المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الجزء الثاني من كـتاب عودة الخلافة

غير معروف

صفحة ٢٨ من ٤٢

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 435 والمسلمين معأن جيشه عامئذ كان منه طائفة كبيرة بمصر مع شيركوه كما سبق، وهذا من عبيب ما وقع واتفق).(4) هائية العماد الأصفهاني في نور الدين، ووفاة زين الدين علي بن بكتكين سنة 512هـ: فذكر العماد في الخريدة: (أن نور الدين رحل إلى حمص، ثم مضى إلى حماة، ثم شتى بقلعة حلب ومعه الأسد وكتب إلى صلاح الدين يوسف بن أيوب، وقد عثر فرسه في الميدان، وهو يلعب بالكر ة مع نور الدين : لاتــنــكــرن لســـابــح عــثــرت بــه ألقى على الســلطـان طرفـك طرفـه ســبـق الـريـاح بـبريــه، وكففتــه ضـــعــفــت قــواه إذ تــذكــر أنــه ومتى تطيـــــ ق الريح طودا شــامخا فـاعـذر ســقوط الريق عند مســيره وأقــل جــوادك عــثــرة نــدرت لــه وتــوق مــن عــين الحســود وشرهــا واســلم لنور الـدين ســلطان الور وإذا صـــلاح الــديــن دام لأهــلــه قـدم وقــد حــمــل الخوــم الزاخرا فــهــو هــنــالــك للســلام مبــادرا عــنــهــا، فــليس على خلافــك قــادرا في الســ ـــــ رج منـك يقل ليثا خادرا أو يســتــطــيع الريق جونــا مــاطرا فـالريق يســقط حين يخطف ســائرا إن الــبــواد لمــن يــقــيــل الــعــاثرا لاكــان نــالــرهــا بســـوء نــالــرا في الـحـادثـات معـاضـــدا ومؤازرا لـــم يحـــذروا للدهر صرفا ضــائرا (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 4 /445

عدد الصفحات ٤٣٥

vvvvvvvvvvvvvvvv 436 قال العماد: وسار نور الدين من منبج إلى قلعة نبم، وعري الفرات إلى الرها، وكان ينال صاحب منبج، وهو سديد الرأي رشيد المنهج، فنقله إليها مقطعا وواليا. وأقام نور الدين بقلعة الرهامدة، فمدحه العماد بقصيدة، وتعبب له صلاح الدين في عرضها، وهي: أدركت من أمر الزمــــان المشــتهى لا زلـــت نـــور الدين في فـــلك الهد يـا مـحـيـي العـدل الــذي في للــه مــحــمــود المــح مود مــن أي امــه مولى الور موي النـد معلي الهـد آر اؤه بصــــوابــهــا مــقــرونــة مــتــلبس بحصـــافــة وحصـــانــة يــا مــن أطــاع الــلــه في خــلــواتــه أبــدا تــقــدم في المــعــاش لــوجــهــه كــل الأمــور وهــ ى، وأمــرك مــريم مـا صــين عنك الصــين لو حاولتها مــا لــلــمــلــوك لــد لهورك رونق إن المــلــوك لــهــوا وإنــك مــن غــدا وبلغت من نيـــــل الأماني المنتهى(4) ذا غــرة لــلــعــالمــين بــهــا الــبــهــا من عـدلـه رعــت الأســود مع المهــا لبهـائـــــ ها ضــحك الزمان وقهقها مرد ي العدا مســد ي البدا معطي اللها وبــمــقــتوـــاهــا دائر فلــك النهى مـتـقـدس عـن شــوب مكر أودهــا مــتــأوبــا مــن خــوفــه مــتــأوهــا عـمـلا يـبـيـض في المعـاد الأوجهــا مســتحكم لا نقــــض فيه ولا وهى والمشـــــرقـــان، فكيف منبج والرها وإذا بدت شـمس الوحى خفي السها وبــمــالــه والمــلــك مــنــه مــالــهــا (4) قال الكاتب العماد الأصفهاني في خريدة العصر ص 459: (ومما قلته بالرها، هائية موسومة بها، في مدحه أولها أدركت من كل المعاي المشتهى... وبلغت من نيل الأماني المنتهى وهي طويلة جليلة، والهاء في روي أبياتها أصيلة= =ووصلت إلى الموصل فسام قطب الدين صاحبها، أخو نور الدين، كل شاعر هناك أن يعمل على وزنها ورويها، فما لحقوا غبارها، ولا كشفوا أسرارها).

عدد الصفحات ٤٣٦

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv ٧ شرهـت نـفـوســهـم إلى دنـي اهـم مــا نمـــــت عن خير ولم يك نائما أخـمـلـت ذكـر البــاهلين، ولم تزل ورأيــت إرعــاء الــرعــايــا واجــبــا لرضــاهم متحفاا، ولحــــ ــــالهم وبـمـا بـه أمـر الإلــــــــه أمرتهم عن رحمة لصـغيرهم لـــ م تشتـــ غل بـالـيـأس عـنـدك آمـل لــم يمتحن أتعبـت نفســـك كي تنــال رفــاهــة فقـــت الملوك ســماح ـــة وحماســة ولـــ ك الفخـــ ار على البميع، فدونهم وأراك تحلم حين تصــبح ســاخطـا وأبى لنفسـك زهـــدها أن تشـــرها مــن لا يــزال عــلى الــبميــل منبهــا مـلـكـا بـذكــر الــعــالمــين مــنوهــا تـغـنـى فـقـيرا أو تـبـير مــدلهــا مـتـفـق دا، ولـديـنـهـم مــتــفقهــا مــن طــاعــة ونــهــيــتهم عمــا نهى عـن رأفـة لـكـبيرهم لن تشـــدهــا بـالرد دونـك ســ ـــــ ائل لن يببها من ليس يتــــ عــــ ب لا يعيش مرفها حـتـى عـدمنـا فيهم لــك مشــبهــا أصــبحت عن كل العيـــــ وب منزها ويكــاد غيرك ســاخطــا أن يســفها قال أبو شامة: رحم الله العماد فقد نام أوصاف نور الدين البليلة بأحسن لفظ وأرقه وهذا البيت الأخير مؤكد لما نقلناه في أول الكتاب من قول الحافظ أبي القاسم  في وصف نور الدين : إنه لم تسمع منه كلمة فحش في رضاه ولا في ضبره، وقل من الملوك من له حظ من هذه الأوصاف الفاضلة والنعوت الكاملة). (4) وفاة أمير الموصل علي بن بكتكين: وفي سنة 563 توفي زين الدين علي بن بكتكين أمير الموصل نائبا عن عماد الدين زنكي ثم عن ولده قطب الدين: (وكان خيرا عادلا حسن السيرة جوادا محافاا على حسن العهد وأداء (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 2 /35

عدد الصفحات ٤٣٧

vvvvvvvvvvvvvvvv 432 الأمانة قليل الغدر بل عديمه، وكان إذا وعد بشيء لا بد له من أن يفعله ، وإن كان فعله خطيرا، وكان حاله من أعبب الأحوال، وكان يعطي كثيرا ، ويخلع عايما، وكان له البلاد الكثيرة، فلم يخلف شيئا بل أنفذه جميعه في العطايا والإنعام على الناس، وكان يلبس الغليظ، ويشد على وسطه كل ما يحتاج إليه: من سكين، ودرفش، ومطرقة، ومسلة، و خيوط ودسترك وغير ذلك، وكان أشبع الناس ميمون النقيبة لم تنهزم له راية، وكان يقوم المقام الخطير، فيسلم منه بحسن نيته، وكان تركيا أسمر اللون خفيف العارضين قصيرا جدا، وبنى مدارس وربطا بالموصل وغيرها، وبلغني أنه مدحه الحيص بيص، فلما أراد الإنشاد قال له: أنا لا أدري ما تقول، لكن أعلم أنك تريد شيئا! وأمر له بخمس مئة دينار، وأعطاه فرسا، وخلعا، وثيابا، يكون مبموع ذلك ألف دينار).(4) فتح مصر بعد هزيمة الحملة الصليبية الفرنجية سنة 512هـ: لقد كانت أعام إنبازات نور الدين زنكي العسكرية السياسية -التي فتحت الطريق بعد ذلك لصلاح الدين لتحرير القدس- استعادة مصر، وتوحيدها مع الشام والموصل، والقواء على القو الباطنية التي كانت قد تواطأت مع الحملة الصليبية الفرنبية، وقد كان العاضد الفاطمي قد استنبد بنور الدين، بعد أن احتل الفرنبة مصر، وأذلوا أهلها، وساموهم سوء العذاب، قال المقريزي: (وفي سنة أربع وستين وخمسمائة تمكن الفرنج من ديار مصر وحكموا في القاهرة حكما جائرا، وركبوا المسلمين بالأذ العايم، وتيقنوا أنه لا حامي للبلاد من أجل ضعف الدولة، وانكشفت لهم عورات الناس، فبمع مري ملك الفرنج بالساحل (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 2 /39

عدد الصفحات ٤٣٨

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 439 جموعه، واستبد قوما قو بهم عساكره، وسار إلى القاهرة من بلبيس بعد أن أخذه ا وقتل كثيرا من أهلها، فأمر شاور بن مبير السعدي وهو يومئذ مستول على ديار مصر وزارة للعاضد بإحراق مدينة مصر، فخرج إليها في اليوم التاسع من صفر من السنة المذكورة عشرون ألف قارورة نفط، وعشرة آلاف مشعل مضرمة بالنيران، وفرقت فيها. ونزل مري ببموع الفرنج على بركة الحبش، فلما رأ دخان الحريق تحول من بركة الحبش ونزل على القاهرة مما يلي باب الريقية، وقاتل أهل القاهرة وقد انحشر الناس فيها، واستمرت النار في مصر أربعة وخمسين يوما، والنهابة تهدم ما بها من المباني وتحفر لأخذ الخبايا إلى أن بلغ مري قدوم أسد الدين شيركوه بعسكر من جهة الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي صاحب الشام، فرحل في سابع شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة، وتراجع المصريون شيئا بعد شيء إلى مصر)(4). لقد وجه لها نور الدين قائده العسكري أسد الدين شيركوه، ومعه ابن أخيه الصلاح الدين، فدخلها وحررها، وصار هو المدبر للأمور فيها نائبا عن نور الدين محمود، فاتصل المشرق الإسلامي مرة أخر بالمغرب، والشام بمصر، بعد انقطاع دام أكثر من مئتي سنة، أصبحت المنطقة كلها بعدها عرضة للحملات الصليبية، حتى احتلت القدس، إلى أن حررها ووحدها نور الدين محمود. قال أبو شامة: (وفي هذه السنة فتحت الديار المصرية، سار إليها أسد الدين مرة ثالثة فهزم العدو، وقتل شاورا ووي الوزارة مكانه، ثم مات فوليها صلاح الدين، وسبب ذلك أن الفر نج كانوا في النوبتين الأوليين اللتين استعان بهم شاور فيهما على أسد الدين شيركوه قد خريوا الديار المصرية واطلعوا على عوراتها فطمعو ا فيها (4) خطط م4 /44

عدد الصفحات ٤٣٩

vvvvvvvvvvvvvvvv 442 ونقووا ما كان استقر بينهم وبين المصريين وأسد الدين من القواعد، فبمعوا وحشدوا، وقالوا: ما بمصر من يصدنا، وإذا أردناها فمن يردنا؟ ثم قالوا: نور الدين في البلاد الشمالية والبهة الفراتية، وعسكر الشام متفرق كل منهم في بلده حافظ لما في يده، ونحن ننهض إلى مصر، ولا نطيل بها الحصر، فإنه ليس لها معقل، ولا لأهلها منا موئل، وإلى أن تبتمع عساكر الشام، نكون قد حصلنا على المرام، وقوينا بتملك الديار المصرية على سائر بلاد الإسلام، فتوجهوا إليها سائرين، ونحوها ثائرين، وألهروا أنهم على قصد حمص وشايعهم على قصد مصر جماعة من أهلها كابن الخياط وابن قرجلة وغيرهما من أعداء شاور، وكان الفرنج قد جعلوا لهم شحنة بمصر والقاهرة، وسكن فرسانهم أبواب البلدين والمفاتيح معهم على ما سبق ذكره، وتحكموا تحكما كثيرا، فطمعوا في البلاد، وأرسلوا إلى ملكهم مر ، ولم يكن ملك الفرنج مذ خرجوا إلى الشام مثله شباعة ومكرا ودهاء، يستدعونه ليملك البلاد، وأعلموه خلوها من ممانع عنها، وسهلوا أمرها عليه، فلم يببهم إلى المسير، واجتمع فرسان الفرنج وذوو الرأي والتقدم وأشاروا عليه بالمسير إليها، والاستيلاء عليها، فقال لهم: الرأي عندي ألا نقصدها، فإنها طعمة لنا، وأموالها تساق إلينا، نتقو بها على نور الدين، وإن نحن قصدناها لنملكها، فإن صاحبها وعساكره وعامة أهل بلاده وفلاحيه لا يسلمونها إلينا ، ويقاتلوننا دونها، ويحملهم الخوف منا على تسليمها إلى نور الدين، وإن أخذها وصار له فيها مثل أسد الدين، فهو هلاك الفرنج وإجلاؤهم من أرض الشام، فلم يصغوا إلى قوله، وقالوا: إن مصر لاحافظ لها ولا مانع، و إلى أن يصل الخري إلى نور الدين ، ويبهز العساكر ويسيرهم إلينا ؛ نكون نحن قد ملكناها وفرغنا من أمرها، وحينئذ يتمنى نور الدين منا السلامة فلا يقدر عليها، وكانوا قد عرفوا البلا د وانكشف لهم أمرها، فأجابهم إلى ذلك على كره شديد، وتبهزوا وألهروا أنهم على قصد الشام، وخاصة مدينة حمص، وتوجهوا من عسقلان في النصف من المحرم ، ووصلوا

عدد الصفحات ٤٤٠

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 444 أول يوم من صفر إلى بلبيس، ونازلوها وحصروها فملكوها قهرا، ونهبوها وسبوا أهلها، وأقاموا بها خمسة أيام، ثم أناخوا على القاهرة وحصروها عاشر صفر، فخاف الناس منهم أن يفعلوا بهم مثل فعلهم بأهل بلبيس، فحملهم الخوف منهم على الامتناع ، فحفاوا البلد وقاتلوا دونه وبذلوا جهدهم في حفاه، ولو أن الفرنج أحسنوا السيرة مع أهل بلبيس لملكوا مصر والقاهرة سرعة، ولكن الله تعالى حسن لهم ذلك ﴿لِّيَقرضيَِ اللّهُ أَمررً ا كَانَ مَفرعُولاً ﴾، وكان شاور أمر بإحراق مدينة مصر تاسع صفر قبل نزول الفرنج عليهم بيوم واحد؛ خوفا عليها من الفرنج، فبقيت النار فيها تحرقها أربعة وخمسين يوما إلى خامس ربيع الآخر. ثم ضاق الحصار وخيف البوار، وعرف شاور أنه يوعف عن الحماية، فشرع في تمحل الحيل، وأرسل إلى ملك الإفر نج يذكر له مودته ومحبته القديمة، وأن هواه معه وتخوفه من نور الدين والعاضد، وإنما المسلمون لا يوافقونه على التسليم إليه، ويشير عليه بالصلح وأخذ مال ؛ لئلا تسلم البلاد إلى نور الدين ، فأجابه إلى الصلح على أخذ مائة ألف دينار مصرية، يعبل البعض ويؤخر البعض، واستقرت القاعدة على ذلك، ورأ الفرنج أن البلا د امتنعت عليهم، وربما سلمت إلى نور الدين فأجابوا كارهين، وقالوا: نأخذ المال نتقو به ونكثر من الرجال ثم نعود إلى البلاد بقوة لا نباي معها بنور الدين ولا غيره ﴿وَمَكَ رُوار وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيررُ الرمَاكِرِين ﴾ فعبل لهم شاور مئة ألف دينار ، وسألهم الرحيل عن البلد ؛ ليبمع لهم المال، فرحلوا قريبا. وكان خليفة مصر العاضد عقيب حريق مصر، أرسل إلى نور الدين يستغيث به ويعر فه ضعف المسلمين عن الفرنج، وأرسل في الكتب شعور النساء، وقال له: هذه شعور نسائي من قصري يستغثن بك؛ لتنقذهن من الفرنج! فقام نور الدين لذلك، وقعد وشرع في تبهيز العساكر إلى مصر، ولما صالح شاور الفرنج على ذلك المال؛ عاود العاضد مراسلة نور الدين وإعلامه بما لقي المسلمون من الفرنج ، وبذل

عدد الصفحات ٤٤١

vvvvvvvvvvvvvvvv 442 له ثلث بلاد م، وأن يكون أسد الدين شيركوه مقيما عنده في عسكر، وإقطاعهم عليه خارجا عن الثلث الذي لنور الدين، هذا قول ابن الأثير. وقال العماد: عبل شاور لملك الفرنج بمئة ألف دينار حيلة وخداعا، وإرغابا له وإطماعا، وواصل بكتبه إلى نور الدين مستصرخا مستنفرا ،وبما ناب الإسلام من الكفر مخريا، ويقول: إن لم تبادر ذهبت البلاد، وسير الكتب مسودة بمدادها، كاسية لباس حدادها، وفي طيها ذوائب مبزوزة، وعصائب محزوزة، لن أنها شعور أهل القصر، للإشعار بما عراهم من بلية الحصر، وأرسلها تباعا، وأردف بها نبابين سراعا، وأقام منتارا ودام متحيرا، وعامل الفرن ج بالمطال ينق دهم في كل حين مالا ، ويطلب منهم إمهالا، وما زال يعطيهم ويستمهلهم حتى أتى الغوث بعساكر نور الدين  ... القبض على شاور وقتله وصل أسد الدين القاهرة سابع ربيع الآخر واجتمع بالعاضد خليفة مصر ، فخلع عليه وأكرمه، وأجريت عليه وعلى عساكره البرايات الكثير ة، والإقامات الوافرة، ولم يمكن شاور المنع من ذلك؛ لأنه رأ العساكر كثيرة بااهر البلد، ورأ هو العاضد معهم من داخله، فلم يتباسر على إلهار ما في نفسه فكتمه، وهو يماطل أسد الدين في تقرير ما كان بذل له من المال والإقطاع للعساكر، وإفراد ثلث البلاد لنور الدين، وهو يركب كل يوم إلى أسد الدين ويسير معه ويعده ويمنيه ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيرطَانُ إِلاَّ غُرُورًا﴾. ثم إنه عزم على أن يعمل دعوة لأسد الدين ومن معه من الأمراء ويقبض عليهم ، فنهاه ابنه الكامل، وقال له: والله لئن عزمت على هذا الأمر لأعرفن أسد الدين، فقال له أبوه: والله لئن لم أفعل لنقتلن جميعا، فقال: صدقت ولئن نقتل ونحن مسلمون والبلاد بيد المسلمين خير من أن نقتل وقد ملكها الفرنج، فليس بينك وبين عود الفرنج إلا أن يسمعوا بالقبض على شيركوه، وحينئذ لو مشى العاضد إلى نور الدين لم يرسل فارسا واحدا، ويملكون البلاد.

عدد الصفحات ٤٤٢

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 443 فترك ما كان عزم عليه، فلما رأ العسكر النوري المطل من شاور؛ اتفق صلاح الدين يوسف وعز الدين جرديك وغيرهما على قتل شاور ، وأعلموا أسد الدين بذلك فنهاهم، فقالوا: إنا ليس لنا في البلاد شيء مهما هذا على حاله، فأنكر ذلك. واتفق أن أسد الدين سار بعض الأيام إلى ز يارة قري الشافعي ، وقصد شاور عسكره على عادته للاجتماع به ؛ فلقيه صلاح الدين وعز الدين جرديك ، ومعهما جمع من العسكر؛ فخدموه وأعلموه أن أسد الدين في الزيارة، فقال: نمضي إليه، فسار وهما معه قليلا ثم ساوروه، وألقوه عن فرسه فهرب أصحابه، وأخذ أسيرا ولم يمكنهم قتله بغير أمر أسد الدين؛ فسبنوه في خيمة وتوكلوا بحفاه، فعلم أسد الدين الحال فعاد مسرعا ولم يمكنه إلا إتمام ما عملوه، وأرسل العاضد لدين الله صاحب مصر في الوقت إلى أسد الدين يطلب منه رأس شاور، ويحثه على قتله، وتابع الرسل بذلك، فقُ تل شاور في يومه وهو سابع عشر ربيع الآخر ، وحمل رأسه إلى القصر، ودخل أسد الدين إلى القاهرة فرأ من كثرة الخلق واجتماعهم ما خاف منه على نفسه، فقال لهم: أمير المؤمنين قد أمركم بنهب دار شاور، فقصدها الناس ينهبونها، فتفرقوا عنه هذا، قول ابن الأثير. وقال ابن شداد: أقام أسد الدين بها يتردد إليه شاور في الأحيان ، وكان وعدهم بمال في مقابلة ما خسروه من النفقة، فلم يوصل إليهم شيئا، وعلقت مخاليب الأسد في البلاد، وعلم أن الفرنج متى وجدوا فرصة أخذوا البلاد، وأن ترددهم إليها في كل وقت لا يفيد، وأن شاور يلعب بهم تارة وبالإفرنج أخر ، وملوكها قد كانوا على البدعة المشهورة عنهم، وعلموا أنه لا سبيل إلى الاستيلاء على البلاد مع بقاء شاور، فأجمعوا أمرهم على قبوه إذا خرج إليهم، وكانوا هم يترددون إلى خدمته دون أسد الدين، وهو يخرج في الأحيان إلى أسد الدين يبتمع به، وكان يركب على قاعدة وزرائهم بالطبل والبوق والعلم، فلم يتباسر على قبوه منهم

عدد الصفحات ٤٤٣

vvvvvvvvvvvvvvvv 444 إلا السلطان نفسه يعنى صلاح الدين، وذلك أنه لما سار إليهم تلقاه راكبا وسار إلى جانبه وأخذ بتلابيبه ، وأمر العسكر أن خذوا على أصحابه، ففروا ونهبهم).(4) توليأسد الدين شيركوه الوزارة للعاضد الفاطمي: لقد فرح المسلمون فرحا عايما باستعادة مصر، وتحريرها من الحملة الفرنبية، والقو الشيعية الباطنية، واستبشر المسلمون خيرا باقتراب تحرير القدس، واستعادة المسبد الأقصى، وعريّ الشعراء عن هذا الفرح بقصائد كثيرة؛ ثناءً على أسد الدين شيركوه، وتو ليه الوزارة، (وذلك عقيب قتل شاور وتنفيذ رأسه إلى القصر، أنفذ إلى أسد الدين خلعة الوز ارة فلبسها، وسار ودخل القصر، وترتب وزيرا، ولقب بالملك المنصور أمير البيوش، وقصد دار الوزارة فنزلها، وهي التي كان بها شاور فمن قبله من الوزراء، فلم ير فيها ما يقعد عليه. واستقر في الأمر ولم يبق له فيه منازع ولا مناوئ. وولى الأعمال م ن يثق إليه، واستبد بالولاية، فأقطع البلاد العساكر التي قدمت معه؛ وصلاح الدين مباشر للأمور مقرر لها، وزمام الأمر والنهي مفوض إليه لمكان كفايته ودرايته، وحسن تأتيه وسياسته... وأنفذ العماد قصيدة طويلة تهنئة لأسد الدين أولها: بــالبــد أدركــت مــا أدركــت لا اللعب فتحت مصــــــر وأرجو أن تصــير بها شــكا إليك بن ــــ و الإســ ــــ لام يتمهم في كــل دار مــن الإفــرنــج نــادبــة مـن شر شـــاور أنقــذت العبــاد فكم كم راحـة جنيـت من دوحـة التعـب ميســــــرا فتح بيت القدس عن كثب فقمـت فيهم مقـام الوالد الحـــــ دب بمـا دهـــــ اهم فقـد بـاتوا على ندب وكم قوــيت لح ـــــ زب الله من أرب (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النوريةوالصلاحية 2 /46

عدد الصفحات ٤٤٤

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 445 هو الذي أطمع الإفرنج في بلد (الإســلام رد الخلافـة عبـاســيـة ودع (الـدعي) لا تقطعـــ ن ذنب الأفـــ عى وترسلـــ ه حــتــى ســعــوا للقصـــد والطلــب فــيــهــا يصـــادف شر مــنــق لــب والحزم عنـدي قطع الرأس كـالـذنب وقال العماد في الخريدة: أنشدني الحافظ أبو القاسم لنفسه، وقد أعفى الملك العادل نور الدين -قدس الله روحه- أهل دمشق من المطالبة بالخشب، فورد الخري باستيلاء عسكره على مصر، فكتب إليه يهنيه(4): لمـــا ســمحت لأهل الشــام بالخشــب وإن بـذلـت لفتح القـدس محتســبا والأجــر في ذاك عــنــد اللــه مرتقــب والـذكر بـالخير بين النـاس تكســبه ولســـت تعـذر في ترك البهـاد وقـد وصــاحـب الموصــل ا لفيحـاء ممتثل فــأحــزم الــنــاس من قوّ عزيمتــه فـالـبـد والـبـد مقرونــان في قرن فطهر المســبد الأقصــــــى وحوزته عســاك تافر في الـدنيـا بحســن ثنا عوضــت مص ـــ ر بما فيها من النشب للأج ــــ ر جوزيت أجرا غير محتســب فــيــمــا يــثيــب عليــه خير مرتقــب خير من الفوــة البيوــاء والـذهـب أصــبحت تملك من مصــ ـــر إلى حلب لمـا تــريـد فـبــادر فــبـأة الـنــوب حتى ينـال بهـا العـــــ اي من الرتب والحزم في العــزم والإدراك بالطـلـب من النبـاســات والإشراك والصــلـب وفي الـقـيـامـة تـلـقى خير منقلـب (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 2 /22

عدد الصفحات ٤٤٥

vvvvvvvvvvvvvvvv 446 وفاة أسد الدين وولاية ابن أخيه صلاح الدينالوزارة بمصر مكانه: ولم تطل حياة أسد الدين بعد فتح مصر، فتو في بعد شهرين من توليه الوزارة، فتولى بعده ابنه أخيه صلاح الدين الأيوبي ؛ فبدّ في الأمر، ونهض بالمهمة التي أوكلت إليه، وأصبح همه كله البهاد في سبيل الله، ومواجهة الفرنبة، وتحرير القدس، وتحقيق المشروع الزنكي العباسي، بتوحيد مصر والشام سياسيا كما اتّ حدت عسكريا ، والخطبة للخلاف ة العباسية في بغداد، وقطع الخطبة للعاضد الفاطمي؛ فتحر صلاح الدين الوقت المناسب للإعلان عن هذه الوحدة التي طالما تحراها المسلمون. قال ابن شداد: (توفي أسد الدين فبأة يوم السبت الثاني والعشرين من جماد الآخرة من هذه السنة -564ه-، فكانت وزارته شهرين وخمسة أيام، وفوض الأمر بعده إلى صلاح الدين ، واستقرت القواعد، واستتبت الأحوال على أحسن ناام، وبذل الأموال ، وملك الرجال، وهانت عنده الدنيا فملكها، وشكر نعمة الله تعالى عليه، فتاب عن الخمر، وأعرض عن أسباب اللهو، وتقمص بلباس البد والاجتهاد، وما عاد عنه ولا ازداد إلا جدا إلى أن توفاه الله تعالى إلى رحمته. ولقد سمعت منه  يقول: لما يسر الله ي الديار المصرية، علمت أنه أراد فتح الساحل؛ لأنه أوقع ذلك في نفسي. ومن حين استتب له الأمر ؛ ما زال يشن الغارات على الفرنج إلى الكرك والشوبك وبلادهما، وغشى الناس من سح ائب الأفوال والنعم، ما لم يؤرخ عن غير تلك الأيام، هذا كله وهو وزير متابع للقوم؛ لكنه مقو لمذهب السنة، غارس في البلاد أهل العلم والفقه والتصوف والدين، والناس يهرعون إليه من كل صوب، ويفدون إليه من كل جانب، وهو  لا يخيب قاصدا، ولا يعدم وافدا.

عدد الصفحات ٤٤٦

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv ٧ ولما عرف نور الدين استقرار أمر صلاح الدين بمصر، أخذ حمص من نواب أسد الدين، وذلك في رجب من هذه السنة... وثبت قدم صلاح الدين ورسخ ملكه، وهو نائب عن الملك العادل نور الدين، والخطبة لنور الدين في البلاد كلها، ولا يتصرفون إلا عن أمره، وكان نور الدين يكاتب صلاح الدين بالأمير الأسفهسلار، ويكتب علامته في الكتب تعايما أن يكتب اسمه ولا يفرده في كتاب، بل يكتب الأمير الأسفهسلار صلاح الدين، وكافة الأمراء بالديار المصرية يفعلون كذا وكذا. واستمال صلاح الدين قلوب الناس، وبذل لهم الأموال مما كان أسد الدين قد جمعه، وطلب من العاضد شيئا يخرجه فلم يمكنه منعه، فمال الناس إليه وأحبوه، وقويت نفسه على القيام بهذا الأمر والثبات فيه، وضعف أمر العاضد وكان كالباحث عن حتفه بالفه. وأرسل صلاح الدين يطلب من نور الدين أن يرسل إليه إخوته، فلم يببه إلى ذلك، وقال: أخاف أن يخالف أحد منهم عليك فتفسد البلاد، ثم إن الفرنج اجتمعوا ليسيروا إلى مصر، فسير نور الدين العساكر ، وفيهم إخوة صلاح الدين، منهم شمس الدولة تورانشاه بن أيوب، وهو أكري من صلاح الدين، فلما أراد أن يسير، قال له: إن كنت تسير إلى مصر، وتنار إلى أخيك أنه يوسف الذي كان يقوم في خدمتك، وأنت قاعد، فلا تسر، فإنك تفسد البلاد، وأحضرك حينئذ وأعاقبك بما تستحقه، وإن كنت تنار إليه أنه صاحب مصر، وقائم فيها مقامي، وتخدمه بنفسك كما تخدمني، فسر إليه، واشدد أزره، وساعده على ما هو بصدده، فقال: أفعل معه من الخدمة والطاعة ما يصل إليك إن شاء الله تعالى، فكان كما قال .)(4) (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 2 /62

عدد الصفحات ٤٤٧

vvvvvvvvvvvvvvvv 442 وللعماد(4) في رثاء أسد الدين شيركوه عّز بها أخاه نبم الدين أيوب وولده ناصر الدين محمدا: مــا بــعــد يــومــك لــلمعنى المــدنف غير العويـل وحســـــــرة المتأســف مـا كـان أســنى البـدر لو لم يســتتر ما كان أبهى الشــمس لو لم تكســف أيــام عــمــرك لــم تــزل مقســومــة لــلــه بــين تــعــبــد وتــعــرف مــتــهــبــدا لــعــبــادة أو تــالــيــا مــن آيــة أو نــالــرا في مصـــحــف فــبع النــد والبــأس منــك بحــاتم وبــحــيــدر والــحــلم منــك بــأحنف ووصــفـت يـا أســـدا لـدين محمـد مـدحـــــا بمـا ملـك به لم يوصــف وقـفوت آثـار الشـــــــريعـة كلهـا وقد اهتد من للشـــــــريعة يقتفي ولعمارة اليمني في صلاح الدين مدائح، منها قوله: لك الحســ ـــب الباقي على عقب الدهر كـذا فليكن ســع ي الملوك إذا ســعـت نهوــ ـــتم بأعبـــاء الوزارة نهوــة كشــفـتـم عـن الإقـليم غمتـه كمـا حميتم من الإفرنج سرب خ ـــــ لافـة ولما اســتغاث ابن النبي بنصــ ــــ ركم جلبتم إليه النصــ ــــ ر أوســا وخزرجا كـتـائـب في جـيرون مــنــهــا أواخر طلعتم فأطلعتم كواكـــب نصــ ـــرة بل الشـــ رف الراقي إلى قمة النســـ ر بهـا الهمم العليـــــ ا إلى شرف الذكر أقلتــــ م بها الأقدام من زلــــ ة العثر كشــ فتم بــأنوار الغنى للمــة الفقر جريتم لهـا مبر الأمـان من الـذعر ودائرة الأنصـــ ار أضيـــ ق من شبـــ ر وما اشتقت الأنصـــ ار إلا من النصـــ ر وأولها بالنيل من شــاطئي مصــ ــــ ر أضـــاءت وكـان الـدين ليلا بلا فبر (4) المصدر السابق 2 /٧٧

عدد الصفحات ٤٤٨

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 449 وآبــت إلــيــكــم يــا ابن أيوب دولــة حــمى اللــه فيكم عزمــة أســـديــة أخـذتـم عـلى الإفــرنــج كــل ثــنيــة لئن نصــبوا في الري جســ ــــرا فإنكم طريق تقـارعتم عليها مع العـــــ د وأزعبه من مــــ صــ ــــ ر خوف يلزه وكم وقعـة عـذراء لمـا افتوــوــتها وأيـديكم بـالب ـــــ أس كاسرة العد يـــد لا يقوم المســلم ـــون بشــكرها بــكــم أمــّ ن الــرحــمــن أعام يثرب ولو رجعت مصـــ ر إلى الكفر لانطو ولــكــن شـــددتــم أزره بــوزارة فــهــنــيــتــم فــتــحــا تــقــدم جلــه ومـا بقيـت في الشــ ـــــ رك إلا بقيـة وعـنـد تـمـام المـلــك آتــي مــهنئــا تراســل ـــــ كم في كل يوم مع الســفر فككتم بهـا الإســلام من ربقـة الأسر وقلتم لأيدي الخي ـــــ ل مري على مري عريتم ببحر من حديد على البـــ ســـ ر ففزتم بها والصخر يقرع بالصخـــ ر كمـا لزّ مهـــــ زوم من الليـل بالفبر بســيف ـــــ ك لم تترك لغيرك من عذر ولكنها بالبــــ ود جابرة الكســ ــــ ر لــكــم آل أيــوب إلى آخــر الــدهــر وأمّ ن أركــان الـبــنـيـة والـحـبــر بســاط الهد من ســاحة الري والبحر غـدا لفاهـا يشــتق من شــدة الأرز وبشــ ــــ ر أن الكل يتــــ لو على الإثر تتمتهـا في ذمـــــ ة البيض والســمر وملتمســـا أجر الكه ـــــ انـة والزجر الحملة الصليبية على مصر سنة 515 هـ: وقد أدت الوحدة العسكرية بين مصر والشام والموصل، ودخول مصر على خط البهاد إلى استنفار الفرنبة، فاستنصروا بالنصار في الأندلس وصقلية؛ لمنع المسلمين من استعادة القدس، فاجتمعوا يحرضهم الرهبان والقسس، ونزلوا على دمياط خمسين يوما لاحتلالها، فحصنها صلاح الدين، وأخذ يشن عليهم الغارات، وعلم بهم نور الدين، فهاجم مدنهم في

عدد الصفحات ٤٤٩

vvvvvvvvvvvvvvvv 452 سواحل الشام، وحاصر الكرك ليشغلهم عن إمداد الحملة الصليبية على مصر، حتى انهزموا. قال أبو شامة: (ففي أول صفر منها نزل الفرنج، خذلهم الله تعالى، على دمياط من الديار المصرية. قال ابن الأثير: كان فرنج الساحل لما ملك أسد الدين مصر قد خافوا وأيقنوا بالهلاك، فكاتبوا الفرنج الذين بالأندلس وصقلية، يستمدونهم ويعرفونهم ما تبدد من ملك مصر، وأنهم خائفون على البيت المقدس من المسلمين ، وأرسلوا جماعة من القسوس والرهبان يحرضون الناس على الحركة؛ فأمدوهم بالمال والرجال والسلاح، وأتعدوا على النزول على دمياط، لنا منهم أنهم يملكونها ويتخذونها لهرا يملكون به ديار مصر، فلما نازلوها حصروها، وضيقوا على من بها، فأرسل إليها صلاح الدين العساكر في النيل، وحشر فيها كل من عنده، وأمدهم بالمال والسلاح والذخائر، وتابع رسله إلى نور الدين يشكو له ما هو فيه من المخاوف، وأنه إن تخلف عن دمياط ملكها الفرنج، وإن سار إليها، خلفه المصريو ن في مخلفيه ومخلفي عسكره بالسوء، وخرجوا من طاعته، وصاروا من خلفه والفرنج من أمامه، فبهز إليه نور الدين العساكر أرسالا، كلما تبهزت طائفة أرسلها؛ فسارت إليه يتلو بعوها بعوا. ثم سار نور الدين فيمن عنده من العساكر ، فدخل بلاد الإفرنج فنهبها، وأغار عليها واستباحها، ووصلت الغارات إلى ما لم تكن تبلغه؛ لخلو البلاد عن ممانع. فلما رأ الإفرنج تتابع العساكر إلى مصر ودخول نور الدين بلادها، ونهبها وإخراجها، رجعوا خائبين ولم يافروا بشيء؛ وهذا موضع المثل: ذهبت النعامة تطلب قرنين فعادت بلا أذنين!. فوصلوا إلى بلادهم فأتوها خاوية على عروشها.

عدد الصفحات ٤٥٠