vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 35 فكان يخطب له: اللهم وأصلح عبدك جعفر بنعبدالله أمير بلغار مولى أمير المؤمنين).(4) فقد امتد نفوذ الخلافة السياسي في العصر العباسي مطلع القرن الرابع الهبري إلى مملكة البلغار القديمة والصقالبة جنوب روسيا وأوكرانيا، التي رضي ملكها التخلي عن اسم الملك، والاكتفاء بلقب الأمير، والدخول في تبعية الخلافة في بغداد، وطاعة الخليفة بصفته الإمام العام للدولة الإسلامية كلها ؛ ولا يتنافى ذلك مع الاستقال الذاتي للأمراء في أقاليمهم في إدارة شئونها، خاصة التي تدخل في الإسلام طواعية دون فتح عسكري. لقد كانت المعرفة بطبيعة ناام الخلافة الإسلامي، وأنه ليس مُلكا، ولا الخليفة مَلكا، وأن ذلك يتنافى مع دعوة الإسلام نفسها إلى توحيد الله بالملك، من الوضوح بالمكان الذي جعلت ابن فولان يبتدئ ببيانها لملك البلغار، أول دخوله في الإسلام! فلم يعرف المسلمون الملكيات إلا بعد إلغاء الخلافة حيث كان إقامة الملكيات في العالم الإسلامي بعد إلغاء الخلافة؛ ماهرا من مااهر التبعية السياسية للمملكة الرييطانية والملكيات الأوربية التي احتلت العالم الإسلامي، وهو ما أدركه بكل وضوح برنارد لويس(2)، وأورده جوزيف كشيشيان تحت عنوان (الإسلام والحكومة الملكية) (3) حيث يقول: (يحمل مصطلح الملك أحيانا دلالة التطاول، بل وقد يحمل دلالة "وثنية"، إذا أطلق على البشر في النصوص الإسلامية، والتفسيرات تحوم حول ما أشارت إليه الآيات القر آنية إلى ملكوت الله. (4) رسالة ابن فولان ص 2. (2) كما في ورقته في كتاب (الملكية في الشرق الأوسط ص٧-49، لعدة مؤلفين. (3) كتاب (السلطة وتعاقب الحكم في الممالك العربية) 4 /9 - 24
عدد الصفحات ٣٥vvvvvvvvvvvvvvvv 36 ومن الضروري ملاحاة أن الحكام -وخصوصا أولئك الذين يرغبون بالحكم بعدالة مستبعدين أهواءهم الشخصية وممارسين للشور على أكمل وجه- هم فقط المستحقون للقب ملك، ولا شك في أن أمرا مثل هذا لا يكون جليا دائما؛ لأن المسلمين آثروا نموذجهم المبرب مسبقا وهو في نموذج "الخليفة"، ولابد أن نفهم أن المسلمين اختاروا الخليفة بدلا "الملك" لأن النبي محمد جاء من أجل نشر الوحي، لا من أجل تأسيس مملكة. وركز النقاش الذي جر بين الخليفة عمر وسلمان الفارسي على الفرق الرئيسي بين السلطة والعدالة كما أورد المؤرخ العربي المشهور أبو جعفر محمد بن جرير الطريي، و بدأ النقاش عندما سأل عمر سلمان إن كان يبب أن يدعو نفسه ملكا أم خليفة؟ فأجابه سلمان: إنك إذا فرضت ضريبة على أراضي المسلمين وقدرها درهم أو أقل أو أكثر وقمت بتطبيق الأغراض غير المشروعة عندها تكون ملكا لا خليفة. وتريز الحكاية التي نسمعها عادة في مبالس النقاشات المعاصرة في المبتمعات الخليبية الفرق بين الحكم التعسفي والوحي الإلهي، حتى وإن كان المصطلح يشير إلى الحكم العسكري والسياسي، فقد كان هناك فهم محدد يقضي بأن الشرعية الدينية ما زالت ضرورية، ما فسر -ولو جزئيا- استخدام هذا المصطلح بشكل متقطع، ولم يتم التخلي عن المصطلح نهائيا، بل أضيفت إليه عري القرون ألقاب سامية جديدة، مثل السلطان، أو الشاه، أو خان، وذلك لإعطاء الحكام العرب والمسلمين المزيد من النفوذ والشرعية! وفي الو اقع فقد أخذ لقب ملك تعريفا أقرب إلى مفهوم الخليفة، حتى لو لم يبمع بين السلطة والشرعية الدينية الكاملة. وباختصار، كان اللقب فخريا دنيويا اكتسب بعدا إضافيا عندما تفاعل حكام العرب والمسلمين مع الملوك الغربيين، وكان تأثير الإمرياطورية الرييطانية هو الأكثر و ضوحا، فقد أعادت الملكية الرييطانية ترتيب استخدام المصطلحات الدبلوماسية لتناسب بشكل أكري مع
عدد الصفحات ٣٦vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv ٧ أهداف غطرستها، سواء أكان ذلك نحو الأفول أم الأسوأ، وسرعان ما قلد(4) العرب والمسلمون الملوك الرييطانيين، فقد كانوا معببين بسلطتهم لا بتفويواتهم الدينية، ونصب الشريف الحسين نفسه في مكة "ملك على الحباز" في عام 4946م وتبعه ابنه فيصل الذي طالب بمملكة عربية في سوريا في عام ۱۹۲۰م، وبعد فشله بتلك المغامرة أصبح ملكا على العراق في عام 4924م. وتقلد القادة المصريون والسعوديون في خلافتهم السريعة لقب ملك كمقياس للسلطة لتحدي لندن من أجل الحصول على الاستقلال، وكذلك إحاطة مواضيعهم الخاصة بهالة الشرعية العالمية. وفي مصر فوّ ل القادة لقب الملك على لقب الخديوي أو السلطان، إذ ارتبط اللقبان الأخيران بالحكام الذين فقدوا سلطاتهم، وفي عام ۲۰29م أصبح عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود "ملك الحباز وسلطان نبد"، وفي عام ۹۹۲۰م أصبح ملك المملكة العربية السعودية، و أقرت كل من المغرب والأردن وليبيا لقب ملك، كما فعلت قبلها مصر والسعودية، وذلك للمطالبة بالاستقلال، ولتحقيق درجة من المساواة بينهم وبين نارائهم من الحكام العرب والمسلمين. وفي النصف الثاني في القرن العشرين سقطت عدة ممالك عربية وإسلامية، فكانت مصر أولها في عام 4953م ثم تلاها السودان بعام 4956م، والعراق في عام 4952م، واليمن عام 4962م، وأفغانستان ۹۹۲۰م، وكانت آخرها إيران ۲۹۲۰م. وقد افتقرت النام الملكية إلى (4) الحقيقة أن بريطانيا هي التي قل دتهم ألقاب الملكية بعد أن وق عت معهم معاهدات الحماية، ورتبت مع دول الحملة الصليبية المشهد في المنطقة العربية، كما كشفت ذلك الوثائق البريطانية، وقد فصلت ما يختص بالخليج العر بي في كتابي "عبيد بلا أغلال" و "المدينة المنورة والحصار الأخير". ويبدو أن خلفية الكاتب "جوزيف كشيشيان" النصرانية الاستشراقية، وعمله في مؤسسة راند الأمريكية، ومركز الملك فيصل بن عبدالعزيز للبحوث والدراسات الإسلامية السعودية؛ قد ألقت بظلالها على تعاطيه وتفسيره للأحداث التاريخية!
عدد الصفحات ٣٧vvvvvvvvvvvvvvvv 32 الشرعية الدينية ثم تم استبدال الممالك بالبمهوريات. وللمفارقة فقد أصرت البمهوريات أيوا على وجود سمات التقو في حاكمها. وبعد عدة عقود ضربت قوات المعارضة الإسلامية -والعلمانية أيوا- النام الملكية لأنها فشلت في التمسك بالشريعة -بالإضافة إلى أسباب أخر - ما أد إلى زيادة الوغط على الحكام المتعاقبين؛ لإلهار شرعيتهم الدينية والتشديد عليها، فتخلى الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود عن لقب ملك في عام 4926م ليتقلد لقب "خادم الحرمين الشريفين"، وكان هذا التخلي استبابة بشكل جزئي لنهوة الأصولية الإسلامية، وبسبب تثمين كبار السن من عائلة آل سعود وجود فبوة كبيرة بين الموسرين والمحرومين في مبتمعهم، إثر ذلك برز قادة آل سعود اليقاون الذين أيدوا ضرورة الحكم بتواضع وهو التقليد الموجود مسبقا عند الوهابيين بطريقة الحكم، فكان هؤلاء القادة هم الوحيدين الذين استطاعوا تقدير النبض الاجتماعي السياسي للشعوب، وكان توجههم يدعو إلى التشديد والتأكيد على وجود الشرعية الدينية. ومنذ بداية القرن الواحد والعشرين توالت 44 سلالة عربية على الحكم في ثماني ممالك، وبالرغم من وعود الممالك التي قطعتها لشعوبها بصري لامتناه، لهرت التحديات الداخلية وكان الحفاظ على سلطة الأسر الحاكمة منوطة بالثبات الإقليمي). نسبة الدار والدولة والخلافة والمملكة للإسلام: وقد كان هذا المعنى واضحا جليا فقهيا وتاريخيا؛ فالدار هي دار الإسلام والدولة دولة الخلافة والمملكة للمسلمين، وأما ما شاع من نسبة الخلافة والدولة في كتب التاريخ إلى بني أمية وبني العباس؛ فالمراد به الفترة والمدة، فقولهم: (دولة بني أمية) بمعنى: فترة خلافتهم ومدتها، لا أن الدار دارهم والمملكة لهم!
عدد الصفحات ٣٨vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 39 وهذا المعنى من البدهيات السياسية المعلومة من دين الإسلام بالضرورة القطعية، حتى في لل العصور المتأخرة من الخلافة العباسية في القاهرة؛ كما جاء في تقليد الحاكم بأمر الله الأول أحمد بن الحسين العباسي في القاهرة للسلطان كتبغا المنصوري سنة 694ه، وفيه: (وحمى به الممالك الإسلامية ... عهد إليه في كل ما وراء خلافته المقدسة، وجميع ما اقتوته أحكام إمامته التي هي على التقو مؤسسة، من إقامة شعار الملك، الذي جمع الله الإسلام عليه، ولهرت أبهة السلطنة التي ألقى الله وأمير المؤمنين مقاليدها إليه، من الح كم الخاص والعام، في سائر ممالك الإسلام، وفي كل ما تقتويه شريعة سيدنا محمد عليه أفول الصلاة والسلام، وفي خزائن الأموال وإنفاقها، وملك الرقاب وإعتاقها، وفي كل ما هو في يد الملة الإسلامية، أو يفتحه الله بيده عليها، وفي جميع ضوال الممالك الإسلامية، التي سيرجعه ا الله ببهاده إليها، وفي تقليد الملوك والوزراء، وتقدمة البيوش وتأمير الأمراء، وفي الأمصار يقر فيها ما يشاء من البنود، ويبعث إليها ما شاء من البعوث والحشود.. وفي إتقان القواعد بالعدل وإحكامها... وفي إقامة البهاد... وادّ خر الله لأيامه الشريفة أن يرد دار السلا م إلى ملك الإسلام ... وفي أمر الشرع وتولية قواته وحكامه، وإمواء ما فرض الله عليه وعلى الأمة من الوقوف عند حدوده وأحكامه... وسنن نبيه فلا حظ في الإسلام لغير متمسك بسنته وفرضه.. وفي مصالح الحرمين الشريفين وثالثهما الذي تشد إليه الرحال، وإقامة سبل الحبيج.. وعمارة البيوت التي ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَن تُررفَعَ وَيُذركَرَ فِيهَا اسرمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالرغُدُوِّ وَالآصَال رِجَالٌ﴾ وفي إقامة الخطب.. وفي سائر ما تشمله الممالك الإسلامية ... وفوض إليه ذلك جميعه وكل ما هو من لوازم خلافته لله في أرضه... في مصالح ملك الإسلام ...
عدد الصفحات ٣٩vvvvvvvvvvvvvvvv 42 والنالر عنه في عموم مصالح الإسلام وخصوصها ... وقد فرض طاعته على سائر الأمم وحكم بوجوبها على الخاص والعام...).(4) وفي نص هذا التقليد من الخليفة العباسي إلى السلطان المنصوري، والذي يتكرر مومونه في كل كتب التقليد السلطاني؛ بيان لطبيعة الخلافة ومسئولياتها السياسية المنوطة بها، وصلاحياتها التي تنوء بها، وأن الخليفة لا يتصرف بمملكته، ولا بملكه، بل يتصرف بدولة الإسلام ومملكة المسلمين بحكم الإمامة الشرعية والولاية السياسية، كوكيل عن الأمة ؛ ولهذا يفوّ ض السلطان بالقيام بها نيابة عنه، لمصلحة المسلمين، وحفظ دولتهم، وحماية حدودها، واستعادة ما سلبه العدو منها، وإجراء ذلك كله وفق حكم الشرع وحده، لا وفق أهوائه؛ ولهذا لم يعرف الإسلام الحكم الملكي، ولا الحكم المطلق الذي عرفته أوربا، والأمم الأخر ، وهو ما لهر جليا في ا لعصر العباسي منذ بدايته سنة 432هباهور ناام الوزارة، ثم السلطنة، ثم الصدر الأعام بعد ذلك في العهد العثماني، هذه المؤسسات السياسية التي عريّ ت عن طبيعة ناام الخلافة، وتطوره بتفويض الخليفة المسئولية للوزير أو السلطان؛ انسباما مع طبيعة ناام الخلافة التي تتنافى مع الحكم المطلق الذي عرفته الملكيات والإ مري اطوريات في الدول والأمم الأخر . التنوع الاجتماعي والتعدد الديني والمذهبي: وقد قامت الدولة في الإسلام على مبدأ التعددية والحرية الدينية وفق أحكام القرآن، كما قال تعالى: ﴿لاَ إِكررَاهَ فيِ الدِّينِ﴾، فعرف المسلمون التعايش الديني والتسامح المذهبي، وقد فصل في ب يان مذاهب أهل الأمصار في دار الإسلام البشاري المقدسي في كتابه (أحسن (4) مآثر3 /39 – 52.
عدد الصفحات ٤٠vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 44 التقاسيم في البلدان والأقاليم) الذي ألفه سنة5ه، فقال عن مذاهب بلدان جزيرة العرب: (ومذاهبهم: بمكة وتهامة وصنعاء سنة. وسواد صنعاء ونواحيها مع سواد عمان شراة غالية [. وبقية الحباز وأهل الرأي بعمان وهبر وصعدة شيعة وشيعة عمان وصعدة وأهل السروات وسواحل الحرمين معتزلة إلا عمان. والغالب على صنعاء وصعدة أصحاب أبى حنيفة والبوامع بأيديهم. وبالمعافر مذهب ابن المنذر. وفي نواحي نبد اليمن مذهب سفيان [والأذان بتهامة ومكة يرجع، والعمل على مذهب مالك. والعمل بهبر على مذهب القرامطة. وبعمان داودية لهم مبلس، وأهل هذا الإقليم لغتهم العربية إلا بصحار ف إن نداهم وكلامهم بالفارسية. وأكثر أهل عدن وجدة فرس إلا إن اللغة عربية. وبطرف الحميري قبيلة من العرب لا يفهم كلامهم. وأهل عدن يقولون لرجليه: رجلينه، وليديه: يدينه، وقس عليه، ويبعلون البيم كافا؛ فيقولون لرجب: ركب، ولرجل: ركل، وجميع لغات العرب موجودة في بوادي هذه البزيرة، إلا إن أصح بها لغة هذيل ثم النبدين ثم بقية الحباز، إلا الأحقاف فإن لسانهم وحش). (4) وقال السيرافي في رحلته في القرنالرابع الهبري: (في هذا البحر الذي عن يمين الهند الخارج عن عمان بلاد الشحر، وهى منابت اللبان وأرض من أراضي عاد وحمير وجرهم (4) أحسن التقاسيم ص96.
عدد الصفحات ٤١vvvvvvvvvvvvvvvv 42 والتبابعة، ولهم ألسنة بالعربية عادية قديمة لا يعرف أكثرها العرب، وليست لهم قر ، وهم في قشف وضيق عيش إلى أن تنتهي أرضهم إلى أرض عدن وسو احل اليمن وإلى جدة).(4) وقال أيوا: (أرض العرب وأهل الشحر أناس من قواعة بن مالك بن حمير وغيرهم من العرب، ويدعى من سكن هذا البلد من العرب المهرة أصحاب شعور وجمم، ولغتهم بخلاف لغة العرب، وذلك أنهم يبعلون الشين بدلا من الكاف، ومثل ذلك قولهم هل لش فيما قلت ي و قلت لش أن تبعل الذي معي في الذي معش، وغير ذلك من خطابهم ونوادر كلامهم. وهم ذو فقر وفاقه ولهم نبب يركبونها بالليل تعرف بالنبب المهرية وتشبه بالسرعة بالنبب البباوية، بل عند جماعة أنها أسرع منها فيسيرون عليها على ساحل بحرهم، فإذا أحست هذه النبب بالعنري قد قذفه البحر بركت عليه قد ريوت لذلك واعتادته، فيتناوله الراكب).(2) وقال البشاري المقدسي عن إقليم آقور -البزيرة الفراتية- بين العراق والشام والروم -ويوم الموصل وهي ديار ربيعة، والرقة وهي ديار مضر، وآمد وهي ديار بكر -: (ومذاهبهم سنة وجماعة إلا عانة فإنها كثيرة المعتزلة، ولا تر في الرأ غير مذهب أبي حنيفة والشافعي وفيه حنابلة، وجلبة للشيعة، لم تقسم الأهواء قلوبهم ولا يتعاطى الكلام فقهاؤهم، يختارون قراءة عبدالله بن عامر.. ولغتهم لغة حسنة أصح من لغة الشام؛ لأنهم (4) رحلة السيرافي ص22. (2) رحلة السيرافي ص449.
عدد الصفحات ٤٢vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 43 عرب، أحسنها الموصلية وهم أحسن وجوها، وهي أصح هواء من سائر الإقليم، وقد جمعت أكثر القبائل، أكثرهم حارثيون).(4) وقال عن أهل المغرب: (وأما المذاهب فعلى ثلاثة أقسام: أما في الأندلس فمذهب مالك وقراءة نافع، وهم يقولون لا نعرف إلا كتاب الله وموطأ مالك، فإن لهروا على حنفي أو شافعي نفوه، وإن عثروا على معتزي أو شيعي و نحوهما ربما قتلوه. وبسائر المغرب إلى مصر لا يعرفون مذهب الشافعي إنما هو أبو حنيفة ومالك رحمهما الله، وكنت يوما أذاكر بعوهم في مسألة فذكرت قول الشافعي فقال: اسكت من هو الشافعي؟ إنما كانا بحرين أبو حنيفة لأهل المشرق، ومالك لأهل المغرب أفنتركهما ونشتغل بالساقية! ورأيت أصحاب مالك يبغوون الشافعي، قالوا: أخذ العلم عن مالك ثم خالفه، وما رأيت فريقين أحسن اتفاقا وأقل تعصبا منهم، وسمعتهم يحكون عن قدمائهم في ذلك حكايات عبيبة، حتى قالوا إنه كان الحاكم –القاضي- سنة حنفي وسنة مالكي).(2) وقال البشاري عن أهل الديلم م ن العبم: (ومذاهبهم مختلفة: أما قومس وأكثر أهل جرجان وبعض طريستان فحنفيون، والباقون حنابلة وشفعوية. ولا تر ببيار صاحب حديث إلا شفعويا، والنبارية ببرجان كثير، وللكرامية ببرجان وبيار وجبال طريستان خوانق، وللشيعة ببرجان وطريستان جلبة، فإن قال قائل ألم تقل إنه ليس ببيار مبتدع، ثم قلت إن بها كرامية قيل له الكرامية أهل زهد وتعبد، ومرجعهم إلى أبى حنيفة، وكل من رجع إلى أبى حنيفة أو إلى مالك أو إلى الشافعي أو إلى أئمة الحديث (4) أحسن التقاسيم ص442. (2) أحسن التقاسيم ص236.
عدد الصفحات ٤٣vvvvvvvvvvvvvvvv 44 الذين لم يغلوا فيه، ولم يفرطوا في حب معاوية، ولم يشبهوا الله ويصفوه بصفات المخلوق فليس بمبتدع، وأنا عازم على أن لا أطلق لساني في أمة محمد ﷺ ولا أشهد عليهم بالولالة ما وجدت إلى ذلك طريقا، بعد هذا الحديث: قال مسعر بن كدام قال: ما أدركت من الناس من له عقل كعقل ابن مرة، جاءه رجل، فقال: عافاك الله جئتك مسترشدا، إني رجل دخلت في جميع هذه الأهواء ، فما أدخل في هو منها إلا القرآن أدخلنى فيه، ولم أخرج من هو إلا القرآن أخرجني منه، حتى بقيت ليس في يدي شيء؟! قال: فقال له عمرو بن مرة: الله الذي لا إله إلا هو لقد جئت مسترشدا؟ فقال: والله الذي لا إله إلا هو لقد جئت مسترشدا! قال: نعم أرأيت هل اختلفوا في أن محمدا رسول الله، وأن ما أتى به من الله حق؟ قال: لا! قال: فهل اختلفوا في القرآن أنه كتاب الله؟ قال: لا! قال: فهل اختلفوا في دين الله أنه الإسلام؟ قال: لا! قال: فهل اختلفوا في الكعبة أنها القبلة؟ قال: لا! قال: فهل اختلفوا في الصلوات أنها خمس؟ قال: لا! قال: فهل اختلفوا في رموان أنه شهرهم الذي يصومونه؟ قال: لا! قال: فهل اختلفوا في الحج أنه بيت الله الذي يحبونه؟
عدد الصفحات ٤٤vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 45 قال قال: فهل اختلفوا في الزكاة أنها من مائتي درهم خمسة؟ قال: لا! قال: فهل اختلفوا في الغسل من البنابة أنه واجب؟ قال: لا! قال: فذكر هذا وأشباهه ثم قرأ ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيركَ الركِتَابَ مِنرهُ آيَاتٌ مُّحركَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الركِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَات﴾. قال: فهل تدري ما المحكم؟ قال: لا! قال: فالمحكم ما اجتمعوا عليه، والمتشابه ما اختلفوا فيه، شد نيتك في المحكم، وإياك والخوض في المتشابه. قال: فقال الرجل: الحمد لله الذي أرشدني على يديك! فوالله لقد قمت من عندك وإني لحسن الحال. قال: فدعا له وأثنى عليه. ثم قال عمرو: إن الشيطان دعا أهل الكتاب إلى أمره فأجابوه، فطرحهم فيما قد علمتم، وهو داعيكم كما دعاهم، وطارحكم في مثل ما طرحهم فيه، فعليكم بالأمر الأول، فإن قال قائل: ما الأمر الأول؟ فهو ما اجتمع عليه المتقدمون! فرحم الله عبدا تدبر هذه الحكاية، ولزم أحد المذاهب الأربعة الذين هم أهل السواد الأعام، وكف لسانه عن تمزيق المسلمين والغلو في الدين.
عدد الصفحات ٤٥vvvvvvvvvvvvvvvv 46 وشهدت مبلس القاضي المختار يوما، وهو أجل إمام لقيتهوأعقلهم وأدينهم، وقد جر فيه ذكر اختلاف الأمة، وتعصب أهل الفرق، فأشار بيده إلى القبلة ثم قال: من صلى إلى هذه القبلة فهم إخواننا المسلمون. ورأيت أبا زيد المروزي وكان إماما متدينا يوتر بثلاث ويستعمل مذهب أبى حنيفة في مسائل عدة، وسمعت أبا الطيب بن أحمد يقول: كل قد اجتهد وكل معدود، واعلم أن هذا التعصب الذي تر إنما ثوره البهال والمتطرفون من القصاص وغيرهم، وأما الأمة فعلى ما ذكرت لك، ونواحي الديلم شيعة وأكثر البيل سنة).(4) وقال عن مذاهب أهل الري: (الري الغلبة للحنفيين وهم نبارية، إلا رساتيق القصبة فإنهم زعفرانية يقفون في خلق القرآن. وسمعت بعض دعاة الصاحب [ يقول: قد لان ي أهل السواد [ في كل شيء إلا في خلق القرآن ورأيت أبا عبدالله بن الزعفراني قد عدل عن مذهب آبائه إلى مذهب النبار وتريأ منه أهل الرساتيق. وبالري حنابلة كثير لهم جلبة، والعوام قد تابعوا الفقهاء في خلق القرآن. وأهل قم شيعة غالية، قد تركوا البماعات، وعطلوا البامع إلى أن ألزمهم ركن الدولة عمارته ولزومه! وهمذان وأجنادها أصحاب حديث، إلا الدينور فإن بها خاصا وعاما، وجلبة لمذهب سفيان الثوري، والإقامة في البامع مثنى، وعلى ذلك كان أهل أصفهان في القديم).(2) (4) أحسن التقاسيم ص365. (2) المصدر السابق ص 395.
عدد الصفحات ٤٦vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv ٧ وقال البشاري عن رامهرمز من إقليم خوزستان وهي الأهواز: (وبها دار كتب كالتي بالبصرة، والداران جميعا اتخذهما ابن سوار، وفيهما أجراء على من قصدهما ولزم القراءة والنسخ، إلا إن خزانة البصرة أكري وأعمر وأكثر كتبا، وفي هذه أبدا شيخ يدرس عليه الكلام على مذاهب المعتزلة... ومذاهبهم مختلفة، هو أكثر الإقليم معتزلة، أما العسكر فكلهم وأكثر أهل الأهواز ورامهرمز والدورق وبعض أهل جنديسابور، وأما السوس وأجنادها فحنابلة. ونصف الأهواز شيعة وبه أصحاب أبى حنيفة كثير ولهم فقهاء وأئمة وكرياء وبالأهوا ز مالكيون).(4) وقال عن إقليم فارس: (العمل فيه على مذهب أصحاب الحديث وأصحاب أبى حنيفة كثير، وللداودية –الااهرية أصحاب داود الااهري - دروس ومبالس وغلبة ويتقلدون القواء والأعمال، وكان عود الدولة يعتقده، و أكثر الفقهاء من الثلاثة مذاهب معتزلة. والشيعة بسواحله كثير).(2) وقال عن إقليم السند وعاصمته المنصورة: (وأما المنصورة فعليها سلطان من قريش يخطبون للعباسي، وقد كانوا خطبوا على عود الدولة، ورأيت رسولهم قد وافى إلى ابنه ونحن بشيراز).(3) وقال ابن الفقيه في مطلع القرن الرابع عن بغداد وكثرة المذاهب فيها: (ولكن من جميل أمر بغداد أن السلطان آمن من أن يغلب عليها رئيس لبعض الآراء، كغلبة الطالبين كثيرا (4) أحسن التقاسيم ص443. (2) المصدر السابق ص 439. (3) المصدر السابق ص 425.
عدد الصفحات ٤٧vvvvvvvvvvvvvvvv 42 بالشيعة على أهل الكوفة، وذلك أن ببغداد من مخالفي الشيعة من يقرن بالشيعة، وبها من مخالفي المعتزلة من يقرن بالمعتزلة. وبها من مخالفي الخوارج من يقرن بالخوارج. فكل فريق يقاوم ضده ويدفعه عن أن يرأسه. فقد تركوا الرئاسة للسلطان وربحوا تسليط الفناء والتفاني بالحرب، ولكنه ربما عرضت الآفات وهبمتهم، وذلك أنه إذا اتصلت المكاره عليهم ودام فيهم جور الولاة وعوملوا من التعنت وطلب الرشا ما لا يحتمله إلا الذليل وذو العدة القليل تهايبوا وفزعو ا إلى التطوع، فحدث منهم مثل الذي حدث عند خروجهم مع سهل بن سلامة في أرباض الحربية، فإنه اجتمع لما تطوع ودعا إلى إنكار المنكر، زهاء خمسمائة ألف إنسان، وكما هاجوا عند تأذيهم بمحمد بن أوس وصعاليكه القادمين مع سليمان بن عبدالله، فإن الصعاليك لما أسرفوا في الفسق والفبور تهايبوا من جانبي مدينة السلام قاصدين منزل محمد بن أوس، فلقد كنت منصرفا في ذلك الوقت من جانب الغربي أريد البانب الشرقي فوقفت موقفا أتبين فيه من يعدو من البانب الغربي يريد منزل ابن أوس، واحترست من الإسراف، ولننت أن من عري إلى أن انصرف بالغنيمة والنهب أكثر من مائتي ألف إنسان، فهذا مما ينبغي أن تعتقده في هذه المدينة).(4) وقال الإصطخري المتو 346 ه عن أهل الأندلس ومذهبهم: (وملوك الأندلس بنو أمية ما خطب لبني العباس بها إلى يومنا هذا، ويخطبون لأ نفسهم وهم من أولاد هشام بن عبدالملك، وصاحبهم في وقت تصنيف هذا الكتاب هو عبد الرحمن بن محمد بن عبدالله بن محمد بن عبدالرحمن بن الحكم بن هشام بن عبدالرحمن بن معاوية بن هشام بن عبدالملك بن مروان بن الحكم، وأول من عري منهم إلى الأندلس: عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبدالملك (4) البلدان ابن الفقيه ص329.
عدد الصفحات ٤٨vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 49 بن مروان في أول ولاية بني العباس فتغلب عليه ا، وبقيت الإمارة في أولاده إلى وقت تصن يفنا هذا، والغالب على مذاهب أهل المغرب كلهم مذاهب الحديث، وأغلبها عليهم في الفتيا مذهب مالك بن أنس).(4) وكل هذا التنوع المذهبي والعقائدي والسياسي، والتعايش السلمي بين مكونات المبتمع، الذي عرفه المسلمون مبكرا ؛ جر في لل ناام الخلافة، الذي عريّ عن هدايات الإسلام وأحكامه التي رسخت مبدأ الحرية وعدم الإكراه في الدين، والتسامح بين أهل الأديان، فلم تعرف الحوارة الإسلامية في لل الخلافة عري عصورها المختلفة حروب الا ضطهاد الديني والطائفي المبتمعي. وضع أقليات المسلمين في غير دار الإسلام: وقد انعكس لهور دولة الخلافة وقوتها على المسلمين خارجها حيث صار لهم استقلالهم الذاتي؛ فلهم رؤساؤهم وقواتهم الذين يقوون بينهم بحكم الإسلام؛ كما قال البكري عن حال أقليات المسلمين في الهند: (والغالب على هذا البلد الكفر، وفيهم مسلمون لا يلي عليهم في زماننا من قبل بلهر [ إلا مسلم يستخلفه عليهم، وكذلك في كثير من البلدان التي في أطراف المسلمين، فيغلب عليها ملك الكفر كالخزر واللان [ القوقاز وغيرهم، لا يقبل المسلمون هناك مضي حكم الكافر، ولا يقيم عليهم شهادة إلا المسلمون وإن قلوا).(2) (4) المسالك والممالك45. (2) المسالك والممالك للبكري الأندل4 /254.
عدد الصفحات ٤٩vvvvvvvvvvvvvvvv 52 وقال ابن فولان عن ملك الخزر: (ولملك الخزر مدينة عايمة على النهر إتل، وهي جانبان في أحد البانبين المسلمون، وفي البانب الآخر الملك وأصحابه، وعلى المسلمين رجل من غلمان الملك، يقال له: خز، وهو مسلم، وأحكام المسلمين المقيمين في بلد الخزر والمختلفين إليهم في التبارات).(4) وجاء في رحلة السيرافي في النصف الأول من القرن الهبري الرابع عن حال المسلم الصين: (وذكر سليمان التاجر - حدود سنة ٧ ه - أن في (خانفو) وهو مبتمع التبار رجلا مسلما يوليه صاحب الصين الحكم بين المسلمين الذين يقصدون إلى تلك الناحية، يتوخى ملك الصين ذلك، وإذا كان في العيد صلى بالمسلمين وخطب ودعا لسلطان المسلمين، وإن التبار العراقيين لا ينكرون من ولايته شيئا في أحكامه وعلمه بالحق وبما في كتاب الله عز وجل وأحكام الإسلام). (2) وقال أيوا: (أهل الهند والصين مبمعون على أن ملوك الدنيا المعدودين أربعة 4- فأول من يعدون من الأربعة: ملك العرب، وهو عندهم إجماع لا اختلاف بينهم فيه أنه ملك أعام الملوك، وأكثرهم مالا، وأبهاهم جمالا، وأنه ملك الدين الكبير الذي ليس فوقه شيء. 2- ثم يعد ملك الصين نفسه بعد ملك العرب 3- ثم ملك الروم 4- ثم بلهرا ملك الهند(3) (4) رسالة ابن فولان ص ٧. (2) رحلة السيرافي ص24. (3) رحلة السيرافي ص33.
عدد الصفحات ٥٠