذلك أدعى لهم إلى الزهد في الدنيا، فلا يعمرون فيها إلا بقدر الحاجة، وهو ما يستر ويكن، ويعرفون أن هذا البنيان العاي إنما هو من أفعال الفراعنة والأكاسرة، وكل طويل الأمل راغب في الدنيا وفي الخلود فيها.. فعند ذلك كتب عمر بن عبد العزيز إلى الوليد بما أجمع عليه الفقهاء العشرة المتقدم ذكرهم، فأرسل إليه يأمره بالخراب وبناء المسبد على ما ذكر، وأن يعلي سقوفه، فلم يبد عمر بدا من هدمها، ولما شرعوا في الهدم صاح الأشراف ووجوه الناس من بني هاشم وغيرهم، وتباكوا مثل يو م مات النبي ﷺ، فأجاب من له ملك متاخم للمسبد للبيع فاشتر منهم، وشرع في بنائه، وشمر عن إزاره، واجتهد في ذلك، وجاءته فعول كثيرة من قبل الوليد، فأدخل فيه الحبرة النبوية، حبرة عائشة، فدخل القري في المسبد، وكانت حده من الشرق، وسائر حبر أمهات المؤمنين، كما أمر الوليد)(4). وقال المدائني: (كان الوليد بن عبد الملك عند أهل الشام أفول خلائفهم، بنى المساجد بدمشق، ووضع المنار، وأع طى الناس، وأعطى المبذومين، وقال لهم: لا تسألوا الناس، وأعطى كل مقعد خادما، وكل ضرير قائدا، وفتح في ولايته فتوحات كثيرة عااما، ف فتح (4) البداية والنهاية9 /29

عدد الصفحات ١١٤