vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 454 وكان مدة مقامهم على دمياط خمسين يوما، أخرج منها صلاح الدين أموالا لاتحصى، حكى عنه أنه قال: ما رأيت أكرم من العاضد، أرسل إي مدة مقام الفرنج على دمياط ألف ألف دينار مصرية سو الثياب وغيرها. قال القاضي ابن شداد: لما علم الفرنج ما جر من المسلمين وعساكرهم، وما تم للسلطان من استقامة الأمر في الديار المصرية ؛ علموا أنه يملك بلادهم ، ويخرب ديارهم ، ويقلع آثارهم؛ لما حدث له من القوة والملك، فاجتمع الفرنج والروم جميعا، وحدثوا نفوسهم بقصد الديار المصرية، والاستيلاء عليها وملكها، ورأوا قصد دمياط؛ لتمكن القاصد لها من الري والبحر، ولعلمهم أنها إن حصلت لهم، حصل لهم مغرس قدم يأوون إليه. فاستصبحوا المنبنيقات والدبابات والبروخ وآلات الحصار وغير ذلك. ولما سمع الفرنج بالشام ذلك اشتد أمرهم، فسرقوا حصن عكا من المسلمين، وأسروا صاحبها، وكان مملوكا لنور الدين يسمى خطلخ العلمدار، وذلك في ربيع الآخر منها. وفي رجب منها توفي العمادي صاحب نور الدين وأمير حاجبه، وكان صاحب بعلبك وتدمر. ولما رأ نور الدين لهور الفرنج ونزولهم على دمياط قصد شغل قلوبهم، فنزل على الكرك محاصرا لها في شعبان من هذه السنة، فقصده فرنج الساحل، فرحل عنها، وقصد لقاءهم، فلم يقعوا له، ثم بلغه وفاة مبد الدين بن الداية بحلب في رموان، فاشتغل قلبه؛ لأنه كان صاحب أمره، فعاد يطلب الشام، فبلغه خري الزلزلة بحلب التي ضربت كثيرا من البلاد، وكانت في ثاني عشر شوال من السنة المذكورة وهو بعشترا، فسار يطلب حلب، فبلغه موت أخيه قطب الدين بالموصل، وكانت وفاته في الثاني والعشرين من ذي الحبة، وبلغه الخري وهو بتل باشر، فسار ليلته طالبا بلاد الموصل.
عدد الصفحات ٤٥١vvvvvvvvvvvvvvvv 452 ولما علم صلاح الدين شدة قصد العدو دمياط؛ أنفذ إلى البلد وأودعه من الرجال والأبطال ، والفرسان والميرة، والآت السلاح ، ما أمن معه عليه، ووعد المقيمين فيه بإمدادهم بالعساكر والآلات، وإزعاج العدو عنهم إن نزل عليهم، وبالغ في الهدايا والعطايا والهبات، وكان وزيرا متحكما لا يرد أمره في شيء، ثم نزل الفرنج عليها في التاريخ المذكور، واشتد زحفهم عليها وقتالهم لها، وهو يشن الغارات عليهم من خارج، والعسكر يقاتلهم من داخل، ونصر الله للمسلمين يؤيدهم، وحسن قصده في نصرة دين الله يسعدهم وينبدهم، حتى بان لهم الخسران، ولهر على الكفر الإيمان، ورأوا أنهم ينبون برؤسهم، ويسلمون بنفوسهم، فرحلوا خائبين خاسرين، فحرقت مبانيقهم، ونهبت الآتهم، وقتل منهم خلق عايم، وسلم البلد بحمد الله ومنه).(4) قال أبو شامة: (وبلغني من شدة اهتمام نور الدين بأمر المسلمين حين نزل الفرنج على دمياط أنه قرئ عليه جزء من حديث كان له به رواية، فباء في جملة تلك الأحاديث حديث مسلسل بالتبسم، فطلب منه بعض طلبة الحديث أن يتبسم لتتم السلسلة، على ما عرف من عادة أهل الحديث، فغوب من ذلك وقال: إني لأستحيي من الله تعالى أن يراني متبسما، والمسلمون محاصرون بالفرنج! وبلغني أن إماما لنور الدين رأ ليلة رحيل الفرنج عن دمياط في منامه النبي ﷺ وقال له: أعلم نور الدين أن الفرنج قد رحلوا عن دمياط في هذه الليلة! فقال: يا رسول الله ربما لا يصدقني، فاذكر ي علامة يعرفها! فقال: قل له بعلامة ما سبدت على تل حارم ، وقلت: يارب انصر دينك ولا تنصر محمو دا، من هو محمود الكلب حتى ينصر!! (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 2 /439
عدد الصفحات ٤٥٢vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 453 قال: فانتهيت ونزلت إلى المسبد، وكان من عادة نور الدين أنه كان ينزل إليه بغلس و يزال يتركع فيه حتى يصلي الصبح، قال: فتعرضت له، فسألني عن أمري، فأخريته بالمنام، وذكرت له العلامة، إلا أنني لم أذكر لفاة الكلب. فقال نور الدين : اذكر العلامة كلها؛ وألح علي في ذلك، فقلتها؛ فبكى وصدق الرؤيا. وأرخت تلك الليلة فباء الخري برحيل الفرنج بعد ذلك في تلك الليلة).(4) وصول خ وفاة الخليفة المستنجد بالله العباسي واستخلاف المستضيء: (وصل الخري بموت الإمام المستنبد بالله أبي المافر يوسف بن المقتفي –سنة 566ه- ونور الدين مخيم بشرقي الموصل بتل توبة، وكانت وفاته يوم السبت تاسع ربيع الآخر، وبويع ابنه المستضيء بأمر الله أبو محمد الحسن..).(2) قال العماد: (وجاءنا رسل دار الخلافة مبشرين بخلافة المستضيء، واتفق ذلك يوم عبور دجلة، وركب يوم النزول على تل توبة في الأهبة السوداء واليد البيواء، وذلك بمرأ ومنار من أهل الموصل الحدباء، ثم أرسل نور الدين الشيخ شرف الدين بن أبي عصرون إلى بغداد نائبا عنه في خدمة الإمام). (3) (4) المصدر السابق2 /443 (2) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 2 /٧٧ (3) المصدر السابق 2 /9
عدد الصفحات ٤٥٣vvvvvvvvvvvvvvvv 454 الفصلالثالث: تجديد الخلافة العباسية وبعث الروح الجهادية الخطبة للخلافة العباسية بمصر مطلع سنة 512 هـ: وقد لل صلاح الدين يدير شئون مصر أربع سنوات، ويقيم فيها قواعد العدل، ويطهرها من الباطنية، وكان العاضد الفاطمي ابن 44 سنة، حين تولى صلاح الدين الوزارة، وكان نور الدين محمود ير صلاح الدين نائبا عنه، وقائدا من قيادات جيشه، الذي أرسله لمصر لتحريرها من الفرنبة، وتوحيدها مع الشام والموصل، تحت لل الخلافة العباسية، فعزم عليه بإعلان عودة مصر رسميا للخلافة، بالخطبة للخليفة العباسي المس تضيء بأمر الله، فقام بالإعلان عن ذلك في سنة ٧ه، وبهذا انتهت الدولة الفاطمية الباطنية، قال أبو شامة -في أحداث سنة ٧ه-: (قطع صلاح الدين الخطبة بمصر للعاضد العلو ي وأقامها للمستضيء المذكور، وذلك أنه لما تمكن أمر صلاح الدين بمصر وهو فيها وكان كالنائب بمصر لنور الدين محمود صاحب الشام، وكان العاضد قد مرض واشتد مرضه، فبعث السلطان نور الدين لصلاح الدين يحتم عليه قطع الخطبة للعاضد والخطبة للمستضيء، ففعل.. واستفتى العلماء في ذلك)، ولما وصل الخري بغداد (سيرت الخلع إلى السلطانين نور الدين وصلاح الدين والخطباء، وسيرت الأعلام السود). (4) (4) مآثر2/54 – 52.
عدد الصفحات ٤٥٤vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 455 قال أبو شامة: (واستفتحها صلاح الدين بإقامة الخطبة في البمعة الأولى منها بم لبني العباس، وفي البمعة الثانية خطب لهم بالقاهرة، وانقطع ذكر خلفاء مصر منها، وتوفي العاضد يوم عاشوراء بالقصر، وانقوت تلك الدولة بانتهاء ما دام لها من العصر... وقال ابن الأثير: كان السبب في ذلك أن صلاح الدين يوسف بن أيوب لما ثبتت قدمه في مصر، وزال المخالفون له، وضعف أمر العاضد وهو الخليفة بها، ولم يبق من العساكر المصرية أحد، كتب إليه الملك العادل نور الدين محمود يأمره بقطع الخطبة العاضدية، وإقامة الخطبة العباسية، فاعتذر صلاح الدين بالخوف من وثوب أهل مصر، وامتناعهم من الإجابة إلى ذلك؛ لميلهم إلى العلويين، فلم يصغ نور الدين إلى قوله، وأرسل إليه يلزمه بذلك إلزاما لا فسحة له فيه. واتفق أن العاضد مرض ، وكان صلاح الدين قد عزم على قطع الخطبة له ، فاستشار الأمراء كيف يكون الابتداء بالخطبة العباسية، فمنهم من أقدم على المساعدة وأشار بها، ومنهم من خاف ذلك إلا أنه لم يمكنه إلا امتثال أمر نور).(4) وقال ابن أبي طي الحلبي: (قد قدمنا ذكر مكاتبة نور الدين وإلحاحه على صلاح الدين في إقامة الخطبة بمصر للعباسيين، وأنه أنفذ إليه أباه الأمير نبم الدين أيوب لأجل ذلك، لما كتب الخليفة المستنبد إلى نور الدين في ذلك، ولما وي ابنه المستضيء أقبل أيوا على مكاتبة نور الدين فيه، وألح نور الدين على صلاح الدين في طلبه، وأفضى به الأمر إلى أنه اتهم صلاح الدين وشنع عليه بسببه وأكثر القول في ذلك. ولما قدم الأمير نبم الدين حداه على فعل ذلك ؛ فاعتذر إليه بأن أحواله لم تستقر بعد، وأموره موطربة وأعداؤه كثيرون، وأن المصريين لهم جماعة كبيرة متفرقة في بلاد مصر (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 2 /429
عدد الصفحات ٤٥٥vvvvvvvvvvvvvvvv 456 من السودان وغيرهم، وأن هذا الأمر وإن لم يؤخذ على التدريج وإلا فسدت أحواله، فلما أوقع السلطان الملك الناصر بالسودان والأرمن ، ونكب أمراء المصريين وقطع أخبارهم، ونزل أجناده في دورهم، ثم قطع إقطاع العاضد وقبض جميع ما كان بيده من البلاد، واستولى على القصور، ووكل بها وبمن فيها قراقوش الخادم، وخلت له بلاد مصر من معاند ومنابذ، ثم شرع وأبطل من الأذان: حي على خير العمل، وأنكر على من يتسم بمذهبهم الانتساب إليهم، فلما رأ أموره مواتية، وأعداؤه قليلون؛ شرع حينئذ في الخطبة لبني العباس، ولما عول على ذلك أمر والده الأمير نبم الدين بالنزول إلى البامع في جماعة من أصحابه وأمراء دولته، وذلك في أول جمعة من السنة، وأمره أن يحضر الخطيب إليه، ويأمره بما يختاره، وإنما فعل الملك الناصر ذلك ووكل الأمر إلى غيره ؛ استاهارا وخوفا من فادحة ربما طرأت أو عدو ربما ثار، فيكون هو معتذرا من ذلك).(4) تولية نور الدين ابن عصرون قضاء مصر وطاعة صلاح الدين له وقد بدأ نور الدين بعد فتح مصر بالإصلاح السياسي بالخطبة للخلافة العباسية ببغداد، والاعتراف بالشرعية لها، واستعادة وحدة الأمة والدولة الإسلامية، ولم يمنعه قوة سلطانه وامتداده من الموصل إلى الشام إلى مصر وتونس أن يوحّ د أقاليم دولة الخلافة؛ لمواجهة الحملات الصليبية، كما شرع في إصلاح القواء في مصر بعد فساده، فأرسل إليه القاضي العادل ابن عصرون، كما قال أبو شامة: (وقد وقفت على كتاب بخط نور الدين يشكر فيه من صلاح الدين ، وذلك ضد ما قاله ابن أبي طي (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 2 /492
عدد الصفحات ٤٥٦vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv ٧ كتب نور الدين ذلك الكتاب إلى الشيخ شرف الدين بن أبي عصرون وهو بحلب ليوليه قواء مصر. صورته: حسبي الله وكفى. وفق الله الشيخ الإمام شرف الدين لطاعته وختم له بخير، غير خاف عن الشيخ ما أنا عليه وفيه، وكل غرضي ومقصودي في مصالح المسلمين، وما يقربني إلى الله، والله وي التوفيق، والمطلع على نيتي. وأنت تعلم نيتي كما قال عز من قائل: ﴿وَمَنر عِندَهُ عِلرمُ الركِتَ اب﴾. أنت تعلم أن مصر اليوم قد لزمنا النار فيها، فهي من الفتوحات الكبار، التي جعلها الله تعالى دار إسلام بعد ما كانت دار كفر ونفاق؛ فلله المنة والحمد، إلا أن المقدم على كل شي ء أمور الدين التي هي الأصل، وبها النباة ، وأنت تعلم أن مصر وإقليمها ما هي قليلة، وهي خالية من أمور الشرع، وما تدخر الدموع إلا للشدائد، وأنا ماكنت أسخي ولا أشتهي مفارقتك، والآن فقد تعين عليك وعلي أيوا أن ننار إلى مصالحها، وما لنا أحد اليوم لها إلا أنت، ولا أقدر أوي أمولها ولا أقلدها إلا لك حتى تريأ ذمتي عند الله، فيبب عليك، وفقك الله، أن تشمر عن ساق الاجتهاد ، وتتولى قواءها، وتعمل ما تعلم أنه يقربك إلى الله، وقد برئت ذمتي، وأنت تباوب الله، فإذا كنت أنت هناك وولدك أبو المعاي ، وفقه الله، فيطيب قلبي وتريأ ذمتي، وقد كتبت هذا بخطي حتى لايبقى علي حبة، تصل أنت وولدك عندي حتى أسيركم إلى مصر والسلا م. بموافقة صاحبي واتفاق منه صلاح الدين، وفقه الله، فأنا منه شاكر كثير كثير كثير، جزاه الله خيرا وأبقاه، ففي بقاء الصالحين والأخيار صلاح عايم، ومنفعة لأهل الإسلام. الله تعالى يكثر من الأخيار وأعوان الخير، وحسبنا الله ونعم الوكيل. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
عدد الصفحات ٤٥٧vvvvvvvvvvvvvvvv 452 قال ابن أبي طي: وأبطل صلاح الدين من المكوس والماالم: ما يستخرج بديوان صناعة مصر مائة ألف دينار، وما يستخرج بالأعمال القبلية والبحرية مائة ألف دينار؛ فسامح ببميع ذلك، وأمر بكتابة سبل به من ديوان الإنشاء، وأنفذ إلى سائر أعمال مصر يقر أ على المنابر. وعرض عليه سياقه جرائد الدوواين في جهات المستخدمين والمعاملين لعدة سنين متقدمة، آخرها سنة أربع وستين وخمسمائة، فكان مبلغه ينيف عن ألف ألف دينار، وألفي ألف أردب غلة، فسامح في جميع ذلك، وأبطله من الدواوين، وأسقطه عن المعاملين. وأنهى إليه ما يستأدي من الحباج بالحباز المحروس من المكوس، فأنكره وأكريه، وعوض عنه بعدة ضياع؛ فأغاث أهل الحباز بما أوسعهم من العين والغلة يطول شرحها. قلت: وسيأتي كل ذلك في موضعه. ونسخة منشور إسقاط المكوس في أخبار سنة سبع وستين، وذلك بإشارة نور الدين ، وفي أيامه(4) كتابةخبر عودة مصر للخلافة العباسية إلى عامة الأقطار الإسلامية: قال أبو شامة: (حكى ابن المارستاني في سيرة ابن هبيرة الوزير قال: إن من عبيب ماجر في أمر المصريين أن رأ إنسان من أهل بغداد في سنة خمس وخمسين وخمسمائة، كأن قمرين أحدهما أنور من الآخر، والأنور منهما م سامت للقبلة وله لحية سوداء فيها طول، ويهب أدنى نسيم فيحركها، وأثر حركتها وللها في الأرض؛ وكان الرجل يتعبب من ذلك، وكأنه سمع أصوات جماعة يقرؤون بألحان وأصوات لم يسمع قط مثلها، وكأنه سأل بعض من حضر فقال: ماهذا، فقالوا: قد استبدل الناس بإمامهم. (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 2 /449
عدد الصفحات ٤٥٨vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 459 قال: وكان الر جل استقبل القبلة ، وهو يدعو الله أن يبعله إماما برا تقيا، واستيقظ الرجل. وبلغ هذا المنام ابن هبيرة الوزير إذ ذاك ببغداد، فعري المنام بأن الإمام الذي بمصر يستبدل به، وتكون الدعوة لبني العباس لمكان اللحية السوداء، وقو هذا عنده حتى كاتب نور الدين حين دخل أسد الدين إلى مصر في أول مرة بأنه يافر بمصر، وتكون الخطبة لبني العباس بها على يده. وقيلت في ذلك الزمان أشعار في هذا، منها قصيدة شمس المعاي أبي الفوائل الحسين ابن محمد بن تركان، وكان حاجب ابن هبيرة، قالها حين سمع تأويله المنام: لـتـهـنـك يـا مولى الأنـام بشـــارة ضربــت بــهــا هــام الأعــادي بهمــة بـعـثـت إلى شرق الــبــلاد وغــربهــا فقامت مقام الســيف والســيف قاطر وقـدت لهـا جيشــا من الروع هـائلا ملكت به أقصــ ــــ ى المغــــ ارب عنوة لــيهــنــك يامـولاي فتحـا تتابعت أخـــ ذت به مصـــ را وقد حال دونها وقـد دنســت منهـا المنـابر عصــبـة فـطـهـرهـا من كــل شرك وبــدعــة فعـادت بحمـد اللـه بـاســم إمـامنا ولاغرو أن دانت ليوســف مصــ ــــ ره بهـــ ا سيـــ ف دين الله بالحق مرهف تقاصــ ــــر عنها الســمهري المثقف بـعـوثـا مـن الآراء تـحـيـي وتتلف ونابت مناب الرمـــ ح والرمـــ ح يرعف إلى كـل قــلــب مــن عــداتــك يزحف وكـادت بمن فيهـا المشـــارق ترجف إليـك بـه حوص الركـــــ ائب توجف من الشرك ناس في لهى الحـــ ق تقذف يعاف التقي والديـــ ن منهم ويأنـــ ف أغـر غـريـر بـالمـكـارم يشـــغـف تتيــــه على كل البلاد وتشــ ــــرف وكــانــت إلى عــلــيــائــه تــتشـــوف
عدد الصفحات ٤٥٩vvvvvvvvvvvvvvvv 462 تملكها من قبوــة الكفر يوســ ــــ ف وخلصــها من عصــبة الرفض يوســف قال يحيى بن أبي طي: يريد بيوسف الأول يوسف الصديق النبي ﷺ، ويوسف الثاني المستنبد بالله الخليفة يومئذ، وقاله على سبيل الفأل؛ ألا تراه قال بعد هذا البيت: فشـــابــهــتــه خلقــا وخلقــا وعفــة وكـل عــن الــرحمن في الأرض يخلف وجر الفأل في البيت باسم الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب؛ لأن المس تنبد مات قبل تغيير الخطبة لبني العباس، وهذا من عبيب الاتفاق! وذكر ابن المارستاني في السيرة المذكورة قال: وكان هذا المنام سببا إلى أن كاتب الوزير ابن هبيرة نور الدين بن زنكي، يحثه على التعرض لمصر والبعث إليها، واتفق في اثناء ذلك نوبة شاور وزير صاحب القصر وقدومه هاربا منه إلى نور الدين؛ فحرك ذلك ما كان تخمر في نفسه مما كان كاتبه به ابن هبيرة، فاستطلع من شاور الأسباب التي يمكن بها الدخول على المصريين؛ فشرحها وأوضحها، فسير إليها أسد الدين كما سبق ذكره. قال: ولما قطعت خطبة العاضد استطال أهل السنة على الإسماعيلية وتتبعوهم وأذلوهم وصاروا لا يقدرون على الاهور من دروهم، و إذا وجد أحد من الأتراك مصريا؛ أخذ ثيابه وعامت الأذية بذلك وجلا أكثر أهل مصر عنها إلى البلاد، وفرح الناس بذلك، وكتبت الكتب به إلى الأقطار، وتحدث به السمار. ولما وصل خري ذلك إلى نور الدين ندب للبشارة به إلى بغداد شهاب الدين أبا المعاي المطهر بن أبي عصرون، و كتب معه نسخة بشارة تقرأ بكل مدينة يمر بها يقول فيها: أصدرنا هذه المكاتبة إلى جميع البلاد الإسلامية عامة بما فتح الله على أيدينا رتاجه، وأوضح لنا منهاجه، وهو ما اعتمدناه من إقامة الدعوة الهادية العباسية ببميع المدن والبلاد والأقطار والأمصار المصرية والإسكند رية ومصر والقاهرة، وسائر الأطراف الدانية والقاصية، والبادية
عدد الصفحات ٤٦٠vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 464 والحاضرة، وانتهت إلى القريب والبعيد، وإلى قوص وأسوان بأقصى الصعيد، وهذا شرف لزماننا هذا وأهله، يفتخر به على الأزمنة التي موت من قبله، وما برحت هممنا إلى مصر مصروفة، وعلى افتتاحها موقوفة، وعزائمنا في إقامة الدعوة الهادية بها ماضية، والأقدار في الأزل بقواء آرابنا ونباز مواعدنا قاضية، حتى لفرنا بها بعد يأس الملوك منها، وقدرنا عليها وقد عبزوا عنها، وطالما مرت عليها الحقب الخواي ، وآبت دونها الأيام واللياي ، وبقيت مئتين وثمانين سنة ممنوة بدعوة المبطلين، مملوة بحزب الشياطين، سابغة للالها للولال، مقفرة المحل إلا من المحال، مفتقرة إلى نصرة من الله تملكها، ونارة تدركها، رافعة يدها في إشكائها، متالمة إليه ليكفل بإعدائها على أعدائها، حتى أذن الله لغمتها بالانفراج، ولعلتها بالعلاج، وسبب قصد الفرنج لها وتوجههم إليها، طمعا في الاستيلاء عليها، واجتمع داءان: الكفر والبدعة، وكلاهما شديد الروعة، فملكنا الله تلك البلاد، ومكن لنا في الأرض، وأقدرنا على ما كنا نؤمله في إزالة الالحاد والرفض، من إقامة الفرض، وتقدمنا إلى من استنبناه أن يستفتح باب السعادة، ويستنبح ما لنا من ا لإرادة، ويقيم الدعوة الهادية العباسية هنالك، ويورد الأدعياء ودعاة الإلحاد بها المهالك.. وهو كتاب طويل اخترت منه الغرض وهو هذا. قال: وسار شهاب الدين بن أبي عصرون إلى جهة بغداد، ولم يترك مدينة إلا دخلها بهذه البشارة البليلة القدر، وقرأ فيها هذا المنشور العايم الخطر والذكر، حتى وصل إلى بغداد فخرج الموكب إلى تلقيه وجميع أهل بغداد مكرمين لخطير وروده، معامين لبليل موروده، ونثرت عليه دنانير الإنعام، وحبي بكل إحسان وإكرام، وأرسلت التشريفات إلى نور الدين وصلاح الدين كما سيأتي ذكره. وقال العماد: كان صلاح الدين لا يخرج عن أمر نور الدين، ويعمل له عمل القو ي الأمين، ويرجع في جميع مصالحه إلى رأيه المتين، وقد كان كاتبه نور الدين في شوال سنة ست
عدد الصفحات ٤٦١vvvvvvvvvvvvvvvv 462 وستين بتغيير الخطبة، وتذليل أمورها الصعبة، وافتراع بكر هذه القوية وفرع الرتبة، وأيقن أن أمره متبوع، وقوله مسموع، وحكمه مشروع، ونطقت بذلك قبل التمام، ألسن الخواص والعوام، فسير نور الدين شهاب الدين أبا المعاي المطهر بن الشيخ شرف الدين بن أبي عصرون بهذه البشارة، وإشاعة ما تقدم له بها من الإشاعة، وأمرني بإنشاء بشارة عامة تقرأ في سائر بلاد الإسلام، وبشارة خاصة للديوان العزيز، بحضرة الإمام ، في مدينة السلام، ثم ذكر نسخة الكتابين. ثم قال: ونامت قصيدة مشتملة على الخطبة بمصر أولها: قد خطبنا للمســتوــئ بمصــ ــــر وخذلنا لنصــ ـــــ رة العوــد العا= نـــائب المصــطفى إمام العصــ ـــر =ضــد والقاصر الذي بالقصــ ـــ ـــ ر أراد بالعود: وزير بغداد عود الدين بن رئيس الرؤساء. قال العماد في كتاب الخريدة: قصدت بالعود والعاضد المبانسة، ونصرة وزير الخليفة كنصرته. قال: ووصل الخري بالخطبة في الإسكندرية يوم البمعة سابع شهر رموان، وفي مصر والقاهرة يوم البمعة ثامن عشري شهر رموان لمولانا الإمام المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين، وإشاعة شعار بني العباس بها، فقلت ونحن نزول ببسر الخشب من دمشق في عاشر شوال وكتبت بها إلى بغداد، فذكر هذه القصيدة. وقال في الريق: ووصل من دار الخلافة في جواب هذه البشارة عماد الدين صندل، وهو من أكابر الخدم المقتفوية، من ذوي الروية والهمة القوية، وتولى أستاذية الدار العزيزة بعد عزل كمال الدين بن عود الدين عنها، فأكرم نور الدين بإرسال مثله إليه، وعول في هذا الأمر المهم عليه، وهو أكرم رسول وصل، فأنبح الأمل، وجاء بالتشريف الشريف لنور الدين
عدد الصفحات ٤٦٢vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 463 مكملا، معاما مبملا، بأهبته السوداء العراقية، وحلله الموشية، وطوقه الثقيل، ولوائه البليل. و عين يوم يحضر فيه الرسول، ونصوا على من يحضر في مبلس نور الدين، وأغفلوا ذكر العماد، فطلبه نور الدين لما حضروا، وقام لقيام الرسل له لما حضر، وقصد أن يعرفهم منزلته عنده، وناوله الكتاب ليقرأه. قال: فتناوله منى الموفق بن القيسراني خالد، وكان عنده في مقام الوزير، وله انبساط زائد فداريته وماريته، وتركته يقرأ وأنا أرد عليه، وأرشده في التلاوة إلى ما لا يهتدي إليه، حتى أنهاه، وأنا على افتئاته علي لا أنهاه، فأعبب نور الدين صمتي وسمتي، وأحمد مني فول التأتي، واجتاب الأهبة، ولبس الفرجية فوقها، وتقلد مع تقلد السيفين طوقها، وخرج وركب من داخل القلعة، وهو حال بما عليه من الخلعة واللواء منشور، والنوار منثور، والمركبان الشريفان أحدهما مركوبه، والآخر بحليته مبنوبه. قال: وسألت عن معنى تقليده السيفين، واشتماله بالنبادين، فقيل: هما للشام ومصر والبمع له بين البلادين. وخرج إلى لاهر دمشق حتى انتهى إلى منتهى الميدان الأخضر، ثم عاد شريف المفخر، جميل المنار، جليل المحضر، حميد المخري، سعيد المورد والمصدر، لبيقا بالأعامين السرير والمنري، وكان وزن الطوق مع أكرته ألف دينار من الذهب الأحمر، وحملوا لصلاح الدين تشريفا فاضلا فائقا، رائعا رائقا، ل بماله وكماله لائقا، لكن تشريف نور الدين أميز وأفول، وأجمل وأكمل، فسير تشريفه برمته إليه بمصر ليبتابه، وسير أيوا بخلع من عنده يكرم بها أصحابه، ووصلت تلك الخلعة إليه ولبسها، وأنس من السعادة الدائمة قبسها، وطاف بها في الحادي والعشرين من رجب وهي أول أهبة عباسية دخلت الديار المصرية، يعني: بعد استيلاء بني عبيد عليها.
عدد الصفحات ٤٦٣vvvvvvvvvvvvvvvv 464 قال: وكانت وصلت مع الرسل أعلام وبنود، ورايات سود، وأهب عباسية للخطباء في الديار المصرية، فسيرت إلى صلاح الدين، ففرقها على المساجد والبوامع، والخطباء والقواة والعلماء، والحمد لله على ما أنعم وأولى، وو هب وأعطى).(4) (ولما خطب بالديار المصرية لبني العباس ومات العاضد، انقرضت تلك الدولة، وزالت عن الإسلام بمصر بانقراضها الذلة، واستولى على مصر صلاح الدين وأهله ونوابه، وكلهم من قبل نور الدين هم أمراؤه وخدمه وأصحابه(2) رسالة صلاح الدين للوزارة بدار الخلافة ببغداد يذكر فضله بعودة مصر إلى الخلافة: ولوضوح هذا الأصل العايم من أصول الإسلام، بوجوب وحدة الأمة واجتماعها لإقامة الفرائض والأحكام، وأن افتراقها محرم شرعا، وأنه سبب ضعفها وسقوطها أمام الحملات الصليبية؛ كان صلاح الدين يذكر هذا في رسائله وكتبه إلى الوزارة ودار الخلافة ببغداد، مع أنه السلطان ذو الشوكة والقوة، إلا أنه يدرك أن الشرعية السياسية تتحقق بولاية الأمة على نفسها، واستعادة خلافتها، و تحرير أرضها، وأن الأمة أعلى مقاما، وأسمى مراما؛ فيعتر ف لها بالسمع والطاعة طوعا واختيارا، لا كرها واضطرارا؛ لإيمانه كما نور الدين من قبله بوجوب الاجتماع وحفظ بيوة الإسلام، وإقامة الأحكام، وأن وجوب ذلك لا يحول دونه خروج إقليم عن سلطانها، وقيام دولة تفرق وحدتها ودينها، مهما كانت الذريعة التي تحتج بها! كما جاء في: (كتاب فاضلي عن السلطان صلاح الدين إلى وزير بغداد على يد الخطيب شمس الدين بن أبي المواء في بعض السنين: (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 2 /223 (2) اصدر السابق 2 /243
عدد الصفحات ٤٦٤vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 465 كتب الخادم هذه الخدمة من مستقره ودين الولاء مشروع، وعلم البهاد مرفوع، وسؤدد السواد متبوع، وحكم السداد بين الأمة موضوع، وسبب الفساد مقطوع ممنوع، وقد توالت الفتوح غربا ويمنا وشآما، وصارت البلاد بل الدنيا والشهر بل الدهر حرما حراما، وأضحى الدين واحدا بعدما كان أديانا، والخلافة إذا ذكر بها أهل الخلاف لم يخروا عليها صما وعميانا، والبدعة خاشعة، والبمعة جامعة، والمذلة في شيع الولال شائعة، ذلك بأنهم أتخذوا عباد الله من دونه أولياء، وسموا أعداء الله أصفياء، وتقطعوا أمرهم بينهم شيعا، وفرقوا أمر الأمة وكان مبتمعا... ولا خفاء عن المبلس الصاحبي أن من شد عقد خلافة وحل عقد خلاف، وقام بدولة وقعد بأخر قد عبز عنها الأخلاف والأسلاف، فإنه مفتقر إلى أن يشكر ما نصح، ويقلد ما فتح، ويبلغ ما أقترح، ويقدم حقه ولا يطرح، ويقرب مكانه وإن نزح، وتأتيه التشر يفات الشريفة، وتتواصل إليه أمداد التقويات البليلة اللطيفة، وتلبى دعوته بما أقام من دعوة، وتوصل غزوته بما وصل من غزوة، وترفع دونه الحبب المعترضة، وترسل إليه السحب المروضة، فكل ذلك تعود عوائده، وتبدو فوائده، بالدولة التي كشف وجهه لنصرها، وجرد سيفه لرفع منارها، والقيام بأمرها، وقد أتى البيوت من أبوابها، وطلب النبعة من سحابها، ووعد آماله الواثقة ببواب كتابها، وأنهض لإيصال ملطفاته ، وتنبز تشريفاته ؛ خطيب الخطباء بمصر، وهو الذي اختاره لصعود درجة المنري، وقام بالأمر قيام من بر، واستفتح بلباس السواد الأعام، الذي جمع الله عليه السواد الأعام، أملا أنه يعود إليه بما يطوي الرجاء فول عقبه، ويخلد الشرف في عقبه).(4) (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 2 /495
عدد الصفحات ٤٦٥vvvvvvvvvvvvvvvv 466 تطوير نور الدين وسائل الاتصال والمراسلات: لقد كانت عناية نور الدين زنكي ثم صلاح الدين الأيوبي بالتطوير، والعناية بالبناء والتعمير، وهما في خوم معركة التحرير؛ لا تقل عن عنايتهما بالإصلاح السياسي و القوائي والإداري؛ كما قال ابن الأثير: (وفي سنة سبع وستين أمر الملك العادل نور الدين باتخاذ الحمام الهوادي، وهي المناسيب التي تطير من البلاد البعيدة إلى أوكارها، فاتخذت في سائر بلاده. وكان سبب ذلك أنه اتسعت بلاده وطالت مملكته، فكانت من حد النوبة إلى باب همذان، لا يتخللها سو الفرنج، وكان الفرنج لعنهم الله، ربما نازلوا بعض الثغور، فإلى أن يصله الخري، ويسير إليهم يكونون قد بلغوا بعض الغرض؛ فحينئذ أمر بذلك وكتب به إلى سائر بلاده، وأجر البرايات لها ولمربيها؛ فوجد بها راحة كبيرة، وكانت الأخبار تأتيه لوقتها ؛ لأنه كان له في كل ثغر رجال مرتبون، ومعهم من حمام المدينة التي تباورهم، فإذا رأوا أو سمعوا أمرا كتبوه لوقته وعلقوه على الطائر، وسرحوه إلى المدينة التي هو منها في ساعته، فتنقل الرقعة منه إلى طائر آخر من البلد الذي يباورهم في البهة التي فيها نور الدين؛ وهكذا إلى أن تصل الأخبار إليه. فانحفات الثغور بذلك حتى إن طائفة من الفرنج نازلوا ثغرا له فأتاه الخري ليومه، فكتب إلى العساكر المباورة لذلك الثغر بالاجتماع والمسير بسرعة وكبس العدو، ففعلوا ذلك، فافروا والفرنج قد أمنوا لبعد نور الدين عنهم، فرحم الله نور الدين ورضي عنه، فما كان أحسن ناره للرعايا وللبلاد).(4) (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 2 /229
عدد الصفحات ٤٦٦