المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الجزء الثاني من كـتاب عودة الخلافة

غير معروف

صفحة ٣٢ من ٤٢

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 499 البصار، وكان بسهم جرح، وجدفت مراكب الفرنج داخلة إلى الميناء وكان به مراكب مقاتلة ومراكب مسافرة، فسبقهم أصحابنا إليها فخسفوها وغرقوها، وغلبوهم على أخذها وأحرقوا ما احترق منها. واتصل القتال إلى المساء، فضربوا خيامهم بالري، وكان عدتها ثلثمائة خيمة. فلما أصبحوا زحفوا وضايقوا وحاصروا، ونصبوا ثلاث دبابات بكباشها، وثلاث مبانيق كبار المقادير، تضرب بحبارة سود استصحبوها من صقلية، وتعبب أصحابنا من شدة أثرها وعام حبرها. وأما الدبابات فإنها تشبه الأبراج في جفاء أخشابها، وارتفاعها، وكثرة مقاتلتها واتساعها، وزحفوا بها إلى أن قاربت السور، ولبوا في القتال عامة النهار المذكور. وورد الخري إلى منزلة العساكر بفاقوس يوم الثلاثاء ثالث يوم نزول العدو على جناح الطائر، فاستنهونا العساكر إلى الثغرين: اسكندرية ودمياط؛ احترازا عليهما، واحتياطا في أمرهما، وخوفا من مخالفة العدو إليهما. واستمر القتال، وقدمت الدبابات وضربت المنبنيقات وزاحمت السور، إلى أن صارت منه بمقدار أماج البحر وأهاج الدور. فاتفق أصحابنا على أن يفتحوا أبوابا قبالتها من السور ويتركوها معلقة بالقشور؛ ثم فتحوا الأبواب ، وتكاثر صالح أهل الثغر من كل البهات، فأحرقوا الدبابات المنصوبة ، وصدقوا عندها من القتال، وأنزل الله على المسلمين النصر، وعلى الكفار الخذلان وال قهر. واتصل القتال إلى العصر من يوم الأربعاء ، وقد لهر فشل الفرنج ورعبهم، وقصرت عزائمهم، وفتر حزبهم، وأحرقت آلات قتالهم، واستمر القتل والبراح في رجالهم؛ ودخل المسلمون إلى الثغر ؛ لأجل قواء فريوة الصلاة، وأخذ مابه قوام الحياة، وهم على نية المباكرة، و العدو على نية الهرب والمبادرة. ثم كر المسلمون عليهم بغتة، وقد كاد يختلط الالام، فهاجموهم في الخيام، فتسلموها بما فيها، وفتكوا في الرجالة أعام فتك، وتسلموا الخيالة ولم يسلم منهم إلا من نزع لبسه، ورمى في البحر نفسه. وتقحم أصحابنا في البحر على بعض المراكب فخس فوها وتلفوها، فولت بقية المراكب هاربة. وجاءتها أحكام الله

عدد الصفحات ٤٩٩

vvvvvvvvvvvvvvvv 522 الغالبة. وبقي العدو بين قتل وغرق، وأسر وفرق، واحتمى ثلثمائة فارس في رأس تل، فأخذت خيولهم ثم قتلوا وأسروا، وأخذ من المتاع والآلت والأسلحة مالا يملك مثله. وأقلع هذا الاسطول عن الثغر يوم الخميس. وذكر ابن شداد أن نزول هذا العدو كان في شهر صفر، وكانوا ثلاثين ألفا في ستمائة قطعة مابين شيني وطرادة وبطشة وغير ذلك. وأما نوبة الكنز، فقال ابن شداد: الكنز إنسان مقدم من المصريين كان انتزح إلى أسوان فأقام بها، ولم يزل يدبر أمره، ويبمع السودان عليه، ويخيل لهم أنه يملك البلاد، و يعيد الدولة المصرية. وكان في قلوب القوم من المهاواة للمصريين ما تستصغر هذه الأ فعال عنده، فاجتمع عليه خلق كثير، وجمع وافر من السودان، وقصد قوص وأعمالها. فانتهى خريه إلى صلاح الدين، فبرد له عسكرا عايما شاكين في السلاح من الذين ذاقوا حلاوة ملك ال ديار المصرية، وخافوا على فوت ذلك منهم، وقدم عليهم أخاه سيف الدين، وسار بهم حتى أتى القوم، فلقيهم بمصاف فكسرهم، وقتل منهم خلقا عايما، واستأصل شأفتهم، وأخمد ثائرتهم؛ وذلك في السابع من صفر سنة سبعين، واستقرت قواعد الملك).(4) توجه صلاح الدين إلى دمشق ودخوله إليها في يوم الاثنين آخر شهر ربيع الأول: قال العماد: (لما خلا باله مما تقدم ذكره تبهز لقصد الشام، فخرج إلى الريكة مستهل صفر، وأقام حتى اجتمع العسكر؛ ثم رحل إلى بلبيس ثالث عشر ربيع الأول. وكانت رسل شمس الدين صاحب بصر صديق ابن جاوي وشمس الدين بن المقدم عنده، تستور ي في الحث والبعث زنده، وتستقدمه وجنده؛ وسار على صدر وأيلة ووصل السير بالسر ، حتى (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 2 /329

عدد الصفحات ٥٠٠

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 524 أناخ على بصر ، بصيرا بالعلا نصيرا للهد ، فاستقبله صاحب بصر وشد أزره، وسدد أمره، واستواف إلى بصر صرخد، وتفرد بالسبق إلى الخدمة وتوحد. وسار في الخدمة معه إلى الكسوة، وبكر صلاح الدين يوم الاثنين انسلاخ الشهر، وسار في موكب قو ي بالعدد والعدد، وحسب أن يمتنع عليه البلد، وأن الأطراف توثق، والأبواب تغلق، فأقبل وهو يسوق، وإقباله يشوق، حتى دخل دمشق وخرقها، وكأن الله تعالى له خلقها. ودخل إلى دار العقيقي مسكن أبيه، وبقي جمال الدين ريحان الخادم في القلعة على تأبيه، فراسله حتى استماله، وأغزر له نواله، وتملك المدينة والقلعة. ونزل بالقلعة سيف الإسلام أخو السلطان صلاح الدين، وملك ابن المقدم داره وكل ما حواليها، وبذل له طلبته التي أشار إليها، ونص عليها، وألهر صلاح الدين أنه جاء لتربية الملك الصالح، وحفظ ماله من المصالح، وتدبير ملكه، فهو أحق بصيانة حقه. واجتمع به أعيانها، وخلص لولاية إسرارها وإعلانها، وأصبح وهو سلطانها. وزاره القاضي كمال الدين بن الشهرزوري ، فوفاه حقه من الاحترام، ووفر له حظ التببيل والإعاام).(4) وقال القاضي ابن شداد: (لما تحقق صلاح الدين وفاة نور الدين، وكون ولده طفلا، لا ينهض بأعباء الملك، ولا يستقل بدفع عدو الله عن البلاد؛ تبهز للخروج إلى الشام، إذ هو أصل بلاد الإسلام ، فتبهز ببمع كثير من العساكر، وخلف بالديار المصرية من يستقل بحفاها وحراستها، ونام أمورها وسياستها. وخرج هو سائرا مع جمع من أهله وأقاربه، وهو يكاتب أهل البلاد وأمراءها، واختلفت كلمة أصحاب الملك الصالح واختلت تدبيراتهم، وخاف بعوهم من بعض، وقبض البعض على جماعة منهم، وكان ذلك سبب خوف الباقين (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 2 /339

عدد الصفحات ٥٠١

vvvvvvvvvvvvvvvv 522 ممن فعل ذلك وسببا لتنفير قلوب الناس عن الصبي، فاقتضى الحال أن كاتب ابن اقدم صلاح الدين، فوصل إلى البلاد مطالبا بالملك الصالح ليكون هو الذي يتولى أمره، ويرب حاله، فدخل دمشق يوم الثلاثاء سلخ ربيع الآخر، وكان أول دخوله إلى دار أبيه، واجتمع الناس إليه، وفرحوا به، وأنفق في ذلك اليوم في الناس مالا طائلا، وألهر الفرح والسرور بالدمشقيين، وألهروا الفرح به، وصعد القلعة واستقر قدمه في ملكها، فلم يلبث أن سار في طلب حلب، فنازل حمص وأخذ مدينتها في جماد الأولى، ولم يشغل بقلعتها، وسار حتى أتى حلب ونازلها، سلخ جماد المذكور، وهي الدفعة الأولى). (4) وقال ابن أبي طي: (ولما حصل على دمشق وقلعتها، واستوطن بقعتها، نشر علم العدل والإحسان، وعفى أثار الالم والعدوان، وأبطل ماكان الولاة استبدوه بعد موت نور الدين من القبائح والمنكرات، والمؤن والضرائب المحرمات).(2) خطاب من صلاح الدين للخليفة العباسي يطلب تقليده وبعد أن ضبط صلاح الدين أمور الشام، واستقر له السلطان فيها، أرسل إلى الديوان العزيز بدار الخلافة في بغداد، يطلب منه تقليده الولاية رسميا، والاعتراف بشرعية سلطته، ويذكر مآثره التي قدمها للدولة، وقيامه بالبهاد، واستعادته مصر، وما كان له أن يفعل ذلك لو لم يكن للخلافة سلطة سياسية حقيقية أعلى منه، يبعله يعترف بالتبعية لها، ولزوم طاعتها، والتصرف وفق تقليدها، وما يصدر عنها، وفي أسلوب خطابه إلى دار الخلافة ما يؤكد اتساع نفوذها، وحاجة البميع إليها، مهما قويت شوكة ملوك الأقاليم، خاصة في هذا (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 2 /342 (2) المصدر السابق 2 /344

عدد الصفحات ٥٠٢

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 523 القرن الذي استعاد الخلفاء ببغداد صلاحياتهم المنوطة بهم، كما تقرر شرعا وف قها، في كتب الأحكام الدستورية للخلافة العباسية، قبل ذلك بأكثر من مئة عام، كما دُوِّن ذلك في كتب "الأحكام السلطانية" ككتاب الماوردي الشافعي الذي تولى منصب أقضى القواة، ثم قاضي القواة، في عهد الخليفة القاد ر بالله، وابنه القائم بأمر الله (ت 452ه)، وكذا معاصره القاضي أبي يعلى الحنبلي، الذي تولى قواء دار الخلافة (ت452ه)، وكذا إمام الحرمين البويني (ت 2 ه) وكتابه "غياث الأمم" الذي قرر فيه حقوق الخلافة، وضرورتها، ووجوب اعتقادها، وصلاحياتها الدستورية . قال أبو شامة: (ثم أرسل السلطان الخطيب شمس الدين بن الوزير أبي ا لمواء إلى الديوان العزيز برسالة ، ضمنها القاضي الفاضل كتابا طويلا ، رائقا فائقا ، يشتمل على تعداد ما للسلطان من الأيادي من جهاد الإفرنج في حياة نور الدين، ثم فتح مصر واليمن، وبلاد جمة من أطراف المغرب، وإقامة الخطبة العباسية بها، يقول في أوله للرسول: فإذا قضى التسليم حق اللقاء، واستدعى الإخلاص جهد الدعاء، فليعد وليعد حوادث ما كانت حديثا يفتر ، وجواري أمور إن قال فيها كثيرا فأكثر منه ما قد جر ، وليشرح صدرا منها لعله يشرح منا صدرا، وليوضح الأحوال المستسرة فإن الله لا يعبد سرا. ومــن الــغرائــب أن تســير غرائــب كـالعيس أقتل ما يكون لها الصــد في الأرض لـم يـعـلــم بهــا المــأمول والمــاء فــوق لــهــورهــا مــحــمول فإنا كنا نقتبس النار بأكفنا وغيرنا يستنير، ونستنبط الماء بأيدينا وسوانا يستمير، ونلقى السهام بنحورنا وغيرنا يعتمد التصوير، ونصافح الصفاح بصدورنا وغيرنا يدعي التصدير، ولا بد أن نستر د بواعتنا بموقف العدل الذي ترد به الغصوب، وتاهر طاعتنا فنأخذ بحظ الألسن كما أخذنا بحظ القلوب، وما كان العائق إلا أنا كنا ننتار ابتداء من

عدد الصفحات ٥٠٣

vvvvvvvvvvvvvvvv 524 البانب الشريف بالنعمة، يواهي ابتداءنا بالخدمة، وإيبابا للحق يشاكل إيبابنا للسبق، وكان أول أمرنا أنا كنا في الشام نفتتح الفتوح مباشرين بأنفسنا، ونباهد الكفار متقدمين لعساكرنا، نحن ووالدنا وعمنا ، فأي مدينة فتحت، أو معقل ملك، أو عسكر للعدو كسر، أو مصاف للإسلام معه ضرب ؛ لم نكن فيه؟ فما يبهل أحد صنعنا، ولا يبحد عدونا أنا نصطلي البمرة، ونملك الكرة، ونتقدم البماعة، ونرتب المقاتلة، وندبر التعبئة إلى أن لهرت في الشام الآثار التي لنا أجرها، ولا يضرنا أن يكون لغيرنا ذكرها. وكانت أخبار مصر تتصل بنا بما الأحوال عليه فيها من سوء تدبير، وبما دولتها عليه من غلبة صغير على كبير، وأن الناام بها قد فسد، والإسلام بها قد ضعف عن إقامته كل من قام وقعد، والفرنج قد احتاج من يدبرها إلى أن يقاطعهم بأموال كثيرة لها مقادير خطيرة، وأن كلمة السنة بها، وإن كانت مبموعة، فإنها مقموعة، وأحكام الشريعة وإن كان مسماة ، فإنها متحاماة، وتلك البدع بها على ما يعلم، وتلك الولالات فيها على ما يفتى فيه بفراق الإسلام وي حكم، وذلك المذهب قد خالط من أهله اللحم والدم، وتلك الأنصاب قد نصب آلهة تعبد من دون الله وتعام وتفخم، فتعالى الله عن شبه العباد، وويل لمن غره تقلب الذين كفروا في البلاد، فسمت همتنا دون همم أهل الأرض إلى أن نستفتح مقفلها، ونسترجع للإسلام شاردها، ونعيد على ال دين ضالته منها، فسرنا إليها في عساكر ضخمة وجموع جمة، وبأموال انتهكت الموجود، وبلغت منا المبهود، أنفقناها من حاصل ذممنا، وكسب أيدينا، وثمن أسار الفرنج الواقعين في قبوتنا، فعرضت عوارض منعت، وتوجهت للمصريين رسل باستنباد الفرنج قطعت، و﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَاب ﴾، ولكل أمل باب، وكان في تقدير الله تعالى أنا نملكها على الوجه الأحسن، ونأخذها بالحكم الأقو الأمكن، فغدر الفرنج بالمصريين غدرة في هدنة عام خطبها وخبطها، وعلم أن استئصال كلمة الإسلام

عدد الصفحات ٥٠٤

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 525 محطها، فكاتبنا المسلمون من مصر في ذلك الزمان، كما كاتبنا المسلمون من الشامفي هذا الأوان، بأنا إن لم ندرك الأمر وإلا خرج عن اليد، وإن لم ندفع غريم اليوم لم نمهل إلى الغد، فسرنا بالعساكر المبموعة، وأمراء الأهل المعروفة، إلى بلاد قد تمهد لنا بها أمران، وتقرر لنا في القلوب ودان: الأول: ما علموه من إيثارنا للمذهب الأقوم، وإحياء الحق الأقدم. والآخر: ما يرجونه من فك أسارهم، وإقالة عثارهم. ففعل الله ما هو أهله، وجاء الخري إلى العدو فانقطع حبله، وضاقت به سبله، وأفرج عن الديار بعد أن كانت ضياعها ورساتيقها وبلادها وأقاليمها قد نفذت فيها أوامره، وخفقت عليها صلبانه، ونصبت بها أوثانه، وأيس من أن يسترجع ما كان بأيديهم حاصلا، وأن يستنقذ ما صار في ملكهم داخلا، ووصلنا البلاد وبها أجناد عددهم كثير، وسوادهم كبير، وأموالهم واسعة، وكلمتهم جامعة، وهم على حرب الإسلام أقدر منهم على حرب الكفر، والحيلة في السر فيهم أنفذ من العزيمة في البهر، وبها راجل من السودان يزيد على مئة ألف كلهم أغتام أعبام، ﴿إِنر هُمر إِلاَّ كَالأَنرعَامِ ﴾، لا يعرفون ربا إلا ساكن قصره، ولا قبلة إلا ما يتوجهون إليه من ركنه، وامتثال أمره، وبها عسكر من الأرمن باقون على النصرانية موضوعة عنهم البزية، كانت لهم شوكة وشكة، وحمة وحمية، ولهم حواش لقصورهم من بين داع تلطف في الولال مداخله، وتصيب القلوب مخاتله، ومن بين كتاب تفعل أقلامهم أفعال الأسل، وخدام يبمعون إلى سواد الوجوه سواد النحل، ودولة قد كري نملها الصغير، ولم يعرف غيرها الكبير، ومهابة تمنع من خطرات الومير، فكيف بخطوات التدبير، هذا إلى ا ستباحة للمحارم لاهرة، وتعطيل للفرائض على عادة جائرة، وتحريف للشريعة بالتأويل، وعدول إلى غير مراد الله بالتنزيل، وكفر سمي بغير اسمه، وشرع يتستر به ويحكم بغير حكمه، فما زلنا نسحتهم سحت المبارد للشفار، ونتحيفهم تحيف الليل والنهار

عدد الصفحات ٥٠٥

vvvvvvvvvvvvvvvv 526 للأعمار، بعبائب تدبير لا تحتم لها المساطير، وغرائب تقدير لا تحملها الأساطير، ولطيف توصل ما كان من حيلة البشر ولا قدرتهم لولا إعانة المقادير، وفي أثناء ذلك استنبدوا علينا الفرنج دفعة إلى بلبيس ودفعة إلى دمياط، وفي كل دفعة منها وصلوا بالعدد المبهر، والحشد الأوفر، وخصوصا في نوبة دمياط، فإ نهم نازلوها بحرا في ألف مركب مقاتل وحامل، وبرا في مئتي ألف فارس وراجل، وحصروها شهرين يباكرونها ويراوحونها، ويماسونه ويصابحونها، القتال الذي يصلبه الصليب، والقراع الذي يناد به الموت من كل مكان قريب، ونحن نقاتل العدوين الباطن والااهر، ونصابر الودين المنافق والكافر، حتى أتى الله بأمره، وأيدنا بنصره، وخابت المطامع من المصريين والفرنج، وشرعنا في تلك الطوائف من الأرمن والسودان والأجناد فأخرجناهم من القاهرة تارة بالأوامر المرهقة، وبالأمور الفاضحة منهم وبالسيوف المبردة وبالنار المحرقة، حتى بقي القصر ومن به من خدم ومن ذرية قد تفرقت شيعه، وتمزقت بدعه، وخفتت دعوته، وخفيت ضلالته، فهنالك تم لنا إقامة الكلمة والبهر بالخطبة، والرفع للواء الأسود المعام، وعاجل الله الطاغية الأكري بهلاكه وفنائه، وبرأنا من عهدة يمين كان إثم حنثها أيسر من إثم إبقائه؛ لأنه عوجل لفرط روعته، ووافق هلاك شخصه هلاك دولته، ولما خلا ذرعنا، ورحب وسعنا؛ نارنا في الغزوات إلى بلاد الكفار فلم تخرج سنة إلا عن سنة أقيمت فيها برا وبحرا مركبا ولهرا، إلى أن أوسعناهم قتلا وأسرا، وملكنا رقابهم قهرا وقسرا، وفتحنا لهم معاقل ما خطر أهل الإسلام فيها مذ أخذت من أيديهم، ولا أوجفت عليها خيلهم ولا ركابهم مذ ملكها أعاديهم، فمنها ما حكمت فيه يد الخراب، ومنها بحمد الله قد تملكنا مما يباورنا منه بلادا تزيد مسافتها على شهر، وسيرنا إليها عسكرا بعد عسكر، فرجع بنصر بعد نصر، ومن البلاد المشاهير، والأقاليم البماهير: برقة، قفصة، قسطيلية، توزر، كل هذه تقام فيها الخطبة لمولانا الإمام

عدد الصفحات ٥٠٦

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv ٧ المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين، سلام الله عليه، ولا عهد للإسلام بإقامتها، وينفذ فيها الأحكام بعلمها المنصور وعلامتها. وفي هذه السنة كان عندنا وفد قد شاهده وفود الأمصار، ورموه بأسماع وأبصار، مقداره سبعون ر اكبا كلهم يطلب لسلطان بلده تقليدا، ويرجو منا وعدا ويخاف وعيدا، وقد صدرت عنا بحمد الله تقاليدها، وألقيت إلينا مقاليدها، وسيرنا الخلع والمناشير والألوية، بما فيها من الأوامر والأقوية، فأما الأعداء المحدقون بهذه البلاد، والكفار الذين يقاتلوننا بالممالك العاام والعزائم الشداد، فمنهم صاحب قسطنطينية وهو الطاغية الأكري والبالوت الأكفر، وصاحب المملكة التي أكلت على الدهر وشربت، وقائم النصرانية الذي حكمت دولته على ممالكها وغلبت، جرت لنا معه غزوات بحرية، ومناقلات لاهرة وسرية، ولم نخرج من مصر إلى أن وصلتنا رسله في جمعة واحدة، نوبتين بكتابين، كل واحد منهما ياهر فيه خفض البناح، وإلقاء السلاح، والانتقال من معاداة إلى مهاداة، ومن مفاضحة إلى مناصحة، حتى إنه أنذر بصاحب صقلية وأساطليه التي تردد ذكرها، وعساكره التي لم يخف أمرها، ومن هؤلاء الكفار هذا صاحب صقلية كان حين علم بأن ص احب الشام وصاحب قسطنطينية قد اجتمعا في نوبة دمياط فغلبا وقسرا، وهزما وكسرا، أراد أن ياهر قوته المستقلة، فعمر أسطولا استوعب فيه ماله وزمانه، فله الآن خمس سنين يكثر عدته ، وينتحب عدته، إلى أن وصل منها في السنة الخالية إلى الإسكندرية أمر رائع وخطب هائل ما أثقل لهر البحر مثل حمله، ولا ملأ صدره مثل خيله ورجله، وما هو إلا إقليم بل أقاليم نقله، وجيش ما احتفل ملك قط بنايره لولا أن الله خذله. ومن هؤلاء البيوش: البنادقة والبياشنة والبنوية، كل هؤلاء تارة يكونون غزاة لا تطاق ضراوة ضرهم، ولا تطفأ شرارة شرهم، وتارة يكونون سفارا يحتكمون على الإسلام في الأموال المبلوبة، وتقصر عنهم يد الأحكام المرهوبة، وما منهم إلا من هو الآن يبلب إلى بلدنا

عدد الصفحات ٥٠٧

vvvvvvvvvvvvvvvv 522 آلة قتاله وجهاده، ويتقرب إلينا بإهداء طرائف أعماله وتلاده، وكلهم قد قررت معهم المواصلة، وانتامت معهم المسالمة، على ما نريد ويكرهون، وعلى ما نؤثر وهم لا يؤثرون. ولما قضى الله سبحانه بالوفاة النورية، وكنا في تلك السنة على نية الغزاة والعساكر قد تبهزت، والموارب قد برزت، ونزل الفرنج بانياس وأشرفوا على احتيازها، ورأوها فرصة مدوا يد انتهازها، استصرخ بنا صاحبها ، فسرنا مراحل اتصل بالعدو أمرها، وعوج ل بالهدنة الدمشقية التي لولا مسيرنا ما انتام حكمها. ثم عدنا إلى البلاد وتوافت إلينا الأخبار بما المملكة النورية عليه من تشعب الآراء وتوزعها، وتشتت الأمور وتقطعها، وأن كل قلعة قد حصل فيها صاحب، وكل جانب قد طمح إليه طالب، والفرنج قد بنوا قلاعا يتحيفون بها الأ طراف الإسلامية، ويوايقون بها البلاد الشامية، وأمراء الدولة النورية قد سبن كبارهم وعوقبوا وصودروا، والمماليك الأغمار الذين خلقوا للأطراف لا للصدور، وجعلوا للقيام لا للقعود في المبلس المحوور، قد مدوا الأيدي والأعين والسيوف، وساءت سيرتهم في الأمر بالمنكر وال نهي عن المعروف، وكل واحد يتخذ عند الفرنج يدا، ويبعلهم لاهره سندا، وعلمنا أن البيت المقدس إن لم تتيسر الأسباب لفتحه، وأمر الكفر إن لم يبرد العزم في قلعه، وإلا نبتت عروقه، واتسعت على أهل الدين خروقه، وكانت الحبة لله قائمة، وهمم القادرين بالقعود آثمة، وإنا لا نتمكن بمصر منه مع بعد المسافة، وانقطاع العمارة، وكلال الدواب التي بها على البهاد القوة، وإذا جاورناه كانت المصلحة بادية، والمنفعة جامعة، واليد قادرة، والبلاد قريبة،والغزوة ممكنة، والميرة متسعة، والخيل مستريحة، والعساكر كثيرة، و البموع والأوقات مساعدة، وأصل حنا ما في الشام من عقائد معتلة، وأمور مختلة، وأراء فاسدة، وأمراء متحاسدة، وأطماع غالبة، وعقول غائبة، وحفانا الولد القائم بعد أبيه، فأنا به أولى من قوم يأكلون الدنيا باسمه، وياهرون الوفاء في خدمته، وهم عاملون بالمه.

عدد الصفحات ٥٠٨

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 529 والمراد الآن هو كل ما يقوي الدولة، ويؤكد الدعوة، ويبمع الأمة، ويحفظ الألفة، ويومن الرأفة، ويفتح بقية البلاد، وأن يطبق بالاسم العباسي كل ما تطبقه العهاد، وهو تقليد جامع بمصر واليمن والمغرب والشام وكل ما تشتمل عليه الولاية النورية، وكل ما يفتحه الله تعالى للدولة العباسية، بسيوفنا وسيوف عساكرنا، ولمن نقيمه من أخ أو ولد من بعدنا تقليدا، يومن للنعمة تخليدا، وللدعوة تبديدا، مع ما ينعم به من السمات التي فيها الملك. وبالبملة فالشام لا تنتام أموره بمن فيه، والبيت المقدس ليس له قرن يقوم به ويكفيه، والفرنج فهم يعرفون منا خصما لا يمل الشر حتى يملوا، وقرنا لا يزال محرم السيف حتى يحلوا، وإذا شد رأينا حسن الرأي، ضربنا بسيف يقطع في غمده، وبلغنا المنى بمشيئة الله تعالى ويد كل مؤمن تحت برده، واستنقذنا أسيرا من المسبد الذي أسر الله إليه بعبده. ومن كتاب آخر فاضلي عن السلطان إلى الديوان في تعداد ماله من الأيادي ، قال: والذي أجراه الله تعالى على يد المملوك من الممالك التي دوخها ، وسنن الولال التي نسخها، وعقود الإلحاد التي فسخها، ومنابر الباطل التي رحوها، وحبج الزندقة التي دحوها، فلله عليه المنة فيه إذ أهله لشرف مشهده، وما فعله إلا لوجهه ويد الله كانت عون يده، وإلا فقد موت اللياي والأيام على تلك الأمور، وما تحركت للفلك في قلعها نابوة، وغريت الأحوال على تلك البدعة وما ثارت لأفراسها رابوة، فشكر يد الله تعالى فيما أجراه على يده منها، أن يبتهد في أخر مثلها في الكفار، وقد عاد الإسلام إلى وطنه، وصوحت من الكفر خضراء دمنه. ومن كتاب آخر للفاضل يذكر فيه إعادة صلاح الدين الخطبة بمصر للدولة العباسية، يقول فيه: حتى أتى الدنيا ابن ببدتها فقضى من الأمر ما قضى، وأسخط من لله في سخطه رضا، وجعل وجه لابسي السواد مبيوا، فأدرك لهم بثأر نامت عنه الهمم، ودوخت عليه الأمم،

عدد الصفحات ٥٠٩

vvvvvvvvvvvvvvvv 542 وشفى الصدور، وجاء بالحق إلى من غره بالله الغرور، واستبوع إلى الله تعالى تبارة لن تبور. ومن كتاب آخر: قد بورك للخادم في الطاعة التي لبس الأولياء شعارها، وأمضى في الأعداء شفارها، وجمع عليها الدين وكان أديانا، واستقامت بها القلوب على صبغة التكلف وكانت ألوانا. ومن كتاب آخر: لم يكن سبب خروج المملوك من بيته إلا وعد كان انعقد بينه وبين نور الدين  في أن يتباذبا طرفي الغزاة من مصر والشامالمملوك بعسكري بره وبحره، ونور الدين من جانب سهل الشام ووعره، فلما قضى الله بالمحتوم على أحدهما، وحدثت بعد الأمور أمور اشتهرت للمسلمين عورات، وضاعت ثغ ور، وتحكمت الآراء الفاسدة، وفورقت المحاج القاصدة، وصارت الباطنية بطانة من دون المؤمنين، والكفار محمولة إليها جز المسلمين، والأمراء الذين كانوا للإسلا م قواعد، وكانت سيوفهم للنصر موارد، يشكون ضيق حلقات الأسار، وتطرق الكفار بالبناء في الحدود الإسلامية، ولا خ فاء أن الفرنج بعد حلولنا بهذه الخطة قاموا وقعدوا، واستنبدوا علينا أنصار النصرانية في الأقطار، وسيروا الصليب ومن كسى مذابحهم بقمامة، وهددوا طاغية كفرهم بأشراط القيامة، ونفذوا البطارقة والقسيسين برسائل صور من يصورونه ممن يسمونهم القديسين، وقالوا: إن الغفلة إن وقعت أوقعت فيما لا يستدرك فارطه. وإن كلا من صاحب قسطنطينية وصاحب صقلية وملك الألمان وملوك ما وراء البحر وأصحاب البرائر كالبندقية والبيشانية والبنوية وغيرهم، قد تأهبوا بالعمائر البحرية ، والأساطيل القوية ، والإسلام يا أمير المؤمنين أعز

عدد الصفحات ٥١٠

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 544 ناصرا، لاسيما وهم ينصر ون باطلا ، وهو ينصر حقا، وهو يعبد خالقا، وهم يعبدون خلقا).(4) دخول الشام في طاعة صلاح الدين وتقليد المستضيء لصلاح الدين سنة٤٧١ هـ: قال ابن شداد: (ولما أحس سيف الدين صاحب الموصل بما جر ، علم أن الرجل قد استفحل أمره، وعام شأنه، وعلت كلمته، وخاف أنه إن غفل عنه؛ استحوذ على البلاد واستقر قدمه في الملك، وتعد الأمر إليه. فبهز عسكرا وافرا ، وجيشا عايما، وقدم عليهم أخاه عز الدين مسعودا، وساروا يريدون لقاء السلطان، وضرب المصاف معه، ورده عن البلاد. فوصل إلى حلب والسلطان بحمص، وانوم إليه من كان بحلب من العسكر، و خرجوا في جمع عايم. ولما عرف السلطان بمسيرهم؛ سار حتى وافاهم بقرون حماة، وراسلهم وراسلوه، واجتهد أن يصالحم، فما صالحوه، ورأوا أن المصاف ربما نالوا به الغرض الأكري، والمقصود الأوفر، والقواء يبر إلى أمور وهم بها لايشعرون. وقام المصاف بين العسكرين، فقضى الله تعالى أن انكسروا بين يديه، وأسر جماعة منهم، ومن عليهم وأطلقهم؛ وذلك عند قرون حماة في تاسع عشر شهر رموان. ثم سار عقيب انكسارهم ونزل على حلب، وهي المدافعة الثانية وصالحوه على أن أخذ المعرة، وكفر كاب، وبارين. (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 2 /٧

عدد الصفحات ٥١١

vvvvvvvvvvvvvvvv 542 وقال العماد: لما تسلم السلطان قلعة بعلبك عاد إلى حمص، وقد وصل عز الدين مسعود، أخو صاحب الموصل، إلى حلب نبدة. ولما عرفوا أن السلطان مشغول بالحصون؛ جاءوا إلى حماة، فحصروها، وراسلوا في الصلح..).(4) قال ابن أبي طي: (ولما حلف السلطان والملك الصالح وأمراؤه عاد السلطان قاصدا دمشق، فلما وصل إلى حماة ؛ وصلت إليه رسل الخل يفة المستضيء ، ومعهم التشريفات البليلة، والأعلام السود ، وتوقيع من الديوان بالسلطنة ببلاد مصر والشام... قال العماد: ورحلنا لاهرين لافرين، ونزلنا حماة يوم الاثنين ثاني عشر شوال، وبها وصلت إليه رسل الديوان العزيز بالتشريفات والتقليد بما أراد من الولايات ، وأفاضوا على السلطان وأقاربه الخلع، وخص ناصر الدين محمد بن شيركوه بمزيد تفويل على أقارب السلطان، وكأنه رعاية لحق والده أسد الدين.)(2) طلب صلاح الدين من الخليفة المستضيءدعوة أمراء الأطراف بنصرته في حرب الفرنج: وبعد أن صدر التقليد من الخليفة المستضيء إلى صلاح الدين بتوليته مصر والشام وكل فتحه من الأقاليم؛ أرسل صلاح الدين يطلب من الخليفة أمر ملوك الأقاليم بنصرته في جهاد الفرنبة والحملة الصليبية، إذ هو أول واجباتهم الشرعية، ومسئولياتهم السياسية، وكان صلاح الدين قد اشتد عليه كثرة العدو، وقوة مدده. قال أبو شامة: (وفي كتاب طويل فاضلي جليل إلى بغداد عن السلطان وفيه -بعد ذكر أمر الفرنج-: (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 2 /٧٧ (2) المصدر السابق 2 /324

عدد الصفحات ٥١٢

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 543 والمملوك بين عدو إسلام يشاركونه في هذا الاسم لفاا، ولا ينوون لما استحفاوا حفاا، وعدو كفر فما يباورهم إلا بلاده، ولا يقارعهم إلا أجناده. ثم طلب خروج الأمر بخطاب جميع ملوك الأطراف: أن يكونوا للمملوك على المشركين أعوانا، وأن يمتثل أمر نبينا ﷺ في أن يكونوا بنيانا، فيعودوه إذا سعى، ويلبوه إذا دعا، ولا يقعدوا عن المعاضدة في فتح البيت المقدس الذي طابت النفوس عن ثاره، وتطأطأت الرؤوس تحت عاره، وصارت القلوب صخرة لا ترق على صخرته، والعزائم قاصية عن تطهير أقصاه من رجس الشرك ومعرته، فإن قعدت بهم العزائم، وأخذتهم في الله لومة لائم؛ فلا أقل من ألا يكونوا أعوانا عليه، يلفتونه عن قصده، حريصين على إيصال المكروه إليه).(4) عودة صلاح الدين إلى مصر بعد توليه الشام قال الكاتب العماد: (واقترحنا على القاضي ضياء الدين بن الشهرزوري أن يفرجنا في الأهرام ، فقد كنا شغفنا بأخبارها في الشام، فخرج بنا إليها ودرنا تلك الريابي(2) والرياري، والرمال والصحاري، وأحمدنا المقار والمقاري، وهالنا أبو الهول وضاق في وصفه مبال القول، ورأينا العبائب وروينا الغرائب، واستصغرنا في جنب الهرمين كل ما استعامناه وتداولنا الحديث في الهرم ومن بناه، فكل يأتي في وصفهما بما نقله لا بما عقله، واجتهدوا في الصعود إليه فلم يوجد من توقله، وحارت العقول في عقوده وطارت الأفكار عن توهم حدوده، فيا له من مولود للدهر قبل الطوفان انقرضت القرون الخالية على آبائه وجدو ده، (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 2 /395 (2) الريابي: التماثيل والآثار الفرعونية

عدد الصفحات ٥١٣

vvvvvvvvvvvvvvvv 544 وسمار الأخبار تذكر حديث أحداث عاده وثموده، ويدل إحكامه وعلوه على همة بانيه بأسه وجوده، وإن في الأرض الهرمين كما أن في السماء الفرقدين، وهما كالطودين الراسخين وكالببلين الشامخين، قد فنيت الدهور وهما باقيان).(4) كتاب اعتذار من صلاح الدينليفة بغداد يذكر فيه خطر الروم: وكتب به القاضي الفاضل عن السلطان صلاح الدين إلى الخليفة ببغداد يعتذر فيه عن تأخير الكتب، ويذكر خري صاحب قسطنطينية وصاحب صقلية من ملوك النصرانية من الروم والفرنج، وفيه: (سلام الله الأطيب، وبركاته التي يستدرها الحضر والغيب، وزك و اته التي ترفع أولياءه إلى الدرج، ونعمه التي لم تبعل على أهل الطاعة في الدين من حرج، على مولانا سيد الخلق وساد الخرق، ومسدد أهل الحق، ولابس الشعار الأطهر سوادا، ومستحق الطاعة التي أسعد الله من خصه بها بدءا ومعادا، ومولى الأمة.. المملوك يخدم الحرم الشريف باحترامه، والفناء الكريم بإعاامه.. كذلك المملوك أمسك حين كانت الأخبار ببانبه مشتبهة ، والحقائق لديه غير متوجهة، فإن طاغيتي الكفر بقسطنطينية وصقلية، كانا قد أوقدا للحرب نارا، ورفعا لها أوزارا، واتخذا لها اسطولا جاريا، وعسكرا جرارا وتباريا ، ولم يزد الله الاالمين إلا تبارا، وكتبا إلى الفرنج بعد انهزامهم بالنبدة والنصرة،وتومنا لهم الخروج والكرة، ويصفان ما استعدا به بما لا يعري إلا بالكثرة، واستطارت الشناعة، وتداولتها الألسن، وخرجت من الأفواه حتى لقد كادت تدخل فيما رأته الأعين، وورد إلى المملوك رسول من طاغية القسطنطينية، وهو أقدم ملوك النصرانية قدما، وأكثرهم مالا منتمي يعرض عليه موادعة يكون بها عسكره مودعا، (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 2 /443

عدد الصفحات ٥١٤