المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الجزء الثاني من كـتاب عودة الخلافة

غير معروف

صفحة ٣٧ من ٤٢

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 9 ولما سمع السلطان ذلك تعبب من مقالته، ثم حين فتح السلطان البيت المقدس؛ خرج إليه المبد بن جهبل مهنئا له بفتحه، وحدثه حديث الورقة، فتعبب السلطان من قوله، وقال: قد سبق إلى ذلك محيي الدين بن زكي الدين غير أني أجعل لك حاا لا يزاحمك فيه أحد. ثم جمع له من في العسكر من الفقهاء، وأهل الدين، ثم أدخله إلى القدس، والفرنج بعد ما خرجوا منه، وأمره أن يذكر درسا من الفقه على الصخرة، فدخل وذكر درسا هناك، وحاي بما لم يحظ به غيره. قلت: وسيأتي في فتح بيت المقدس في فصل المنري ذكر ما قاله أبو الحكم في تفسيره وغيره مما يناسبه، وبالله التوفيق. وقال العماد: تم فتح حلب في صفر من هذه السنة، ومدح القاضي محيي الدين بن الزكي السلطان بأبيات، منها: وفتحكم حلبـا بالســيف في صــفر مبشــ ـــــ ر بفتوح القدس في رجب فوافق فتح القدس كما ذكره، فكأنه من الغيب ابتكره!).(4) استئذان صلاح الدين من الخليفة العباسي بضم الموصل وأرسل صلاح الدين للخليفة يستأذنه بوم الموصل سنة 522ه؛ وذلك لخروجهم عن طاعة الخليفة، وتواطئهم مع الفرنبة على المباهدين في سبيل الله في الثغور، وتفريقهم المسلمين، وشيوع الالم بينهم، حيث قال في خطابه: (فإن أهلها يواصلون الأعاجم ، وخاطبون لسلطانهم القائم، وناقشو اسمه في الدنانير والدراهم، وأنهم يتعززون بالبهلوان، (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 3 /469

عدد الصفحات ٥٧٩

vvvvvvvvvvvvvvvv 522 ويعبزون إلا عن الطاعة له والإذعان ، وأنهم يرسلون إلى الفرنج و يقوون نفوسهم على قصد الثغور، وتفريق البمهور، وأنه ما جاء طمعا في استوافة ملك، ولا استزادة سلك، ولا قلع بيت قديم، ولا قطع أصل كريم، وإنما مقصوده الأصلي ، ومطلوبه الكلي؛ ردهم إلى طاعة الإمام ، ونصرة الإسلام ، وكشف ما اعتادوه واعتوروه من الالم والالام ، وفطمهم عن استحلال الحرام، وقطعهم عن مواصلة الأعبام ، وإلزامهم بما يبب عليهم من حفظ البار وصلة الأرحام...).(4) وكتب إلى الخليفة (يطلب منه كتاب تقليد ببلاد الأرمن وديار بكر والموصل؛ فباءه بعد فتح ميافارقين ، مثال شريف بتقليده النار في أمر ديار بكر ، والنار في مصالح أي تام ملوكها).(2) وكتب العماد الكاتب عن السلطان كتابا إلى أخيه سيف الإسلام باليمن بشرح الحال ، وفيه: (ونزل لنا صاحب الموصل عن جميع ما وراء الزاب من البلاد والقلاع ، والحصون والوياع، وشهرزور ومعاقلها وأعمالها، وولاية بني قفباق ، وولاية القرابلي والبوازيج وعانة ، وقررنا عليه الموصل وأعمالها، على أنه يكون بحكمنا، وينفذ عسكره إلى خدمتنا، وتكون الخطبة والسكة باسمنا، وأن يطلق الماالم، ولا يرتكب المآثم، وقد حصل لنا من صاحب الموصل ومن جميع من بالبزيرة وديار بكر الطاعة والسكة والخطبة ، وعمت الهيبة والرهبة ، والعزائم إلى البهاد في سبيل الله نوازع، وقد زالت العوائق وارتفعت الموانع).(3) (4) المصدر السابق 3 /222 (2) المصدر السابق 3 /234 (3) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 3 /236

عدد الصفحات ٥٨٠

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 524 وفي سنة522 ه كتب منشورا آخر بإسقاط المكوس بالرحبة (وفيه: وهذا دأب السلطان في جميع البلاد ، اقتصر منها على الرسوم التي يبيحها الشرع ، وهي الخراج والأجور والزرع).(4) معركة حطين سنة٣٤١ هـ: بعد أن استكمل صلاح الدين شروط معركة تحرير القدس وفلسطين، ابتداء من تحقيق الوحدة بين أقاليم الدولة المحيطة بها، وتعزيز مركز الخلافة سياسيا، وتحقيق النهوة الإصلاحية قوائيا واقتصاديا؛ شرع في التحوير لفتح القدس، فريز السلطان من دمشق يوم السبت أول المحرم (في العسكر الع رمرم ومضى بأهل البنة لبهاد أهل جهنم فلما وصل إلى رأس الماء أمر ولده الملك الأفول بالإقامة هناك ليستدني إليه الأمراء الواصلين والأملاك ويبمع الأعراب والأعاجم والأتراك وسار السلطان إلى بصر ). (2) فتح طبرية قال ابن شداد: (ثم عرض السلطان العساكر منتصف ربيع الآ خر على تل يعرف بتل تسيل ورتبهم ، واندفع قاصدا إلى بلاد العدو في وسط نهار البمعة ، وكان أبدا يقصد بوقعاته البمع لا سيما أوقات صلاة البمعة؛ تريكا بدعاء الخطباء على المنابر، فربما كانت أقرب إلى الإجابة . وبلغه أن الفرنج اجتمعوا في مرج صفورية بأرض عكا، فقصد نحوهم للمصاف معهم، فسار ونزل على بحيرة طريية عند قرية تسمى الصنرية، ورحل من هناك، ونزل على غربي (4) المصدر السابق 3 /252 (2) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 3 /6

عدد الصفحات ٥٨١

vvvvvvvvvvvvvvvv 522 طريية على سطح الببل؛ لتعبئة الحرب، منتارا أن الفرنج إذا بلغهم ذلك قصدوه، فلم يتحركوا من منزلتهم، فنزل جريدة على طريية وترك الأطلاب على حالها قبالة وجه العدو ، ونازل طريية وزحف عليها، فهبمها وأخذها في ساعة من نهار، وامتدت الأيدي إليها بالنهب والأسر والحريق والقتل، واحتمت القلعة وحدها. فرحل الفرنج وقصدوا طريية للدفع عنها ، فأخريت الطلائع الإسلامية الأمراء بحركة الفرنج، فسيروا إلى السلطان من عرفه ذلك ، فترك على طريية من يحفظ قلعتها، ولحق العسكر هو ومن معه، فالتقى العسكران على سطح جبل طريية الغربي منها، وحال الليل بين الفئتين، فباتتا على مصاف شاكين في السلاح إلى صبيحة البمعة، فركب العسكران وتصادما، وذلك بأرض قرية تسمى اللوبيا، ولم تزل الحرب إلى أن حال بينهم الالام . وجر في ذلك اليوم من الوقائع العايمة، والأمور البسيمة، ما لم يحك عمن تقدم، وبات كل فريق في سلاحه ، ينتار خصمه في كل ساعة، وقد أقعده التعب عن النهوض، حتى كان صباح السبت الذي بورك فيه ، فطلب كل من الفريقين مقامه ، وعلمت كل طائفة أن المكسورة منها، مدحورة البنس، معدومة النفس، وتحقق المسلمون أن من ورائهم الأردن ، ومن بين أيديهم بلاد القوم، ولا ينبيهم إلا الله. وكان الله قد قدر نصره للمسلمين فيسره، وأجراه على وفق ما قدره، فحملت الأطلاب الإسلامية من البوانب ، وحمل القلب، وصاحوا صيحة الرجل الواحد، فألقى الله الرعب في قلوب الكافرين ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيرنَا نَصررُ الرمُؤرمِنِين ﴾. وكان القومص ذكي القوم وألمعيهم ، فرأ أمارات الخذلان قد نزلت بأهل دينه ، ولم يشغله لن محاسنة جنسه عن يقينه، فهرب في أوائل الأمر قبل اشتداده ، وأخذ طريقه نحو صور وتبعه جماعة من المسلمين، فنبا وحده، وأمن الإسلا م كيده، واحتاط أهل الإسلام بأهل الكفر والطغيان من كل جانب، وانهزمت منهم طائفة، فتبعها أبطال المسلمين، فلم

عدد الصفحات ٥٨٢

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 523 ينج منها واحد، واعتصمت الطائفة الأخر بتل حطين ، وهي قرية عنده، وعندها قري النب ي شعيب عليه السلام ، فوايقهم المسلمون على التل، وأشعلوا حولهم النيران، وقتلهم العطش، وضاق بهم الأمر ، حتى كانوا يستسلمون للأسر خوفا من القتل، فأسر مقدموهم، وقتل الباقون وأسروا، وكان الواحد منهم العايم يخلد إلى الأسر خوفا على نفسه، ولقد حكى ي من أثق بقوله، أنه لقي بحوران شخصا واحدا، ومعه طنب خيمة، وفيه نيف وثلاثون أسير ا، يبرهم و حده؛ لخذلان وقع عليهم . وأما القومص(4) الذي هرب فإنه وصل إلى طرابلس، وأصابه ذات البنب فأهلكه الله بها. وأما مقدمو الإسبتارية (2) والداوية(3) فإن السلطان اختار قتلهم ، فقتلوا عن بكرة أبيهم. وأما الرينز أرناط، فكان السلطان قد نذر أنه إن لفر به قتله، وذلك أنه كان عري به بالشوبك قفل من الديار المصرية في حالة الصلح، فنزلوا عنده بالأمان ، فغدر بهم وقتلهم، فناشدوه الله والصلح الذي بينه وبين المسلمين، فقال: ما يتومن الاستخفاف بالنبي ﷺ وقال: قولوا لمحمدكم يخلصكم. وبلغ ذلك السلطان فحمله الدين والحمية على أنه نذر إن لفر به قتله، فلما فتح الله عليه بالنصر والافر ؛ جلس في دهليز الخيمة ، فإنها لم تكن نصبت ، والناس يتقربون إلي ه بالأسار ، وبمن وجدوه من المقدمين، ونصبت الخيمة وجلس فرحا مسرورا شاكرا لما أنعم الله به عليه، ثم استحضر الملك جفري وأخاه والرينز أرناط، وناول الملك شربة من جلاب بثلج فشرب منها، وكان على أشد حال من العطش، ثم ناول بعوها الرينز أرناط، فقال (4) والقومس هو الأمير باللاتينية، والمراد به هنا : أمير صور الفرنبي. (2) الإسبارتية فرسان القديس يوحنا في مالطا، فرع من فرسان المعبد، وهم فرقة عسكرية صليبية، جعلت هدفها غزو العالم الإسلامي، و أخذ القدس. (3) الداوية: وهم فرسان الهيكل، وفرسان المسيح الفقراء؛ منامة صليبية، توم الرهبان المقاتلين.

عدد الصفحات ٥٨٣

vvvvvvvvvvvvvvvv 524 السلطان للترجمان: قل للملك: أنت الذي تسقيه وإلا أنا ماسقيته، وكان على جميل عادة العرب وكريم أخلاقهم؛ أن الأسير إذا أكل أو شرب من مال من أسره أمن، فقصد بذلك البري على مكارم الأخلاق ، ثم أمر بمسيرهم إلى موضع عين لنزولهم، فمووا وأكلوا شيئا ثم عاد واستحضرهم ، ولم يبق عنده أحد سو بعض الخدم ، فأقعد الملك في الدهليز ، واستحضر الرينز أرناط، وأوقفه على ما قال، وقال له: ها أنا أنتصر لمحمد ﷺ ثم عرض عليه الإسلام ، فلم يفعل، ثم سل النمباة وضر به بها فحل كتفه، وتمم عليه من حضر، وعبل الله بروحه إلى النار ، فأخذ ورمي على باب الخيمة، فلما رآه الملك قد أخرج على تلك الصورة، لم يشك في أنه يثني به، فاستحضره وطيب قلبه، وقال لم تبر عادة الملوك أن يقتلوا الملوك، وأما هذا فإنه جاوز حده؛ فبر ما جر . وبات الناس تلك الليلة على أتم سرور، وأكمل حبور، ترتفع أصواتهم بالحمد لله والشكر له، والتكبير والتهليل حتى طلع الصبح في يوم الأحد ، فنزل  على طريية، وتسلم في بقية ذلك اليوم قلعتها، وأقام بها إلى يوم الثلاثاء. قلت: وذكر محمد بن القادسي في تاريخه؛ أنه ورد في هذه السنة كتب إلى بغداد في وصف هذه الوقعة، منها: كتاب من عبدالله بن أحمد المقدسي، يقول فيه: كتبت هذا الكتاب من عسقلان يوم الثلاثاء ثالث عشر جماد الآخرة سنة ثلاث وثمانين وخمس مئة ، وفيه: ولو حمدنا الله عز وجل طول أعمارنا، ما وفينا بعشر معشار نعمته التي أنعم بها علينا من هذا الفتح العايم، فإنا خرجنا إلى عسكر صلاح الدين، وتلاحق الأجناد حتى جاء الناس من الموصل وديار بكر وإربل ، فبمع صلاح الدين الأمراء ، وقال: هذا اليوم الذي كنت أنتاره، وقد جمع الله لنا العساكر، وأنا رجل قد كريت، وما أدري متى أجلي، فاغتنموا هذا اليوم، وقاتلوا لله تعالى، لا من أجلي.

عدد الصفحات ٥٨٤

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 525 فاختلفوا في البواب، وكان رأي أكثرهم لقاء الكفار، فعرض جنده ورتبهم، وجعل تقي الدين في الميمنة ، ومافر الدين في الميسرة ، وكان هو في القلب ، وجعل بقية العسك ر في البناحين، ثم ساروا على مراتبهم حتى نزلوا الأقحوانة، فتركوا بها أثقالهم، وساروا حتى نزلوا بكفر سبت، فأقاموا يومين ينتارون أن يريز لهم الكفار، وكان عسكر الكفار على صفورية، فلم يريزوا فعاد صلاح الدين حتى نزل على طريية ، فتقدم فرسانه وحمات ه ورماته والنقابون، فدخلوا حتى الحصن، فلما تمكن النقب منه؛ انهار من غير وقود نار، ودخل المسلمون فانتهبوا يوم الخميس، وأصبحوا في يوم البمعة فشرعوا في نقب القلعة، فلما كان وقت الصلاة؛ جاء الخري أن الكفار قد توجهوا إلينا، فارتحل صلاح الدين على صفوفه؛ فلقيهم، ثم لم يزالوا يتقدمون حتى صار المسلمون محيطين بهم، وصار قلب المسلمين خلفهم، فتراموا ساعة، وبات كل فريق على مصافهم، ثم أصبحوا، فسار الكفار يقصدون طريية، والمسلمون حولهم يلحون عليهم بالرمي، فاقتلع المسلمون منهم فوار س، وقتلوا خيالة ورجالة، فانحاز المشركون إلى تل حطين، فنزلوا عنده ونصبوا الخيام، وأقام الناس حولهم إلى أن انتصف النهار، وهبت الرياح، فهبم المسلمون عليهم، فانهزموا لا يلوون على شيء، ولم يفلت منهم إلا نحو من مئتين، وكانوا كما قيل: اثنين وثلاثين ألفا، وقيل: ثلاثة وعشرين ألفا ، لم يتركوا في بلادهم من يقدر على القتال إلا قليلا. وكان الذي أسر الملك درباس الكردي، وغلام الأمير إبراهيم المهراني ، أسر الإبرنس ، وقتل صلاح الدين الإبرنس بيده ؛ لأنه كان قد غدر، وأخذ قافلة من طريق مصر. ثم عاد صلاح الدين إلى طريية، فأخذ قلعتها بالأمان، ثم ضرب أعناق الأسر الذين كانوا في العسكر، وأرسل إلى دمشق، فضربت أعناق الذين بها منهم).(4) (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 3 /294

عدد الصفحات ٥٨٥

vvvvvvvvvvvvvvvv 526 فتح عكا قال القاضي ابن شداد: (ثم رحل السلطان طالبا عكا، وكان نزوله عليها يوم الأربعاء سلخ ربيع الآخر ، وقاتلها بكرة الخميس مستهل جماد الأولى ، فأخذها، واستنقذ من كان فيها من الأسار ، وكانوا زهاء أربعة آلاف نفر ، واستولى على ما فيها من الأموال والذخائر ، والبوائع والتبائر، فإنها كانت مانة التبار، وتفرقت العساكر في بلاد الساحل، يأخذون الحصون والقلاع والأماكن المنيعة ، فأخذوا: نابلس، وحيفا، وقيسارية، وصفورية، والناصرة؛ وكان ذلك لخلو الرجال بالقتل والأسر. قال العماد: ورحل السلطان لهر يوم الثلاثاء، والتوحيد لاهر على التثليث، والطيب قد امتاز من الخبيث. ونزل بأرض لوبية عشية، وأعادها بأزهار بنوده، وأنوار جنوده؛ روضة موشية. ثم أصبح سائرا إلى عكا سارا سره ، وبارا بأهل الدين بره ، وكان أمير المدينة النبوية صلوات الله على ساكنها في موكبه، فكأن رسول الله ﷺ سير للفقير إلى نصرته، من يثر به من يثربه، وهذا الأمير عز الدين أبو فليتة القاسم بن المهنا الحسيني، قد وفد في تلك السنة أوان عود الحاج، وهو ذو شيبة تقد كالسراج، وما برح مع السلطان مأثور المآثر، ميمون الصحبة ، مأمون المحبة ، مبارك الطلعة ، مشاركا في الوقعة ، فما تم فتح في تلك السنين إلا بحووره، ولا أشرق مطلع من النصر إلا بنوره، فرأيته في ذلك اليوم للسلطان مسايرا، ورأيت السلطان له مشاورا محاورا، وأنا أسير معهما، وقد دنوت منهما؛ ليسمعاني وأسمعهما).(4) (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 3 /322

عدد الصفحات ٥٨٦

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv ٧ كتاب صلاح الدين إلى الخليفة الناصر لدين الله يبشره بفتح سواحل الشام وبلاد النوبة: وكتب العماد الأصفهاني عن السلطان صلا ح الدين يوسف بن أيوب إلى الإمام الناصر لدين الله بفتح طريية وعكا ، وما معهما من سواحل الشام، مصدرة بآية من كتاب الله تعالى (وهي: ﴿وَلَقَدر كَتَبرنَا فيِ الزَّبُورِ مِن بَعردِ الذِّكررِ أَنَّ الأَررضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُون ﴾: الحمد لله على ما أنبز من هذا الوعد ، على نصرة هذا الدين الحنيف من قبل ومن بعد، و على أن أجر هذه الحسنة التي ما اشتمل على مثلها كرائم الصحائف...وقد توجه من جانبه الأمير رشيد الدين في إهداء هذه البشر نيابة عن الخادم، ووصف ما يسره الله من لأوليائ ه من العزائم، والبلاد التي فتحت هي: طريية، وعكا، والناصرة، ونابلس، وحيفا.. والنهو ض إلى القدس، فهذا أوان فتحه...).(4) وكتب القاضي الفاضل عبد الرحيم عن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب أيوا البشر بفتح بلد من بلاد النوبة ، وانهزام ملكها بعساكره: (صلوات الله التي أعدها لأوليائه ... على مولانا أمير المؤمنين، عاقد ألوية الإيمان ، وصاحب دور الزمان، وساحب ذيل الإحسان ، وغالب حزب الشيطان، الذي زلزلت إمامته قدم الباطل، وحلت خلافته ترائب الدهر العاطل... المملوك يقبل الأرض ... وكان توجه منصورا ببيش دعائه قبل جيش لوائه، وبعسكر إقباله قبل عسكر قتاله... وسار أولياء أمير المؤمنين الذين تبمعوا من كل أمة، وتداعوا بلسان النعمة، وتصرفوا بيد الخدمة، وصالوا بسيف العزمة، متواخية نياتهم في الإقدام، متألفة طوياتهم في طاعة الإمام ، كالبنيان المرصوص انتااما ، وكالغاب المشبر أعلاما ... ولما علم العدو أن الخطب المانون قد صرح خطابه، والأمل المخدوع قد صفر وطابه، راسل ورأ سل السيوف... فرأ المملوك أن الكتاب فيهم قد بلغ أجله، والعزم (4) مآثر الإنافة3 /324

عدد الصفحات ٥٨٧

vvvvvvvvvvvvvvvv 522 منهم قد نال أمله، والفتك بهم قد أعمل منصله، وأن سيوف عساكر أمير المؤمنين منزهة عن أن تريق إلا دماء أكفائها من الأبطال ، وأن تلقى إلا وجوه أناارها من الرجال... ورأ المملوك أن يرتب بعده الأمير فلانا ليبذل الأمانات لسوقة أهل البلاد ومزارعيها ، ويفصل المحاكمات بين متابعي السلطنة ومطاوعيها ، ويفسح مبال الإحسان لمعاودي المواطن ومراجعيها، فيعمر من البلاد ما قد شغر، ويشعر بالأمنة من لا شعر ، فإن مقام المملوك ومن معه من عساكر تمنع الشمس من مطلعها، وترد جرية البحر عن موقعها مما يضر بالغلال وينسفها، ويبحف بالرعايا ويعسفها. فالحمد لله الذي جعل النصر لائذا بأعطاف اعتزامه، وأنامل الرعب السائر إلى الأعداء محركة عذبات أعلامه ، والعساكر المناضلة بسلاح ولائه تغني بأسمائها...).(4) نزول السلطان صلاح الدين على البيت المقدس وحصره وما كان من أمره: قال العماد: (نزل السلطان على غربي القدس يوم الأحد خامس عشر رجب، وكان في القدس حينئذ من الفرنج ستون ألف مقاتل؛ من فارس وراجل، وسائف ونابل، فاستهدفوا للسهام، واستوقفوا للحمام ، وقالوا: كل واحد منا بعشرين ، وكل عشرة بمئتين ، ودو ن القيامة تقوم القيامة، ولحب سلامتها تقلى السلامة . وأقام السلطان خمسة أيام يدور حول البلد، ويقسم على حصاره أهل البلد، وأبصر في شماليه أرضا رضيها للحصار، متسعة لمبال الأسماع والأبصار ، ممكنة للدنو من النقب إن صار من حيز الأنصار. (4) مآثر الإنافة 3 /329

عدد الصفحات ٥٨٨

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 529 فانتقل إلى المنزل الشماي يوم البمعة العشرين من شهر رجب، فما أصبح يوم السبت إلا على منبنيقات قد نصبت بلا نصب، فدام القتال والنزال، وفرسانهم في كل يوم يباشر ون دون الباشورة ، أمام جموعهم المحصورة المحسورة المحشورة ، ويريزون ويبارزون ، ويطاعنون ويحاجزو ن، والمطيعون لله عليهم يحملون، ومن دمائهم ينهلون وينهلون، كما قال الله تعالى فيهم: ﴿يُقَاتِلُونَ فيِ سَبِيلِ اللّهِ فَيَقرتُلُونَ وَيُقرتَلُونَ ﴾ وممن استشهد مبارزا ولم يشهد بينه وبين البنة حاجزا؛ الأمير عز الدين عيسى بن مالك، كان أبوه صاحب قلعة جعري فإنه حاز بشهادته في المحشر المفخر، وأكثر ورود الموت إلى أن ورد الكوثر، و كان في كل يوم يفرس فوارس، ويلقى ببشر وجهه وجوه المنون العوابس، فاغتم المسلمون من صرعته، وهان عليهم إتلاف المهج بعد تلاف مهبته، فركبوا أكتاف الرهج حتى وصلوا إلى الخندق فخرقوه ، وبددوا جمعه وفر قوه، والتصقوا بالسور فنقبوه ، وعلقوه وحش وه وأحرقوه، وصدقوا وعد الله في القتال لأعدائه فصدقوه، ولما عوتهم الحرب، وقع السور واتسع النقب، فصعب عليهم الهين وهان لنا الصعب، عقدوا ما بينهم مشورة، وقعدو ا ما بينهم ضرورة، وقالوا: مالنا إلا الاستئمان، فقد أخذ لنا بخطه الخذلان والحرمان . وأخرجوا كرياءهم ليؤخذ لهم الأمان ، فأبى السلطان إلا قتالهم، وتدميرهم واستئصالهم، وقال: ما آخذ القدس إلا كما أخذوه من المسلمين منذ إحد وتسعين سنة، فإنهم استباحوا القتل، ولم يتركوا طرفا يستزير سنة، فأنا أفني رجالهم قتلا، وأحوي نسائهم سبيا، فريز ابن بارزان ليأمن من السلطان بموثقه، وطلب الأمان لقومه ، وتمنع السلطان وتسامى في سومه، وقال: لا أمن لكم ولا أمان، وما هوانا إلا أن نديم لكم الهوان، وغدا نملككم قسرا، ونوسعكم قتلا وأسرا، ونسفك من الرجال الدماء، ونسلط على الذرية والنساء السباء. وأبى في تأمينهم إلا الإباء ، فتعرضوا للتضرع، وخوفوا عاقبة التسرع، وقالوا: إذا أيسنا من أمانكم، وخفنا من سلطانكم، وخبنا من إحسانكم، وأيقنا أنه لا نباة ولا نباح، ولا صلح

عدد الصفحات ٥٨٩

vvvvvvvvvvvvvvvv 592 ولا صلاح، ولا سلم ولا سلامة ، ولا نعمة ولا كرامة، فإنا نستقتل فنقاتل قتال الدم والندم، ونقابل الوجود بالعدم، ونلقي أنفسنا على النار، ولا نلقي بأيدينا إلى التهلكة والعار، ولا يبرح منا واحد حتى يبرح عشرة، وإنا نحرق الدور ونخرب القبة، وونترك عليكم في سبينا السبة، ونقلع الصخرة ونوجدكم عليها الحسرة ، وقبة الصخرة نرميها ، وعين سلوان نعميها، والمصانع نخسفها، والمطالع نكسفها، وعندنا من المسلمين خمسة آلاف أسير ما بين غني وفقير، وكبير وصغير، فنبدأ بقتلهم، وشت شملهم، وأما الأموال فأنا نعطب ها ولا نعطيها، وأما الذراري فإنا نسارع إلى إعدامها ولا نستبطيها، فلا يحصل لكم سبي، ولا يقبل لكم سعي، ولا يسلم عمر ولا عمارة، ولا نوار ولا نوارة، ولا نساء ولا صبيان، ولا جماد ولا حيوان، فأي فائدة لكم في هذا الشح، وكل خسر لكم في هذا الربح، ورب خيبة جاءت من رجاء النبح، ولا يصلح السوء سو الصلح ، فشاور السلطان أصحابه؛ فقيل له: الصواب أن نحسبهم أسارانا ، فنبيعهم نفوسهم ، ونعمم بصغار البزية رؤوسهم، ويدخل في القطيعة مرؤوسهم ورئيسهم. واستقر بعد مراودات ومعاودات ، ومفاوضات وتفويوات ، وضراعات من القوم وشفاعات، على قطيعة تكمل بها الغبطة، ويحصل منها الحوطة، اشتروا بها منا أنفسهم وأموالهم، وخلصوا بها رجالهم ونسائهم وأطفالهم، على أنه من عبز بعد أربعين يوما عما لزمه، أو امتنع منه وما سلمه؛ ضرب عليه الرق، وثبت في تملكه لنا الحق، وهو عن كل ر جل عشرة دنانير ، وعن كل امرأة خمسة دنانير ، وعن كل صغيرة أو صغير ديناران ، الذكر والأنثى في ذلك سيان، ودخل ابن بارزان والبطرك ومقدما الداوية والاسبتار في هذا الومان، وبذل ابن بارزان ثلاثين ألف دينار عن الفقراء، وقام بالأداء ولم ينكل عن الوفاء، فمن سلم خرج من بيته آمنا، ولم يعد إليه ساكنا، وسلموا البلد يوم البمعة السابع والعشرين من رجب على هذه القطيعة، وردوه بالرغم رد الغصب لا الوديعة، وكان فيه أكثر من مئة ألف

عدد الصفحات ٥٩٠

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 594 إنسان، من رجال ونساء وصبيان، فأغلقت دونهم الأبواب ، ورتب لعرضهم واستخراج ما يلزمهم النواب، ووكل بكل باب أمير، ومقدم كبير، يحصر الخارجين، ويحصي الوالبين، فمن استخرج منه خرج، ومن لم يقم بما عليه قعد في الحبس وعدم الفرج ، ولو حفظ ذلك المال حق حفاه؛ لفاز منه بيت المال بأوفر حاه، لكنما تم التفريط، وعم التخليط، فكل من رشا مشى، وتنكب الأمناء نهج الرشد بالرشا ، فمنهم من أدي من السور بالحبال، ومنهم من حمل مخفيا في الرحال، ومنهم من غيرت لبسته فخرج مخفيا في زي البند، ومنهم من وقعت فيه شفاعة مطاعة لم تقابل بالرد ، والثقات الأكابر استنا بوا أصاغر ، فأقاموا في تقصيرهم المعاذر، وقنوا لأنفسهم الذخائر، وأدعى مافر الدين كوكبوري أن منهم جماعة من أرمن الرها، وعددها ألف نسمة، فبعل إليه أمرها، وكذلك صاحب البيرة، ادعى بالعدة الكثيرة، زهاء خمس مئة أرمني ذكر أنهم من بلده، وأن الواصل منهم إلى القدس لأج ل متعبده، وكذلك كل من استوهب عدة استطلقها، وحصل له مرفقها، ثم تولى الملك العادل استخراجهم، وقوم على الأداء منهاجهم ، وسهل على السلطان لفرط جوده الاستخراج والإخراج ، وتوفر لعامة الناس وخاصتهم ببهبة سماحه الابتهاج ، وما فينا إلا من فاز بأوفى نصيب، ورعى منه في مرعى خصيب. وكان السلطان قد رتب عدة دواوين، في كل ديوان منها عدة من النواب المصريين، و فيهم من الشاميين، فمن أخذ من أحد الدواوين خطا بالأداء، انطلق مع الطلقاء، بعد عرض خطه على من بالباب من الأمناء والوكلاء، فذكر ي ،من لا أشك في مقاله، أنه كان يحضر في الديوان ويطلع على حاله، فربما كتبوا خطا لمن نقده في كيسهم، وتلبس أمر تلبيسهم، فكانوا شركاء بيت المال لا أمناءه، وخانوه على ما حصل لكل من الغنى والنفع وما أضر غناءه، ومع ذلك حصل لبيت المال ما يقارب مئة ألف دينار، وبقي من بقي تحت رق وإسار، ينتار به انقواء المدة المضروبة، والعبز عن الوفاء بالقطيعة المطلوبة.

عدد الصفحات ٥٩١

vvvvvvvvvvvvvvvv 592 وكانت بالقدس ملكة رومية متعبدة مترهبة، في عبادة الصليب متصلبة، وعلى مصابها متلهبة، وفي التمسك بملتها متعصبة معتصبة، أنفاسها متصاعدة للحزن، وعري اتها متحدرة تحدر القطرات من المزن، ولها حال ومال ومتاع، وأشياء وأشياع وأتباع، فعاذت بالسلطان فأعاذها، ومن عليها وعلى كل من معها بالإفراج ، وأذن في إخراج كل ما لها في الأكياس والأ خراج، وأبقى عليها من مصوغات صلبانها الذهبية المبوهرة ونفائسها ، وكرائم خزائنها، فخرجت ببميع مالها وحالها ونسائها ورجالها، وأسفاطها وأعدالها والصناديق بأقفالها، وتبعها من لم يكن من أتباعها فراحت فرحى، وإن كانت من شبنها قرحى. وكذلك خرجت زوجة الملك المأسور كي، وهي ابنة الملك أماري، وكانت مقيمة في جوار القدس مع مالها من الخول والخدم والبواري، فاستأذنت في الإلمام بزوجها، وكان بقيده مقيما في برج نابلس موكلا ب ه ليوم وعد تسريحه ، فأذن لها ، فخلصت هي ومن تبعها وأقامت عند زوجها . وكذلك خرجت الإبرنساسة أم هنفري ، وهي ابنة فليب ، وزوجة الإبرنس الذي سفك دمه يوم حطين ، وهي صاحبة الكرك والشوبك، وهي بنوابها محوطة، وبرأيها منوطة، فباءت سائلة في ولدها العاني، فوعدت أنها إن سمحت بحصنها، سمح لها بابنها ثم أعفيت وأطلقت وعصمت ، واستحضر ابنها هنفري بن هنفري من دمشق إليها، وأقر برؤيته عينيها، وسار معها من الأمراء والأمناء من يتسلم منهم تلك المعاقل ، فخرجت فموت إلى حصونها لتسلمها ، فمانعها أهلها ودافعوها ، وردوها ذليلة خائبة ، فسكنت صور ، واستودعت السلطان ابنها المأسور ، ووعدها بإطلاقه إذا تسلم تلك الحصون.

عدد الصفحات ٥٩٢

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 593 فصلفيما جرى يوم فتح القدس وكتابة البشائر إلى البلدان: قال العماد: (تسلم المسلمون البلد يوم البمعة أوان وجوب صلاتها ، وطلعت الرايات الناصرية على شرفاتها، وأغلقت أبوابها لحفظ ناسها في طلب القطيعة والتماسها، وضاق وقت الفريوة وتعذر أداؤها ، وللبمعة مقدمات وشروط لم يمكن استيفاؤها ، وكان الأقص، لا سيما محرابه، مشغولا بالخنازير والخنا، مملوءا بما أحدثوا من البنا، مسكونا ممن كفر وغو ، وضل وللم وجنى، مغمورا بالنباسات التي حرم علينا في تطهيره منها الونى؛ فوقع الا شتغال بالأهم الأنفع ، والأتم الأنبح الأنبع، وهو حفاهم وضبطهم إلى أن يوجد شرطهم، ويؤخذ قسطهم، واتفق فتح البيت المقدس في يوم كان في مثل ليلته منه المعراج، وتم بما وضح من منهاج النصر الابتهاج ، وجلس السلطان بالمخيم لاهر القدس للهناء، وللقاء الأكابر و الأمراء ، والمتصوفة والعلماء، وهو جالس على هيئة التواضع وهيبة الوقار بين الفقهاء، وأهل العلم جلسائه الأبرار ، ووجهه بنور البشر سافر، وأمله بعز النبح لافر، وبابه مفتوح، ورفده ممنوح، وحبابه مرفوع، وخطابه مسموع، ونشاطه مقبل، وبساطه مقبل، ومحياه يلوح، ورياه يفوح، وقد جلت له حالة الافر، وكأن دسته به هالة القمر، والقراء جلوس يقرؤون، ويرشدون والشعراء وقوف ينشدون وينشدون، والأعلا م تريز لتنشر، والاقلام تزبر لتبشر ، والعيون من فرط المسرة تدمع، والقلوب للفرح بالنصرة تخشع، والألسنة بالابتهال إلى الله تضرع ، وبشر المسبد الحرام بخلاص المسبد الأقصى وتلي: ﴿شرََعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصىَّ ﴾، وهنئ الحبر الأسود بالصخرة البيواء، ومنز ل الوحي بمحل الإسراء، ومقر سيد المرسلين، وخاتم النبيين، بمقر الرسل والأنبياء، ومقام إبراهيم بموضع قدم المصطفى ﷺ وعليهم أجمعين ، وأدام أهل الإسلام بشرف بنيته مستمتعين.

عدد الصفحات ٥٩٣

vvvvvvvvvvvvvvvv 594 وتسامع الناس بهذا النصر الكريم، والفتح العايم، فوفدوا للزيارة من كل فج عميق، وسلكوا إليه في كل طريق، وأحرموا من البيت المقدس إلى البيت العتيق، وتنزهوا من زهر كراماته في الروض الأنيق. وقد سبق أن العماد كان توجه إلى دمشق والسلطان على بير وت، للألم الذي ألم به، فلما سمع بنزول السلطان على القدس أبل من مرضه، وتوجه إليه، فوصل يوم السبت ثاني يوم الفتح، قال: وطلعت عليه صبحا عند طلوع الصبح، فاستبشر بقدومي، وخلع على البشير قبل رؤيتي، وكان أصحابه يطالبونه بكتب البشائر؛ ليغربوا بها ويشرقوا، وهو يقول لهذه القوس بار، ولهذه المأدبة قار. قال: فكتبت في ذلك اليوم سبعين كتاب بشارة ، كل كتاب بمعنى بديع وعبارة ، فمنها الكتاب إلى الديوان العزيز ببغداد، أفتتحه بهذه الآية : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمر وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسرتَخرلِفَنَّهُم فيِ الأَررضِ كَمَا اسرتَخرلَفَ الَّذِينَ مِن قَبرلِهِمر وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمر دِ ينَهُمُ الَّذِي اررتَضىَ لَهُمر وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعردِ خَورفِهِمر أَمرنًا ﴾. الحمد لله الذي أنبز لعباده الصالحين وعد الاستخلاف، وقهر بأهل التوحيد أهل الشرك والخلاف، وخصّ سلطان الديوان العزيز بهذه الخلافة، ومكّ ن دينه المرتضى، وبدل الأم ن من المخافة، وذخر هذا الفتح الأسنى، والنصر الأهنى ؛ للعصر الإمامي النبوي الناصري على يد الخادم أخلص أوليائه، وأخص من اعتزازه باعتزائه إليه وانتمائه. وهذا الفتح العايم والنبح الكريم قد انقرض من الملوك الماضية، والقرون الخالية، على حسرة تمنيه ، وحيرة ترجيه ، ووحشة اليأس من تسنيه ، وتقاصرت عنه طوال الهمم ، وتخاذلت عن الانتصار له أملاك الأمم ، فالحمد لله الذي أعاد القدس..).(4) (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 3 /332

عدد الصفحات ٥٩٤