المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الجزء الثاني من كـتاب عودة الخلافة

غير معروف

صفحة ٤١ من ٤٢

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 643 وقد خرج الألمان من قسطنطينية في زيادة ألف ألف يريد بلاد الإسلام، ف اشتد الأ مر ودخلت سنة ست وثمانين والسلطان بالخروبة على حصار الفرنج، والإمداد تصل إليه، وقدم الألمان طرسوس يريد بيت المقدس، فخرب السلطان سور طريية ويافا وأرسوف وقيسارية وصيدا وجبيل، وقوي الفرنج بقدوم ابن الألمان إليهم تقوية لهم، وقد مات أبوه بطرسوس وملك بعده، فقدر الله تعالى موته أيوا على عكا، ودخلت سنة سبع وثمانين، فملك الفرنج عكا في سابع عشر جماد الآخرة، وأسروا من بها من المسلمين وحاربوا السلطان، وقتلوا جميع من أسروه من المسلمين، وساروا إلى عسقلان فرحل السلطان في أثرهم وواقعهم بأرسوف، فانهزم من معه وهو ثابت حتى عادوا إليه، فقاتل الفرنج وسبقهم إلى عسقلان وخربها، ثم مضى إلى الرملة وخرب حصنها وخرب كنيسة له، ودخل القدس فأقام بها إلى عاشر رجب سنة ثمان وثمانين، ثم سار إلى يافا فأخذها بعد حروب وعاد إلى القدس وعقد الهدنة بينه وبين الفرنج مدة ثلاث سنين وثلاثة أشهر، أولها حادي عشر شعبان، على أن للفرنج من يافا إلى عكا إلى صور وطرابلس وأنطاكية، ونودي بذلك، فكان يوما مشهودا، وعاد السلطان إلى دمشق فدخلها خامس عشري شوال، وقد غاب عنها أربع سنين، فمات بها في يوم الأربعاء سابع عشري صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة، عن سبع وخمسين سنة، منها مدة ملكه بعد موت العاضد، اثنتان وعشرون سنة وستة عشر يوما). (4) وتولى بعد صلاح الدين ولده العزيز عثمان بالقاهرة، وكان على دمشق أخيه الملك الأفول، وعلى حلب أخيه الملك الااهر غياث الدين غازي، فأقام عثمان نحو 6 سنين، وتوفي سنة (4) خطط مصر والقاهرة للمقريزي3 /425 – 429.

عدد الصفحات ٦٤٣

vvvvvvvvvvvvvvvv 644 595 ه، وعمره ٧ سنة (وكانت سيرته حسنة، جاءه رجل يريد القواء بمال، فقال: لا أبيع دماء المسلمين وأموالهم بملك الأرض).(4) ثم تولى بعده بمصر ولده الملك المنصور محمد بن عثمان وعمره تسع سنين، فأقام سنة واحدة، وعزل سنة 596 ه، وكان الأمر لعم أبيه الملك العادل، فبمع الفقهاء واستفتاهم هل تبوز ولاية الصغير؟ فقالوا: الصغير يولى عليه! فقال : هل تبوز النيابة عنه؟ قالوا: لا لأن الولاية من الأصل إذا كانت غير صحيحة ، فكيف تصح النيابة؟ فخلعه.(2) ثم تولى الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوبأخو صلاح الدين والسلطان بعده على دولة بني أيوب التي امتدت من أقصى مصر واليمن والشام والبزيرة إلى همدان، وكان عادلا رحيمًا صفوحًا صبورًا، من خيار الملوك وأجودهم سيرة ، دينا عاقلاً وقورًا، أبطل المحرمات في جميع مملكته، وقد جاهد الفرنج بعد صلاح الدين، فأبلى بلاءً حسنًا، واشتهر بالصلاح والعبادة والصوم وكان رفيقا رحيما بالفقراء والمساكين والوعفاء. وكانت مدة حكمه 49سنة(3) (وكان مسعودا في حركاته يصيف في الشام ويشتي بمصر، وكان ملكا عايما، ذا رأي ومعرفة تامة، وافر العقل، حازما صالحا، محافاا على الصلوات في أوقاتها، متبعا للسنة، مائلا للعلماء).(4) وفي عهده سنة599 ه دخل اليف قتادة بن إدريس الحسني مكة، وكانت بيد بني حسن الهواشم، فتمكن فيها ولل يتولاها ذريته من بعده. (4) نزهة النالرين ص444. (2) نزهة النالرين ص442. (3) البداية والنهاية43/26 – ٧. (4) نزهة النالرين ص442.

عدد الصفحات ٦٤٤

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 645 وفي سنة624 ه انتقلت السلطنة من دار الوزارة إلى القلعة بببل المقطم، وأول من سكنها الكامل نائبا عن أبيه العادل 44 سنة و في سنة 645 ه توفي العادل بينما كان متوجهً ا لصد حملة صليبية جديدة على سواحل الشام، و تولى بعده ابنه الكامل محمد أبو الفتح ناصر الدين، فأقام 22 سنة وتوفي سنة 635 ه، وكان أبوه قد ولاه مصر، وولى عيسى دمشق، وولى موسى ديار بكر وممالك الشرق، وباقي أولاده كل واحد في مملكة.

عدد الصفحات ٦٤٥

vvvvvvvvvvvvvvvv 646 الولاة والولاياتعهد الخليفة العباسي الناصر لدين الله: وقد طال عهد الخليفة العباسي الناصر نحو نصف قرن، وكان عامة ما قام به صلاح الدين في عهده، وقد كان على مصر والشام صلاح الدين حتى توفي سنة 529 ه بدمشق، وكان مدة ولايته عليهما 24 سنة، ثم تولى بعده ابنه العزيز عثمان إلى سنة595 ه، ثم تو ابنه المنصور محمد بن العزيز بن صلاح الدين، وكان عمه الأفول هو الذي يدبر الأمور، وبقي حتى قدم الملك العادل أبو بكر بن أيوب أخو صلاح الدين وساس الأمور، ثم استقل بالحكم في مصر والشام وتوابعهما سنة 596 ه (وصار ملوك بني أيوب بالشام كأنهم نوابه).(4) وفي سنة624 ه أرسل الخليفة إلى الملك العادل (تشريفا بالسلطنة، والخلعة، وعمامة سوداء، وسيفا وحصانا، ورفع على رأسه علم أسود مكتوب فيه بالبياض اسم الخليفة، وقرين ذلك تقليد بالبلاد التي تحت حكمه، ولقب فيها العادل شاهنشاه ملك الملوك خليل أمير المؤمنين).(2) وكان على مكة: داود بن فليته بن قاسم الهاشمي حتى توفي سنة 529 ه، وانتهى أمرهم، ووي مكة قتادة بن إدريس الحسني العلوي (وخطب فيها للخليفة الناصر، وعام شأنه حتى ملك مع مكة ينبع وأطراف اليمن، وبعض أعمال المدينة المدينة ونبد، وبقي حتى توفي ٧ه، ووي مكانه ابنه الحسن إلى سنة 622 ه، فقدم عليه صاحب اليمن الملك المسعود بن الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب، ووي مكة وفر الحسن إلى بغداد جريحا). (4) مآثر2 /64. (2) مآثر2/59.

عدد الصفحات ٦٤٦

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv ٧ وكان على اليمن: توران شاه بن أيوب نائبا لصلاح الدين، وكان مقره الأسكندرية، ثم ولى صلاح الدين عليها سيف الإسلام طغتك ين حتى توفي بزبيد سنة 593 ه، فوليها ابنه المعز إسماعيل، وكان فيه هوج فقتل، وأقيم مكانه أخوه الناصر بن سيف الإسلام، وكان صغيرا قام بتدبير الأمور مملوك أبيه سنقر فتوفي سنقر بعد أربع سنين، فقام بتدبير الأمور زوج أمه غازي بن جرييل، ثم قتل، فأرسلت أم الناصر إلى سليمان بن الملك المافر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، فتزوجها ووي اليمن إلى سنة 642ه، فأرسل الملك الكامل بن الملك العادل صاحب مصر ابنه الملك المسعود إلى اليمن وقبض على سليمان وتولى اليمن، ثم استخلف عليها علي بن رسول نائبا عنه، وسار هو إلى الشام وتوفي بها سنة 626 ه، وبقي علي بن رسول إلى وفاته سنة 632 ه، نائبا عن بني أيوب، ثم تولى بعده ابنه المنصور عمر بن علي وتغلب وخرج عن طاعة بني أيوب وقتل سنة 642 ه قطع خوارزم شاه العلاقة بالخلافة وسقوط دولته أمام المغول: وكان على خراسان خوارزم شاه محمد بن تكش بن أر سلان بن أطسز بن محمد أنوشتكين، وكان قد ضم إلى خراسان تركستان وغزنة وسبستان وكرمان وطريستان وجرجان والببل، وقد كان خوارزم شاه (قد قطع الخطبة للخليفة الناصر من خراسان سنة 625 ه، وكذلك قطعت الخطبة للخليفة فيما وراء النهر، وبقيت خوارزم وسمرقند وهراة على الخطبة للخليفة، فإن أهل هذه البلاد كانوا يخطبون لمن يختارون ولا يعارضون في ذلك).(4) (4) مآثر2/62.

عدد الصفحات ٦٤٧

vvvvvvvvvvvvvvvv 642 وبقي خوارزم شاه على خراسان وتوابعها حتى توفي ووليها ابنه، حتى انتزعها منه جنكيزخان ملك التتر واستولوا عليها سنة 649 ه وفي سنة ٧ ه غزا التتار المشرق الإسلامي فسيطروا عليه حتى و صلوا العراق، وأحرقوا ودمروا كل بلد دخلوها بسبب انشغال ملوك المسلمين بشهواتهم وملذاتهم عن حماية دولهم وشعوبهم.(4) عودة الخطبة للخلافةتونس: وكان على تونس أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن المريني الموحدي، وكان قد قطع هو وأبوه الخطبة للخليفة العباسي، فغلب علي ها ابن غانية (وخطب للخليفة العباسي ببغداد).(2) وفاة الخليفة العباسي الناصر لدين ا وفي سنة 622 ه توفي ببغداد الخليفة الناصر لدين الله أحمد بن المستضيء العباسي، ومدة خلافته ٧ سنة. وغسل الناصر محي الدين يوسف بن البوزي، وصلى عليه وي عهده ابنه الااهر، و ألف ابن الساعي كتابه "الروض الناضر في أخبار الإمام الناصر". (4) البداية43/94 – 96. (2) مآثر2/2.

عدد الصفحات ٦٤٨

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 649 25- خلافة الظاهر بأمر الله العباسي: وهو أحد الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، وكان والده الناصر قد أسمعه مسند الإمام أحمد بن حنبل، وحدّ ث به عن أبيه الناصر، وقد بايعه الوزراء والقواة وشيوخ الإسلام بيعة الخاصة، ثم بايعه المسلمون بيعة عامة، قال الذهبي: (قال ابن الساعي : بايعه أولا أهله وأقاربه من أولاد الخلفاء، ثم مؤيد الدين محمد بن محمد القمي نائب الوزارة، وعود الدولة أبو نصر ابن الوحاك أستاذ الدار، وقاضي القواة محيي الدين بن فولان الشافعي، والنقيب الطاهر قوام الدين الحسن بن معد الموسوي، ثم بويع يوم عيد الفطر البيعة العامة، وجلس بثياب بيض، وعليه الطرحة ، وعلى كتفه بردة النبي ﷺ في شباك القبة التي بقصر التاج، فكان الوزير قائما بين يدي الشباك على منري، وأستاذ الدار دونه بمرقاة، وهو الذي يأخذ البيعة على الناس، ولفظ المبايعة: "أبايع سيدنا ومولانا الإمام المفترض الطاعة على جميع الأنام، أبا نصر محمدا الااهر بأمر الله على كتاب الله، وسنة نبيه، واجتهاد أمير المؤمنين، وأن لا خليفة سواه". ولما أسبلت الستارة، توجه الوزير وأرباب الدولة، وجلسوا للعزاء، ووعظ محيي الدين ابن البوزي، ثم دعا الخطيب أبو طالب الحسين ابن المهتدي بالله..)(4). وقال ابن كثير: (لما توفي الخليفة الناصر لدين الله كان قد عهد إلى ابنه أبي نصر محمد هذا ولقبه بالااهر، وخطب له على المنابر، ثم عزله عن ذلك بأخيه علي، فتوفي في حياة أبيه سنة ثنتي عشرة، فاحت اج إلى إعادة هذا لولاية العهد فخطب له ثانيا، فحين توفي بويع بالخلافة، وهو الخليفة العباسي الخامس والثلاثون، وعمره يومئذ ثنتان وخمسون سنة، (4) تاريخ الإسلام 45 /44

عدد الصفحات ٦٤٩

vvvvvvvvvvvvvvvv 652 فلم يل الخلافة من بني العباس أسن منه، وكان عاقلا وقورا دينا عادلا محسنا، رد ماالم كثيرة وأسقط مكوسا كان قد أحدثها أبوه، وسار في الناس سيرة حسنة، حتى قيل: إنه لم يكن بعد عمر بن عبد العزيز أعدل منه لو طالت مدته، لكنه لم يحل إلى الحول، بل كانت مدته تسعة أشهر أسقط الخراج الماضي عن الأراضي التي قد تعطلت، ووضع عن أهل بلدة واحدة وهي يعقوبا سبعين ألف دينار كان أبوه قد زادها عليهم في الخراج، وكانت صنبة المخزن تزيد على صنبة البلد نصف دينار في كل مائة إذا قبووا وإذا أقبووا دفعوا بصنبة البلد، فكتب إلى الديوان ﴿ وَيرلٌ لِلرمُطَفِّفِينَ . الَّذِينَ إِذَا اكرتَالُوا عَلىَ النَّاسِ يَسرتَورفُو نَ . وَإِذَا كَالُوهُمر أَور وَزَنُوهُمر يُخرسرُِ ونَ . أَلاَ يَاُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمر مَبرعُوثُونَ . لِيَورمٍ عَاِيمٍ . يَورمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الرعَالَمِينَ ﴾، فكتب إليه بعض الكتاب، يقول: يا أمير المؤمنين إن تفاوت هذا عن العام الماضي خمسة وثلاثون ألفا، فأرسل ينكر عليه، ويقول: هذا يترك وإن كان تفاوته ثلثمائة ألف وخمسين ألفا، . وأمر للقاضي أن كل من ثبت له حق بطريق شرعي يوصل إليه ب مراجعة، وأقام في النار على الأ موال البردة رجلا صالحا، واستخلص على القواء الشيخ العلامة عماد الدين أبا صالح نصر بن عبد الرزاق بن الشيخ عبد القادر البيلي في يوم الاربعاء ثامن ذي الحبة، فكان من خيا ر المسلمين ومن القواة العادلين، رحمهم الله أجمعين، ولما عرض عليه القواء لم يقبله إلا بشرط أن يورث ذوي الأ رحام، فقال: اعط كل ذي حق حقه واتق الله ولا تتق سواه، وكان من عادة أبيه أن يرفع إليه حراس الدروب في كل صباح بما كان عندهم في المحال من الاجتماعات الصالحة والطالحة، فلما وي الااهر أمر بتبطيل ذلك كله، وقال: أي فائدة في كشف أحوال الناس وهتك أستارهم؟. فقيل له: إن ترك ذلك يفسد الرعية، فقال: نحن ندعو الله لهم أن يصلحهم، وأطلق من كان في السبون معتقلا على الأ موال الديوانية، ورد عليهم ما كان استخرج منهم قبل ذلك من الماالم، وأرسل إلى القاضي بعشرة آلاف دينار يوفي بها ديون من في سبونه من المدينين الذين لا يبدون

عدد الصفحات ٦٥٠

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 654 وفاء، وفرق في العلماء بقية المائة ألف، وقد لامه بعض الناس في هذه التصرفات فقال: إنما فتحت الدكان بعد العصر، فذروني أعمل صالحا وأفعل الخير، فكم مقدار ما بقيت أعيش؟! ولم تزل هذه سيرته حتى توفي في العام الآتي. وكان هذا الخليفة الااهر حسن الشكل، مليح الوجه أبيض مشربا، حلو الشمائل، شديد القو ..(4) كانت وفاة الخليفة يوم البمعة ضحى الثالث عشر من رجب من هذه السنة، أعني سنة ثلاث وعشرين وستمائ ة، ولم يعلم الناس بموته إلا بعد الصلاة، فدعا له الخطباء يومئذ على المنابر على عادتهم فكانت خلافته تسعة أشهر وأربعة عشر يوما، وعمره اثنتان وخمسون سنة، وكان من أجود بني العباس وأحسنهم سيرة وسريرة ، وأكثرهم عطاء وأحسنهم منار ا ورواء، ولو طالت مدته لصلحت الأ مة صلاحا كثيرا على يديه، ولكن أحب الله تقريبه وإزلافه لديه، فاختار له ما عنده، وأجزل له إحسانا ورفده، وقد ذكرنا ما اعتمده في أول ولايته من إطلاق الاموال الديوانية ورد الماالم وإسقاط المكوس، وتخفيف الخراج عن الناس، وأداء الديون عمن عبز عن أدائها، والاحسان إلى ا لعلماء والفقراء وتولية ذوي الديانة والأمانة ).(2) وقال سبط ابن البوزي عن الخليفة الااهر، ومبايعة الناس له البيعة الخاصة، ثم البيعة العامة، وما أقامه من العدل، والري والخير، والإحسان، والعفو والصفح عمن أساءوا إليه، وأعانوا على عزله عن ولاية العهد في حياة أبي ه: (ولما مات أبوه استدعى المكين القمي وقشتمر والأنباري والأعيان إلى البدرية، فشاهدوا الناصر ميتا مسبى، فبايعوا أبا نصر محمدا، (4)البداية والنهاية43 /425 (2) البداية والنهاية43 /432

عدد الصفحات ٦٥١

vvvvvvvvvvvvvvvv 652 ولقبوه بالااهر بأمر الله، وهذه البيعة الخاصة، ثم بويع البيعة العامة؛ حضر القواة مع الأعيان فبايعوه. وكان جميل الصورة، أبيض مشربا حمرة، حلو الشمائل، شديد القو ، أفوت الخلافة إليه وله اثنتان وخمسون سنة إلا شهورا، فقيل له: ألا تتفسح؟ فقال: قد قاش الزرع، فقيل له: يبارك الله في عمرك، فقال: من فتح دكانا بعد العصر أيش يكسب؟ ولما بويع أحسن إلى الناس، ولم يؤاخذ أحدا ممن سعى في خلعه، وكان الناس يانون خلاف ذلك، وخاف الخونة واستعدوا للمهالك، وكتبوا وصاياهم، فقابل الإساءة بالإحسان، والتباوز بالامتنان، وصلى على أبيه بالتاج، وعمل العزاء ثلاثة أيام، وفرق الأموال، وأبطل المكوس، وأزال الماالم) (4). وقال عنه ابن الأث (ولما وي الااهر ألهر من العدل والإ حسان ما أعاد به سنة العمرين، فإنه لو قيل: ما وي الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز مثله لكان القائل صادقا، فإنه أعاد من الأموال المغصوبة، والأملاك المأخوذة في أيام أبيه وقبلها وشيئا كثيرا، وأطلق المكوس في البلاد جميعها، وأمر بإعادة الخراج القديم في جميع العراق، وبإسقاط جميع ما جدده أبوه، وكان ذلك كثيرا، لا يحصى.. ومن عدله: أن صاحب الديوان قدم من واسط ومعه أزيد من مائة ألف دينار من للم، فردها على أربابها، وأخرج المحبسين، وأرسل إلى القاضي عشرة آلاف دينار ليوفيها عمن أعسر. وقيل له: في هذا الذي تخرجه من الأموال لا تسمح نفس ببعوها، فقال: أنا فتحت الدكان بعد العصر، فاتركوني أفعل الخير، فكم بقيت أعيش؟ و تصدق وفرق في العلماء والصلحاء مائة ألف دينار. (4) مرآة الزمان22 /225

عدد الصفحات ٦٥٢

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 653 وكان نعم الخليفة، جمع الخشوع مع الخووع لربه، والعدل والإحسان إلى رعيته، ولم يزل كل يوم يزداد من الخير والإحسان. وكان قبل موته قد أخرج توقيعا بخطه إلى الوزير ليقرأه على الأكابر، فقال رسوله: أمير المؤمنين يقول: ليس غرضنا أن يقال برز مرسوم، أو نفذ مناك، ثم لا يبين له أثر، بل أنتم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال، فقرءوه، فإذا في أوله بعد البسملة: " اعلموا أنه ليس إمهالنا إهمالا، ولا إغواؤنا إغفالا، ولكن لنبلوكم أيكم أحسن عملا، وقد عفونا لكم ما سلف من إخراب البلاد، وتشريد الرعايا، وتقبيح السمعة، وإلهار الباطل البلي في صورة الحق الخفي حيلة ومكيدة، وتسمية الاستئصال والاجتياح استيفاء واستدراكا لأغراض انتهزتم فرصتها مختلسة من برا ثن ليث باسل، وأنياب أسد مهيب، تتفقون بألفاظ مختلفة على معنى واحد، وأنتم أمناؤه وثقاته، فتميلون رأيه إلى هواكم، وتمرجون باطلكم بحقه، فيطيعكم وأنتم له عاصون، ويوافقكم وأنتم له مخالفون، والآن قد بدل الله -سبحانه- بخوفكم أمنا، وبفقركم غنى، وبباطلكم حقا، ورزقكم سلطانا يقيل العثرة ويقبل المعذرة، ولا يؤاخذ إلا من أصر، ولا ينتقم إلا ممن استمر، يأمركم بالعدل وهو يريده منكم، وينهاكم عن البور وهو يكرهه لكم، يخاف الله تعالى، فيخوفكم مكره، ويرجو الله تعالى، ويرغبكم في طاعته، فإن سلكتم مسالك خلفاء الله في أرضه وأمنائه على خلقه وإلا هلكتم، والسلام". ولما توفي وجد في بيت من داره ألوف رقاع كلها مختومة لم يفتحها، فقيل له: ليفتحها؟ قال: لا حاجة لنا فيها، كلها سعايات)(4) يعني: وشايات من البواسيس والعيون على الناس! (4) الكامل42 /456

عدد الصفحات ٦٥٣

vvvvvvvvvvvvvvvv 654 (وقال أبو شامةتاريخه: وكان أمير المؤمنين أبو نصر، جميل الصور ة، أبيض مشر با حمرة، حلو الشمائل، شديد القو ، بويع وهو ابن اثنتين وخمسين سنة. فقيل له: ألا تتفسح؟ قال: قد لقس الزرع، فقيل: يبارك الله في عمرك، قال: من فتح دكانا بعد العصر أيش يكسب؟ ثم إنه أحسن إلى الناس، وفرق الأموال، وأبطل المكوس، وأزال الماالم. وقال أبو المافر البوزي: حكي ي عنه: أنه دخل إلى الخزائن، فقال له خادم: في أيامك تمتلئ، فقال: ما فعلت الخزائن لتملأ، بل لتفرغ، وتنفق في سبيل الله تعالى، فإن البمع شغل التبار! وقال ابن واصل: ألهر العدل، وأزال المكس، ولهر للناس، وكان أبوه لا ياهر إلا نادرا)(4). وقال العصامي المكي عن الااهر: (كان من أهل الورع والدين، تابعً ا للشرع، اتفق أهل النقل أنه ما جاء أحد بعد عمر بن عبد العزيز مثله، فإنه أحيا سنة العمرين، وسار بسيرتهما، فأعاد الأموال المغصوبة والأملاك المأخوذة في أيام أبيه ومن قبله إلى أهلها، وألهر العدل، وأزال المكس، وكان العمال تكيل للديوان بكيل زائد على ما يكيلون به للناس فأبطل ذلك، وكتب إلى وزيره "وَيل للمُطَفِفِينَ" إلى قوله "لِرَبِ اَلعَاَلمِينَ" "المطففين: 4 - 6" فقال له الوزير: تفاوت الكيل ينوف على ثلاثين ألف دينار، فقال له: أبطله ولو أنه ثلاثمائة ألف دينار. وفرق ليلة عيد النحر على الفقهاء مائة ألف دينار، فلامه وزيره على ذلك، فقال: اتركني أفعل الخير؛ فإني لا أدري كم أعيش، ولم يمتد زمانه. (4) تاريخ الإسلام 45 /462

عدد الصفحات ٦٥٤

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 655 وكان في أضيق عيش، فقالوا له إشفاقًا لحاله: لم لا تتوسع في المأكل والمشرب والرزق؟ فقال: من فتح الحانوت بعد العصر، فحاله معلو م في البيع والشراء)(4). وقال ابن العريي عنالااهر: (ولما توفي الناصر الدين الله بويع ابنه الإمام الااهر بأمر الله عدة الدين أبو نصر محمد في ثاني شوال من سنة اثنتين وعشرين وستمائة. وكان والده قد بايع له بولاية العهد وكتب بها إلى الآفاق وخطب له بها مع أبيه ع لى سائر المنابر. وموت على ذلك مدة ثم نفر عنه بعد ذلك وخافه على نفسه، فإنه كان شديدا قويا أيدا، عاي الهمة، فأسقط اسمه من ولاية العهد في الخطبة، واعتقله وضيق عليه، ومال إلى أخيه الصغير الأمير علي إلا أنه لم يعهد إليه. فاتفقت وفاة الأمير علي الصغير في حياة و الده وخلف أولادا طفالا فبعث بهم إلى ششتر. فعلم الإمام الناصر أنه لم يبق له ولد تصير الخلافة إليه بعده غيره. فعهد إليه وبايع له الناس وهو في الحبس موبوط عليه، وكانت عامة أهل بغداد يميلون إليه. فلما توفي الناصر أخرجه أرباب الدولة وبايعوه بالخلافة. وقال لما بويع: كيف يليق أن يفتح الإنسان دكانا بعد العصر؟ قد نيفت على الخمسين سنة، وأتقلد الخلافة! ثم ألهر من العدل والأمن ما لم يمكن وصفه، وأزال الالم، ورد على الناس أموالا جزيلة، واملاكا جليلة، كانت قد أخذت منهم، وأزال مكوسا كثيرة، وكانت قد جددت. وارتفع عن الناس ما كانوا ألفوه من الخوف في زمان والده، فألهروا نعمتهم، وامتنع المفسدون من السعايات. وعقد لبغداد جسرا ثانيا عايما جديدا وأنفق عليه مالا كثيرا، فصار في بغداد على دجلتها جسران. (4) سمط العوا 3 /542

عدد الصفحات ٦٥٥

vvvvvvvvvvvvvvvv 656 وما زالت دولته كذلك عادلة آمنة منذ وي إلى أن توفي في رابع عشر شهر رجب سنة ثلث وعشر ين وستمائة بعد تسعة أشهر من ولايته) (4). 21- خلافة المستنصر بالله أحمد بن الظاهر بالله محمد وهو الخليفة العباسي السادس والثلاثون، بويع بعد أبيه سنة 623ه، فأقام٧ سنة خليفة، وتوفي سنة 426 هوكان على ما كان عليه أبوه من العدل، وحسن السيرة).(2) وقد بايع أهل الحل والعقد المستنصر أحمد المنصور البيعة الخاصة ثم العامة، وسار بالناس سيرة أبيه الااهر، وكان حسن السيرة في الرعية، وهو الذي بنى البامعة المستنصرية، وكان متواضعًا محبوبًا. (3) وقال ابن العريي: (ولما توفي الإمام الااهر بأمر الله بويع ابنه جعفر المنصور ، و لقب المستنصر بالله، بويع يوم مات والده. ولما بويع البيعة العامة ركب للناس ركوبا لاهرا، واستمر على هذه الحالة مدة طويلة لا يختفي في ركوبه من الناس، وألهر من العدل، وحسن السيرة أضعاف ما ألهره والده، وأفاض من الصدقات ما أربى على من تقدمه، وتقدم بإنشاء مدرسته المعرو فة بالمستنصرية التي لم يعمر في الدنيا مثلها، فعمرت على أعام وصف في صورتها وآلاتها، واتساعها وزخرفها، وكثرة فقهائها ووقوفها. ووقفها على المذاهب الاربعة ورتب فيها أربعة من المدرسين في كل مذهب مدرسا وثلاثمائة فقيه. (4) تاريخ مختصر الدول 4 /242 (2) مآثر2/2. (3) البداية43/442 – 443.

عدد الصفحات ٦٥٦

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv ٧ لكل مذهب خمسة وسبعون فقيها، ورتب لهم من المشاهرات والخبز والطعام في كل يوم ما يكفي كل فقيه ويفول عنه، وبنى لهم داخل المدرسة حماما خاصا للفقهاء وطبيبا خاصا يتردد إليهم في بكرة كل يوم يفتقدهم، ومخزنا فيه كل ما يحتاج إليه من أنواع ما يطبخ من الأطعمة، ومخزنا آخر فيه أنواع الأشربة والأدوية)(4). وقال العصامي عن المستنصر بالله: (بويع له بالخلافة بعد موت أبيه الااهر، في رجب سنة ثلاث وعشرين وستمائة، فنشر العدل، وبذل الإنصاف، وقرب أهل العلم والدين، وبنى المساجد والربط والمدارس، وأقام منار الدين، وقمع المتمردين، ونشر السنن، وكف الفتن، وحمل الناس على أقوم سنن، و حفظ الثغور، وافتتح الحصون، واجتمعت القلوب على محبته، والألسن على مدحته، ولم يبد أحد من المتعنتة فيه معابً ا، وكان جده الناصر يقربه، ويسميه القاضي؛ لهديه وعقله، وإنكار ما يبده من المنكر. قال الحافظ زكي الدين عبد العايم المنذري: كان المستنصر راغبً ا في فعل الخير، مبتهدً ا في أعمال الري، وله في ذلك آثار جميلة، وهو الذي أنشأ المستنصرية؛ التي لم يبن مثلها في مدارس الإسلام، ولم يوجد في المدارس أكثر كسبً ا منها، ولا أكثر أوقافً ا عليها، ورتب فيها الرواتب الحسنة لأهل العلم..)(2). وفي سنة624 ه توفي عيسى بن العادل الأيوب ي ملك الشام، وكان عالمًا فاضلا شباعًا مباهدًا.(3) (4) تاريخ مختصر الدول4/ 243 (2) سمط العوا 3 /543 (3) البداية43/432.

عدد الصفحات ٦٥٧

vvvvvvvvvvvvvvvv 652 وبعد موته انفرط عقد بني أيوب، وكانوا يتنازعون على الحكم فيما بينهم منذ وفاة أبيهم العادل، وقد صاروا فرقا وأحزابا، فصالحوا الفرنج على رد القدس مقابل أن تبقى بأيديهم بقية البلاد.(4) وفي سنة624 – 625 ه خرج التتر على بلاد الإسلام وعاثوا فسادا، وضعف جلال الدين بن خوارزم شاه عن مقاومتهم.(2) وفي سنة625 ه استلم الفرنج القدس صلحا وفي سنة 642 ه توفي الخليفة المستنصر بالله العباسي ببغداد، وكانت مدته ٧ سنة، وكان حسن السيرة في الرعية، كثير الصدقات، محسنا إلى الرعية بكل ما يستطيع، عمل بكل محلة ببغداد دار ضيافة للفقراء، وافتتح البامعة المستنصرية ببغداد، ووقف عليها أوقافا، وكانت أكري مدارس الدنيا في عصرها.(3) الولايات في خلافة المستن كان على مصر في عهد الخليفة المستنصر: السلطان الملك الكامل، وقد أرسل إليه بكتاب عايم يقلده فيه الملك، مع الشيخ يوسف بن أبي الفرج بن البوزي، وقد اتسعت مملكته، وانتزع دمياط من الفرنبة، بعد أن استولى عليها وجعلوا جامعها كنيسة، وقد حضر لنصرته أخواه المعام عيسى، والأشرف موسى، وبالغا في خدمته. وقد توفي السلطان الكامل في عهده سنة 635 ه (وكان الكامل معاما للسنة وأهلها).(4) (4) المصدر السابق43/433. (2) مآثر2/2. (3) البداية43/2. (4) نزهة النالرين ص444.

عدد الصفحات ٦٥٨