المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الجزء الثاني من كـتاب عودة الخلافة

غير معروف

صفحة ٣٤ من ٤٢

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 534 الويافات والمساجد والربط ما يتباوز حدالكثرة، وكان مع ذلك يبخل، وكان وقته مصروفا إلى تدبير أمور المملكة وإلى التولية والعزل والمصادرة وتحصيل الأمور..)(4) . ولم يورد ابن طباطبا ولا غيره من الأدلة ما يثبت دعو أن الناصر كان إماميا بينما تؤكد كل الأدلة أنه كان عباسيا سنيا يؤمن بشرعية خلافته وخلافة من سبقه من آبائه وأجداده، والخلفاء الراشدين، كما في كل توقيعاته وخطاباته وتولياته، وما يورده فيها من الأدلة الشرعية على وجوب طاعته، وشرعية الخلافة العباسية، واستحقاقها وحدها للطاعة، وسيأتي ذكر بعوها! وهو يناقض جملة وتفصيلا قول الإمامية الذين يحصرون الإمامة في ذرية فاطمة من علي! ومما يبطل هذه الدعو أن مبالس الوعظ في عصره كانت لعلماء السنة من كبار شيوخ المذاهب الأربعة، كما أوكل تدريس ولديه الااهر وعلي للفقهاء من المذاهب الأربعة! وكان كل قواة الدولة في عصر ه هم من كبار فقهاء الحنفية أو الشافعية! وقد ذكر ابن جبير في رحلته حووره لمبلس وعظ ابن البوزي في ساحة قصور الخلافة، بحوور الخليفة الناصر وأمه وأهل بيته والعامة، فقال: (ثم شاهدنا صبيحة يوم السبت بعده مبلس الشيخ الفقيه الإمام الأوحد جمال الدين أبي الفوائل ابن علي البوزي، بإزاء داره على الشط بالبانب الشرقي، وفي آخره على اتصال من قصور الخليفة، وهو يبلس به كل يوم سبت، فشاهدنا مبلس رجل ليس من عمرو ولا زيد، وفي جوف الفرا كل الصيد! آية الزمان، وقرة عين الإيمان، رئيس الحنبلية، والمخصوص في العلوم بالرتب العلية، إمام البماعة، وفارس حلبة هذه الصناعة، والمشهود له بالسبق الكريم في البلاغة، والرياعة، مالك أزمة الكلام في النام والنثر، والغائص في بحر فكره على نفائس الدر … (4) "الفخري في الآداب السلطانية" ص 322

عدد الصفحات ٥٣١

vvvvvvvvvvvvvvvv 532 ثم شاهدنا مبلسا ثانيا له بكرة يوم الخميس الحادي عشر لصفربباب بدر في ساحة قصور الخليفة، ومنالره مشرفة عليه، وهذا الموضع المذكور هو من حرم الخليفة، خص بالوصول إليه، والتكلم فيه؛ ليسمعه من تلك المنالر الخليفة، ووالدته، ومن حضر من الحرم، ويفتح الباب للعامة، فيدخلون إلى ذلك الموضع، وقد بسط بالحصر وجلوسه بهذا الموضع كل يوم خميس .. وما كنا نحسب أن متكلما في الدنيا يعطى من ملكة النفوس والتلاعب بها ما أعطي هذا الرجل! فسبحان من يخص بالكمال من يشاء من عباده لا إله غيره..)(4). وقد أوكل الناصر تدريس ولديه الااهر وعلي إلى شيخ الشافعية في عصره أبي طالب المبارك بن المبارك بن المبارك الكرخي، قال عنه الذهبي: (كان ذا جاه وحشمة لكونه أدّ ب أولاد الناصر لدين الله.. قال ابن النبار: وي الناامية في سنة إحد وثمانين. وكان إمام وقته في العلم والدين والزهد والورع، لازم ابن الخل حتى برع في المذهب والخلاف.. وكان من الورع والزهد والعفة والنزاهة والسمت على طريقة اشتهر بها، وكان أكتب أهل زمانه لطريقة ابن البواب، وعليه كتب الااهر بأمر الله.. قال الموفق عبد اللطيف بن يوسف: كان رب علم وعمل، وعفاف ونسك، وكان ناعم العيش، يقوم على نفسه وبدنه قياما حكيما.. وعلّ م ولدي الناصر لدين الله وأصلحا مداسه..)(2) وقد توفي سنة525ه. (4) رحلة ابن جبص 492 (2) سير الإعلام 24 /224

عدد الصفحات ٥٣٢

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 533 وكذا كان كل من تولى منصب قا القواة للناصر لدين الله من فقهاء السنة: كابن البخاري، وابن الدامغاني أبي حسن، وابن الدامغاني أبي القاسم، وابن فولان. قال السبكي: (علي بن علي بن هبة الله بن محمد بن علي بن البخاري أبو طالب بن أبي الحسن ابن أبي الريكات من أولاد المحدثين.. وولاه الإمام النا صر لدين الله أمير المؤمنين القواء، وخوطب بأقضى القواة، ولم يزل على ذلك إلى أن توفي قاضي القواة أبو الحسن الدامغاني، فقلد ابن البخاري قاضي القواة، وخلع عليه، وقر ء عهده بالبوامع، وناب في الوزارة، توفي في سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة. قلت: هذا كلام ابن النبار و هو يدل على أن اسم قاضي القواة في الاصطلاح من ذلك الزمان أكري من اسم أقضى القواة كما هو اليوم)(4). وقال الذهبي: (عاد إلى بغداد بعد عشرين سنة، فأكرم مورده، وزيد في احترامه، ثم إنه وي قواء القواة سنة اثنتين وثمانين، ثم ناب في الوزارة مع القواء مديدة، ثم عزل عنهما، ثم أعيد إلى قواء القواة سنة تسع وثمانين)(2). وبقي فيه حتى توفي سنة593ه وقال ابن النبار عن ابن الدامغاني : (فوي أبو الحسن قاضي القواة في يوم الاثنين منتصف ذي الحبة من سنة ثلاث وأربعين، وخلع عليه بالديوان وشافهه بالولاية نقيب النقباء محمد بن علي الزينبي، وكان يومئذ نائبا في الوزارة للإمام المقتفي لامر الله، وقرئ عهده ببوامع بغداد، وعمره إذا ذاك ثلاثون سنة، فلم يزل على قواء القواة إلى أن توفي الإمام المقتفي لأمر الله رضى الله عنه، ووي الخلافة بعد ولده المستنبد بالله فأقره علي (4) طبقات الشافعية٧/ ٧ (2) تاريخ الإسلام 42 /4222

عدد الصفحات ٥٣٣

vvvvvvvvvvvvvvvv 534 القواة ثم عزله في الث ثاء الرابع عشر من جماد الاخرة من سنة خمس وخمسين وخمسمائة. فكانت مدة ولايته إحد عشرة سنة وستة أشهر فلزم منزله منعكفا على الاشتغال بالعلم، وكان يقول: أنا على ولايتي ما عُزلت، وكل القواء ببغداد نوابي ؛ لأن القاضي إذا لم ياهر فسقه لا يبوز عزله، فبقي علي ذلك م دة ولاية الإمام المستنبد بالله، وقطعة من ولاية المستضيء بأمر الله بن الإمام المستنبد بالله، ثم أعاده إلى قواء القواة بولاية جديدة، وخلع عليه في يوم الأحد ثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول من سنة سبعين وخمسمائة، فبقى على قواء القواة إلى أن توفي الإمام الم ستضيء بأمر الله، ووي الخلافة ولده الإمام الناصر لدين الله فأقره على ولايته إلى حين وفاته ، وكان شيخا، مهيبا، و قورا، جليلا، فاضلا، عالما، يسير صامتا، كامل العقل، عفيفا، نزها، جميل السيرة، محمود الفعال، حسن المعرفة بالقوايا والأحكام)(4). وتوفي سنة523ه ثم وي بعدهم أبا القاسم عماد الدين عبدالله ابن الدامغاني الحنفي 2 سنين حتى644ه، وقد قال عنه ابن كثير في وفيات سنة 645ه: (قاضي قواة بغداد، عماد الدين أبو القاسم، عبد الله بن الحسين بن الدامغاني الحنفي، سمع الحديث، وتفقه على مذهب أبي حنيفة، ووي القواء ببغداد مرتين نحوا من سبع عشرة سنة، وكان مشكور السيرة)(2). ثم ولى محمد بن يحيى ابنفولان الشافعي، قال عنه ابن كثير : (وكان رئيسا كريما جوادا حسن الأخلاق .. ولاه الخليفة الناصر لدين الله قواء القواة ببغداد ، فلما وي ولده (4) ذيل تاريخ بغداد3 /22 (2) البداية والنهاية43/ ٧

عدد الصفحات ٥٣٤

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 535 الااهر سنة اثنتين وعشرين عزله بعد شهر، فلزم بي ته ثمانية أشهر في فقر وفاقة، لأنه لم يكن يدخل شيئا)(4). وكذا استوزر الناصر لدين الله سنة523ه: الفقيه الوزير جلال الدين عبيد الله بن يونس البغدادي الحنبلي. وقد بلغ من حرص الخليفة الناصر على الدعوة إلى الإسلام، أنه أمر ألا يعمل في الديو ان إلا مسلم، فأسلم بعض النصار لذلك، فقال: (إنما منعنا من استخدام الكفار لأجل كفرهم، فمن أسلم يعاد إلى خدمته، وهذا يخلع عليه، ويستخدم في ديوان العرض عوضا عن أبيه، ويقال لكل من صرفنا من خدمتنا: إن أحب الدخول في الإسلام ؛ فيعاد إلى خدمته ويشرف، ومن لم يفعل؛ لا يمكن من خدمة تتعلق بنا والسلام. وانحسمت المادة في ذلك، وكانت هذه معدودة من مكارم أخلاق أمير المؤمنين الناصر لدين الله؛ لأنه لم يسبق إليها، ولم يعتمدها سواه)(2) . ومما يؤكد بطلان نسبة الناصر للإمامية ؛ أن عامة ملوك الأقاليم من المشهورين في إحياء السنة، ومقاومة الفرق الباطنية والتصدي للدعوة إلى الإمامية، التي عاثت في الأرض فسادا، باسم حق آل بيت، وقد كان جميع هولاء الملوك، يدينون بالطاعة للخليفة العباسي، بناء على إيمانهم بأن الخلافة بالشور والبيعة من الأمة للإمام العباسي، لا بالنص على علي وأبنائه كما تدّ عي الإمامية! ولو كان الناصر ير رأي الإمامية كما يدّ عي ابن طباطبا؛ لكان قد حكم ببطلان خلافته، وعدم شرعيتها، كما ير الإمامية! (4) طبقات الشافعية4/243 (2) مومار الحقائق وسر الخلائق ص 4

عدد الصفحات ٥٣٥

vvvvvvvvvvvvvvvv 536 وقد قال الدواداري عن الناصر وعموم ولايته على العالم الإسلامي : (ولم يزل نافذ الأمر فى خلافته، مطاعا فى جميع أقطار الأرض بالممالك الإسلامية) (4). قال أيوا عن حوادث سنة 6ه: (الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين، مدبر الأمور بنفسه، والأمور راجعة إلى حكمه، ليس عليه حبر من ملك من الملوك، ولا وزير من الوزراء، وبنو سلبوق يومئذ ملوك الشرق بكماله، وملكهم قد اتصل بالهند والصين وصحراء القفباق، والسلطان صلا ح الدين ملك الديار المصرية، والحبازية، واليمنية، والشامية، وبلاد برقة. وبنو عبد المؤمن ملوك المغرب بكماله، وجزيرة الأندلس متفرقة الأجزاء والممالك، مع عدة ملوك، من حين انقطعت دولة الأمويين) (2). وقال في حوادث سنة2ه(الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير ا لمؤمنين، قائم الأمر، مستمر السلطان، نافذ الحكم فى أقطار الأرض، والسلطان صلاح الدين سلطان الإسلام بالديار المصرية وما معها)(3). وقال في أحداث سنة 624ه: (الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين، مستمر الأوامر، نافذ الأحكام فى سائر الممالك الإسلامية، كث رها الله تعالى، وأعلى كلمة سلطانها. والسلطان الملك العادل سيف الدين أبو بكر بحاله، ووي عهده الملك الكامل. وبقية الملوك الإسلامية على ما هم عليه) (4). (4) كنز الدرر وجامع الغرر ٧/ 66 (2) كنز الدرر وجامع الغرر٧/ 62 (3) المصدر السابق ٧/ 3 (4) المصدر السابق ٧/ 452

عدد الصفحات ٥٣٦

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv ٧ وقال في أحداث ٧ه: (الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين مستمر الحكم، مطاع الأمر. وملوك الشرق بحالهم. وكذلك السلطان علاء الدين خوارزم شاه، والسلطان الملك الكامل سلطان مصر، وما معها. والحرب بينه وبين الفرنج على ثغر دمياط)(4). وقال في أحداث سنة642ه(الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين مستمر الأمر، مطاع فى أقطار الأرض، والسلطان علاء الدين خو ارزم شاه سلطان الدنيا بالممالك الشرقية، والسلطان الملك الكامل ملك الديار المصرية وما معها. وبقية الملوك بممالكهم، وقد قدموا فى هذه السنة لنصرة الإسلام إلى خدمة السلطان الملك الكامل) (2). وكل ذلك يؤكد مد نفوذ خلافة الناصر لدين الله، وطاعة ملوك السنة له، وهم الذين أسقطوا الدولة الفاطمية التي تدعي الإمامية في مصر، وأرسلوا بالبيعة للخليفة المستضيء والد الناصر، وكذا فعل ملوك المغرب، الذين تصدوا للدعوة الشيعية الإمامية في أقاليمهم! ومما يؤكد التزام الخليفة الناصر لدين الله بما كان عليه آباؤه وأجداده من اتباع نصوص الكتاب، والسنة الصحيحة، وإجماع الأمة، والاجتهاد فيما لا نص فيه ولا إجماع، ومشاورة الفقهاء عند الحكم والقواء -وهي الأصول التي أجمع عليها أهل السنة والبماعة على اختلاف مذاهبهم الفقهية- ما جاء في توقيعه بتولية ابن فولان الشافعي قاضي القواة -وهو آخر من قضى ل ه، وتوفي الناصر وابن فولان على قوائه - حيث قال في توقيعه : (وأمره أن يبعل كتاب الله إماما يهتدي بمناره.. فإنه دليل الهد ورائده، وسائق النبح وقائده.. وأحد الثقلين اللذين خلفهما رسول الله ﷺ في الأمة، والذكر الذي جعله الله تعالى (4) كنز الدر ر وجامع الغرر ٧/ 222 (2) المصدر السابق ٧/ 229

عدد الصفحات ٥٣٧

vvvvvvvvvvvvvvvv 532 تبيانا لكل شيء وهد ورحمة، فقال عز من قائل: ﴿وَنَزَّلرنَا عَلَيركَ الركِتَابَ تِبريَانًا لِّكُلِّ شيَرءٍ وَهُدً وَرَحرمَةً وَبُشررَ لِلرمُسرلِمِين ﴾. وأمره باتباع الآثار النبوية صلوات الله على صاحبها وسلامه، والاهتداء بشموسها التي تنبلي بها دجنة كل مشكل وللامه، والاقتداء بسنة الشريعة ا لمتبوعة، وتصفح الأخبار المسموعة؛ والعمل منها بما قامت أدلة صحته من جميع جهاته، واستحكمت الثقة بنقلته عنه عليه السلام ورواته؛ وسلمت أسانيده من قدح، ورجاله من لنة وجرح، فإنها التالية للقرآن المبيد في وجوب العمل بأوامره.. وقد قرن الله سبحانه طاعته بطاعته، والعمل بكتابه، والأخذ بسنته؛ فقال عز من قائل: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمر عَنرهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الرعِقَاب﴾ .. وأمره بمبالسة العلماء، ومباحثة الفقهاء، ومشاركتهم في الأمور المشكلة، وعوارض الحكومات المعولة: لتستبين سبيل الصواب، ويعر الحكم من ملابس الشبه والارتياب، ويخلص من خطأ الانفراد، وغوائل الاستبداد.. وأمره بإمواء ما أمواه قبله الحكام، من القوايا والأحكام، غير متعقب أحكامهم بنقض ولا تبديل، ولا تغيير ولا تأويل، إذا كانت جائزة في بعض الأقوال، ممواة على وجه من وجوه الاحتمال، غير خارقة للإجماع، عارية من ملابس الابتداع، وإن كان ذلك منافيا لمذهبه، فقد سبق حكم الحاكم به؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَن لَّمر يَحركُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُورلَئِكَ هُمُ الاَّالِمُون﴾..)(4). فليس في هذا التوقيع ولا غيره من توقيعاتهوكتبه المشهورة عنه أدنى إشارة إلى تشيعه أو قوله برأي الإمامية أو الميل لمذاهبهم في الأصول والفروع، التي تناقض ما كانت عليه (4) صبح الأع 42 /296

عدد الصفحات ٥٣٨

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 539 الخلافة العباسية السنية في ناامها السياسي الذي يقوم على العهد والشور والاختيار والبيعة، لا على النص كما تدعي الإمامية! وقد خصّ الناصر لدين الله شيوخ المذاهب الأربعة بإجازة كتابه "روح العارفين" لروايته عنه؛ لتأكيد سنيته وإمامته السياسية للمذاهب الأربعة، كما قال ابن الدبيثي : (فبمع كتابا سماه "روح العارفين" يشتمل على أحاديث رواها عن شيوخ أجازوا له منهم أبو الحسين بن يوسف، وأذن بالإجازة في ه لبماعة، وقرئ هذا الكتاب ببوامع مدينة السلام في أكثر من مائة موضع وبغيرها)(4). وكان ذلك بعد32 سنة من توليه الخلافة، وكان قد تباوز الخمسين من عمره، وبلغ أوج قوته ونفوذه، كما أرّ خ ذلك المقريزي في حوادث سنة 624ه: (وفيها سير الخليفة الناصر لدين الله كتابه الذي ألفه وسماه "روح العارفين" إلى الشام ومصر وغيرها ليسمع)(2). وقال الكتاني: (وفي سنة ٧ لهرت الإجازات التي أخذت له من الشيوخ، وذكرهم في كتاب "روح العارفين " الذي شرحه الحافظ يوسف سبط ابن البوزي صاحب "مرآة الزمان " وكان وقفا بدار الحديث الأشرفية بدمشق، ودفع الخليفة إلى أهل كل مذهب إجازة عليها مكتب بخطه: "أجزنا لهم ما طلبوا على شرط الإجازة الصحيحة، وكتب العبد الفقير إلى الله أبو العباس أحمد أمير المؤمنين" وسلمت إجازة أصحاب الشافعي إلى ضياء الدين عبد الوهاب بن علي الصوفي، وإجازة أصحاب أبي حنيفة إلى الوياء أحم د بن مسعود التركستاني، وإجازة أصحاب أحمد إلى أبي صالح نصر بن عبد الرزاق بن الشيخ عبد القادر، وإجازة أصحاب مالك إلى التقي ابن جابر الزاهد المغربي. وفي سنة 622 أمر (4) ذيل تاريخ بغداد45 /423 (2) السلوك لمعرفة دول الملوك 4 /324

عدد الصفحات ٥٣٩

vvvvvvvvvvvvvvvv 542 الخليفة المذكور أن يقرأ مسند أحمد بمشهد موسى بن جعفر بحضرة صفي الدين محمد بن سعد الموسوي بإجاز ته من الخليفة)(4). وقد كانت تهمة تشيعه يروجها عنه بعض خصومه من ملوك الأقاليم، لمواجهة خططه لاستعادة سلطان الخلافة على أقاليمها، وممارسته لصلاحياته، ودخولهم تحت طاعته، وكانت تهمة التشيع وحدها كافية قي صد الناس عنه، والعذر لمن أبى من الدخول تحت سلطانه، إذ كانت الأمة قد عانت أشد العناء في القرن الرابع الهبري من الحركات الباطنية الشيعية التي أدت إلى الانهيار الداخلي للدولة، وفتحت الطريق للحملات الصليبية لتهديد المغرب والشام ومصر، وقد رد الناصر لدين الله هذه التهمة عن نفسه بشعر رائق يؤكد فيه حبه لكل أصحاب النبي ﷺ بلا استثناء، وهو ما يتنافى مع دعو الإمامية، كما ذكر ذلك الصفدي حيث يقول: (ومن شعر الناصر ردا على من ادعى أنه شيعي: زعــمــوا أنــنــي أحــب عــلــيــً ا كــل مــن صـــاحــب الــنــبــي ولــو فــلــقــد قــل عــقــل كــل غــبــي صـــدقــوا كــلــهــم لــدي عــليُّ طــرفــة عــين فــحــقــه مــرعــيُّ هـو مـن شــيـعـة الــنبي بريُّ ) (2 ). وهذا هو السبب الذي حمله على الأمر بقراءة مسند الإمام أحمد بن حنبل في مشهد موسى الكالم، وبروايته عنه، وإجازته له؛ لتأكيد سنيته، وتعايمه لمذهب الإمام أحمد بن حنبل في شأن الصحابة، ونفي كل ما يشاع عن تشيعه، فقد حو المسند كل أحاديث الصحابة وما ورد في فولهم، وفي قراءة المسند في مشهد الكالم دعوة منه للبمع بين الطائفتين في بغداد: الحنبلية والبعفرية، على محبة آل النبي ﷺ وأصحابه، واتباع سنته، كما هو مذهب (4) فهرس الفهارس2 /٧ (2) الوافي بالوفيات6 /495

عدد الصفحات ٥٤٠

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 544 أحمد بن حنبل، إذ كان الصراع بين الفريقين محتدما آنذاك، وكانت الفتن تثور بينهما، وتتعطل بسببها بغداد كلها، مما يعيق خطط الناصر لدين الله لتوحيد الدولة، واستعادة الخلافة لمكانتها. الفتوحات في عهد الناصر لدين الله: وقد ذكر الذهبي بعض ما جر في عهد الناصر لدين الله في سنة 522همن فتوحات صلاح الدين لمدن الشام، ولهور علي ابن غانية في المغرب وأفريقيا، وسيطرته على أقاليمها خمسين سنه، وإقامته الخطبة للخلافة العباسية.(4) ثم قال في حوادث سنة 522ه: (وفيها بعث السلطان طغرل بن أرسلان بن طغرل السلبوقي أن تعمر له دار المملكة لينزل بها، وأن يخطب له، فهدم الناصر داره، ورد رسوله بلا جواب، وكان ملكا مستوعفا مع الملوك... وفيها فتحت القدس وغيرها، واندكت ملوك الفرنج، وكسروا وأسروا، قال العماد: فتحت ست مدائن وقلاع في ست جمع: جبلة، واللاذقية، وصهيون، والشغر، وبكاس، وسرمانية، ثم أخذ حصن برزية بالأمان، ثم رحل صلاح الدين أيده الله إلى دربساك فتسلمها، ثم إلى بغراس فتسلمها، وهادن صاحب أنطاكية، ودام الحصار على الكرك والمطاولة فسلموها لبوعهم، ثم أعطوا الشوبك بالأمان، ثم نازل السلطان صفد. وفي سنة 524ه: كان صلاح الدين لا يفتر ولا يقر عن قتال الفرنج.. وفيها وفي المقبلة كان الحصار الذي لم يسمع بمثله أبدا على عكا، كان السلطان صلاح الدين قد افتتحها وأسكنها المسلمين، فأقبلت الفرنج برا وبحرا من كل فج عميق، فأحاطوا بها، وسار صلاح الدين فيدفعهم فما تزعزعوا ولا فكروا، بل أنشئوا سورا وخندقا على (4) سير الأعلام 22 /225

عدد الصفحات ٥٤١

vvvvvvvvvvvvvvvv 542 معسكرهم، وجرت غير وقعة ؛ وقتل خلق كثير، وامتدت المنازلة والمطاولة والمقاتلة نيفا وعشرين شهرا، وكانت الأمداد تأتي العدو من أقصى البحار، واستنبد صلاح الدين بالخليفة وغيره حتى أنه نفذ رسولا إلى صاحب المغرب يعقوب المؤمني يستبيشه فما نفع، وكل بلاء النصار ذهاب بيت المقدس منهم. قال ابن الأثير: لبس القسوس السواد حزنا على القدس، وأخذهم بترك القدس، وركب بهم البحر، يستنفرون الفرنج، و صوروا المسيح وقد ضربه النبي ﷺوجرحه، فعام هذا المنار على النصار ، وحشدوا وجمعوا من الرجال والأموال ما لا يحصى، فحدثني كردي كان يغير مع الفرنج بحصن الأكراد أنهم أخذوه معهم في البحر، قال: فانتهى بنا الطواف إلى رومية فخرجنا منها وقد ملأنا الشواني الأربعة فوة. قال ابن الأثير فخرجوا على الصعب والذلول برا وبحرا، ولولا لطف الله بإهلاك ملك الألمان وإلا لكان يقال: إن الشام ومصر كانتا للمسلمين! قلت: كانت عساكر العدو فوق المائتي ألف، ولكن هلكوا جوعا ووباء وهلكت دوابهم، وجافت الأرض بهم، وكانوا قد ساروا فمروا على جهة ال قسطنطينية ثم على ممالك الروم تقتل وتسبي، والتقاه سلطان الروم فكسره ملك الألمان، وهبم قونية فاستباحها، ثم هادنه ابن قلج رسلان، ومروا على بلاد سيس، ووقع فيهم الفناء فمات الملك..). وقال أيوا: (وفي سنة 522ه التقى بشهاب الدين الغوري عساكر الهند فهزمهم وقتل ملكهم في الوقعة.. وفيها افتتح سلطان غزنة شهاب الدين في بلاد الهند. وفيها توفي السلطان صلاح الدين، وكانت دولته أزيد من عشرين. وفي سنة تسعين: كانت الحرب تستعر بين شهاب الدين الغوري وبين سلطان الهند بنارس؛ قال ابن الأثير: فالتقوا على نهر ماخون، وكان مع الهندي س بعمائة فيل، ومن

عدد الصفحات ٥٤٢

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 543 العسكر على ما قيل ألف ألف نفس، وفيهم عدة أمراء مسلمين، فنصر شهاب الدين، وكثر القتل في المشركين حتى جافت منهم الأرض، وقتل بنارس وعرف بشد أسنانه بالذهب، وغنم شهاب الدين تسعين فيلا فيها فيل أبيض، ومن خزائن بنارس ألفا وأربعمائة حمل. وبعث الناصر إلى خوارزم شاه، ليحارب طغرل فبادر والتقاه فهزمه، وقتله ونهب خزانته، وهزم جيشه، ونفذ الرأس إلى بغداد. قال ابن الأثير: وسير الناصر لخوارزم شاه نبدة، وسير له مع وزيره المؤيد بن القصاب خلع السلطنة)(4). خطبة صلاح الدين للخليفةالناصرلدين الله سنة 525 هـ: قال العماد: (وفي مستهل ذي القعدة أو ثانيه؛ توفي ببغداد الخليفة الإمام المستضيء بالل ه أمير المؤمنين، واستخلف ولده الناصر لدين الله أبو العباس أحمد، وكان رسول السلطان ضياء الدين بن الشهرزوري حاضرا، فحضر وبايع وأخري ببلية الحال؛ فبادر السلطان إلى الخطبة له في جميع البلاد، ومضى صدر الدين شيخ الشيوخ عبد الرحيم بن إسماعيل من بغداد رسولا إلى بهلوان، وألزمه حتى خطب بهمذان وأصفهان، وعمت الدعوة الهادية في جميع بلاد خراسان... وقال محمد بن القادسي في تذييل تاريخ أبي الفرج بن البوزي: مولد المستضيء ثالث عشري شعبان من سنة س ت وثلاثين ، وكانت خلافته تسع سنين وستة أشهر وواحدا وعشرين يوما، بويع تاسع ربيع الآخر سنة ست وستين ، وكان كريما رحوما بارا بالرعية، (4) سير الأعلام 22 /245

عدد الصفحات ٥٤٣

vvvvvvvvvvvvvvvv 544 يعفو عن البرائم الكبار ، عادلا، لهر يوم مبايعته من رد الماالم والأملاك المقبوضة ، والإفراج عن المسبونين وإسقاط الضرائب والمكوس، ما شاع واشتهر. قال: وتقدم إلى شيخ الشيوخ عبد الرحيم، وإلى عبد الرحمن بن البوزي، فصليا عليه، ثم بايع الناصر أخوه الأمير أبو منصور هاشم ، ثم بنو أعمامه وخواصه، ثم الولاة وأرباب المناصب والأعيان والوافدون للحج من بلاد خراسان وغيرهم، وكان والده المستضيء قد عهد إليه قبل وفاته بيوم واحد، قلت: كذا نقلته من خطه، ولعله أراد بأسبوع واحد، فسبق به قلمه، فإن ابن الدبيثي ذكر أنه خطب للناصر بولاية العهد يوم البمعة الثاني والعشرين من شوال).(4) وفي سنة6 ه: (جاء رسول مباهد الدين قايماز، وهو الشيخ الفقيه فخر الدين أبو شباع بن الدهان البغدادي إلى السلطان، يطلب منه أن يكون معه كما كان مع أخيه من إبقاء سروج والرها والرقة وحران والخابور ونصيبين في يده ، فلم يفعل السلطان، وقد كانت له بإطلاق الخليفة، وإنما جعلها في يد سيف الدين غازي بالشفاعة على شرط أن يقوي السلطان بالعساكر، فلما مات سيف الدين، كتب السلطان إلى الخليفة الناصر يعلمه بذلك، وأن هذه البلاد لم يزل يتقو بها ثغر الشام، ففوضت إليه على ما أراد، وكان الكتاب إلى صدر الدين عبد الرحيم شيخ الشيوخ من إنشاء العماد، وفيه: قد عرف اختصاصنا من الطاعة والعبودية للدار العزيزة النبوية بما لم يختص به أحد، وامتدت اليد منا في إقامة الدعوة الهادية بمصر واليمن والمغرب بما لم تمتد إليه يد، وأزلنا من الأقاليم الثلاثة: ثلاثة أدعيا، وخلفناهم للرد ، حيث دعوا بلسان الغواية خلفا، ولا خفاء أن مصر إقليم عايم، وبلد كريم، بقيت مئتين وخمسين سنة مويمة، وعانت كل هويمة، وعاينت كل عايمة، (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 3 /52

عدد الصفحات ٥٤٤

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 545 حتى أنقذها الله عز وجل بنا من عبيد بني عبيد، وأطلقها بمطلقات أعنتنا إليها من عناء كل قيد، وفيها شيعة القوم، وهم غير مأموني الشر إلى اليوم، وطوائف أقاليم الروم والفرنج من الري والبحر بها مطيفة، فمن حقها أن يتوفر عسكرها، فلو حصل والعياذ بالله فتق؛ لأعول رتقه ، واتسع على الراقع خرقه، واحتبنا لحفظ بلاد الشام وثغور الإسلام إلى استصحاب العسكر المصري إليها، وله مدة خمس سنين في بيكارها، منتقما من كفارها، متحملا لمشاقها على غلاء أسعارها، وإنما أحوج إلى ذلك؛ أن بلاد هذا الثغر قد اقتطعت عنه، وعساكرها أخذت منه، وكانت في توي نور الدين ، ثم ذكرها كما سبق ففوضت إليه كما سيأتي).(4) قال العماد: (وفيها في رجب، وصلت رسل الديوان العزيز الناصري صدر الدين شيخ الشيوخ أبو القاسم عبد الرحيم ، ومعه شهاب الدين بشير الخاص بالتفويض والتقليد والتشريف البديد، فتلقيناهم بالتعايم والتمبيد، وركب السلطان للتلقي، و على صفحاته بشائر الترقي، فلما تراء له الرسل الكرام، ووجب له الإجلال والإعاام ؛ نزل وترجل وأبد الخووع، وتوجل ونزل الرسل إليه، وسلموا عن أمير المؤمنين عليه، فتقبل الفرض، وقبّ ل الأرض ، ثم ركبوا ودخلوا المدينة. قال ابن أبي طي: وكانت هذه أول خلعة قدمت من الإمام الناصر [ على الملك الناصر [ وكانت ثوب أطلس أسود واسع الكم مذهب، وبقيار أسود مذهب، وطيلسان أسود مذهب، ومشدة سوداء مذهبة، وطوق وتخت وسرفسار، وجواد كميت من مراكب الخليفة عليه سرج أسود، وسلال أسود، وطوق مبوهر، وقصبة ذهب، (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 3 /62

عدد الصفحات ٥٤٥

vvvvvvvvvvvvvvvv 546 وعلم أسود ، وعدة خيول وبقج ، وركب السلطان بالخلعة وزينت له دمشق ، وكان يوما عايما).(4) رسالة صلاح الدين لديوان الخلافة ببغداد سنة ٦٧١ يشتكي من إشغال الأمراء له -باعتداءاتهم المتكررة- عن مواصلة الجهاد لتحرير القدس: و قد كشف في هذه الرسالة التي كتبها له القاضي الفاضل خطورة تقدم الفرنبة نحو تيماء، وتهديدهم المدينة النبوية، وتواطؤ الشيعة الباطنية معهم، وانشغال أمراء الأقاليم بالمؤامرات والفتن؛ وهو ما يعيق خطة صلاح الدين لتحرير فلسطين، كما ذكّ ر فيها بأهمية الدور الذي قام به وآل بيته في توحيد مصر والشام تحت لل الخلافة، ودعا فيها الخليفة إلى التدخل لمنع الاعتداءات عليه؛ وكل ذلك يؤكد أن ديوان الخلافة من أهم مؤسسات دولة الخلافة، وأن الخلافة لم تكن صورية؛ بل كان لها نفوذها السياسي الفعلي على أمراء الأقاليم، بما فيهم صلاح الدين نفسه، وقد ذكر أبو شامه هذه الرسالة في كتابه؛ فقال: (وكان نائبه بدمشق ابن أخيه عز الدين مزخشاه قد نهض في مقابلة الفرنج بالكرك، فإن الإبرنس الكركي كان يحدث نفسه بقصد تيماء في الريية ، فما زال فرخشاه في مقابلته حتى نكص اللعين على عقبيه ذليلا، ولم يبد إلى ما حدثته به نفسه سبيلا، فعرف السلطان اشتغاله بهذا المهم، فكتب كتابا بشرح الحال إلى بغداد باللفظ العمادي، يقول فيه: وشاع الخري بغارة فرنج أنطاكية على حارم، وأتوا من السبي والنهب بالعاائم، وشاع أيوا أن عسكر حلب أغار على الراوندان وهي في عملنا، ورسولهم عند الفرنج يستنبد بهم ويغريهم بنا، وقد راسلوا الحشيشية والمراد من الرسالة غير خاف، والعلم بالمعتاد منه كاف، وابن (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 3 /65

عدد الصفحات ٥٤٦