vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv ٧ أخينا غائب في أقصى بلاد الفرنج في أول برية الحباز، فإن طاغية منهم جمع خيله ورجله، وحدثته نفسه الخبيثة بقصد تيماء، وهي دهليز المدينة على ساكنها السلام ، واغتنم كون الريية معشبة مخصبة في هذا العام، والعبب أنا نحامي عن قري النبي صلوات الله عليه وسلامه ، مشتغلين بمهمه ، والمذكور –يعني: صاحب الموصل - ينازع في ولاية هي لنا ؛ ليأخذها بيد للمه ، وكم بين من يحارب الكفر ويحمل إليهم قواصم الآجال ، وبين من يتخذهم بطانة دون المؤمنين ويحمل إليهم كرائم الأموال. هذا مع ما نعد في الملة الحنيفية والدولة الهادية العباسية من آثار لا يعد مثلها، ولا لأبي مسلم -يعني الخرساني الذي نصر الدعوة العباسية في أول أمرها- لأنه أقدم ثم خام، ووالى ثم ولى، ولا آخرا لطغرلبك، فإنه نصر ونصب، ثم حبر وحبب، وقد عرف غير خاف والعلم بالمعتاد منه كاف، وقد عرف ما فولنا الله به عليهما في نصر الدولة، و قطع من كان ينازع الخلافة رداءها، وتطهير المنابر من رجس الأدعياء، ولم نفعل ما فعلنا لأجل الدني ا غير أن التحدث بنعمة الله واجب، والتببح بالخدمة الشريفة والافتخار بالتو فيق فيها على السبية غالب. ولا غنى عن بروز الأوامر الشريفة إلى المذكور بأن يلزم حده ، ولا يتباوز حقه، فإن دخول الأيدي المختلفة عن الأعداء المتفقة شاغل ، ويحتاج إلى مغرم ينفق فيه العمر بغير طائل، فإن الأعما ر تمر مر السحاب، والفرص تمض ومض السراب. وبقاؤنا في هذه الدار القليل اللبث، القصير المكث، نؤثر أن نغتنمه في مباهدة العدو الكافر الذي صار به البيت المقدس محلا للأرجاس ، وموت عليه دهور وملوك لم يحصلوا من رجاء تطهيره إلا على الياس، وإن كان القوم قد بذلوا للدار العزيزة بذولا معارة، فقد أسلف الخادم خدمات ليست بعوار، فإنهم لو بذلوا بلادهم كلها، ما وفت بفتح مصر التي رجل بها أسامي الأدعياء الراكبة أعوادها ، وأعاد إلى عينها بعد بياض عماها من نور الشعار
عدد الصفحات ٥٤٧vvvvvvvvvvvvvvvv 542 العباسي سوادها، فإن اقتوت الأوامر الشريفة أن يوعز للمذكور في حلب بتقليد ، فالأولى أن يقلد البميع، فلا رغبة فيما لا يؤمن معه شر الشريك، ولمالك الأمر الحكم في ممالك الممال يك. وكان في الكتاب أيوا ما معناه: إن حلب من جملة البلاد التي اشتمل عليها تقليد أمير المؤمنين المستضيء بأمر الله له، وإنما تركها في يد ابن نور الدين لأجل أبيه ، والآن فليرجع كل إلى حقه، وليقنع برزقه. ومن كتاب آخر فاضلي: فقد صرف وجهنا في هذا الوقت عن جهاد لو كنا بصدده، وعن فرض لو وصلنا يومه بغده، لكان الإسلام قد أعفي من شركة الشرك ، وانفك أهله من ربقة أهل الإفك. ولكانت الأسماء الشريفة قد قرعت منابر طالما عزلت الصلب خطباءها ، ولكان الدين الخالص قد خلص إلى بلاد صار المشركون متوطنيها والمسلمون غرباءها. وفي كتاب آخر له: وقد علم الله سبحانه أنا لهدنتهم كارهون، وفي مصلحة أهل الإسلام وفي مصالحهم راغبون، ولكنا قد بلينا بقوم كالفراش أو أخف عقولا، وكالأنعام أو أضل سبيلا، إن بني معهم فعلى غير أساس، وإن عدد الغدر منهم فهو أكثر من الأنفاس. وفي كتاب آخر: والخادم والحمد لله يعدد سوابق في الإسلام والدولة العباسية لا تعدها ، أولية أبي مسلم؛ لأنه والى ثم وار ، ولا آخرية طغرلبك؛ لأنه نصر ثم حبر. والخادم بحمد الله خلع من كان ينازع الخلافة رداءها، وأساغ الغصة التي ذخر الله للإساغة في سيفه ماءها، فرجل الأسماء الكاذبة الراكبة على المنابر، وأعز بتأييد إبر اهيمي فكسر الأصنام الباطنة بسيفه الااهر لا الساتر، وفعل وما فعل للدنيا ولا معنى للاعتداد بما هو متوقع البزاء عنه في اليوم الآخر . ومن كتاب آخر عند دخول صاحب الموصل حلب واستيلائه عليها وكانت داخلة في تقليد السلطان السابق، فقال: دخل حلب مستوليا، وحصل بها معتديا، وعقود الخلفاء لا تحل،
عدد الصفحات ٥٤٨vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 549 والسيوف في أوجه أوليائهم لا تسل، وإنه إن فتح باب المنازعة أدني من ندامة، وأبعد من سلامة ، وخرق ما يعيي على الراقع، وجذب الرداء فلم تغن فيه إلا حيلة الخالع. وليس الاستيلاء بحبة في الولايات لطالبها، ولا الدخول إلى الدار بموجب ملك غاصبها، إلا أن تكون البلاد كالديار المصرية حين فتحها الخادم وأهله حيث البمعة مستريبة، و الخلافة في غير أهلها غريبة، والعقائد لغير الحق مستبيبة، فتلك الولاية أولى بها ممن منحها من فتحها، وكان سلطانها من أدخل في خري كان شيطانها. وأما حلب التي الكلمة فيها عالية، والمنابر فيها بالاسم الشريف حالية، فإنما تكون لمن قلدها لا لمن توردها، ولمن بالحق تسلمها، لا لمن بالباطل تسنمها، ولو كانت حلب كما كانت مصر لدخلها الخادم ولم يشاور ، ولولبها ولم ينالر ، ولكنه أتى البيوت من أبوابها ، واستمطر القطار من سحابها. ثم ذكر أن المواصلة راسلوا الملاحدة الحشيشية واتخذوهم بطانة من دون المؤمنين ، وواسطة بينهم وبين الفرنج الكافرين، ووعدوهم بقلاع من يد الإسلام تقلع ، وبوياع من فيء المسلمين توضع، وبدار دعوة بحلب ينصب فيها علم الولالة ويرفع، وياللعبب من الخصم يهدم دولة حق وهي تبنيه، ومن العبد يبني ملكها بنفسه وماله وذويه، وهي تراقب أعداءه فيه ودعواه في رسائلهم وغوائلهم ليست بدعو لا يقوم شاهدها ، ولا هي بشناعة لا يهتدي قائدها، بل هذا رسولهم عند سنان صاحب الملاحدة ، ورسولهم عند القومص ملك الفرنج، وهذه الكتب الواصلة بذلك قد سيرت ، ولاستنباب الولاية طرق، أما السبق إلى التقليد فللخادم السبق، وأما العدالة والعدل فلو وقع الفرق لوقع الحق. وأما بالآثار بالطاعة، فله فيها ما لولا معونة الخالق فيه لقصرت عنه أيدي الخلق ومتى استمرت المشاركة في الشام أفوت إلى ضعف التوحيد وقوة الإشراك، وترامت إلى أخطار تعبز عنها خواطر الاستدراك، وأحوجت قابض الأعنة إلى أن يعليها البدد ويرسلها العراك.
عدد الصفحات ٥٤٩vvvvvvvvvvvvvvvv 552 وطريق الصلاح والمصالحات الأيمان والمشار إليهم لا يلتزمون ربقتها ، ولا يوجبون صفقتها، فكفى بالتبريب ناهيا عن الغرة، ولا يلدغ المؤمن إلا مرة، وإذا اجتمعت في الشام أيد ثلاث : يد عادلة، ويد ملحدة، ويد كافرة، نهض الكفر بتثليثه، وقصرت عن الإسلام يد مغيثه، ولم ينفع الخادم حينئذ تصحيح حسابه، وتصديق حديثه، وما يريد الخادم إلا أن تكون يد الله عليه وهي البماعة، ولا يؤثر إلا ما يتقرب به إليه وهو الطاعة، ولا يتوخى إلا ما تقوم به الحبة اليوم ويوم تقوم الساعة. ومن كتاب آخر: قد أحاط العلم بما طالع به، أولا: عند وفاة ولد نور الدين أن التقليد الشريف المستضيء لما وصله بالبلاد، وكان قد فتح أكثرها قلاعا وأمصارا، وحصونا وديارا، ولم يبق إلا قصبة حلب وهو على أخذها، عدل ولد نور الدين عن القتال إلى النوال، وعن النزال إلى الإستنزال، وقصد القصد الذي ما أوجبت المحافاة أن يتلقى بالرد؛ فأقر ه على الولاية فرعا لا أصلا ، ونائبا لا مستقلا، وسلم إليه البلاد ويده الغالبة لا المغلوبة، وسيوفه السالبة لا المسلوبة، ومشى الأمر معه مستقيما ومائلا ، وجائرا وعادلا، إلى أن قضى نحبه، ولقي ربه، فبدا من المواصلة نقض الأيمان ، والابتداء بالعدوان ، والتعرض للبلاد، والتصرف فيها بغير حبة يكون عليها الاعتماد. فطالع الديوان بالقوية، واستشهد بدلالات قوانينه البلية ، في هذا التقليد الذي تهادته المحاضر، وأشاعته المنابر ، وسيرت إلى الشرق والغرب نسخه ، وغلت الأيدي التي تحدث أنفسها أنها تفسخه).(4) (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 3 /22
عدد الصفحات ٥٥٠vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 554 رسالة صلاح الدين لديوان الخلافة ببغداد سنة ٥٧٨ يحذر من خطورة المعاهدة بين أمير الموصل والفرنجة: وفي هذه الرسالة كشف صلاح الدين حقيقة معاهدة الصلح بين أمير الموصل والفرنبة، ودفعه الأموال ، وتسليمه المدن لهم؛ لحصار صلاح الدين ومنعه من تحرير الشام من الفرنبة، وقد عدّ صلاح الدين هذه المعاهدة التي وقعها أمير الموصل كفرا وخروجا عن الدين، بموالاته للمشركين على المسلمين، وقد ذكر الرسالة أبو شامة حيث يقول: (وكتب السلطان بالمثال الفاضلي إلى الديوان عند عبور الفرات كتابا فائقا طويلا، يقو ل فيه: خدم الخادم متوالية إلى الأبواب الشريفة خلد الله سلطانها شارحا لأحواله ، ومعتدا بها من صالح أعماله، ومتوقعا من الأجوبة عنها ما يهيئ له من أمره رشدا ، ويفرق الأعداء إذ كادوا يكو نو ن عليه لبدا، وكتاب الخادم الآن من البيرة بعدما قطع الفرات ، ولما تحقق الخادم أن المواصلة قد واصلوا الفرنج مواصلة أخلصوا فيها الومائر ، ولم يستطيعوا فيها كتمان السرائر، وخصمتهم خطوط الأيدي المتمسكة بعصم الكوافر ، وعقدوا معهم عقدا شهده من هو حاضره، ونقله إلى من سمعه من هو نالره، وكان عقدهم إحد عشرة سنة، والمستقر لهم في كل سنة عشرة آلاف دينار على أن تسلم ثغور المسلمين إلى الكفار، منها: بانياس وشقيف تيرون وحبيس جلدك ، وأسار الفرنج في كل بلدة بأيديهم ، وفي كل بلد يسترجعونه من الخادم بمساعدة الفرنج. ولما تم لهم هذا العقد، وحملوا إلى الفرنج ذلك النقد ، لنوا أن الحق يبادله الباطل فيدحوه، وأن يد الكفر تنبسط إلى الإسلام فتقبوه ، وأن الخادم لا يمكنه أن يتوجه إليهم إلا بأن تكون الفرنج سلما، ولا يستطيع أن يقسم العساكر فيبعل بإزاء الفرنج قسما، وبإزائهم قسما، وعملوا على هذا الو هم، وبنوا على هذا الحكم، واستنهووا الفرنج على تثاقل الخطوة، واستخرجوهم على ما بهم من كلوم الغزوة بعد الغزوة، فتحاملت أرجل الكفر على
عدد الصفحات ٥٥١vvvvvvvvvvvvvvvv 552 للعها، وخرجت على طمعها إلى قرعها، وأنفقت في رجالها مالا حملوه إليهم جما، وجرت إلى الإسلام جيشا جهزه من يدعي الإسلام لفاا ويف ارقه حكما، وتواعد المواصلة مع الفرنج ليطلبوا ولاية الخادم من جانب ، ويطلبها الفرنج من جانب، وناروا فيما يوصل المساءة إلى الخادم ولم يناروا للإسلام في العواقب ، فوصل المواصلة إلى نصيبين مبدين محفلين ، وحركوا الفرنج للخروج إلى الشام متطرفين ومتوغلين، فلا جرم أن أمراء جانبهم، و خواص صاحبهم، لم يسعهم المروق من الدين ، ولا الخروج عن زمرة الموحدين ، فأرضوا الله بإسخاطهم، وأشفقوا على دينهم إشفاقا دل على تحرزهم له واحتياطهم، فاتبعوا الحق وسلكوا سبيله، ورفع لهم الهد مناره فاقتفوا دليله ﴿لاَ تَبِدُ قَورمًا يُؤرمِنُونَ بِاللَّ هِ وَالريَورمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنر حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ فاستعان الخادم عليهم بالله الذي استعانوا على دينه بأعدائه، ولما رأ أنهم قد أملوا النصر من أرضهم أمله من سمائه، فرتب الخادم في رأس الماء بدمشق بإزاء الفرنج المملوك فرخشاه ابن أخيه، وأبقى عسكر الشام وحاميته فيه، واستنهض أخاه من مصر إلى ما يليه من بلاد الكفر فنهض، وقام للخادم بما أقامه له ولله عز وجل بما فرض، وسار الخادم بالعسكر المصري إلى هذا البانب الذي هو الآن فيه ، و كان أيسره يكفيه، وتثاقل في الطريق انتاارا؛ لأن يأتوا البيوت من أبوابها ، ويفرجوا عن الولاية أيدي اغتصابها، وتعتذر إلى السيف ألسنة تشفق على رقابها فأبوا إلا الإباء ، ورأوا الملك إرثا ما ادعوا فيه تقليد الخلفاء بل الآباء . ولما قرب الخادم من الفرات؛ وصل إليه صاحب حران ابن زين الدين علي كوجك مقدم عسكرهم، وابن أمير معشرهم، وكذلك صاحب سروج وصاحب البيرة، وكل بيده مفاتيح بلده، وأمامه أمان الخادم له قد استبدله من مقلده، ووراءه عسكره على كمال عدده وعدده، وتوالت كتب أمرائهم الذين يأخذون إقطاعاتهم خدما ومصانعات ، ورعاياهم الذين يأخذون أموالهم جنايات ومقاطعات، ومكوسا وعشورا واحتكارات، يرغبون إلى الخادم في
عدد الصفحات ٥٥٢vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 553 الإنفاذ، ويحثونه في المسير على الأغذاذ ، ويشكون أنهم مع جوار دار الخلافة المعامة لا يسلك فيهم سننها، ولا يقتفى فيهم شرائعها وسننها، ونمي إلى الخادم من تفاصيل المغارم التي تلزم الفريقين، ويعدل بها عن أقصد الطريقين ، ما يروع السامع، ويسمع الرائع، ويسبل عليهم بالخلاف، ويشهد لهم بالانحراف؛ لأنهم إن ادعوا تقليدا، فقد نقوه كو نهم ابتدعوا وما اتبعوا، ونقووا وما افترضوا، ومثلوا بالحق وما امتثلوا، وأمروا بكف الأي دي وقد بسطوها، وبأخذ الأموال من حلها وقد خلطوها، وبرعاية أمة النبي ﷺ وقد أسخطوه فيها وأسخطوها. وابن الدعوة العباسية من رعاها لا من ادعاها، والعهود وصايا وما الأولى بها من سمعها بل من وعاها ، وأي عهد لمن لا عهد له بالطاعة، وأي ولاية لمأمور بأن يبمع أهل الفرقة ففرق أهل البماعة، فالبندي تؤكل الأرض باسمه ولا شيء بيديه ، والعامي يرفع إلى السماء استغاثة م ا لا يمهل الله عليه ، ولقد تعبب الخادم من إسفاف الأنفس الغنية إلا أنها الفقيرة، والارتفاق بتلك الطعم البليلة وهي على الحقيقة الحقيرة ﴿ يَورمَ يُحرمَى عَ لَيرهَا فيِ نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكروَ بِهَا جِبَاهُهُمر وَجُنوبُهُمر وَلُهُورُهُمر ﴾ الآية . هذا إلى طامة أخر لا تقر عليها البنوب، ولا تدر عليها الحلوب، ولا ينام على سهر بارقها وإن كان الخلوب؛ وهو أن الخادم بلغه أنهم كاتبوا جهة من البهات التي الدولة منحرفة عنها، وبذلوا الطاعة لها وقد أمروا بالامتناع منها ، وهذا نص في الخلاف لا يدخله التأويل، وقول قد أحاط به العلم فلا يختلبه التقويل، وكل صغيرة من هذه الكبائر، وكل واحد من هذا البمع المتكاثر، ينقض الولاية ويبرح العدالة ، ويسلب الرشد ويثبت الولالة، ويمضي نية الوي فيما هو له ماض، ويبعث عزمه فيقضي ما هو قاض، ويسخطه وكيف لا يسخط والمولى غير راض، ويغياه بما لا عذر له لمغتاظ منغاض.
عدد الصفحات ٥٥٣vvvvvvvvvvvvvvvv 554 وما أنهى الخادم مما اتصل به الأوائل والأطراف ، وما عول إلا على ما صححته النفس دون ما خيله الإرجاف ، وإذ قد ساق الله إلى هذه الولاية حاها من معدلة ، كان الزمان بها طويلا مطله، وأنشأها سحاب إحسان كان بعيدا عليها هطله، فقد كفيت الخواطر الشريفة ما كانت به على اهتمامها، كما يبب للأمة على إمامها ، وإليه بتفويض الله يرجع أمره، وبيده يبلب نفعها ويبلى ضرها، وقد تبددت للدولة الشريفة قوة واستاهار، وبسطة واقتدار، وسيف به يناضل من يسيء البوار، ولسان يبادل به من يريد الدار. وكان الخادم طالع بوصول الأسطول المصري إلى الشام الفرنبي، وما فعله في موانيه وسواحله، وما غنمه من مراكبه وقوافله، وورد كتاب من مصر بأنه كسب بطسة فرنبية، خرج من فيها هاربا من القسطنطينية؛ لفتنة وقعت فيها بين رومها وفرنبها، فقتل منهم خمسون ألف فرنبي، وأفلتت منهم بطس منها هذه البطسة وفيها رجال أكابر، ومقدمو ن لهم فيها ذكر سائر، وغنم المباهدون منهم ما ملأ أيديهم من سبي وذخائر، وانقلبوا بنعمة من الله وفول، وحازت القبوة من الأسار ما يزيد على أربع مئة بعد من درج بالقتل).(4) قال العماد: (ثم كاتب السلطان الملوك بالوفود للاتفاق، فمن جاء مستسلما سلمت بلاده على أن يكون من أجناد السلطان، وأتباعه في جهاد الكفار، فباء رسول صاحب حصن كيفا بالإذعان، وهو نور الدين محمد بن قرا أرسلان). (2) و هذه الرسالة يؤكد صلاح الدين سلطة الخلافة الفعلية على الأمة، وأنها هي الدولة التي لها الطاعة والسيادة، كما في قوله عن جريمة أمراء الموصل أنهم راسلوا جهات (الدولة منحرفة عنها وبذلوا الطاعة لها) ويعني الفرنبة، وكقوله عن الخلافة: (وتبددت للدولة (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 3 /446 (2) الروضت أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 3 /422
عدد الصفحات ٥٥٤vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 555 الشريفة قوة واستاهار وبسطة)، فمفهوم الدولة وإطلاقه على الخلافة نفسها ودار الإسلام التابعة لنفوذها وسلطانها حقيقة تاريخية، فلم يكن مفهوم الدولة آنذاك غائبا، و لا مستحدثا طارئا، وكل ذلك يؤكد خطورة مؤسسة الخلافة، وأنها ركن من أركان الدولة الإسلامية لها على أمراء الأقاليم الطاعة، ولها سيادة لم يستطع تباوزها حتى السلطان صلاح الدين الأيوبي مع امتداد سلطانه على مصر وأفريقيا والشام، فلا يعد نفسه إلا خادما لها، وسيفا حاميا لحدودها، محتاجا لنصرتها وتأييدها السياسي والإداري بإصدار القرارات التي تعالج المشاكل التي يواجهها، بما في ذلك توليته على ما يحرره من المناطق، وعزل خصومه عن ولايتهم عليها؛ لعدم أهليتهم، وانعدام كفاءتهم، وفقد عدالتهم، مما ينفي الأوهام عن كونها خلافة صورية لا حقيقة لها عند من اختزلوا الخلافة بشخص الخليفة، ولم يدركوا أن الخلافة ناام حكم، ومؤسسة دستورية وسياسية راسخة! تقليد صلاح الدين من قبل الناصر لدين الله العباسي ببغداد: ومما يؤكد خطورة مركز مؤسسة الخلافة وقوة نفوذها السياسي -وأنها لم تكن صو رية بل سلطة حقيقية فعلية يتواضع أمام نفوذها سلطان مصر والشام واليمن ليصف نفسه بالخادم- ما جاء في كتاب تقليد الخليفة الناصر العباسي لصلاح الدين، وفيه يحدد له نطاق ولايته، وصلاحياته، ويوجب على البميع طاعته، ثم يختمه بوجوب مراجعته في كل ما أشكل عليه من أمو ره، وكان صلاح الدين قد تلقب بالملك، وهو لقب جر العرف الدستوري في ذلك العصر على إطلاقه على من تقلد ولاية إقليمين كبيرين كمصر والشام، فأراد صلاح الدين من الخليفة تشريفه بذلك بتقليد رسمي، فباءه التقليد من ديوان الخلافة ببغداد؛ كما قال القلقشندي: (كتب بذلك إلى ديوان الخلافة ببغداد للسلطان صلاح الدين يوسف
عدد الصفحات ٥٥٥vvvvvvvvvvvvvvvv 556 على جلالة قدره، بتقليد الديار المصرية والبلاد الشامية واليمنية، وكان ذلك إنما وقع حين كان الخليفة الناصر لدين الله متغيرا عليه حين تلقب بالملك الناصر؛ لما في ذلك من مواهاة لقب الخليفة، وهذه نسخة الع هد المكتوب به على هذه الطريقة:... ولما كان الملك الأجلّ ، السيد صلاح الدين، ناصر الإسلام ، عماد الدولة، جمال الأمة ، فخر الملة، صفي الخلافة... اقتوت الآراء الشريفة لا زال التوفيق قرينها ، والتأييد ماافرها ومعينها، إمواء تصرفه، وإنفاذ حكمه، في بلاد مصر وأعمالها، والصعيد الأعلى والإسكندرية، وما يفتحه من بلا د الغرب والساحل، وبلاد اليمن وما افتتحه منها، واستخلصه بعد من ولايتها ، والتعويل في هذه الولايات عليه ، واستنقاذ ما استولى عليه الكفار من البلاد ، وإعزاز كل من أذلوه واضطهدوه من العباد؛ لتعود الثغور بيمن نقيبته ضاحكة المباسم، وبإصابة رأيه قائمة المواسم، أمره بادئا بتقو الله التي هي البنة الواقية، والذخيرة الباقية، والعصمة الكافية، والزاد إذا أنفض وفد الآخرة وأرملوا ، والعتاد النافع إذا وجدوا شاهدا لهم وعليهم ما عملوا ، فإنها العلم المنصوب للرشد، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّ ذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلرتَناُ رر نَفرسٌ مَّا قَدَّمَتر لِغَدٍ ﴾... ...أمره بإلهار العدل في الرعية التي تومها جميع الأكناف والأطراف ، والتحلي من النصفة بأكمل الأوصاف ، وحمل كافتهم على أقوم جدد، وعصيان الهو في تقويم كل أود ، والمساواة بين الفاضل والمفوول في الحق إذا لهر صدق دليله، والاشتمال عليهم بالأ من الذي يعذب لهم برد مقيله ، وكشف للامة من ا نبسطت إلى تحيفه الأيدي والأطماع ، وأعبزته النصرة لنفسه والدفاع، وتصفح أحوالهم بعين لا ترنو إلى هو يميل بها عن الواجب، وسمع لا يصغى إلى مقالة مائن ولا كاذب، ولا يغفل عن مصلحة تعود إليهم، ويرجع نفعها عليهم، ولا عن كشف للامات بعوهم من بعض ، وردهم إلى الحق في كل رفع من أحوالهم وخفض، فلا ير إلا بالحق عاملا، وللأمور على سنن الشريعة حاملا،
عدد الصفحات ٥٥٦vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv ٧ مبتنبا إغفال مصالحهم وإهمالها، وحارسا ناامها على تتابع الأيام واتصالها ؛ ليكون ذلك إلى وفور الأجر داعيا، وبحسن الأحدوثة قاضيا مقتديا ، بما نطق به القرآن: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأرمُرُ بِالرعَدرلِ وَالإِحرسَانِ ﴾. وأمره أن يأمر بالمعروف ويقيم مناره، وينهي عن المنكر ويمحو آثاره، فلا يترك ممكنا من إلهار الحق وإعلانه ، وقمع الباطل وإخماد نيرانه ، ويعتمد مساعدة كل مرشد إلى الطريق الأقصد، وناه عن التااهر بالمحاور في كل مشهد، فإنه توحى معونته مشاركة في إحراز المثوبة ومساهمة ، ومساومة في اقتناء الأجر ومقاسمة ، وأن يوعز بإزالة ماان الريب والفساد في الداني من الأعمال والقاصي، فإنها مواطن الشيطان وأماكن المعاصي، وأن يشد على أيدي الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، ويعينهم على ذلك بما يطيب ذكره في كل مشهد ومحضر، ويبتهد في إزالة كل محاور ومنكر مقدم في الباطل ومؤخر، قال الله تعالى: ﴿وَأرمُرر بِالرمَعررُوفِ وَانرهَ عَنِ الرمُنكَرِ ﴾. وأمره أن يقدم الاحتياط في حفظ ال ثغور ومباوريها من الكفار، ويستعمل غاية التيقظ في ذلك والاستاهار؛ ليأمن عليها غوائل المكائد، ويفوز من التوفيق لذلك بأنواع المحامد، ويتبرد لبهاد أعداء الدين، والانتقام من الكفرة المارقين؛ أخذا بقول رب العالمين ﴿انرفِرُوار خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوار بِأَ مروَالِكُمر وَأَنفُسِكُمر فيِ سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمر خَيررٌ لَّكُمر إِن كُنتُمر تَ عرلَمُون ﴾ وأن يعمل فيما يحصل من الغنائم عند فل جموعهم، وافتتاح بلادهم وربوعهم، بقول الله وما أمر به في قسمها، وإيفاء كل صاحب حصة منها؛ سالكا سبيل من غدا لآثار الصلاح مقتفيا، وللفرض في ذلك مؤديا، وبهد ذوي الرشد مهتديا، قال الله تعالى في محكم التنزيل ﴿وَاعرلَمُوار أَنَّمَا غَنِمرتُم مِّن شيَرءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الرقُرربَى وَالريَتَامَى وَالرمَسَ اكِينِ وَابرنِ السَّبِيلِ ﴾.
عدد الصفحات ٥٥٧vvvvvvvvvvvvvvvv 552 وأمره أن يبيب إلى الأمان لمن طلبه، ويكون وفاؤه مقترنا بما تومنه غير مومر خلاف ما يعطي به صفقة أمانه، ولا مخالف باطنه ما ألهره من مقار بته إلى عقد الهدن وإتيانه، ويبتنب الغدر وما فيه من العار، وإسخاط الملك الببار، قال الله عز وجل: ﴿وَأَورفُوار بِعَ هردِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمر وَلاَ تَنقُوُوار الأَيرمَانَ بَعردَ تَوركِيدِهَا وَقَدر جَعَلرتُمُ اللّهَ عَلَيركُمر كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعرلَمُ مَا تَفرعَلُون ﴾. وأمره بأن يأمر أصحابه المعاونون بمساعدة القواة والحكام ومعونتهم بما يقضي بلم شمل الصلاح في تنفيذ القوايا والانتاام، وأخذ الخصوم بإجابة الداعي إذا استحضروا إلى أبوابهم للإنصاف ، والمسارعة إلى الحق الواجب عليهم من غير خلاف ، قال الله تعالى : ﴿وَأَكرثَرُهُمر لِلرحَقِّ كَارِهُون ﴾. وأمره بالتعويل في الماالم وأسواق الرقيق ودور الضرب والحسبة على من يأو إلى عفاف ودين، وعلم بأحكام الشريعة وصح ة يقين، لا يخفى عليه ما حرمه الله تعالى وأحله ولا يلتبس على علمه ما أوضح إلى الحق الواضح سبله، وإلى من يتولى الماالم بإيصال الخصوم إليه وإنصافهم ؛ كما أوجبه الله تعالى عليه واستماع للاماتهم ، وإحسان النار في مشاجراتهم. ...وسبيل كافة القواة والأعيان ، ومقدمي ا لعساكر والأجناد ، ورؤساء البلاد ، متابعته وموافقته، وطلب مصالحهم من جانبه، والتصرف على استصوابه، وقد أكدت وصاته في الرفق بهم والاشتمال عليهم، والإحسان إليهم وإجمال السيرة فيهم، وكلما أشكل عليه أمر من المتبددات؛ يطالع به الديوان العزيز، مبده الله تعالى؛ لينهج له السبيل إلى فتح رتاجه،
عدد الصفحات ٥٥٨vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 559 وسلوك منهاجه، والله وي والتوفيق والهداية، وجمع الكلمة في كل إعادة وبداية، والمعونة على العصمة من الزلل، والتأييد في القول والعمل، وهو حسبنا ونعم الوكيل).(4) تقليد الناصر العباسي ابن فضلان قاضيالقضاة: وكما كان الخليفة العباسي يقلد أمراء الأقاليم ولايتهم، ويحدد لهم صلاحيتهم، حيث يمثلون امتدادا للسلطة التنفيذية في أقاليمهم؛ كان كذلك يقلد قاضي القواة و لايته ، وهو رئيس السلطة القوائية الأعلى، ويحدد له نطاق عمله وصلاحياته وولائفه بتفصيل دقيق؛ يعري عن رقي المناومة الدستورية السياسية للخلافة، وقيامها مبكرا على أساس توزيع السلطات وتقييد صلاحية كل سلطة وتحديد ومسئولياتها؛ كما جاء في تقليد الخليفة الناصر لقاضي القواة: (وهذه نسخة عهد بقواء القواة بحاضرة بغداد وسائر الأعمال كتب به عن الإمام الناصر لدين الله للقاضي محيي الدين أبي عبدالله محمد بن فولان من إنشاء عود الدين بن الوحاك: هذا ما عهد عبدالله وخليفته في العالمين المفترض الطاعة على الخلق أجمعين أبو العباس أحمد الناصر لدين الله أمير المؤمنين إلى محمد بن يحيى بن فولان حين سري خلاله واستقراها ، واعتري طرائقه واسترياها فألفاه رشيدا في مذاهبه ، سديدا في أفعاله وضرائبه، موسوما بالرصانة، حاليا بالورع والديانة، مريزا من العلوم في فنونها، عالما بمفروض الشريعة المطهرة ومسنونها، مدرعا ملابس العفا ،ف قد أناف على أمثاله في بوارع الأوصاف ، فقلده قواء القواة في مدينة السلام ، وجميع البلاد والأعمال والنواحي والأ مصار، شرقا وغربا وبعدا وقربا ؛ سكونا إلى ما علم من حاله واضطلاعه (4) مآثر3 /26 - 92
عدد الصفحات ٥٥٩vvvvvvvvvvvvvvvv 562 بالنهوة المنوطة به واستقلاله، وركونا إلى قيامه بالواجب فيما أسند إليه، ونهوضه بعبء ما عول في حفظ قوانينه عليه، واستنامة إلى حلول الاصطناع عنده ، ومصادفته منه مكانا تبوأه بالاستحقاق وحده، والله تعالى يعود أمير المؤمنين بمزيد التوفيق في جميع الأمور ، ويحسن له الخيرة فيما يؤمه من منالم الدين وصلاح البمهور، وما توفيق أمير المؤمنين إلا بالله عليه يتوكل وإليه ينيب. أمره بتقو الله تعالى في إعلانه وإسراره، وتقمص شعارها في إلهار أمره وإضماره، فإنها العر وة الوثقى...وأمره أن يبعل كتاب الله تعالى أماما يهتدي بمناره، ويستصبح ببواهر أنواره، ويستوئ في للم المشكلات بمنير مصباحه ، ويقف عند حدود محاوره ومباحه، ويتخذه مثالا يحتذيه، ودليلا يتبع أثره فيهديه، ويعمل به في قواياه وأحكامه، ويقتدي بأوامره في نقوه وإبرامه، فإنه دليل الهد ورائده، وسائق النبح وقائده، ومعدن العلم ومنبعه، ومنبم الرشاد ومطلعه، وأحد الثقلين اللذين جعلهما رسول الله ﷺ في الأمة ، والذكر الذي جعله الله تبيانا لكل شيء وهد ورحمة، فقال عز من قائل: ﴿وَنَزَّلرنَا عَلَير كَ الركِتَابَ تِبريَانًا لِّكُلِّ شيَر ءٍ وَهُدً وَرَحرمَةً وَبُشررَ لِلرمُسرلِمِين ﴾. وأمره باتباع الآثار النبوية صلوات الله على صاحبها وسلامه ، والاهتداء بشموسها الت ي تنبلي به دجنة كل مشكل وللامه ، والاقتداء بسنة الشريعة المتبوعة ، وتصفح الأخب ار المسموعة، والعمل منها بما قامت أدلة صحته من جميع جهاته، فاستحكمت الثقة بنقلته عنه عليه السلام ورواته ، وسلمت أسانيده من قدح، ورجاله من لنة وجرح، فإنها التالية للقرآن المبيد في وجوب العمل بأوامره ، والانتهاء بروادعه وزواجره ، وهو عليه الصلاة والسلام الصادق الأمين الذي ما ضل وما غو ، وما ينطق عن الهو ، وقد قرن الله سبحانه طاعته بطاعته ، والعمل بكتابه والأخذ بسنته ، فقال عز من قائل : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمر عَنرهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الرعِقَاب ﴾.
عدد الصفحات ٥٦٠vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 564 وأمره بمبالسة العلماء ، ومباحثة الفقهاء ، ومشاركتهم في الأ مور المشكلة ، وعوارض الحكومات المعولة؛ ليستبين سبل الصواب، ويعري الحكم من ملابس الشبه والارتياب ، ويخلص من خطأ الانفراد ، وغوائل الاستبداد ، فالمشورة باليمن مقرونة ، والسلامة في مطاويها مومونة ، وقد أمر الله تعالى بها نبيه ﷺ مع شرف منزلته ، وكمال عصمته ، وتأييده بروحه وملائكته، فقال سبحانه: ﴿وَشَاوِررهُمر فيِ الأَمررِ فَإِذَا عَزَمرتَ فَتَوَكَّلر عَ لىَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الرمُتَوَكِّلِين﴾. وأمره بفتح بابه، ورفع حبابه، وأن يبلس للخصوم جلوسا عاما، وينار في أمورهم نارا حسنا تاما، مساويا بينهم في ناره ولحاه، و إصغائه ولفاه، محترزا من ذي اللسن وجرأة جنانه ، متأنيا بذي الحصر عند إقامة برهانه ، فربما كان أحد الخصمين ألحن بحبته، والآخر ضعيفا عن مقاومته ، هذا مقام الفحص والاستفهام ، والتثبت في إمواء الأحكام ؛ ليسلم من خديعة محتال، وكيد مغتال، مائلا في جميع ذلك مع الواجب، سالكا طريق العدل اللاحب ، غير فارق في إمواء الحكم بين القوي والوعيف ، والمشروف والشريف، والمالك والمملوك، والغني والصعلوك، قال الله تعالى: ﴿إِن يَكُنر غَنِيًّا أَور فَ قَيرًا فَاللّهُ أَورلىَ بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوار الرهَوَ أَن تَعردِلُوار ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَن لَّمر يَحركُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَ أُورلَـئِكَ هُمُ الركَافِرُون ﴾. وأمره بتصفح أحوال الشهود المسموعة أقوالهم في الحقوق والحدود، المرجوع إلى أمانتهم، المعمول بشهادتهم ، الذين بهم تقام الحبج وتدحض ، وتريم الأحكام وتنقض ، وتثبت الدعاوي وتبطل ، وتمضي القو ايا وتسبل، مبتهدا في البحث عن طرائقهم وأحوالهم ، وانتقاد تصاريفهم وأفعالهم ، واستشفاف سباياهم ، وعرفان مزاياهم ، مخصصا بالتمييز من كان حميد الخلال، مرضي الفعال، راجعا إلى ورع ودين، متمسكا من الأمانة والنزاهة بالسبب المتين ، قال الله تعالى: ﴿وَأَشرهِدُوا ذَوَير عَدرلٍ مِّنكُمر ﴾.
عدد الصفحات ٥٦١vvvvvvvvvvvvvvvv 562 وأمره بالنار في أمور اليتامى وأموالهم، ومراعاة شئونهم وأحوالهم، وأن يرتب بسبب اتساق مصالحهم، الثقات الأعفاء، والأمناء الأتقياء ، ممن لهرت ديانته، وحسنت سيرته، واشتهر باللطف والعفاف ، والتنزه عن الطمع والإسفاف ، ويأمرهم بحفاها من خلل يتخللها، ويد خائنة تدخلها، وليكن عليهم حدبا، وفي فرط الحنو أبا، وخلفا من آبائهم في الإشفاق عليهم، وحسن الالتفات إليهم، فإنه عنهم مسئول والعذر عند الله تعالى في إهمالهم غير مقبول، وأن يأذن لهم في الإنفاق عليهم بالمعروف من غير إسراف ولا تقتير ،ولا توييق ولا تبذير، فإذا بلغ أحدهم النكاح، وآنس منه أمارات الرشد والصلاح، دفع ماله إليه، و أشهد بقبوه عليه، على الوجه المنصوص، غير منقوص ولا منغوص؛ ممتثلا أمر الله تعالى في قوله سبحانه: ﴿فَإِذَا دَفَعرتُمر إِلَيرهِمر أَمروَالَهُمر فَأَشرهِدُوار عَلَيرهِمر وَكَفَى بِاللّهِ حَسِي بًا﴾. وأمره بتزويج الأيامى اللواتي لا أولياء لهن من أكفائهن بمهور أمثالهن ، وأن يشمل ذوات الغنى والفقر منهن بعدله، ويتحر لهن المصلحة في عقده وحله. وأمره أن يستنيب فيما بعد عنه من البلاد ودنا، وقرب منه ونأ ، كل ذي علم واستبصار، وتيقظ في الحكم واستاهار ، ونزاهة شائعة، وأوصاف لأدوات الاستحقاق جامعة ، ممن يتحقق نهوضه بذلك واضطلاعه، ويؤمن استنزاله وانخداعه، وأن يعهد إليهم في ذلك بمثل ما عهد إليه، فلا يألوهم تنبيها وتذكريرا، وإرشادا وتبصيرا، قال الله تعالى: ﴿وَتَ عَاوَنُوار عَلىَ الرريِّ وَالتَّقروَ وَلاَ تَعَاوَنُ وار عَلىَ الإِثرمِ وَالرعُدروَانِ ﴾ وأمره بإمواء ما أمواه من قبله من الحكام، من القوايا والأحكام، غير متعقب أحكامهم بنقض ولا تبديل، ولا تغيير ولا تأويل، إذا كانت جائزة في بعض الأقوال، ممواة على وجه من وجوه الاحتمال ، غير خارقة للإجماع ، عارية من ملابس الابتدا ع، وإن كان ذلك منافيا لمذهبه، جاريا على خلاف معتقده، قال الله تعالى: ﴿وَمَن لَّمر يَحركُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُورلَئِكَ هُمُ الاَّالِمُون﴾.
عدد الصفحات ٥٦٢