المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الجزء الثاني من كـتاب عودة الخلافة

غير معروف

صفحة ٣٣ من ٤٢

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 545 ويكون له بها مفزعا، ولصاحب صقلية الذي زعم أنه أصل للشر يكون الشر منه مفرعا، فلم يهن ولم يبب إلى السلم، ولم يزعه أن عسكره خذله الله مبار في الري وفي اليم، إن شاء الله تعالى).(4) وكتب القاضي الفاضل عن صلاح الدين لخليفة بغداد: (المملوك وإن كان قد يسر الله له مذ أطلقت عذبة لسانه خدمة الدولة العباسية.. فيقول: جمع الله لأمير المؤمنين طاعة خلقه، وأذل رقاب الباطل بسيف حقه، وجعل الله ما هو قبوته في الأخر قبوة أمير المؤمن ين في الأولى من الأرض التي هي موطوءة كالسماء ذات العلا، وأدام نعمه على هذه الأمة بإمامته ، وألهر كرامة نبيه عليه السلام بما يااهره من كرامته، وعبل لمن لا يقوم بفرض ولائه إقامة قيامته ، ورد بسيوفه التي لا ترد ما الإسلام ممطول به من للامته ، وأقام به مناهج الدين لأهله، وألهره بمااهرته على الدين كله حتى يلقى الله وما خلف في الدنيا كافرا، ولا ضميرا إلا بالتوحيد عامرا، ولا بلدا إلا وقد بات بالإسلام آهلا ، وقد أصبح منه الكفر داثرا).(2) وكل ما سبق ذكره -من رسائل لصلاح الدين إلى ديوان الخلافة ببغداد وإلى الخليفة المستضيء- يؤكد مد نفوذ سلطان الخلافة السياسي على أقاليم الدولة، وحاجة الأمراء فيها إلى تدخلها لمنع تعدي بعوهم على بعض، وحاجة السلطان صلاح الدين إلى وقوفها معه ودعوتها الأمراء لنصرته في جهاد الفرنبة والروم، لتحرير القدس. (4) مآثر الإنافة3 /345 (2) مآثر الإنافة3 /342

عدد الصفحات ٥١٥

vvvvvvvvvvvvvvvv 546 عناية صلاح بالجهاد مع شدة الزمان قال العماد: (فلما انقضى أمر بعلبك وصل السلطان دمشق؛ فأقام بها، وأمر الحصن من همه، وقصد حصاره من عزمه، وكان العام مبدبا والبدب عاما، وقيل للسلطان: ليس هذه سنة جهاد، فإن استمنحوك السلامة ؛ فامنح. وإن جنحوا للسلم؛ فاجنح، فقال السلطان: إن الله أمر بالبهاد، وكفل بالرز ق؛ فأمره واجب الامتثال ، ووعده ضامن الصدق. فنأتي بما كلفنا؛ لنفوز بما كفله، ومن أغفل أمره أغفله).(4) 22- خلافة الناصر لدين الله أحمد بن المستضيء وهو الخليفة العباسي الرابع والثلاثون بويع بعد أبيه سنة ٧5ه، فأقام في الخلافة ٧ سنة، وتوفي سنة 622ه، وله تسعون سنة (وخطب له حتى بالصين والأندلس).(2) وهو أطول الخلفاء مدة، وكان شباعًا مهيبًا. (3) وكان قد خلع على صلاح الدين وأهداه الهدايا، فكان هو الخليفة وصلاح الدين السلطان وفي سنة ٧٧ه خرج صلاح الدين من مصر إلى الشام مباهدًا، فلم يعد إليها حتى توفاه الله، وكان قد استناب عليها أخاه. ودخل دمشق سنة 523ه، وزار القاضي الفاضل واستشاره فكان لا يقطع أمرًا دونه(4) (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 3 /49 (2) نزهة النالرين ص4. (3) البداية42/326. (4) البداية والنهاية42/342.

عدد الصفحات ٥١٦

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv ٧ و قد أطال الذهبي في ترجمة الناصر لدين الله العباسي، وذكر أنه أحد العلماء الذين رووا الحديث، وحدّ ث عنهم كبار الحفاظ، فقال عنه: (لم يل الخلافة أحد أطول دولة منه.. قال الموفق عبد اللطيف: ولم يزل الناصر في عز وقمع الأعداء، ولا خرج عليه خارجي إلا قمعه، ولا مخالف إلا دمغه، ولا عدو إلا خذل، كان شديد الاهتمام بالملك، لا يخفى عليه كبير شيء من أمور رعيته، أصحاب أخباره في البلاد، حتى كأنه شاهد جميع البلاد دفعة واحدة.. وكان الناصر قد ملأ القلوب هيبة وخيفة، حتى كان يرهبه أهل الهند، وأهل مصر، فأحيى هيبة الخلافة. لقد كنت بمصر وبالشام في خلوات الملوك والأكابر إذا جر ذكره خفووا أصواتهم إجلالا له.. قال ابن النبار: دانت للناصر السلاطين، ودخل تحت طاعته المخالفون، وذلت له العتاة، وانقهرت بسيفه البغاة، واندحض أضداده، وفتح البلاد العديدة، وملك ما لم يملكه غيره، وخطب له بالأندلس وبالصين، وكان أسد بني العباس تتصدع لهيبته الببال، وتذل لسطوته الأقيال، وكان حسن الخلق، أطيف الخلق، كامل الارف، فصيحا بليغا، له التوقيعات المسددة والكلمات المؤيدة، كانت أيامه غرة في وجه الدهر، ودرة في تاج الفخر.. قال القاضي ابن واصل: كان الناصر شهما شباعا، ذا فكرة صائبة، وعقل رصين، ومكر ودهاء، وكانت هيبته عايمة جدا، وله أصحاب أخبار بالعراق وسائر الأطراف يطالعونه ببزئيات الأمور ؛ حتى ذكر أن رجلا ببغداد عمل دعوة وغسل يده قبل أضيافه فطالعه صاحب الخري، فكتب في جواب ذلك: "سوء أدب من صاحب الدار، وفوول من كاتب المطالعة"...)(4) (4) سير الأعلام 22 /493

عدد الصفحات ٥١٧

vvvvvvvvvvvvvvvv 542 وقد ذكر الذهبي سبب ما وقع في عهد الناصر من خلل وأن السبب وزيره نصير الدين بن مهدي العلوي حيث أورد فيه عن المؤرخ الموفق عبد اللطيف البغدادي وهو معاصر له قو له: (وأكري الأسباب في نفور الناصر من ولده هو الوزير نصير الدين ابن مهدي العلوي، فإنه خيل إلى الخليفة فساد نية ولده بوجوه كثيرة. وهذا الوزير أفسد على الخليفة قلوب الرعية والبند، وبغوه إليهم وإلى ملوك الأطراف، وكاد يخلي بغداد عن أهلها، بالإرهاب تارة وبالقتل أخر ، ولا يقدر أحد أن يكشف للخليفة حال الوزير، حتى تمكن الفساد ولهر، فقبض عليه برفق). وكان ابن مهدي قدم من خوارزم فارا إلى بغداد، فولاه الناصر نقابة الطالبيين، واتخذه مستشارا، ثم استوزره؛ كما ذكر الذهبي في أحداث سنة 622، قال (وخلع عليه خلعة الوزارة، فركب وبين يديه دواة عليها ألف مثقال، ووراءه المهد الأصفر وألوية الحمد والكوسات، والعهد منشور قدامه، والأمراء بين يديه مشاة) (4). وقال عنه: (قدم بغداد سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، وقلد وزارة أمير المؤمنين سنة اثنتين وستمائة. ثم قبض عليه سنة أربع)(2). وقال الذهبي عن الناصر لدين الله: (ولم يزل الإمام الناصر مدة حياته في عز وجلالة، وقمع للأعداء، واستاهار على الملوك، لم يبد ضيما، ولا خرج عليه خارجي إلا قمعه، ولا مخالف إلا دمغه، وكل من أضمر له سوءا رماه الله بالخذلان، وأباده. وكان مع سعادة جده شديد الاهتمام بمصالح المل ك، لا يخفى عليه شيء من أحوال رعية كبارهم وصغارهم. (4) تاريخ الإسلام 43 /9 (2) تاريخ الإسلام 44 /325

عدد الصفحات ٥١٨

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 549 وأصحاب أخباره في أقطار البلاد يوصلون إليه أحوال الملوك الااهرة والباطنة حتى يشاهد جميع البلاد دفعة واحدة… وكان الناصر إذا أطعم، أشبع، وإذا ضرب، أوجع، وله مواطن يعطي فيها عطاء من لا يخاف الفقر. وفي وسط ولايت ه اشتغل برواية الحديث، واستناب نوابا في ذلك، وأجر عليهم جرايات، وكتب للملوك والعلماء إجازات.. قال الذهبي: أجاز الناصر لبماعة من الأعيان فحدثوا عنه منهم: أبو أحمد ابن سكينة، وأبو محمد ابن الأخضر، وقاضي القواة أبو القاسم ابن الدامغاني، وولده الااهر بأمر الله، والملك العادل، وبنوه المعام والكامل والأشرف. قال ابن النبار: شرفني بالإجازة، فرويت عنه بالحرمين، وبيت المقدس، ودمشق، وحلب، وبغداد، وأصبهان، ونيسابور، ومرو، وهمذان.. وقال الموفق عبد اللطيف: وأقام الناصر سنين يراسل جلال الدين حسن صاحب ألموتدة الباطنية رفعوه في زمان سنان، ويقول: إنكم إذا فعلتم ذلك كنا يدا واحدة، ولم يتغير عليكم من أحوالكم شيء.. واتفق أن رسول خوارزم شاه ورد حق الملاحدة ت شتمل على الوعيد، وعزم الإيقاع بهم، وأنه سيخرب قلاعهم، ويطلب من الخليفة المعونة في ذلك، وأحضر رجل منهم كان قاطنا ببغداد، ووقف على الكتب، وأخرج بها وبكتب أخر على وجه النصيحة نصف الليل على الرييد، فلما وصل ألموت، أرهبهم، فما وجدوا مخلصا إلاالتااهر بالإسلام، وإقامة شعاره. وسيروا إلى بغداد رسولا ومعه مائتا

عدد الصفحات ٥١٩

vvvvvvvvvvvvvvvv 522 شاب منهم، ودنانير كبارا في مخانق، وعليها "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، وطافوا بها في بغداد، وجميع من حولها يعلن بالشهادتين. وكان الناصر لدين لله قد ملأ القلوب هيبة وخيفة. فكان يرهبه أهل الهند ومصر كما يرهبه أهل بغداد، فأحيا هيبة الخلافة وكانت قد ماتت بموت المعتصم، ثم ماتت بموته. ولقد كنت بمصر والشام في خلوات الملوك والأكابر، فإذا جر ذكره، خفووا أصواتهم هيبة وإجلالا.. قال ابن النبار في ترجمة الناصر: دانت له السلاطين، ودخل تحت طاعته من كان من المخالفين، وذلت له العتاة والطغاة، وانقهرت بسيفه الببابرة والبغاة، واندحض أضداده وأعداؤه، وكثر أنصاره وأولياؤه، وفتح البلاد العديدة، وملك من الممالك ما لم يملكه من تقدمه من الخلفاء والملوك أحد، وخطب له ببلاد الأندلس وبلاد الصين، وكان أسد بني العباس..)(4). وفي هذا أوضح دليل على أن الخلافة في هذا القرن السادس والقرن الذي قبله لم تكن خلافة صورية، بل خلافة حقيقية، استعادت صلاحياتها ومسئولياتها، وكان يخوع لطاعتها ملوك الأقاليم، ويخطبون لها، وينفذون تواقيعها، وإنما يمتد أو يتراجع نفوذها وسلطانها بحسب كفاءة الخليفة و أهليته وقدر ته على إدارة الدولة. وقد أجمع المؤرخون على اتّ صاف الناصر لدين الله بهذه الأهلية . (4) تاريخ الإسلام 45 /25

عدد الصفحات ٥٢٠

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 524 تحقيقأقوال المؤرخين في الخليفة الناصر لدين الله: وما ذكره عنه ابن الأثير، وأخذه عنه كل من جاء بعده من المؤرخين بلا تمحيص أنه: (كان قبيح السيرة في رعيته، لالما، فخرب في أيامه العراق، وتفرق أهله في البلاد، وأخذ أملاكهم وأموالهم..)(4)،يخالف ما ذكره المؤرخون الذين زاروا بغداد، أو كانوا من أهلها وعاشوا فيها، فقد سبق قول الحافظ المحدث ابن النبار البغدادي عنه -وهو معاصر له فقد ولد 2 وتو643 فعاش44 سنة في خلافة الناصر، حيث قالعنه- (كانت أيامه درة في وجه الدهر، وغرة في جبين الدهر)! وقال ابن جبير عن الخليفة الناصر وعن أهل بغداد والعدل والرخاء الذي هم فيه حين زارها سنة 522ه: (وهو مع ذلك يحب الاهور للعامة، ويؤثر التحبب لهم، وهو ميمون النقيبة عندهم، وقد استسعدوا بأيامه رخاء وعدلا، وطيب عيش، فالكبير والصغير منهم داع له بخير)(2) . وقال المؤرخ العصامي المكي عن الناصر، وعدله، وصلاحه، وحسن سياسته: (بويع بالخلافة بعد موت والده، وعمره ثلاث وعشرون سنة، فبسط العدل، وأمر بإراقة الخمور، وكسر الملاهي، وإزالة المكوس والضرائب، فعمر البلاد، وبسط الأرزاق، وقصدت الناس بغداد وتريكوا به… وطالت أيامه؛ فأحيا رسوم الخلافة، وامتلأت القلوب بهيبته، وكان ذا فكر صائب، وكانت أيامه من غرر الزمان.. (4) الكامل42 /442 (2) رحلة ابن جب ص 223

عدد الصفحات ٥٢١

vvvvvvvvvvvvvvvv 522 وكان له إحسان على أهل الحرمين، وكانت الكعبة الشريفة تُكسىَ الديباج الأبيض زمن المأمون إلى آخر أيام الناصر هذا، فكساها الديباج الأسود، واستمر إلى زماننا هذا)(4). فكل ذلك ينفي ما ذكره ابن الأثير عن للمه وعسفه، وخراب بغداد في عصره، الذي كان من أزهى عصور بغداد منذ تراجع نفوذها في القرن الرابع، فلا يتصور أن يبلغ سلطان الناصر الصين والهند والأندلس، بينما عاصمة الخلافة بغداد في خراب وعسف! وكذا ما يُ حكى عن الناصر لدين الله من أنه هو الذي أطمع المغول بأرض الإسلام، كما ذكره ابن الأثير بقوله: (وإن كان ما ينسبه العبم إليه صحيحا من أنه هو الذي أطمع التتر في البلاد وراسلهم فهو الطامة الكري )(2)! قول باطل تدحوه سيرته، وصفاته، وما قامبه من استعادة هيبة الخلافة، وهو أجلّ من أن يقع منه مثل ذلك، فقد أجمع المؤرخون على شهامته ونبله، وتدينه وصلاحه في نفسه، وجلالة قدره، ونفوذ أمره، وعنايته بحفظ ناموس الخلافة، بما لا يتصور منه مثل هذه الخيانة. ولوهاء هذه الفرية؛ أوردها ابن الأثير بصيغة الشك وع دم البزم بصحتها، مع كون ابن الأثير موصلي يميل لبيت آل الزنكي أمراء الموصل، الذين كانوا على خلاف مع بغداد، وإنما أشاع هذه الفرية جلال الدين الخوارزمي بعد سقوط دولتهم في الشرق، واجتياح المغول لها، فكان يحرض أمراء الأقاليم للوقوف معه في قتال الناصر ودخول بغداد -كما ذكره سبط ابن البوزي في أحداث 622ه- حيث كان جلال الدين يحتج على دعوته هذه بقوله : (كان السبب في هلاك أبي، ومبيء الكفار إلى البلاد، ووجدنا كتبه إلى الخطا وتواقيعه إليهم بالبلاد والخيل والخلع)(3) ! (4) سمط النبوم العوا3/542، الكامل في التاريخ 42 /422 (2) الكامل42 /442 (3) مرآة الزمان(22 /4) أحداث622ه

عدد الصفحات ٥٢٢

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 523 وإنما كان السبب في ذلك كله هو أبوه علاء الدين خوارزم شاه الذي وقف معه الناصر لدين الله وآزره في وجه السلاجقة لمنعهم من تهديد بغداد، فطمع هو فيها، وقاتل ملوك الإسلام حوله، وأجلاهم من بلدانهم، ثم توجه ببيوشه إلى بغداد لقتال الناصر، في الوقت الذي كان المغول على حدود دولته في خوارزم حيث يقول عن علاء الدين خوار زم شاه: (قصد العراق في أربع مئة ألف، ووصل همذان يريد بغداد، وقيل: كان معه ست مئة ألف، وكان قد أفنى ملوك خراسان، وما وراء النهر، وقتل صاحب سمرقند، وأخلى البلاد من الملوك، واستقل بها، وكان ذلك سببا لهلاكه. ولما نزل همذان كان في عساكره سبعون ألفا من الخطا، فكاتب القمي النا والخيول والخلع سرا، فكان ذلك سببا لوهنه. ولما علم خوارزم شاه بذلك سار من همذان طالبا خراسان، فنزل مرو، والتقى في طريقه الخيل والخلع والكتب المنفذة إلى الخطا، فلم يمكنه الرجوع لفساد عسكره.. فتمزق البميع ونهب، وأما خوارزم شاه فهرب إلى البحر، وركب في مركب صغير إلى جزيرة، وهرب ولده جلال الدين إلى الهند ومعه أخوه، وصعد خوارزم شاه إلى البزيرة وبها قلعة، فتحصن بها، فأدركه الموت دون صعود القلعة، فدفنوه على س احل البحر، وجاء الخطا، فدلوا عليه، فنبشوه، وقطعوا رأسه وأخذوه وعادوا، وتفرقت الممالك بعده، ولهر التتر على الخطا بعد سنتين، وصار الخطا تبعا لهم، وأخذوا البلاد)(4). وقد كان خوارزم شاه قد تحالف مع كوجلوك زعيم قبيلة النايمان الوثنية-الذي كان يوطهد المسلمين في أرض الصين- على حرب قبائل الخطا -الذين كانوا يشكلون حاجز ا (4) مرآة الزمان(22 /234)

عدد الصفحات ٥٢٣

vvvvvvvvvvvvvvvv 524 بينه وبين المغول وكان كثير منهم مسلم- فتقاسم أرضهم في تركستان مع كوجلوك، وقضى على دولتهم سنة 622ه، وهو ما فتح الطريق أمام المغول لاجتياح المشرق الإسلامي كله! وقد كان وزير الناصر: ابن مهدي العلوي متهما بالسعي لإفساد الخلافة العباسية، ومراسلة أعدائها من العبم الخوارزمية فقد كان نصير الدين ابن مهدي كاتبا لعلاء الدين خوارزم شاه قبل مبيئه إلى بغداد فارا من للمه!(4) وكان الوزير ابن مهدي جبارا للوما جهولا، ضج أهل بغداد من للمه وعسفه، وحتى هباه الشعراء بأقذع الهباء، فلما سمع الناصر ما قيل فيه، قال: (ما كتبوا هذا إلا وقد أهلك الحرث والنسل) فعزله بعد سنتين من توليته! وقد كان العلويون والطالبيون في العراق أصحاب الدولة ورجالها، وكان العباسيون يولونهم الولايات ويكرمونهم، وقد غالى الناصر لدين الله في إكرامهم لبمع الكلمة عليه في العراق، فكانوا يعسفون بالناس، ويستطيلون عليهم بالنسب الشريف، ويبغي بعوهم على بعض بسبب طلب الرئاسة على نقابة الطالبيين في بغداد، وهي من أهم الولايات، حتى غدت الطبقية إحد أكري المشكلات التي عانى منها العراق وما يزال، كما قال مؤرخ الطالبيين: ابن عنبة عن نقيبهم الزكي الثالث: (جلال الدين أبو جعفر القاسم بن الزكي الثالث، كان أحد رجالات العلويين، وكان صدر البلاد الفراتية بأسرها ونقيبها، وكان فيه كر وإقدام وللم، على ما يحكى من أخباره، وبسببه نكب الخليفة الناصر لدين الله على آل المختار العلويين، وتولى هو تعذيبهم واستخرج أموالهم، وحكم في قوسان، وكان قد ضمنها بغير اختياره، وكان الوزير ناصر بن مهدي الحسن ي البطحاني يبغض النقيب زك ي الدين (4) انار ذيل الروضتين ص64

عدد الصفحات ٥٢٤

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 525 ويقصده بالأذ ، واشتدت البغوة والعداوة لما فعل النقيب جلال الدين بآل المختار ما فعل، واستشعر منه خوفا عمل معه على هلاكه واستيصاله، فومن قوسان بأضعاف ما كان مقدار ضمانها، وعزم النقيب زك ي الدين على الهرب فكره ذلك منه ابنه جلال الدين، وتقبل بذلك الومان، ولاطف الوزير ثم خرج إلى قوسان فعسف الناس عسفا لم يسمع بمثله، فزرع ضياع الملاك، وغصب الأُكرة، وفعل بقوم كان له معهم عداوة وله م قرية تسمى بالهور ما لم يسمع بمثله! حمل جميع ما حصل في تلك القرية وأحال عليهم بالخراج وعاملهم من التشدد والإهانة بما لم يفعله حاكم بأحد قبله، وهم خواص الوزير وبطانته! وحمل الغلات على تفاوت أجناسها إلى بغداد فحصلت في محرز هناك، وتوجه إلى بغداد فساعدته الأ قدار على أن أرتفع سعر الحنطة من درهمين إلى أربعة، فدخل على الوزير وشكا عدم الحاصل وقلة الارتفاع، وأنه لم يحصل ما يقوم بثلث مال الومان، وكان مائة وعشرين ألف دينار ذهبا، والتمس بأن تغلق أبواب المناثر ولا يبيع أحد شيئا من الغلات والحبوبات مدة عشرة أيام فأجيب إلى ما التمسه، وأحال عليه الوزير من يومه بحوالات تواز ي المبلغ المذكور، وكان يؤدب إلى كل ذي حوالة شيئا يوما فيوما، وارتفع السعر في تلك الأيام فوصلت الحنطة إلى ستة دراهم، فلم يمض أسبوع حتى باع السيد جميع ما كان عنده ولم يبق في مناثره شيء أصلا. وقد وفى من الحو الات مائة ألف دينار، وأخذ لنفسه مثلها، فاحتال ذات ليلة حتى دخل على الوزير وقت السحر وهو خال يكتب مطالعة الصباح التي تعرض على الخليفة، وقد حمل المال معه وأوقفه على باب دار الوزير، فشكا إلى الوزير حاله ووصف جده واجتهاده، وذكر ما نال به الناس من الالم، وأنه مع ذلك كله قد أد مائة ألف دينار حصلها من قوسان، والتمس أن يترك له العشرين ألف دينار الباقية، فقال له الوزير: ليس لتخلية درهم واحد من مال أمير المؤمنين سبيل، فقال النقيب: أيها الوزير هذه الدنانير على الباب، وقد

عدد الصفحات ٥٢٥

vvvvvvvvvvvvvvvv 526 حصلت هذا المقدار بتمامه، فإن تقدم الوزير أن أدخلها إليه فهو الحاكم، وإن تقدم أن أؤديها إلى أرباب الحوالات أديتها. فتبسم ، ثم قال: لا بل أمير المؤمنين يترك لك هذه العشرين ألف دينار، فقد علم أن ضمانك كان ثقيلا. قلت: ولا يسمع في كلام متالم! فالوزير يعلم كيف حصلت هذه الأموال. قال: لك ذلك على أن لا تعود إلى مثلها. قال: على ذلك ما دام الوزير أعزه الله لا يكلفني ضمانا ثقيلا لا يحصل إلا بالبور والعسف والضرر العائد على الديوان في السنين المستقبلة. ثم صلح الحال بينهم لاهرا إلى أن عزل الوزير، و لم يتعرض للنقيب زكي الدين ولا لابنه إلا بالخير. وكان مزيد الخشكري الشاعر قد هبا النقيب جلال الدين، وذكر للمه وعسفه ، وذكر الهور الذي قدمنا ذكره وأهله بقصيدة طويلة منها: وكــأنــمــا الــهــور الــطفوف وأهلــه الشــهـداء وابـن مـعـيـة ابن زيــاد وحذر من النقيب وأقسم ليقتله إن لفر به واختبأ مزيد الخشكري)(4). فقد كان هذا الالم والفساد يقع من وزراءالناصر، فإذا علم به عزل الوزير، حتى كثر في عهده عزل الوزراء، وحتى صار لا يستوزر أحدا، اكتفاء ببعض كتابه وحبابه ونوابه بعد أن كثر من الوزراء مثل هذا البور! وهذا ما قصده من وصفه من المؤرخين بالعدل، فإنه لا ينفي وقوع الالم في خلافته من جهة الوزراء والكتاب. وكذا ما قيل عن تشيعه وميله للإمامية، فإنما هو تشيع عباسي معروف، منذ عهد المأمون الذي جعل الرضا العلوي وي عهده، ومازال العباسيون يولون الطالبيين الولايات، ويقدمونهم، ويحفاون لهم مكانتهم، وكان الناصر يبالغ في إكرامهم جمعا للكلمة. قال ابن فول الله العمري عن تشيعه العباسي، وأنه لم يبلغ به الرفض، وأنه تركه: (وولد مع (4)"عمدة الطالبين" ص466

عدد الصفحات ٥٢٦

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv ٧ تشيع، إلا أنه ليس برفض … فترك سوء ذلك التشيع .. ثم ما كان إلا متسننا، وفي مذاهب أهله متفننا)(4). وقد كان الناصر لدين الله عالما محدثا، وقد جمع كتابه في الحديث النبوي "روح العارفين"، ورواه عن شيوخه من أئمة الحديث من أهل السنة بأحاديثهم المشهورة عنهم، وأرسل الكتاب إلى الأمصار لقراءته والتحديث عنه بإسناده، وقد صلى في مقدمته على النبي ﷺ "وعلى آله وصحبه خير صحب وآل"، وذكر وجوب اتباع الكتاب والسنة، ولم يذكر معهما شيئا آخر مما تدعيه الإمامية، ثم أورد أول حديث بإسناده من طريق الإمام أبي حنيفة، ثم ثاني حديث من طريق الإمام أحمد في المسند، ثم ثالث حديث من طريق عبد بن حميد في مسنده، ثم رابع حديث من طريق مسند الدار مي، ثم من مسند إسحاق بن راهويه، من طريق الإمام مالك عن الزهري، ومن كتاب ابن المبارك، وجامع سفيان الثوري، وأبي عوانة، وجامع سفيان بن عيينة، وكتاب شعبة بن الحباج، وجامع معمر بن راشد، وجامع الترمذي، وكتاب الأوزاعي، وكتاب الشافعي، ومصنف حماد بن سلمة، وحماد بن زيد! ولم يورد في كتابه كله حديثا بإسناد من طريق جعفر الصادق بإسناده عن آل بيته إلا حديثا واحدا! وكما افتتح الناصر لدين الله كتابه بحديث من مسند الإمام أحمد بن حنبل، ختمه بحديث منه أيوا في فول هذه الأمة، في قوله تعالى : ﴿ثُمَّ أَوررَثرنَا الركِتَابَ الَّذِي نَ اصرطَفَيرنَا مِ نر عِبَادِنَا ﴾! وكل هذه الكتب هي من مصادر الحديث المشهور، وكلها لمشاهير أئمة أهل السنة، وقد جمع الناصر لدين الله أحاديث هذا الكتاب لناام الفتوة الذي أسسه، وأراد به تحويل (4) مسالك الأبصار 24 /324 -322.

عدد الصفحات ٥٢٧

vvvvvvvvvvvvvvvv 522 التصوف والصوفية إلى قوة عاملة فاعلة مقاتلة، ينتامون في سلك واحد، ويتصلون بالخليفة كإمام للبميع، واختار الأحاديث المناسبة التي تحقق غرضه هذا، من الأحاديث التي توجب الصدق، و الزهد، واغتنام العمر بالطاعات، وإغاثة اللهفان، وحسن الخلق، وحسن التوكل، والإصلاح بين الناس.. إلخ. وقد رو فيه أحاديث عن عمر، وعن ابن عمر، وعن عائشة، وعن أبي هريرة، وعن أبي سعيد الخدري، وأبي أمامة، وأبي الدرداء، وعبدالله بن عمرو بن العاص، وأنس بن مالك، وابن مسعود، وابن عباس، والعباس بن عبدالمطلب، وعلي، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم مما ينفي عنه كل تهمة بالتشيع، أو الرفض، أو القول بالإمامة! وقد رو الناصر في هذا الكتاب عن شيخه عبدالمغيث بن زهير الحربي، وهو أشهر من ألف كتابا في المنع من لعن يزيد بن معاوية! وكان قد وقع بينه وبين ابن البوزي خلاف في جواز لعنه، ودار بينه وبين الناصر حوار في هذه القوية، فقال للناصر: مذهبي أن الخليفة لا يعزل بالفسق، فاستحسن الناصر جوابه! قال الذهبي عنه: (الشيخ الإمام المحدث، الزاهد الصالح، المتبع، بقية السلف: أبو العز بن أبي حرب، البغدادي الحربي، ولد سنة خمسمائة، وعني بالآثار، وقرأ الكتب ونسخ، وجمع، وصنف، مع الورع والدين، والصدق والتمسك بالسنن، والوقع في النفوس والبلالة.. وقد ألف جزءا في فوائل يزيد، أتى فيه بعبائب وأوابد، لو لم يؤلفه لكان خيرا، وعمل ه ردا على ابن البوزي، ووقع بينهما عداوة.. حكى ابن تيمية شيخنا، قال: قيل: إن الخليفة الناصر لما بلغه نهي عبدالمغيث عن سب يزيد تنكر، وقصده، وسأله عن ذلك، فتباله عنه، وقال: يا هذا إنما قصدت كف الألسنة عن لعن الخلفاء، وإلا فلو فتحنا هذا لكان خليفة الوقت أحق باللعن؛ لأنه يفعل كذا، ويفعل كذا، وجعل يعدد خطاياه، قال: يا شيخ ادع ي ، وقام.

عدد الصفحات ٥٢٨

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 529 تو عبد المغيث في المحرم سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة) (4) . وقال ابن كثير في وفيات سنة 523 عن عبدالمغيث الحربي: (كان من صلحاء الحنابلة، وكان يزار، وله مصنف في فول يزيد بن معاوية، أتى فيه بالغرائب والعبائب، وقد رد عليه أبو الفرج بن البوزي فأجاد وأصاب، ومن أحسن ما اتفق لعبد المغيث هذا أن بعض الخلفاء -وألنه الناصر- جاءه زائرا مستخفيا، فعرفه الشيخ عبد المغيث ولم يعلمه بأنه قد عرفه، فسأله الخليفة عن يزيد أيلعن أم لا؟ فقال: لا أسوغ لعنه لأني لو فتحت هذا الباب لأفضي الناس إلى لعن خليفتنا. فقال الخليفة: ولم؟ قال: لأنه يفعل أشياء منكرة كثيرة، منها كذا وكذا، ثم شرع يعدد على الخليفة أفعاله القبيحة، وما يقع منه من المنكر لينزجر عنها، فتركه الخليفة وخرج من عنده وقد أثر كلامه فيه، وانتفع به. مات في المحرم من هذه السنة)(2). وقد اشتهر هذا البزء الحديثي الذي ألّ فه الناصر لدين الله وتواتر عنه وهو كتاب "ر وح العارفين"، كما قال الذهبي : (قال الموفق عبد اللطيف: وفي وسط ولايته اشتغل برواية الحديث، واستناب نوابا يروون عنه، وأجر عليهم جرايات، وكتب للملوك وا لعلماء إجازات، وجمع كتابا سبعين حديثا وصل على يد السهروردي إلى حلب؟ فسمعه الااهر، وجماهير الدولة وشرحته.. قال ابن النبار: شرفني الناصر بالإجازة، ورويت عنه بالحرمين، ودمشق، والقدس، وحلب، وبغداد، وأصبهان، ونيسابور، ومرو، وهمذان)(3). (4) سير الأعلام (24 /462) (2) البداية والنهاية (42 /424) (3) سير الأعلام (22 /492)

عدد الصفحات ٥٢٩

vvvvvvvvvvvvvvvv 532 وابن النبار هو أحد الأئمة العدول، كما قال الذهبي عنه: (الإمام العالم الحافظ البارع محدث العراق مؤرخ العصر)(4). وكان الناصر قد تصوف، واتخذ رباطا، وانقطع عن الناس، وأراد ترك الخلافة وقد طلب من أمراء الأقاليم الدخول في ناام الفتوة، والتدرب على رمي البندق، والتميز بلباس يوحدهم، ليبعلهم تنايما صوفيا واحدا. وبسبب إكرام الناصر للعلويين ادّ عى ابن طباطبا في "الفخري في الآداب السلطانية " -الذي ألفه سنة 24هبعد وفاة الناصر بثمانين سنة- أن الناصر كان إماميا! فقال عنه: (كان الناصر من أفاضل الخلفاء وأعيانهم، بصيرا بالأمور مبربا سائسا، مهيبا م قداما، عارفا شباعا، متأيدا حاد الخاطر والنادرة، متوقد الذكاء والفطنة، بليغا غير مدافع عن فويلة علم، ولا نادرة فهم، يفاوض العلماء مفاوضة خبير، ويمارس الأمور السلطانية ممارسة بصير، وكان ير رأي الإمامية! طالت مدته، وصفا له الملك وأحب مباشرة أحوال الرعية بنفسه، حتى كان يتمشى في الليل في دروب بغداد ليعرف أخبار الرعية وما يدور بينهم، وكان كل أحد من أرباب المناصب والرعايا يخافه ويحاذره بحيث كأنه يطلع عليه في داره، وكثرت جواسيسه وأصحاب أخباره عند السلاطين وفي أطراف البلاد، وله في مثل هذه قصص غريبة، وصنف كتبا، وسمع الحديث النبوي -صلوات الله على صاحبه - وأسمعه، ولبس لباس الفتوة وألبسه وتفتى له خلق كثيرون من شرق الأرض وغربها، ورمى بالبندق، ورمى له ناس كثيرون، وكان باقعة زمانه، ورجل عصره، في أيامه انقرضت دولة آل سلبوق بالكلية، وكان للناصر من المبار والوقوف ما يفوت الحصر ، وبنى من دور (4) سير الأعلام (23 /434)

عدد الصفحات ٥٣٠