vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv ٧ بدء صلاح الدين جهاده من مصر وتحرير الشام من الفرنج سنة 518 هـ: وما إن تمكن صلاح الدين في مصر، ووحّ دها مع الشام والموصل، تحت إمرة نور الدين محمود في حلب، والخلافة في بغداد، حتى بدأ يعد العدة لبهاد الحملة الصليبية وتحرير القدس، وبدأ جهاده سنة 562 ه تنفيذا لما أمره به نور الدين، وتوجه ببيشه من مصر إ الشام، وبدأ بالكرك والشوبك، وهي أول ما يليه من الحصون التي يخوع أهلها لنفوذ الفرنبة، وكان كثير من العرب قد رضوا بالعيش في الذل تحت حكم الحملة الصليبية، وبعوهم عاهدهم وتحالف معهم على قتال المسلمين! قال العماد: (ونزل صلاح الدين على الكرك والشوبك وغيرهما من الحصون فريح بها، وفرق عنها عربها، وخرب عمارتها، وشنت على أعمالها سراياه بغاراته. ووصل منه كتاب بالمثال الفاضلي: سبب هذه الخدمة إلى مولانا الملك العادل، أعز الله سلطانه ومد أبدا إحسانه، ومكن بالنصر إمكانه، وشيد بالتأييد مكانه، ونصر أنصاره، وأعان أعوانه: علم المملوك بما يؤثره المولى بأن يقصد الكفار بما يقص أجنحتهم، ويقلل أسلحتهم، ويقطع موادهم، ويخرب بلادهم، وأكري الأسباب المعينة على ما يرومه من هذه المصلحة ألا يبقى في بلادهم أحد من العربان، وأن ينتقلوا من ذل الكفر إلى عز الإيمان، ومما اجتهد فيه غاية الاجتهاد، وعده من أعام أسباب البهاد: ترحيل كثير من أنفارهم، والحرص في تبديل دارهم، إلى أن صار العدو اليوم إذا نهض لا يبد بين يديه دليلا، ولا يستطيع حيلة، ولا يهتدي سبيلا. قال ابن شداد: وهذه أول غزوة غزاها صلاح الدين من الديار المصرية، وإنما بدأ ببلاد الكرك والشوبك لأنها كانت أقرب إليه، وكانت في الطريق تمنع من يقصد الديار المصرية، وكان لا يمكن أن تصل قافلة حتى يخرج هو بنفسه يعريها بلاد الع دو، فأراد توسيع
عدد الصفحات ٤٦٧vvvvvvvvvvvvvvvv 462 الطريق وتسهيله؛ لتتصل البلاد بعوها ببعض، وتسهل على السابلة، فخرج قاصدا لها أثناء سنة ثمان وستين، فحاصرها، وجر بينه وبين الفرنج وقعات، وعاد عنها ولم يافر منها بشئ في تلك الدفعة؛ وحصل ثواب القصد. وأما نور الدين فإنه فتح مرعش في ذي القعدة من هذه السنة، وأخذ بهسني في ذي الحبة منها).(4) وفاة نجم الدين أيوب والد السلطان صلاح الدين سنة ٤٦١ هـ: وفي سنة 562ه توفي والد السلطان صلاح الدين وهو الأمير نبم الدين أيوب بن شادي، وكان أولاً أميرا على تكريت من جهة السلطان محمد بن ملكشاه (فحكم فيها فعدل، وكان من كرام الناس). ثم خدم للأمير عماد الدين زنكي، فاستنابه على بعلبك فحكمها مدة طويلة، وجعل عماد الدين أسد الدين شيركوه بن شادي -وهو أخو نبم الدين– من قادة جيوشه.(2) (قال ابن أبي طي: وكان نبم الدين أيوب عدلا مرضيا، كثير الصلاة والصلات، غزير الفول والخيرات، يحب العلماء، ويميل إلى الفولاء، وكان ممدحا مدحه العماد الكاتب بعدة قصائد. قال: وكان مولد نبم الدين أيوب ببلد شبختان كذا حكاه مؤيد الدين ابن منقذ، وحدثني جماعة أن مولد نبم الدين كان بببل جور وربى في بلد الموصل، ونشأ شباعا باسلا، وخدم السلطان محمد بن ملكشاه فرأ منه أمانة وعقلا وسدادا وشهامة، فولاه قلعة تكريت، (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 2 /239 (2) تاريخ ابن كثير 42/4 و292.
عدد الصفحات ٤٦٨vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 469 فقام في ولايتها أحسن قيام، وضبطها أكرم ضبط، وأجلى من أرضها المفسدين، وقطاع الطريق، وأهل العيث، حتى عمرت أرضها وحسن حال أهلها وأمنت سبلها. فلما وي السلطان مسعود الملك أقطع قلعة تكريت لمباهد الدين بهروز الخادم شحنة بغداد ومتوي العراق، وكان هذا بهروز أميرا ينفذ أمره في جميع العراق إلى البصرة إلى الموصل إلى أصفهان، وكانت خيله خمسة الآف فارس، فأقر الأمير نبم الدين في ولاية تكريت، وأضاف إليه النار في جميع الولاية المتاخمة له، وقرر أمره عند السلطان مسعود، وجعل بهروز قلعة تكريت خزانة أمواله وبيت عقائله، وجعل جميع ذلك منوطا بالأمير نبم الدين ومعذوقا بهمته. وكان نبم الدين عايما في أنفس الناس بالدين والخير وحسن السياسة، وكان لا يمر أحد من أهل العلم والدين به إلا حمل إليه المال والويافة البليلة، وكان لا يسمع بأحد من أهل الدين في مدينة إلا أنفذ إليه، وقد ذكر العماد الكاتب في سيرة السلبوقية الأ مير نبم الدين وقرلة وأثنى عليه، وذكر من دينه وعفته ووفور أمانته وكثرة خيره أشياء حسنة، وحكى قوية عمه العزيز حين حبس عنده بقلعة تكريت من جهة الوزير الدركزيني وأمره بقتله، فأبى نبم الدين إلى أن قتله بهروز بنفسه بأمر الدركزيني. ثم إن السلطان مسعودا حشد وخرج في أخذ السلطنة، وطمع هو وأتابك زنكي بن آق سنقر في بغداد وجردا عسكرا ضخما وسارا إلى تكريت طامعين في بغداد، واتصل هذا الخري بقراجه الساقي وهو أتابك ابن السلطان محمود فبرد ألف فارس للقاء زنكي، ثم أردفهم بعسكر ضخم، فانهزم زنكي وقتل جماعة من أصحابه ونهب جميع ما كان في عسكره، ولبأ إلى سور تكريت وبه عدة جراحات، وعلم مكانه الأمير نبم الدين وأخوه شيركوه فمتحاه إلى القلعة بحبال وداويا جراحاته ، وخدماه أحسن خدمة ، وتقربا إليه ، فأقام عندهما بتكريت خمسة عشر يوما، ثم سار إلى الموصل وأعوزه الاهر، فأعطياه جميع ما
عدد الصفحات ٤٦٩vvvvvvvvvvvvvvvv 2 كان عندهما من الاهر، حتى إنهما أعطياه جملة من البقر حمل عليها ما سلم معه من أمتعته، فكان زنكي ير لأيوب هذه اليد ويعرف له هذه الصنيعة ، ويواصله بالهدايا والألطاف مدة مقامه في تكريت، فلما انفصل عنها على ما سنذكره، تلقاه زنكي بالرحب والسعة واحترمه احتراما عايما، وأقطعه عدة قطائع. وكان نبم الدين قد ساس الناس بتكريت أحسن سياسة حتى ملك بذلك حبات قلوبهم، وكان أخوه شيركوه معه في القلعة، وكان شباعا باسلا ينزل من القلعة ويصعد إليها في أسبابه وحاجاته، وكان نبم الدين لا يفارق القلعة ولا ينزل منها، فاتفق أن أسد الدين نزل من القلعة يوما لبعض شأنه ثم عاد إليها، وكان بينه وبين كاتب صاحب القلعة قوارص، وكان رجلا نصرانيا، فاتفق في ذلك اليوم أن النصراني صادف أسد الدين صاعدا إلى القلعة، فعبث به بكلمة مموة، فبرد أسد الدين سيفه وقتل النصراني، وصعد إلى القلعة، وكان مهيبا فلم يتباسر أحد على معارضته في أمر النصراني بشيء، وأخذ النصراني برجله، فألقي من القلعة. وبلغ بهروز صاحب قلعة تكريت ما جر ، وحضر عنده من خوفه جرأة أسد الدين، وأنه ذو عشيرة كبيرة، وأن أخاه نبم الدين قد استحوذ على قلوب الرعايا، وأنه ربما كان منهما أمر تخشى عاقبته، ويصعب استدراكه، فكتب إلى نبم الدين ينكر عليه ما جر من أخيه، ويأمره بتسليم القلعة إلى نائب سيره صحبة الكتاب، فأجاب نبم الدين ذلك بالسمع والطاعة، وأنزل من القلعة جميع ما كان له بها من أهل ومال، واجتمع هو وأخوه أسد الدين، وصمما على قصد عماد الدين زنكي بالموصل. وقيل: إن أسد الدين كان خرج إلى الموصل قبل نبم الدين، وأعام أهل تكريت خروج نبم الدين من بين ألهرهم، ولم يبق أحد إلا خرج لتوديعه، وألهر البكاء والأسف على مفارقته.
عدد الصفحات ٤٧٠vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 4 ولما أتصل بأتابك زنكي قدومهما أفرحه ذلك، وأمر الموكب بلقائهما، وأكرمهما إكراما عايما، وأقطعهما من بلد شهرزور إقطاعا سنيا، وقيل: إنه أقطع أسد الدين بالموزر. وجر بين أسد الدين وجمال الدين الوزير مودة عايمة حتى حلف كل واحد منهما للآخر أنه يقوم بأمره في حياته وبعد وفاته، وتبرد جمال الدين في أمر أسد الدين، وأمر أخيه نبم الدين حتى قربهما من قلب أتابك وجعلهما عنده بالمنزلة العايمة، وخرجا معه إلى الشام وشهدا معه حروب الكفار وقتال الفرنج لعنهم الله تعالى، وكان لأسد الدين في تلك الوقائع اليد البيواء والفعلة الغراء.. قال: سنقر غلام الأمير نبم ال دين أبي طالب، وكان سنقر هذا يخدم مع الأمير نبم الدين أيوب بن شاذي، قال: كنت في صحابة الأمير نبم الدين لما أنفذه نور الدين بن زنكي إلى ابنه السلطان الملك الناصر إلى مصر من أجل قطع خطبة المصريين ، وإقامة دعوة بني العباس في أول سنة سبع وستين وخمس مئة).(4) سياسة نور الدين زنكي مع أمراء الأقاليم وحملهم على جهاد الفرنج: لم يقتصر نور الدين زنكي على قيامه ببهاد الحملة الفرنبية، بل كان يحرض أمراء الأقاليم على القيام بهذا الواجب عليهم، وذلك بالنصرة له، وجهاد العدو معه، أو جهاد من يليهم منه، وتحرير أرض الإسلام، ويحذرهم خطورة تقاعسهم عنه، وكان يستتيب من لهرت ردته منهم، حتى تثبت توبته، فكان مباهدا داعيا إلى الله، وإلى إحياء دينه، وسنة نبيه ﷺ، وبعث سنن الخلفاء الراشدين في العدل والإصلاح في الأرض ، قال ابن الأثير: (وفي سنة ثمان وستين: سار نور الدين نحو ولاية الملك عز الدين ق ليج أرسلان بن مسعود ب ن (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 2 /254
عدد الصفحات ٤٧١vvvvvvvvvvvvvvvv 2 قليج أرسلان بن سليمان السلبوقي ، وهي ملطية وسيواس وقونية وأقصرا، عازما ع لى حربه وأخذ بلاده منه. وكان سبب ذلك: أن ذا النون بن دانشمند صاحب ملطية وسيواس وغيرهما من تلك البلاد قصده قليج أرسلان ، وأخذ بلاده وأخرجه عنها طريدا فريدا، فسار إلى نور الدين مستبيرا به وملتبئا إلى لله، فأكرم نزله وأحسن إليه، وحمل له ما يليق أن يحمل للملوك، ووعده النصر والسعي في رد ملكه إليه، وكانت عادة نور الدين أنه لا يقصد ولاية أحد من المسلمين إلا ضرورة ؛ إما ليستعين بها على قتال الفرنج، أو للخوف عليها منهم، كما فعل بدمشق ومصر وغيرهما، فلما قصده ذو النون راسل قليج أرسلان ، وشفع إليه في إعادة ما غلبه عليه من بلاده ، فلم يببه إلى ذلك، فسار نور الدين نحوه ، فابتدأ بكيسون وبهسنى ومرعش ومرزبان ، فملكها وما بينها من الحصون ، وسير طائفة من عسكره إلى سيواس فملكوها. وكان قليج أر سلان لما بلغه قصد نور الدين بلاده قد سار من أطرافها التي تلي الشام إلى وسطها خوفا وفرقا، وراسل نور الدين يستعطفه ويسأله الصلح والصفح عنه، فتوقف نور الدين عن قصده؛ رجاء أن ينصلح الأمر بغير حرب ، فأتاه من الفرنج ما أزعبه، فأجابه إلى الصلح. وكان في جملة رسالة نور الدين إليه إنني أريد منك أمورا وقواعد، ومهما تركت منها، فلا أترك ثلاثة أشياء: أحدها: أن تبدد إسلامك على يد رسوي حتى يحل ي إقرارك على بلاد الإسلام ، فإني لا أعتقدك مؤمنا، وكان قليج أرسلان يتهم باعتقاد مذاهب الفلاسفة! والثاني: إذا طلبت عسكرك إلى الغزا ة تسيره ، فإنك قد ملكت طرفا كبيرا من بلاد الإسلام ، وتركت الروم وجهادهم وهادنتهم، فإما أن تكون تنبدني بعسكرك؛ لأقاتل بهم الفرنج، وإما أن تباهد من يباورك من الروم، وتبذل الوسع والبهد في جهادهم.
عدد الصفحات ٤٧٢vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 3 والثالث: أن تزوج ابنتك لسيف الدين غازي ولد أخي. وذكر أمورا غيرها. فلما سمع قليج أرسلان الرسالة ، قال: ما قصد نور الدين إلا الشناعة علي بالزندقة، وقد أجبته إلى ما طلب أنا أجدد إسلامي على يد رسوله، واستقر الصلح، وعاد نور الدين وترك عسكره في سيواس مع فخر الدين عبد المسيح في خدمة ذي النون، فبقي العسكر بها إلى أن مات نور الدين ،فرحل العسكر عنها، وعاد قليج أرسلان وملكها). (4) طموح نور الدين زنكي لفتح القسطنطينية واستعادة القدس: فقد كان هدف نور الدين منذ بدء جهاده هو استعادة المسبد الأقصى وتحرير القدس، فعلم أنه لن يحققه ما لم يوحد الشام ومصر، مع العراق والمشرق؛ لمواجهة الحملة الصليبية بالأمة كلها، كما أدرك أهمية حماية الحرمين وتأمينهما من جهة البحر الأحمر غربا جنوبي مصر، ففتح النوبة، فكانت حركة التحرير والفتح تمتد من أرض الترك شمالا إلى أرض الحبشة جنوبا، ومن خراسان شرقا، إلى تونس وأطراف المغرب غربا، كما قال العماد: (قد سبق ذكر مليح بن لاون مقدم بلاد الأرمن والتبائه إلى نور الدين وتطاوله بقوته على الروم والأرمن، وكانت الدروب أذنه والمصيصة وسيواس يحميها كلب الروم ويوبطها ببنده حتى استولى عليها مليح بن لاون ، فكسرهم وقتل وأسر وساق لنور الدين من مقدمي الروم ثلاثين أسيرا، فأرسل نور الدين القاضي كمال الدين بن الشهرزوري بالأسر والهدايا إلى الخليفة المستضيء بأمر الله، ومعه كتاب يشرح هذه الكسرة، وما فتح من البلاد ويقول فيه: وقسطنطينية والقدس يبريان إلى أمد الفتوح في مومار المنافسة، وكلاهما في وحشة (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 2 /264
عدد الصفحات ٤٧٣vvvvvvvvvvvvvvvv 4 ليل الالام المدلهم على انتاار صباح المؤ انسة، والله تعالى بكرمه يدني قطاف الفتحين لأ هل الإسلام، ويوفق الخادم لحيازة مراضي الأمام! وفي آخره: ومن جملة حسنات هذه الأيام الزاهرة ما تسنى في هذه النوبة، من افتتاح بعض بلاد النوبة، والوصول إلى مواضع منها لم تطرقها سنابك الخيل الإسلامية في العص ور الخالية، وكذلك استولت عساكر مصر أيوا على برقة وحصونها، وتحكموا في محكم معاقلها ومصونها، حتى بلغوا إلى حدود المغرب، فافروا من السؤل بعنقاء مغرب. قلت: كان اتفق في هذه السنة وصول قراقوش غلام تقي الدين من الديار المصرية مع طائفة من الترك، وانوم إليهم جماعة من العرب، فاستولى على طرابلس وكثير من بلاد إفريقية ما خلا المهدية وسفاقس وقفصة وتونس. وفي آخر ذلك الكتاب: ونسأل الله التوفيق لاستدناء قواصي المنى، وإقصاء عبدة الصليب الأنباس من المسبد الأقصى، وأن يبعل فتح البيت المقدس مفتتح مراده، ومقتدح زناده، ومقترحه في جهاده، وأن يملكه الساحل ببميع بلاده)(4). فتح اليمن وعودته للخلافة لقد استطاع نور الدين محمود في ثلاثة عقود توحيد الموصل، والشام، ومصر، والنوبة، والمغرب الأدنى، واليمن، والقواء على قو الردة الباطنية في مصر واليمن، التي عاثت في الأرض فسادا، وكان هدفه الأسمى وهو تحر ير القدس واستعادة المسبد الأقصى نصب عينيه؛ ما مهد الطريق بعد وفاته لقائد جيوشه الفذ صلاح الدين الأيوبي وإخوته، باستكمال المهمة وتحقيق الفتح والنصر، قال العماد: (وفي رجب توجه تورانشاه أكري إخوة (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 2 /266
عدد الصفحات ٤٧٤vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 5 صلاح الدين إلى اليمن فملكها، وكان يحثه على المسير إليها عمارة اليمني شاعر القصر، وكان كثير المدح لتورانشاه، فتبهز وسار إلى مكة ثم إلى زبيد فملكها، وقبض على الخارجي بها وأهلكه نائبه سيف الدولة مبارك بن منقذ، ومضى إلى عدن فأخذها، واستناب فيها عز الدين عثمان الزنبيلي، وفتح حصن تعز وغيره من القلاع ففتح إقليما، ومنح ملكا ع ايما، وافترع بكرا، وشيع ذكرا. وقال ابن شداد: ولما كان سنة تسع وستين رأ صلاح الدين قوة عسكره، وكثرة عدد إخوته وقوة بأسهم، وكان بلغه أن باليمن إنسانا استولى عليها وملك حصونها، وهو يخطب لنفسه، يسمى عبد النبي بن مهدي، ويزعم أنه ينتشر ملكه إلى الأرض كلها واستت ب أمره، فرأ أن يسير إليها أخاه الأكري الملك المعام تورانشاه، وكان كريما أريحيا حسن الأخلاق، سمعت منه -يعنى من صلاح الدين - الثناء على كرمه ومحاسن أخلاقه وترجيحه إياه على نفسه، فمضى إليها، وفتح الله عليه).(4) قال العماد: (ثم سير نور الدين إلى بغداد بشارة بأمرين، أحدهما: فتح اليمن. والآخر : كسر الروم مرة ثانية، ومقدمهم الدوقس كلمان، وكان قديما أسيرا عند نور الدين من نوبة حارم، وفداه بخمسة وخمسين ألف دينار وخمس مئة وخمسين ثوبا أطلسا، وسير معه أسر من الروم).(2) (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 2 /4 (2) المصدر السابق 2 /6
عدد الصفحات ٤٧٥vvvvvvvvvvvvvvvv 6 الرقابة المالية في عهد نور الدين زنكي ومحاسبة صلاح الدين على المصروفات: وقد بلغ من رعاية نور الدين زنكي لمصالح الأمة، والقيام بمسئولياته بالحفاظ على أموالها، أن أرسل لبنة مالية لصلاح الدين الأيوبي ؛ لتقديم كشف بكل إيرادات مصر ودخلها على بيت المال، والمصروفات والرواتب؛ كما قال العماد: (وفي هذه السنة ، وصل رسول نور الدين الموفق بن القيسراني إلى الديار المصرية، و اجتمع بالسلطان الملك الناصر، وأنهى إليه رسالة نور الدين، وطالبه بحساب جميع ما حصله، وارتفع إليه من ارتفاع البلاد، فصعب ذلك على السلطان وأراد شق العصا، لولا ما ثاب إليه من السكينة، ثم أمر النواب بعمل الحساب وعرضه على ابن القيسراني ، وأراه جرائد الأجناد بمبالغ إقطاعهم ، وكميات جامكياتهم، ورواتب نفقاتهم).(4) إحباط صلاح الدين مؤامرة الفرنج والنصارى المصريين لاغتياله: فقد أدرك الفرنج خطورة مضي نور الدين وصلاح الدين في مشروع توحيد مصر و الشام على وجودهم في القدس، فرأوا بأن اغتيال صلاح الدين هو الوسيلة الوحيدة للقواء على مشروع نور الدين السياسي، وقد أعدوا العدة، وحددوا المدة، وكادت المؤامرة تنبح لولا أن الله لطف! قال العماد: (واجتمع جماعة من دعاة الدولة المصرية المتعصبة المتصعبة، المتشددة المتصلبة، وتوازروا وت زاوروا فيما بينهم خيفة وخفية، واعتقدوا أمنية، عادت بالعقبى عليهم منية، وعينوا الخليفة والوزير، وأحكموا الرأي والتدبير، وبيتوا أمرهم بليل، وستروا عليه بذيل؛ وكان عمارة اليمني الشاعر عقيدهم، ودعا للدعوة قريبهم وبعيدهم. (4) المصدر السابق 2 /9
عدد الصفحات ٤٧٦vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv ٧٧ وكانوا قد أودعوا سرهم عند من أذاعه، واستحفاوا من أضاعه، وأدخلوا عدة من أنصار الدولة الناصرية في جملتهم، وعرفوهم ببهلتهم. وكان الفقيه الواعظ زين الدين علي بن نبا يناجيهم فيما زين لهم من سوء أعمالهم، ويداخلهم في عزم خروجهم مطلعا على أحوالهم؛ وتقاسموا الدور والأملاك، وكادت آمالهم تدنو من الإدراك. فباء زين الدين الواعظ وأطلع صلاح الدين على فسادهم، وما سولوه من مراد مرادهم، وطلب ما لابن كامل الداعي من العقار والدور، وكل ماله من الموجود والمذخور؛ فبذل له السلطان كل ما طلبه، وأمره بمخالطتهم ورغبه. ثم أمر السلطان بإحوار مقدميهم، واعتقالهم لإقامة السياسة فيهم، وصلب يوم السبت ثاني شهر رموان جماعة منهم بين القصرين، منهم عمارة، وأفنى بعد ذلك من بقي منهم، ومات بموتهم الخري عنهم. وكان منهم داعي الدعاة ابن عبد القوي، وكان عارفا بخبايا القصر وكنوزه، فباد ولم يسمح بإبدائها، وبقيت تلك الخزائن مدفونة، وتلك الدفائن مخزونة، قد دفن دافنها، وخزن تحت الثر خازنها، إلى أن يأذن الله في الوصول إليها، والاطلاع عليها ، وجمع من أموال هؤلاء ما يحمل إلى الشام؛ للاستعانة به على حماية ثغور الإسلام). (4) وقال ابن أبي طي(2): (وقد كتب القاضي الفاضل إلى نور الدين كتابا شرح فيه قوية المصلوبين، فقال: بعد مطلع الكتاب: قصر هذه الخدمة على متبدد سار للإسلام وأهله، وبشارة مؤذنة باهور وعد الله في إلهاره على الدين كله، بعد أن كانت لها مقدمات عايمة، إلا أنها أسفرت عن النبح، وأوائل كالليلة البهيمة، إلا أنها انفرجت عن الصبح، فالإسلام (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 2 /222 (2) المصدر السابق 2 /226
عدد الصفحات ٤٧٧vvvvvvvvvvvvvvvv 2 بريكاته البادي ة وفتكاته الماضية قد عاد مستوطنا بعد أن كان غريبا، وضرب في البلاد ببرانه بعد أن كاد الكفر يتم عليه تخيلا عبيبا، إلا أن الله سبحانه أطلع على أمرها من أوله، وألهر على سرها من مستقبله، والمملوك يأخذ في ذكر الخري، ويعرض عن ذكر الأثر، لم يزل يتوسم من جند مصر ومن أهل القصر بعد ما أزال الله من بدعتهم، ونقض من عر دولتهم، وخفض من مرفوع كلمتهم، أنهم أعداء وإن قعدت بهم الأيام، وأضداد وإن وقعت عليهم كلمة الإسلام، وكان لا يحتقر منهم حقيرا، ولا يستبعد منهم شرا كبيرا، وعيونه لمقاصدهم موكلة، وخطراته في التحرز منهم مستعملة، لا تخلو سنة تمر، ولا شهر يكر، من مكر يبتمعون عليه، وفساد يتسرعون إليه، وحيلة يريمونها، ومكيدة يتممونها، وكان أكثر ما يتعللون به ويستريحون إليه المكاتبات المتواترة، والمراسلات المتقاطرة إلى الفرنج خذلهم الله تعالى، التي يوسعون لهم فيها سبل المطامع، ويحملو نهم فيها على العاائم الفاائع، ويزينون لهم الإقدام والقدوم، ويخلعون فيها ربقة الإسلام خلع المرتد المخصوم، ويد الفرنج بحمد الله قصيرة عن إجابتهم، إلا أنهم لا يقطعون حبل طمعهم على عادتهم، وكان ملك كلما سولت له نفسه الاستتار في مراسلتهم، والتحيل في مفاوضتهم؛ سير جرج كاتبه رسولا إلينا لاهرا، وإليهم باطنا عارضا علينا البميل الذي ما قبلته قط أنفسنا، وعاقدا معهم القبيح الذي يشتمل عليه في وقته علمنا، ولأهل القصر والمصريين في أثناء هذه المدد رسل تتردد، وكتب إلى الفرنج تتبدد! ثم قال: والمولى عالم أن عادة أوليائه المستفادة من أدبه ألا يبسطوا عقابا مؤلما، ولا يعذبوا عذابا محكما، وإذا طال لهم الاعتقال، ولم ينبع السؤال، أطلق سراحهم وخلى سبيلهم، فلا يزيدهم العفو إلا ضراوة، ولا الرقة عليهم إلا قساوة، وعند وصول جورج في هذه الدفعة الأخيرة رسولا إلينا بزعمه ، ورد إلينا كتاب ممن لا نرتاب به من قومه، يذكرون أنه رسو ل مخاتلة، لا رسول مباملة، وحامل بلية، لا حامل هدية، فأوهمناه الإغفال عن التيقظ لكل
عدد الصفحات ٤٧٨vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 9 ما يصدر منه وإليه، فتوصل مرة بالخروج ليلا، ومرة بالركوب إلى الكنيسة وغيرها نهارا إلى الاجتماع بحاشية القصر وخدامه ، وبأمراء المصريين وأسبابهم، وجماعة من النصار واليهود، وكلابهم وكتابهم، فدسسنا إليهم من طائفتهم من داخلهم ، فصار ينقل إلينا أخبارهم، ويرفع إلينا أحوالهم، ولما تكاثرت الأقوال، وكاد يشتهر علمنا بهذه الأحوال ؛ استخرنا الله تعالى وقبونا على جماعة مفسدة، وطائفة من هذا البنس متمردة، قد اشتملت على الاعتقادات المارقة، والسرائر المنافقة، فكلا أخذ الله بذنبه ، فمنهم من أقر طائعا عند إحواره، ومنهم من أقر بعد ضربه، فانكشفت أمور أخر كانت مكتومة، ونوب غير التي كانت عندنا معلومة، وتقريرات مختلفة في المراد، متفقة في الفساد! ثم ذكر تفصيلا حاصله: أنهم عينوا خليفة ووزيرا مختلفين في ذلك، فمنهم من طلب إقامة رجل كبير السن من بني عم العاضد، ومنهم من جعل ذلك لبعض أولاد العاضد، و إن كان صغيرا، واختلف هؤلاء في تعيين واحد من ولدين له، وأما بنو رزيك وأهل شاور؛ فكل منهم أراد الوزارة لبيتهم من غير أن يكون لهم غرض في تعيين الخليفة. ثم قال: وكانوا فيما تقدم والمملوك على الكرك والشوبك بالعسكر قد كاتبوهم، و قالوا لهم: إنه بعيد، والفرصة قد أمكنت، فإذا وصل الملك الفرنبي إلى صدر أو إلى أيلة؛ ثارت حاشية القصر، وكافة البند، وطائفة السودان، وجموع الأرمن، وعامة الإسماعيلية، وفتكت بأهلنا وأصحابنا بالقاهرة! ثم قال: ولما وصل جورج ، كتبوا إلى الملك الفرنبي ، أن العساكر متباعدة في نواحي إقطاعاتهم، وعلى قرب من موسم غلاتهم، وأنه لم يبق في القاهرة إلا بعوهم، وإذا بعثت أسطولا إلى بعض الثغور؛ أنهض فلان من عنده ، وبقي في البلد وحده، ففعلنا ما تقدم ذكره من الثورة!
عدد الصفحات ٤٧٩vvvvvvvvvvvvvvvv 422 ثم قال: وأثناء هذه المدة كاتبوا سنانا صاحب الحشيشية بأن الدعوة واحدة، والكلمة جامعة، وأن ما بين أهلها خلاف إلا فيما لا يفترق به كلمة ولا يبب به قعود عن نصرة، واستدعوا منه من يتمم على المملوك غيلة ، أو يبيت له مكيدة وحيلة ﴿ وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيط ﴾ وكان الرسول إليهم عن المصريين خال ابن قرجلة المقيم الآن هو وابن أخته عند الفرنج! ولما صح الخري، وكان حكم الله أولى، ما أخذ به، وأدب الله أمضى، فيمن خرج عن أدبه، وتناصرت من أهل العلم الفتاو ، وتوالت من أهل المشورة بسبب تأخير القتل في هم المراجعات والشكاو ؛ قتل الله بسيف الشرع المطهر جماعة من الغواة الغلاة الدعاة إلى النار، الحاملين لأثقالهم وأثقال من أضلوه من الفبار، وشنقوا على أبواب قصورهم، وصلبوا على البذوع المواجهة لدورهم، ووقع التتبع لأتباعهم، وشردت طائفة الاسماعيلية ونفوا، ونودي بأن يرحل كافة الأجناد ، وحاشية القصر، وراجل السودان، إلى أقصى بلاد الصعيد، فأما من في القصر فقد وقعت الحوطة عليهم، إلى أن ينكشف وجه رأي يمضي فيهم، ولا رأي فوق رأي المولى والله سبحانه مستخار، وهو مستشار، وعنده من أهل العلم من تطيب النفس بتقليده، وتمضي الحدود بتحديده، ورأ المملوك إخراجهم من القص،ر فإنهم مهما بقوا فيه بقيت مادة لا تنحسم الأطماع عنها ، فإنه قبلة للولال منصوبة، وبيعة للبدع محبوجة! ومما يطرف به المولى أن ثغر الإسكندرية على عموم مذهب السنة فيه أطلع البحث أن فيه داعية، خبيثا أمره، محتقرا شخصه، عايما كفره، يسمى قديد القفاص، وأن المذكور مع خموله في الديار المصرية، قد فشت في الشام دعوته، وطبقت عقول أهل مصر فتنته، وأن أرباب المعايش فيه يحملون إليه جزءا من كسبهم، والنسوان يبعثن إليه شطرا وافيا من أموالهن، ووجدت في منزله بالإسكندرية عند القبض له، والهبم عليه، كتب مبردة فيها
عدد الصفحات ٤٨٠vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 424 خلع العذار، وصريح الكفر الذي ما عنه اعتذار، ورقاع يخاطب بها فيها ما تقشعر منه البلود، وكان يدعى النسب إلى أهل القصر، وأنه خرج منه طفلا صغيرا، ونشأ على الولالة كبيرا، وبالبملة، فقد كفى الإسلام أمره، وحاق به مكره، وصرعه كفره. قلت: وفي قوية عمارة هذه يقول العلامة تاج الدين الكندي ونقلته من خطه عـمـارة في الإســلام أبــد جنــايــة وأمسـى شريك الشـرك في بغض أحمد وبـايـع فـيـهـا بـيـعـة وصــليبــا فـأصــبح في حـب الصــليب صــليبا وفاة نور الدين محمود بن الشهيد عماد الدين زنكي سنة 512 هـ: لقد قضى نور الدين محمود حياته السياسية في السلطة -وهي ثلاثين سنة- في البهاد في سبيل الله، وقد برّ بقسمه ألاّ يستال ببدار حتى يأخذ بثأر الإسلام، فوفى وعده، واستنفد جهده، ووافاه أجله وهو لم يكمل الستين من عمره، بعد اشتداد مرضه، وانشغاله بالبهاد وبالأمة عن نفسه وعن صحته، ففاضت روحه والأ مة بفول جهاده أحسن ما تكون منعة وقوة، وأشد ما تكون اجتماعا ووحدة، وأقرب ما تكون لفتح القدس، وطرد الحملة الصليبية منها ؛ وهو ما تحقق بعد وفاته على يد قادة جيشه، الذين آمنوا بما آمن به، وجاهدوا على ماجاهد، فكان نعم الأسوة لهم والقدوة، وقد حاول صلاح الدين الا قتداء به في كل شأنه، في جهاده، وعدله، وورعه، زهده، وحسن شمائله، وفوله، فكان حسنة من حسناته، ولبنة من لبناته، في صرح الخلافة وأيامها، قال ابن شداد: (وكانت وفاة نور الدين بسبب خوانيق اعترته عبز الأطباء عن علاجها، ولقد حكى ي صلاح الدين ، قال: كان يبلغنا عن نور الدين أنه ربما قصدنا بالديار المصرية، وكانت جماعة أصحابنا يشيرون بأن نكاشف ونخالف ونشق عصاه، ونلقى عسكره بمصاف يرده إذا تحقق قصده.
عدد الصفحات ٤٨١vvvvvvvvvvvvvvvv 422 قال: وكنت وحدي أخالفهم، وأقول: لا يبوز أن يقال شيء من ذلك، ولم يزل النزاع بيننا حتى وصل الخري بوفاته رحمه الله تعالى ورضي عنه. قال ابن الأثير: وكان نور الدين قد شرع بتبهيز المسير إلى مصر لأخذها من صلاح الدين ؛ لأنه رأ منه فتورا عن غزو الفرنج من ناحيته، فأرسل إلى الموصل وديار البزيرة وديار بكر يطلب العساكر؛ ليتركها بالشام؛ لمنعه من الفرنج؛ ليسير هو بعساكره إلى مصر، و كان المانع لصلاح الدين من الغزو الخوف من نور الدين، فإنه كان يعتقد أن نور الدين متى زال عن طريقه الفرنج؛ أخذ البلاد منه، فكان يحتمي بهم عليه، ولا يؤثر استئصالهم. وكان نور الدين لا ير إلا البد في غزوهم ببهده وطاقته، فلما رأ إخلال صلاح الدين بالغزو وعلم غرضه ؛ فتبهز للمسير إليه، فأتاه أمر الله الذي لا يرد. قلت: ولو علم نور الدين ماذا ذخر الله تعالى للإسلام من الفتوح البليلة على يدي صلاح الدين من بعده لقرت عينه، فإنه بنى على ما أسسه نور الدين من جهاد المشركين، وقام بذلك على أكمل الوجوه وأتمها رحمهما الله تعالى. قال: وحكى ي طبيب بدمشق يعرف بالرحبي، وهو من حذاق الأطباء ، قال: استدعاني نور الدين في مرضه الذي توفي فيه مع غيري من الأطباء ، فدخلنا عليه وهو في بيت صغير بقلعة دمشق، وقد تمكنت الخوانيق منه، وقارب الهلاك، فلا يكاد يسمع صوته، وكان يخلو فيه للتعبد في أكثر أوقاته، فابتدا به المرض فيه، فلم ينتقل عنه، فلما دخلنا عليه، ورأينا ما به؛ قلت له: كان ينبغي أن لا يؤخر إحوارنا إلى أن يشتد بك المرض إلى هذا الحد، فالآن ينبغي أن تنتقل إلى مكان فسيح، فله أثر في هذا المرض، وشرعنا في علاجه ؛ فلم ينبع فيه الدواء، وعام الداء، ومات عن قريب . قال ابن الأثير: وكان أسمر طويل القامة ليس له لحية إلا في حنكه، وكان واسع الببهة، حسن الصورة، حلو العينين، وكان قد اتسع ملكه جدا ، فملك الموصل وديار البزيرة ،
عدد الصفحات ٤٨٢