vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 423 وأطاعه أصحاب ديار بكر، وملك الشام، والديار المصرية، واليمن، وخطب له بالحرمين الشريفين: مكة والمدينة، وطبق الأرض ذكره ، بحسن سيرته وعدله، ولم يكن مثله إلا الشاذ النادر رحمة الله تعالى عليه. قال الحافظ أبو القاسم بعدما ذكر أوصاف نور الدين البليلة المتقدمة، مفرقة ومبموعة في هذا الكتاب: هذا مع ما جمع الله له من العقل المتين، والرأي الثاقب الرصين، والاقتداء بسيرة السلف الماضين، والتشبه بالعلماء والصالحين، والاقتفاء بسيرة من سلف منهم في حسن سمتهم، والاتباع لهم في حفظ حالهم ووقتهم، حتى رو حديث المصطفى ﷺ وأسمعه، وكان قد استبيز له ممن سمعه وجمعه؛ حرصا منه على الخير في نشر السنة بالأداء والتحديث، ورجاء أن يكون ممن حفظ على الأمة أربعين حديثا كما جاء في الحديث، فمن رآه شاهد من جلال السلطنة وهيبة الملك ما يبهره، فإذا فاوضه رأ من لطافته وتواضعه ما يحيره، يحب الصالحين ويؤاخيهم، ويزور مساكنهم لحسن لنه فيهم، وإذا احتلم مماليكه أعتقهم، ولما اشتهر به من قلة ابتهاجه بالمدح لما علم من تزيد الشعراء، وهي طريقة عمر بن عبد العزيز زاهد الخلفاء، قال يحيى بن محمد الوهراني في مقامة له، وقد سئل في بغداد عن نور الدين: هو سهم للدولة سديد، وركن للخلافة شديد، وأمير زاهد، وملك مباهد، تساعده الأفلاك، وتعوده البيوش والأملاك، غير أنه عر ف بالمرعى الوبيل لابن السبيل، وبالمحل البديب للشاعر الأديب، فما يرز ولا يعز ، ولا لشاعر عنده من نعمة تبز . وإياه عنى أسامة بن منقذ بقوله: ســلطـاننـا زاهـد والناس قد زهدوا أيـامـه مثـل شــهر الصــوم طاهرة لــه فــكــل عــلى الــخــيرات منكمش من المعاصـــ ي وفيها البوع والعطش
عدد الصفحات ٤٨٣vvvvvvvvvvvvvvvv 424 قلت: ما كان يبذل أموال المسلمين إلا في البهاد، وما يعود نفعه على العباد، وكان كما قيل في حق عبدالله بن محيريز، وهو من سادات التابعين بالشام، قال يعقوب بن سفيان الحافظ: حدثنا ضمرة عن السيباني، قال: كان ابن الديلمي من أنصر الناس لأخوانه، فذكر ابن محيريز في مبلسه، فقال رجل: كان بخيلا، فغوب ابن الديلمي وقال: كان جوادا حيث يحب الله، وبخيلا حيث تحبون. وأما شعر ابن منقذ فلا اعتبار به، فهو القائل في ليلة الميلاد يمدح نور الدين في كــل عــام لــلــرييــة لــيــلــة لـكـن لــنور الــدين من دون الور أبـدا يصــ ـــــ رفهـا نـداه وبأســه مــلــك لــه في كــل جــيــد مــنــة أعـلى المــلــوك يــدا وأمــنــعهم حمى يـعـطـى البزيـل من النوال تريعــا لا زال في ســـعــد ومــلــك دائــم فــيــهــا تشـــب الــنــار بــالإيــقــاد نــاران : نــار قــر ، ونــار جــهــاد فــالــعــام أجــمــع لــيــلــة المــيــلاد أبــهــى مــن الأطــواق في الأجــيــاد وأمــدهــم كــفــا بــبــذل تــلاد مــن غــير مســـألــة ولا مــيــعــاد مــا دامــت الــدنــيــا بــغــير نــفــاد وقد تقدم في شعر ابن منير، وابن القيسراني، والعماد الكاتب، وغيرهم، من مدح نور الدين بالكرم والبود ما قليل منه يرد قول الوهراني، وابن منقذ، على أن ابن منقذ قد رددنا شعره بشعره كما تراه، وإنما الشعراء وأكثر الناس ؛ كما قال الله تعالى في وصف قوم ﴿فَإِنر أُعرطُوار مِنرهَا رَضُوار وَإِن لَّمر يُعرطَورار مِنهَا إِذَا هُمر يَسرخَطُون ﴾ وما كل وقت ينفق العطاء ويفعل الله ما يشاء).(4) (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 2 /342
عدد الصفحات ٤٨٤vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 425 رثاء العماد الكاتب نور الدين محمود زنكي قال العماد: (وكنت بالموصل فسئلت نام مرثية في نور الدين فنامت بعد عودي إلى دمشق في رجب: الــديــن في لــلــم لــغــيــبــة نــوره فـلـيـنـدب الإســـلام حـامـي أهـلـه مـن ينصــ ـــــ ر الإســلام في غزواتــه مــن لــلــفــرنــج ومــن لأسر مــلوكهــا من للبلاد ومن لنصــ ـــــ ر جيوشــهـا مــن لــلــفــتــوح مــحــاولا أبــكــارهــا مـا كـنـت أحســـب نور دين محمــد كم قيصــ ــــ ر للروم رمت بقســ ــــ ره أزهــدت في دار الــفــنــاء وأهــلــهــا أومــا وعــدت الــقــدس أنــك مــنــب ز فمتى تبير القـــــ دس من دنس العد والــدهــر في غــمــم لــفــقــد أمــيره والشـــام حـافـظ مـلـكـه وثـغــوره فــلــقــد أصــيــب بــركــنــه ولــهيره مــن لــلــهــد يــبغي فكــاك أســيره مـن لـلـبـهـاد ومـن لـحـفظ أموره بــرواحــه في غــزوه وبــكــوره وقوــيـت بـعـد وفـاتـه بـنشــوره إرواء بــيــض الــهــنــد مــن تــامــوره ورغــبــت في الــخــلــد المــقــيم وحوره مــيــعــاده في فــتــحــه ولــهــوره وتـقـدّ س الـرحــمــن في تــطــهيره )(4 ) أقوال علماء الإسلام في نور الدين زنكي وصلاحه وعدله: قد أطنب المؤرخون في ذكر مآثر نور الدين وما تحقق في عصره من البهاد والإصلاح والعدل والنهوة العامة التي استأنف بها الإسلام بعثه من جديد، كما قال ابن كثير عنه: (وكان على الشام الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي السلبوقي، وتوفي سنة 569ه، وكان حنفي المذهب، يحب العلماء والفقراء ويكرمهم، وكان يقوم في أحكامه بالمعدلة (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 2 /362
عدد الصفحات ٤٨٥vvvvvvvvvvvvvvvv 426 الحسنة، واتباع الشرع المطهر، ويعقد مبالس العدل ويتولاها بنفسه، ويبتمع إليه القاضي والفقهاء والمفتون من كل المذاهب، ويبلس في يوم الثلاثاء في المسبد ليصل إليه كل أحد من المسلمين وأهل الذمة حتى يساويهم، وكان شباعًا ذا همة عالية وحرمة وافرة وديانة بينة. وقد حكم سنة 544ه وجاهد الفرنج، وهزمهم وفتح المدن التي استولوا عليها في الشام. وهو أحد الملوك المصلحين)(4). وقال أيوا: (ألهر ببلاده السنة وأمات البدعة، وأقام الحدود وفتح الحصون، وكسر الفرنج مرارًا عديدة، واستنقذ من أيديهم معاقل كثيرة من الحصون المنيعة، التي كانوا قد استحوذوا عليها من معاقل المسلمين، وأقطع العرب إقطاعات لئلا يتعرضوا للحبيج، وبنى بدمشق مار ستانًا، ولا بعده أيوًا، ووقف وقفً ا على من يعلّ م الأيتام الخط والقراءة، وجعل لهم نفقة وكسوة، وعلى المباورين بالحرمين، وله أوقاف دارة على جميع أبواب الخير، وعلى الأرام ل والمحاويج، وكان البامع داثرًا؛ فولى ناره القاضي كمال الدين محمد بن عبدالله الشهرزوري الموصلي، وأضاف إلى أوقاف البامع المعلومة الأوقاف التي لا يعرف واقفوها، ولا يعرف شروطهم فيها، وجعلها قلمًا واحدًا، وسُ مّ ي مال المصالح، ورتّ ب عليه لذوي الحاجات والفقراء والمساكين والأرامل والأيتام وما أشبه ذلك. وقد كان حسن الخط، كثير المطالعة للكتب الدينية، متبعًا للآثار النبوية، محافاًا على الصلوات في البماعات، كثير التلاوة، محبًّا لفعل الخيرات، عفيف البطن والفرج، مقتصدًا في الإنفاق على نفسه وعياله في المطعم والملبس، حتى قيل: إنه كان أدنى الفقراء في زمانه أعلى نفقة منه من غير اكتناز ولا استئثار بالدنيا، ولم يسمع منه كلمة فحش قط، في غوب ولا رضا، صموتًا وقورًا. قال ابن الأثير: لم يكن بعد عمر بن عبد (4) البداية والنهاية 42/٧ – 292.
عدد الصفحات ٤٨٦vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv ٧ العزيز مثل الملك نور الدين، ولا أكثر تحريًا للعدل والإنصاف منه، وكانت له دكاكين بحمص قد اشتراها مما يخصه من المغانم، فكان يقتات منها، وزاد امرأته من كراها على نفقتها عليها، واستفتى العلماء في مقدار ما يحل له من بيت المال، فكان يتناوله ولا يزيد عليه شيئا، ولو مات جوعًا، وكان يكثر اللعب بالكرة، فعاتبه رجل من كبار الصالحين في ذلك فقال: إنما الأعمال بالنيات، وإنما أريد بذلك تمرين الخيل على الكر والفر، وتعليمها ذلك، ونحن لا نترك البهاد، وكان لا يلبس الحرير، وكان يأكل من كسب يده بسيفه ورمحه. وكان فقيها على مذهب أبي حنيفة، وسمع الحديث وأسمعه، وكان كثير الصلاة بالليل من وقت السحر إلى أن يركب. وذكر ابن الأثير أن الملك نور الدين بينما هو ذات يوم يلعب بالكرة إذ رأ رجلا يحدث آخر ويومئ إلى نور الدين، فبعث الحاجب ليسأله ما شأنه! فإذا هو رجل معه رسول من جهة الحاكم (القاضي)، وهو يزعم أن له على نور الدين حقًّا يريد أن يحاكمه عند القاضي، فلما رجع الحاجب إلى نور الدين وأعلمه بذلك ألقى البوكان(4) من يده،وأقبل مع خصمه ماشيا إلى القاضي الشهرزوري، وأرسل نور الدين إلى القاضي ألا تعاملني إلا معاملة الخصوم، فحين وصلا وقف نور الدين مع خصمه بين يدي القاضي، حتى انفصلت الخصومة والحكومة، ولم يثبت للرجل على نور الدين حق، بل ثبت الحق للسلطان على الرجل، فلما تبين ذلك، قال السلطان: إنما جئت معه لئلا يتخلف أحد عن الحوور إلى الشرع إذا دعي إليه، فإنما نحن معاشر الحكام أعلانا وأدنانا شبنكية(2) لرسول الله ولشرعه، فنحن قائمون بين يديه طوع مراسيمه، فما أمر به امتثلناه، وما نهانا عنه (4) البوكان: ما تضرب به الكرة (2) الشبنكية: الخدم أو الحرس
عدد الصفحات ٤٨٧vvvvvvvvvvvvvvvv 422 اجتنبناه، وأنا أعلم أنه لا حق للرجل عندي، ومع هذا أشهدكم أني قد ملكته ذلك الذي ادعى به، ووهبته له. قال ابن الأثير: وهو أول من ابتنى دارًا للعدل، وكان يبلس فيها في الأسبوع مرتين، وقيل: أربع مرات. وقيل: خمس. ويحضر القاضي والفقهاء من سائر المذاهب، ولا يحببه يومئذ حاجب ولا غيره، بل يصل إليه القوي والوعيف، فكان يكلم الناس ويستفهمهم ويخاطبهم بنفسه، فيكشف الماالم، وينصف المالوم من الاالم، وكان سبب ذلك أن أسد الدين بن شادي كان قد عام شأنه عند نور الدين، حتى صار كأنه شريكه في المملكة، واقتنى الأملاك والأموال والمزارع والقر ، وكان ربما للم نوابه جيرانه في الأ راضي والأملاك، وكان القاضي كمال الدين ينصف كل من استعداه على جميع الأمراء، إلا أسد الدين هذا فما كان يهبم عليه، فلما ابتنى نور الدين دار العدل تقدم أسد الدين إلى نوابه ألا يدعوا لأحد عنده للامة، وإن كانت عايمة، فإن زوال ماله عنده أحب إليه من أن يراه نور الدين بعين لالم، أو يوقفه مع خصم من العامة، ففعلوا ذلك، فلما جلس نور الدين بدار العدل مدة متطاولة، ولم يرَ أحدًا يستعدي على أسد الدين، سأل القاضي عن ذلك، فأعلمه بصورة الحال، فسبد نور الدين شكرًا لله، وقال: الحمد لله الذي أصحابنا ينصفون من أنفسهم. وأما شباعته فيقال: إنه لم ير على لهر فرس قط أشبع ولا أثبت منه. وكان شباعًا صبورًا في الحرب، يضرب المثل به في ذلك، وكان يقول: قد تعرضت للشهادة غير مرة، فلم يتفق ي ذلك، ولو كان في خير وي عند الله قيمة لرزقنيها، والأعمال بالنية. وقال له يومًا قطب الدين النيسابوري: بال له يا مولانا السلطان، لا تخاطر بنفسك، فإنك لو قتلت قتل جميع من معك، وأخذت البلاد، وفسد حال المسلمين. فقال له: اسكت يا قطب الدين، فإن قولك إساءة أدب على الله، ومن هو محمود؟ من كان يحفظ الدين والبلاد قبلي غير الذي لا إله إلا هو؟ ومن هو محمود؟ قال: فبكى من كان حاضرًا .
عدد الصفحات ٤٨٨vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 429 وبنى المارستان الذي بدمشق، وليس له في البلاد ناير، ومن شرطه أنه على الفقراء والمساكين، وإذا لم يوجد بعض الأدوية التي يعز وجودها إلا فيه لا يمنع منه الأغنياء، ومن جاء إليه فلا يمنع من شرابه، ولهذا جاء إليه نور الدين وشرب من شرابه، . وقد بنى الخانات الكثيرة في الطرقات والأبراج، ورتب الخفراء في الأماكن المخوفة، وجعل فيها الحمام الهوادي التي تطلعه على الأخبار في أسرع مدة، وبنى الربط والخانقات، وكان يبمع الفقهاء عنده والمشايخ والصوفية ويكرمهم ويعامهم، وكان يحب الصالحين، وقد نال بعض الأمراء مرة عنده من بعض الفقهاء وهو قطب الدين النيسابوري، فقال له نور الدين: ويحك! إن كان ما تقول حقًّا فله من الحسنات الكثيرة الماحية لذلك ما ليس عندك مما يكفر عنه سيئات ما ذكرت إن كنت صادقًا، على أني والله لا أصدقك، وإن عدت ذكرته أو أحدًا غيره عندي بسوء لأؤذينك، فكف عنه ولم يذكره بعد ذلك. وقد ابتنى بدمشق دارًا لاستماع الحديث وإسماعه. قال ابن الأثير: وهو أول من بنى دار حديث، وقد كان مهيبًا وقورًا شديد الهيبة في قلوب الأمراء، ومع هذا كان إذا دخل أحد من الفقهاء أو الفقراء، قام له ومشى خطوات، وأجلسه معه على سبادته في وقار وسكون، وإذا أعطى أحدًا منهم شيئًا مستكثرًا؛ يقول: هؤلاء جند الله وبدعائهم ننصر على الأعداء، ولهم في بيت المال حق أضعاف ما أعطيهم، فإذا رضوا منا ببعض حقهم؛ فلهم المنة علينا. وقد سمع عليه جزء حديث وفيه: ((فخرج رسول الله متقلدًا بالسيف)) فبعل يتعبب من تغيرّ عا دات الناس لما ثبت عنه عليه السلام، وكيف يربط الأجناد والأمراء على أوساطهم ولا يفعلون كما فعل رسول الله ، ثم أمر البند بألا يحملوا السيوف إلا متقلديها، ثم خرج هو في اليوم الثاني إلى الموكب وهو متقلد السيف، وجميع البيش كذلك، يريد بذلك الاقتداء برسول الله ، فرحمه الله.
عدد الصفحات ٤٨٩vvvvvvvvvvvvvvvv 492 وقص عليه وزيره موفق الدين خالد بن محمد بن نصر القيسراني الشاعر أنه رأ منامه كأنه يغسل ثياب الملك نور الدين، فأمره بأن يكتب مناشير بوضع المكوس والضرائب عن البلاد، وقال له: هذا تأويل رؤياك. وكتب إلى الناس ليكون منهم في حل مما كان أخذ منهم، و يقول لهم: إنما صرف ذلك في قتال أعدائكم من الكفرة والذب عن بلادكم ونسائكم وأولادكم، وكتب بذلك إلى سائر ممالكه وبلدان سلطانه، وأمر الوعاظ أن يستحلوا له من التبار، ويقال: إن سبب وضعه المكوس عن البلاد أن الواعظ أبا عثمان المنتخب بن أبي محمد الواسطي –وكان من الصالحين الكبار، وكان هذا الرجل ليس له شيء، ولا يقبل من أحد شيئا، إنما كانت له جبة يلبسها إذا خرج إلى مبلس وعاه، وكان يبتمع في مبلس وعاه الألوف من الناس– أنشد نور الدين أبياتًا تتومن ما هو متلبس به في ملكه، وفيها تخويف وتحذير شديد له: فلما سمع نور الدين هذه الأبيات بكى بكاء شديدًا، وأمر بوضع المكوس والضرائب في سائر البلاد. وكتب إليه الشيخ عمر الملا من الموصل –وكان قد أمر الولاة والأمراء بها ألا يفصلوا بها أمرًا حتى يعلموا الملا به، فما أمرهم به من شيء امتثلوه، وكان من الصالحين الزاهدين، وكان نور الدين يستقرض منه في كل رموان ما يفطر عليه، وكان يرسل إليه بفتيت ورقاق فيفطر عليه جميع رموان– فكتب إليه الشيخ عمر بن الملا هذا: إن المفسدين قد كثروا، ويحتاج الأمر إلى سياسة، ومثل هذا لا يبيء إلا بقتل وصلب وضرب، وإذا أخذ إنسان في الريية من يبيء يشهد له؟ فكتب إليه الملك نور الدين على لهر كتابه: إن الله خلق الخلق وشرع لهم شريعة، وهو أعلم بما يصلحهم، ولو علم أن في الشريعة زيادة في المصلحة لشرعها لنا، فلا حاجة بنا إلى الزيادة على ما شرعه الله تعالى، فمن زاد فقد زعم أن الشريعة ناقصة فهو يكملها بزيادته، وهذا من البرأة على الله وعلى ما شرعه، والعقول المالمة لا
عدد الصفحات ٤٩٠vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 494 تهتدي، والله سبحانه يهدينا وإياك إلى صراط مستقيم. فلما وصل الكتاب إلى الشيخ عمر الملا، جمع الناس بالموصل وقرأ عليهم الكتاب، وجعل يقول: اناروا إلى كتاب الزاهد إلى الملك، وكتاب الملك إلى الزاهد)(4)!! وقال ابن كثير أيوًا: (الس لطان الملك العادل نور الدين، صاحب بلاد الشام وغيرها من البلدان الكبيرة الواسعة، كان مباهدًا في الفرنج، آمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر، محبًّا للعلماء والفقراء والصالحين، مبغوًا للالم، صحيح الاعتقاد، مؤثرًا لأفعال الخير، لا يبسر أحد أن يالم أحدًا في زمانه، وكان قد قمع المناكر وأهلها، ورفع العلم والشرع، وكان مدمنا لقيام الليل، يصوم كثيرًا، ويمنع نفسه من الشهوات، وكان يحب التيسير على المسلمين، ويرسل الري إلى العلماء والفقراء والمساكين والأيتام والأرامل، وليست الدنيا عنده بشيء، رحمه الله تعالى، وبلَّ ثراه بالرحمة والرضوان. قال ابن البوزي: استرجع نور الدين محمود بن زنكي من أيدي الكفار نيفا وخمس مدينة، وقد كان يكاتبني وأكاتبه، قال: ولما حضرته الوفاة قرأ العهد على الأمراء من بعده لولده –يعني الصالح إسماعيل– وجدد العهد مع صاحب طرابلس ألا يغير على الشام في المدة التي كان ماده فيها، وكان قد عزم على فتح بيت المقدس شرفه الله، فوافته المنية في شوال من هذه السنة، والأعمال بالنيات، فحصل له أجر ما نو ، وكانت ولايته ثمان وعشرين سنة وأشهرًا).(2) (4) البداية والنهاية42/292. (2) البداية والنهاية42/326 – ٧.
عدد الصفحات ٤٩١vvvvvvvvvvvvvvvv 492 قال ابن البوزي عنه: (كانت سيرته أصلح من كثير من الولاة، والطرق في أيامه آمنة، والمحامد له كثيرة، وكان يتدين بطاعة الخلافة).(4) تولي إسماعيل بن محمود نور الدين زنكي وقد تولى إسماعيل بعد وفاة أبيه الشهيد محمود نور الدين؛ فأثبت صلاح الدين و فاءه له ميتا كما وفى له حيا، فبدد البيعة والطاعة والخطبة لولده إسماعيل؛ حرصا على وحدة الأمة واتحادها؛ لمواجهة الحملة الصليبية الفرنبية، كما لهر ذلك جليا في مراسلاته له، قال العماد: (وأنشأت في ذلك اليوم كتابا عن الملك الصالح إلى صلاح الدين في تعزيته بنور الدين، ترجمته إسماعيل بن محمود، وفيه: أطال الله بقاء سيدنا الملك الناصر، وعام أجرنا وأجره في و الدنا الملك العادل، ندب الشام بل الإسلام، حافظ ثغوره ، وملاحظ أموره، وعدم البهاد مقتني فويلته، ومؤدي فريوته، ومحيي سنته، وأورثنا بالاستحقاق ملكه وسريره، على أنه يعز أن ير الزمان نايره، وما ههنا ما يشغل السر ويقسم الفكر إلا أمر الفرنج خذلهم الله، وما كان اع تماد مولانا الملك العادل عليه وسكونه إليه إلا لمثل هذا الحادث البلل، والصرف الكارث المذهل، فقد ادخره لكفايات النوائب، وأعده لحسم أدواء المعولات اللوازب، وأمله ليومه ولغده، ورجاه لنفسه ولولده، ومكنه قوة لعوده، فما فقد إ صورة والمعنى باق، والله تعالى حافظ لبيته واق، وهل غيره دام سموه من مؤازر، وهل سو السيد الأجل الناصر من ناصر، وقد عرفناه المقترح، ليروض برأيه من الأمر ما جمح، والأهم شغل الكفار عن هذه الديار، بما كان عازما عليه من قصدهم والنكاية فيهم على (4) المنتام42 /242.
عدد الصفحات ٤٩٢vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 493 البدار، ويبري على العادة الحسنى في إحياء ذكر الوالدهناك بتبديد ذكرنا، راغبا في اغتنام ثنائنا وشكرنا. قلت: وكان قد بلغ صلاح الدين خري نور الدين، فأرسل كتابا بالمثال الفاضلي فيه: ورد خري من جانب العدو اللعين عن المولى نور الدين، أعاذ الله تعالى فيه من سماع المكروه، ونور بعافيته القلوب والوجوه، واشتد به الأم ر، وضاق به الصدر، وانقصم بحادثه الاهر، وعز فيه التثبت وأعوز الصري، فإن كان والعياذ بالله قد تم وخصه الحكم الذي عم، فللحوادث تذخر النصال، وللأيام تصطنع الرجال، وما رتب الملوك ممالكها إلا لأولادها، ولا استودعت الأرض الكريمة البذر إلا لتؤدي حقها يوم حصادها، ف الله الله أن تختلف القلوب والأيدي فتبلغ الأعداء مرادها، وتعدم الآراء رشادها، وتنتقل النعم التي تعبت الأيام إلى أن أعطت قيادها، فكونوا يدا واحدة، وأعوادا متساعدة، وقلوبا يبمعها ود، وسيوفا يومها غمد، ولا تختلفوا فتنكلوا ﴿وَلاَ تَنَازَعُوار فَتَفرشَلُوار ﴾، وقوموا على أمشاط الأرج ل، ولا تأخذوا الأمر بأطراف الأنمل، فالعدواة محدقة بكم من كل مكان، والكفر مبتمع على الإيمان، ولهذا البيت منا ناصر لا يخذله، وقائم لا يسلمه، وقد كانت وصيته إلينا سبقت، ورسالته عندنا تحققت، بأن ولده القائم بالأمر وسعد الدين كمشتكين الأتابك بين يديه، فإن كانت الوصية لهرت وقبلت، والطاعة في الغيبة والحوور أديت وفعلت، وإلا فنحن لهذا الولد يد على من ناواه، وسيف على من عاداه، وإن أسفر الخري عن معافاة فهو الغرض المطلوب، والنذر الذي يحل على الأيدي والقلوب. قال العماد: وورد كتاب صلاح الدين بالمثال الفاضلي معزيا لابن نور الدين، وفي آخره: وأما العدو خذله الله تعالى، فوراءه من الخادم من يطلبه طلب ليل لنهاره، وسيل لقراره، إلى أن يزعبه من مباثمه، ويستوقفه عن مواقف مغانمه، وذلك من أقل فروض البيت الكريم وأيسر لوازمه، أصدر هذه الخدمة يوم البمعة رابع ذي القعدة، وهو اليوم الذي
عدد الصفحات ٤٩٣vvvvvvvvvvvvvvvv 494 أقيمت فيه الخطبة بالاسم الكريم، وصرح فيه بذكره في الموقف العايم، والبمع الذي لغو فيه ولا تأثيم، وأشبه يوم الخادم أمسه في الخدمة، ووفى ما لزمه من حقوق النعمة، وجمع كلمة الإسلام عالما أن البماعة رحمة، والله تعالى يخلد ملك المولى الملك ا لصالح ويصلح به وعلى يديه، ويؤكد عهود النعماء الراهنة لديه، ويبعل للإسلام واقية باقية عليه، ويوفق الخادم لما ينويه من توثيق سلطانه وتشييده، ومواعفة ملكة ومزيده، وتيسير منال كل أمل صالح وتقريب بعيده، إن شاء الله تعالى... قال: فلم يمض غير قليل حتى وصلت كتب صلاح الدين إلى الملك الصالح، يهنئه بالملك ويعزيه بأبيه، وأرسل دنانير مصرية عليها اسمه، ويعرفه أن الخطبة والطاعة له؛ كما كانت لوالده).(4) مسارعة صلاح الدين لدمشق وحمايتها من الفرنج سنة524 هـ: وقد اضطربت الأمور بعد وفاة نور الدين، فسار صلاح الدين من مصر سنة 2ه إلى الشام، وحكمها واستقام أمرها، وابتدأ إكمال الفتوح التي قام بها نور الدين زنكي في مواجهة الصليبيين، وامتدت دولته من مصر والشام إلى أقصى اليمن مع البزيرة والحرمين وأطرافها، وكان صلاح الدين قبل ذلك نائبا لنور الدين (وفي طاعته).(2) (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 2 /342 (2) مآثر2/53.
عدد الصفحات ٤٩٤vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 495 وكان على مكة: عيسى بن فليتة بن قاسم ثم وي بعده ابنه مكثر، فأمر المستضيء أمير الحاج العراقي بعزل عيسى، فبرت بينهما حروب ففر عيسى إلى الريية، وتولى أخوه داود مكانه، وبقي إلى ما بعد المستضيء.(4) وكان على اليمن: عبد النبي بن مهدي حتى آلت ولاية مصر إلى السلطان صلاح الدين، فأرسل إليها أخاه توران شاه بن أيوب، فانتزعها من عبد النبي وأسره سنة 569ه، فاستناب عليها خطار بن كامل الكناني وأقره بزبيد، ورجع توران إلى الشام، فولاه صلاح الدين على الإسكندرية، وكانت اليمن تتبع له، وبقي إلى ما بعد خلافة المستضيء. وكان على خراسان وما معها: خوارزم شاه أرسلان بن أطسز حتى توفي سنة 562 ه وكان على غزنة: غياث الدين محمد بن سام الغوري ثم استولى عليها الغز، وهم طائفة من الترك، كانوا قد استولوا على خراسان ، وأسروا السلطان سنبر السلبوقي ، فبقيت بأيديهم إلى ما بعد خلافة المستضيء. وكان على المغرب الأدنى أفريقيا والأوسط تلمسان والأقصى فاس : المنصور أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن بن علي الموحدي، وبقي إلى ما بعد خلافة المستضيء. لقد كان صلاح الدين يخشى بعد وفاة نور الدين محمود أن يستغل الأمراء وقادة البيش بدمشق صغر سن ابنه الملك الصالح، فيوطرب الناام، ويقع النزاع، وين فرط عقد الاجتماع، بين الشام ومصر، الذي جاهد نور الدين ثلاثين سنة من أجله، وهو ما حدثت بوادره بالمعاهدة التي وقعها ابن المقدم مع الفرنج، والتزامه لهم دفع ضريبة مالية تأكيدا للمعاهدة، وهو ما أثار حفياة صلاح الدين، فعزم على تدارك الأمر، وإصلاح الخلل، قبل أن يستطير شرره، ويعم ضرره. (4) مآثر2 /54.
عدد الصفحات ٤٩٥vvvvvvvvvvvvvvvv 496 قال ابن أبي طي الحلبي: (لما مات نور الدين اجتمع أمراء دولته واتفقوا على أن يكونوا في خدمة الملك الصالح، ابن نور الدين، وكان يومئذ صبيا، وحلفوا له على منابذة الملك الناصر [صلاح الدين] وقبض أصحابه الذين بالشام، ومصالحة الفرنج، وجعلوا ابن المقدم شمس الدين مقدم العساكر؛ وتم ذلك واستقر، وركب الملك الصالح بدمشق وخطب له. وكانت الفرنج قد تحركت إلى قصد دمشق، فخرج ابن المقدم ونزل على بانياس في عساكر نور الدين، وراسل الفرنج في الهدنة، فأجابوه بعد أن قطعوا قطيعة [ابل الهدنة على المسلمين، فعبل حملها إليهم، وتم أمر الصلح، وعادت الفرنج إلى بلادها وابن المقدم إلى دمشق! واتصل خري هذه الهدنة بالملك الناصر، وكان قد خرج من مصر أربع مراحل، فأعام أمرها وأكريه، واستصغر أمر أهل الشام وعلم ضعفهم ، فراسل ابن المقدم وغيره من الأمراء بإنكار ذلك والتوبيخ عليه، وقال في كتابه إلى ابن أبي عصرون: ورد الخري بصلح بين الفرنج والدمشقيين وبقية بلاد المسلمين ما دخلت في العقد، ولا انتامت في سلك هذا القصد، والعدو لهما واحد، وصرف مال الله الذي أعد لمغنم الطاعة، ومصلحة البماعة، في هذه المعصية المغوبة لله ولرسوله ولصالحي الأمة، وكان مذخورا لكشف الغمة، فصار عونا للعدو، وأن أسار من طريية وفرسانها كانت وطأتهم شديدة، وشوكتهم حديدة، دفعوا في القطيعة، وجعلوا إلى السلم السبب والذريعة، فلما بلغنا هذا الخري، وقفنا به بين الورد والصدر، إن أتممنا لن بنا غير ما نريد، وإن قعدنا فالعدو من بقية الثغور التي لم تدخل في الهدنة غير بعيد، وإن فرقنا العساكر لدينا فاجتماعها بعد افتراقها شديد، فرأينا أن سيرنا إلى حضرة الأمير شمس الدين أبي الحسن علي وإخوته من يعرفهم قدر خطر هذا الإرتباك، وأنه أمر ربما عبز عن الاستدراك، وأن العدو طالب لا يغفل، وجاد لا ينكل، وليث لا يويع الفرصة، مبدّ لا يميل إلى الرخصة، فإن كانت البماعة ساخطين، فياهر أمارات السخط والتغيير،
عدد الصفحات ٤٩٦vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv ٧ ولا يمسك في الأول فيعبز عن الأخير، لا سيما ونحن نغار لله ونغير، ونقصد للمسلمين ما يبمع به صلاح الرأي وصواب التدبير، وقد منعنا عساكرنا أن تفترق؛ خوفا أن يقصد العدو ناحية حارم بالمال الذي قويت به قوته، وثرت به ثروته، وانبسطت به خطوته، فإنه ما دام يعلم أنا مبتمعون، وعلى طلبه مبمعون، لا يمكنه أن يزايل مراكزه، ولا يبادر مناهزه. قال: وكان متوي قلعة حلب شاذبخت الخادم النوري، وكان شمس الدين علي أخو مبد ابن الداية فوض إليه أمور البيش، والديوان إلى أخيه بدر الدين حسن الشحنكية، وكان بيده ويد إخوته جميع المعاقل التي حول حلب، فلما بلغ عليا موت نور الدين صعد إلى القلعة، وكان مقعدا، واضطرب البلد ثم سكنه ابن الخشاب، وكوتب ابن الخشاب من دمشق ... قال العماد: فأما صلاح الدين فإنه اعتقد أن ولد نور الدين يتولاه بعده إخوة مبد الدين فلما جر ما جر ساءه، وقال: أنا أحق برعي العهود، والسعي المحمود، فإنه إن استمرت ولاية هؤلاء تفرقت الكلمة المبتمعة، وضاقت المناهج المتسعة، وانفردت مصر عن الشام، وطمع أهل الكفر في بلاد الإ سلام، وكتب إلى ابن المقدم ينكر ما أقدموا عليه من تفريق الكلمة، وكيف اجترؤوا على أعواد الدولة وأركانها، بل أهلها وإخوانها، وأنه يلزمه أمرهم وأمرها، ويضره ضرهم وضرها. فكتب ابن المقدم إليه يردعه عن هذه العزيمة، ويقبح له استحسان هذه الشيمة، ويقول له: لا يقال عنك إنك طمعت في بيت من غرسك، ورباك وأسسك، وأصفى مشربك، وأضفى ملبسك، وأجلى سكونك لملك مصر وفي دسته أجلسك، فما يليق بحالك، ومحاسن أخلا قك وخلالك، غير فولك وأفوالك. فكتب إليه صلاح الدين بالإنشاء الفاضلي: إنا لانؤثر للإسلام وأهله إلا ما جمع شملهم، وألف كلمتهم، وللبيت الأتابكي -أعلاه الله تعالى - إلا ما حفظ أصله وفرعه، ودفع ضره وجلب نفعه، فالوفاء إنما يكون بعد الوفاة، والمحبة إنما تاهر آثارها عند تكاثر أطماع
عدد الصفحات ٤٩٧vvvvvvvvvvvvvvvv 492 العداة، وبالبملة إنا في واد، والاانون بنا لن السوء في واد، ولنا من الصلاح مراد، ولن يبعدنا عنه مراد، ولا يقال لمن طلب الصلاح: إنك قادح، ولمن ألقى السلاح: إنك جارح. قال العماد: ثم عزم السلطان على أن يسارع إلى تلافي الأمر، فاعترضه أمران: أحدهما : وصول أسطول صقلية إلى الإسكندرية وإدراكه، والثاني: نوبة الكنز ونفاقه وهلاكه. أما وصول الأسطول؛ فكان يوم الأحد السادس وال عشرين من ذي الحبة سنة تسع وستين، وانهزم في أول المحرم سنة سبعين. ثم ذكر كتابا وصل من صلاح الدين إلى بعض الأمراء بالشام يشرح الحال، وحاصله أن أول الأسطول وصل وقت الاهر، ولم يزل متواصلا إلى وقت العصر، وكان ذلك على حين غفلة من المتوكلين بالنار، لا على حين خفاء من الخري، فأمر ذلك الأسطول كان قد أشتهر؛ وروع به ابن عبد المؤمن في البلاد المغربية، وهدد به في البزائر الرومية صاحب قسطنطينية، فشوهد في الثغر من وفور عدته، وكثرة عدته، وعايم الهمة به، وفرط الاستكثار منه، ما ملأ البحر، واشتد به الأمر، فحمى أهل الثغر عليهم الري، ثم أشير عليهم أن يقربوا من السور، فأمكن الأسطول النزول، فاستنزلوا خيولهم من الطرائد، وراجلهم من المراكب، فكانت الخيل ألفا وخمسمائة رأس، وكانوا ثلاثين ألف مقاتل، مابين فارس وراجل. وكانت عدة الطرائد ستة وثلاثين طريدة تحمل الخيل، وكان معهم مائتا شيني في كل شيني مائة وخمسون راجلا. وكانت عدة السفن التي تحمل آلا ت الحرب والحصار من الأخشاب الكبار وغيرها ست سفن، وكانت عدة المراكب الحمالة برسم الأزواد والرجال أربعين مركبا؛ وفيها من الراجل المتفرق، وغلمان الخيالة، وصناع المراكب وأبراج الزحف ودباباته المنبنيقية، مايتمم خمسين ألف رجل. ولما تكاملوا نازلين على الري، خارجين من البحر، حملوا على المسلمين حملة أوصلوهم إلى السور، وفقد من أهل الثغر في وقت الحملة مايناهز سبعة أنفس. واستشهد محمود بن
عدد الصفحات ٤٩٨