المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الجزء الثاني من كـتاب عودة الخلافة

غير معروف

صفحة ٢٦ من ٤٢

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 423 بلاده ما هو لغيره وإن قل، للحزم الذي كان عنده والاحتياط؛ وأقام عليه يحصره بنفسه إلى أن مضى من شهر ربيع خمس ليال.. فبينما هو نائم دخل عليه نفر من مماليك فقتلوه غيلة ولم يبهزوا عليه، وهربوا من ليلتهم إلى القلعة، ولم يشعر أصحابه بقتله. فلما صعد أولئك النفر إلى القلعة صاح من بها إلى العسكر يعلمهم بقتله، فبادر أصحابه إليه، فأدركه أوائلهم وبه رمق. ثم ختم الله له بالشهادة).(4) سيرة الشهيد أتابك زنكي لقد كان اغتيال عماد الدين، بعد سنتين من استعادته وتحريره مدينة الرها من الحملة الصليبية، وفي وقت حصاره لقلعة جعري ؛ كل ذلك ير جح أن الحملة الصليبية وراء هذا الاغتيال، وهي المستفيد الأول من قتله غيلة، بعد أن أعبزتهم به الحيلة في ساحات البهاد، وقد أجمع المؤرخون على الثناء على الشهيد عماد الدين زنكي، وعلى اتصافه بالعدل، وحسن السيرة، وقيامه بالبهاد في سبيل الله، كما قال أبو شامة عن سيرته: (وكانت من أحسن سير الملوك وأكثرها حزما وضبطا للأمور، وكانت رعيته في أمن شامل يعبز القو عن التعدي على الوعيف. قال ابن الأثير: حدثني والدي قال: قدم الشهيد أتابك زنكي إلينا ببزيرة ابن عمر، في بعض السنين، وكان زمن الشتاء، ونزل بالقلعة، ونزل العسكر في الخيام. وكان في جملة أمرائه الأمير عز الدين أبو بكر الدبيسي، وهو من أكابر أمرائه ومن ذوي الرأي عنده، فدخل الدبيسي البلد ونزل بدار إنسان يهودي وأخرجه منها؛ فاستغاث اليهودي إلى الشهيد، وهو راكب فسأل عن حاله، فأخري به؛ وكان الشهيد واقفا والدبيسي إلى جانبه ليس فوقه أحد؛ (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 4 /422 -454

عدد الصفحات ٤٠٣

vvvvvvvvvvvvvvvv 424 فلما سمع أتابك الخري نار إلى الدبيسي نار مغوب ولم يكلمه كلمة واحدة، فتأخر القهقر ، ودخل البلد فأخرج خيامه وأمر بنصبها خارج البلد، ولم تكن الأرض تحتمل وضع الخيام عليها؛ لكثرة الوحل والطين. قال: ولقد رأيت الفراشين وهم ينقلون الطين لينصبوا خيمته؛ فلما رأوا كثرته جعلوا على الأرض تبنا ليقيموها، ونصبوا الخيام، وخرج إليها من ساعته. قال: وكان ينهى أصحابه عن اقتناء الأملاك ، ويقول: مهما كانت البلاد لنا فأي حاجة لكم إلى الأملاك! فإن الاقطاعات تغن ي عنها؛ وإن خرجت البلاد عن أيدينا فإن الأملاك تذهب معها، ومتى س ارت الأملاك لأصحاب السلطان ؛ للموا الرعية وتعدوا عليهم وغصبوهم أملاكهم. ثم ذكر ما تبدد في أيامه من عمارة البلاد، لا سيما بالموصل، وذلك لحسن سيرته، فكان يقصده الناس ويتخذون بلاده دار إقامة.. قال: وأما غيرته فكانت شديدة ولا سيما على نساء الأجناد، فإن التعرض إ ليهن كان من الذنوب التي لا يغفرها. كان يقول: إن جندي لا يفارقوني في أسفاري، وقلما يقيمون عند أهلم، فإن نحن لم نمنع من التعرض إلى حرمهم هلكن وفسدن.. وقال العماد الكتاب: استولى زنكي على الشام من سنة اثنتين وعشرين إلى أن قتل في سنة إحد وأربعين. وهو الذي فتح الرها عنوة، واحتل بها من السعادة ذروة؛ فتسنى بفتح الرها للمسلمين، جوس بلاد جوسلين؛ وعاد جمعها إلى الإسلام في عهد ولد زنكي نور الدين ، وصارت عقود الفرنج من ذلك الحين تنفسخ، وأمورها تنتسخ، ومعاقلها تفرع، وعقائلها تفترع).(4) (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية (4 /٧)

عدد الصفحات ٤٠٤

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 425 وقالعنه ابن الأثير -في حوادث سنة 544 ه-: (كان شديد الهيبة على عسكره ورعيته، عايم السياسة، لا يقدر القوي على للم الوعيف.. وكانت البلاد قبل أن يملكها خرابً ا من الالم، وتنقل الولاة، ومباورة الفرنج، فعمرها، وامتلأت أهلا وسكانا) (4). وقال ابن كث (وقد كان زنكي من خيار الملوك، وأحسنهم سيرة وشكلاً ، وكان شباعً ا مقدامً ا، حازمً ا، خوعت له ملوك الأطراف، وكان من أشد الناس غيرة على نساء الرعية وأجود الملوك معاملة، وأرفقهم بالعامة)(2). تولي ولدَ ي زنكي سيف الدين غازي على الموصل، ونور الدين محمود على حلب سنة 526 هـ: كانت سياسة عماد الدين زنكي لمواجهة الحملة الصليبية تقوم على توحيد الموصل والشام وتشكيل جبهة عسكرية واسعة، وقد استطاع تحقيق هذا الهدف إلى حد كبير مدة جهاده عشرين سنة، وبعد اغتياله قام ولداه: سيف الدين غازي ونور الدين محمود باستكمال مشروعه السياسي والعسكري، وكان يُخشى عليهما بعد استشهاد والدهما ألا يتفقا، و أن يقع الخلاف بينهما، ويحول النزاع دون تحقيق هذا الهدف، وتكون مهمة اغتيال والدهما قد حققت غرضها، إلا أن تربيتهما الروحية والسياسية قد آتت أكلها، وحالت دون حدوث شيء من ذلك، فقد كانا على دين وخلق وتقو وصلاح، جعلت منهما امتدادا لأبيهما عماد الدين، وكذا كان أخوهما قطب الدين مودود، فاستكملوا جميعا مهمة التوحيد والتحرير، خاصة أن وزراء أبيهما كانوا من أهل العلم والفول، كما قال ابن الأثير في حوادث سنة 544هوكان حينئذ يتولى ديوان زنكي، ويحكم في دولته من أصحاب العمائم جمال الدين (4) الكامل في التاريخ9 /442) (2) البداية والنهاية42 /5)

عدد الصفحات ٤٠٥

vvvvvvvvvvvvvvvv 426 محمد بن علي وهو المنفردبالحكم، ومعه أمير حاجب صلاح الدين محمد الياغيسياني، فاتفقا على حفظ الدولة)(4). وفي اتفاقهما على حفظ الدولة دليل على إيمانهما بمشروع عماد الدين زنكي، وقد توليا الوز ارة لولديه سيف الدين في الموصل، ونور الدين محمود في حلب. كما قال ابن الأثير: (واستقر ملك سيف الدين البلاد، وبقي أخوه نور الدين بحلب وهي له، وسار إليه صلاح الدين الياغسياني يدبر أمره ويقوم بحفظ دولته)(2). لقد كان أصحاب العمائم هؤلاء من المشهورين بالعلم والفول وحسن السياسية، وقاما بعد استشهاد عماد الدين زنكي، بما قام به قبلهما قاضي حلب بهاء الدين الشهرزوري، وصلاح الدين محمد حاجب عز الدين مسعود بن زنكي، حين أرسلهما جاوي بعد وفاة عز الدين بن زنكي، إلى السلطان محمود السلبوقي في بغداد؛ لتولية أخي عز الدين مسعود وهو طفل صغير، وقد وعدهما جاوي بالمال والباه والرئاسة إن استطاعا إقناع السلطان بتولية الطفل، ليكون جاوي الوصي عليه والمدبر للأمر في الموصل، فلما وصلا بغداد التقيا بالوزير شرف الدين، وأخرياه بحقيقة الحال، وقالا له: (قد علمتَ أنت والسلطان أن ديار البزيرة والشام قد تمكن الفرنج منها، وقويت شوكتهم بها، فاستولوا على أكثرها، وقد أصبحت ولايتهم من حدود ما ردين إلى عريش مصر، وقد كان الريُرسُقي سنقر] مع شباعته وتبربته وانقياد العساكر إليه يكف بعض عاديتهم وشررهم، ومنذ قُتِل ازداد طمعهم، وهذا ولده طفل صغير، ولا بد للبلاد من رجل شهم شباع، ذي رأي وتبربة يذب (4) الكامل في التاريخ9 /444) (2) الصدر السابق(9 /445)

عدد الصفحات ٤٠٦

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv ٧ عنها ويحفاها، ويحمي حوزتها، وقد أنهينا الحال لئلا يبري خلل أو وهن على الإسلام والمسلمين، فيختص اللوم بنا، ويقال: لم لا أنهيتم إلينا جلية الحال)(4). فسألهما السلطان محمود عمن يرشحان لهذه الولاية ؛ فرشحا لها عماد الدين زنكي، فكان نصح هذين الشيخين الصالحين للإسلام والمسلمين فتحا ونصرا على الأمة، وقد آثارا مصلحة الإسلام وأهله على مصلحتهما الخاصة، وكذا فعل جمال الدين بن علي البواد والياغسياني مع ولدي عماد الدين زنكي: سيف الدين ونور الدين، فاتفقت كلمتهما بعد أبيهما، كما قال أبو شامة: (قال ابن أبي طي الحلبي: لما اتصل قتل أتابك زنكي بأسد الدين شيركوه ركب من ساعته وقصد خيمة نور الدين، وقال له: اعلم ان الوزير جمال الدين قد أخذ عسكر الموصل وعزم على تقديم أخيك سيف الدين وقصده إلى الموصل، وقد انوو إليه جل العسكر، وقد أنفذ إي جمال الدين وأرادني على اللحاق به، فلم أعرج إليه، وقد رأيت أن أصيرك إلى حلب وتبعلها كرسي ملكك و تبتمع في خدمتك عساكر الشام؛ وأنا أعلم أن الأمر يصير جميعه إليك ؛ لأن ملك الشام بحلب، ومن ملك حلب استاهر على بلاد الشرق، فركب وأمر أن يناد في الليل في عساكر الشام بالاجتماع، فاجتمعوا وساروا في خدمة نور الدين إلى حلب، ودخلوها سابع ربيع الأول، ولما دخلوا حلب ؛ جاء أسد الدين إلى تحت القلعة وناد واليها، وأصعد نور الدين إليها وقرر أمره ومشى أحواله، فكان نور الدين ير له ذلك وأسد الدين يمن بأنه كان السبب في توليته.. واستقر أمر سيف الدين، وأقر زين الدين على ما كان عليه من ولاية الموصل، وجعل البمال وزيره، وأرسلوا إلى السلطان مسعود فاستحلفوه لسيف الدين فحلف له وأقره على البلاد، وأرسل له الخلع، وكان سيف الدين هذا قد لازم خدمة السلطان مسعود في أيام أبيه (4) الكامل في التاريخ (9 /٧)

عدد الصفحات ٤٠٧

vvvvvvvvvvvvvvvv 422 سفرا وحضرا، وكان السلطان يحبه كثيرا ويأنس به ويبسطه، فلما خوطب في اليم وتقرير البلاد له لم يتوقف. ولما فرغ سيف الدين من إصلاح أمر السلطنة وتحليفه وتقرير أمر البلاد عري إلى الشام لينار في تلك النواحي، ويمرر القاعدة بينه وبين أخيه نور الدين، وهو بحلب، وقد تأخر عن الحوور عند أخيه وخافه، فلم يزل يراسله ويستميله، فكلما طلب نور الدين شيئا أجابه إليه استمالة لقلبه، واستقرت الحال بينهما على أن يبتمعا خارج العسكر السيفي، ومع كل واحد خمسمائة فارس، فلما كان يوم الميعاد بينهما سار نور الدين من حلب في خمسمائة فارس، وسار سيف الدين من معسكره في خمسة فوارس، فلم يعرف نور الدين أخاه سيف الدين حتى قرب منه، فحين رآه عرفه، فترجل له وقبل الأر ض بين يديه، وأمر أصحابه بالعود عنه فعادوا، وقعد سيف الدين ونور الدين بعد أن اعتنقا وبكيا، فقال له سيف الدين: لم امتنعت من المبيء إي ، أكنت تخافني على نفسك؟ والله ما خطر في بباي ما تكره، فلمن أريد البلاد، ومع من أعيش، وبمن أعتود إذا فعلت السوء مع أخي وأحب الناس إي ! فاطمأن نور الدين وسكن روعه، وعاد إلى حلب فتبهز وعاد بعسكره إلى خدمة أخيه سيف الدين، فأمره سيف الدين بالعود وترك عسكره عنده، وقال: لا غرض ي في مقامك عندي، وإنما غرضي أن يعلم الملوك والفرنج اتفاقنا، فمن يريد السوء بنا يكف عنه، فلم يرجع نور الدين ولزمه إلى أن قويا ما كانا عليه، وعاد كل واحد منهم إلى بلده..).(4) (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 4 /462

عدد الصفحات ٤٠٨

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 429 لقد كانا جميعا على طريقة أبيهم في الصلاح والورع، والعدل، وقد توفي سيف الدين غازي بعد ثلاث سنوات وذلك سنة 544ه، قال عنه الذهبي: (وكان عاقلا حازما، شباعا جوادا، محبا في أهل الخير)(4). وقال عنه ابن خلكان: (وكان غازي المذكور منطويا على خير وصلاح، يحب العلم وأهله، وبنى بالموصل المدرسة المعروفة بالعتيقة، ولم تطل مدته في الملك، توفي ابن أربعين سنة، ودفن في مدرسته المذكورة، رحمه الله تعالى، وتولى بعده أخوه قطب الدين مودود)(2). وكان كأخويه سيف الدين غازي، ونور الدين محمود صلاحا وعدلا وجهادا في سبيل الله، قال ابن الأثير: (وتوفي قطب الدين وعمره نحو أربعين سنة ، وكان ملكه إحد وعشرين سنة وخمسة أشهر ونصفا، وكان فخر الدين هو المدبر للأمور والحاكم في الدولة، وكان قطب الدين من أحسن الملوك سيرة، وأعفهم عن أمو ال رعيته)(3). وقال عن ابن خلكان: (وكان حسن السيرة، عادلا في حكمه.. وكان مدبر دولته وصاحب رأيه الأمير زين الدين علي كبك، والد مافر الدين صاحب إربل، وكان نعم المدبر والمشير لصلاحه وخيره وحسن مقاصده مع شباعة تامة وفروسية مشهورة) (4). وقد كان صلاح هؤلاء الوزراء لبيت آل زنكي وأهليتهم؛ دليل على عناية سنقر ثم ابنه عماد الدين زنكي باختيار العدول الصالحين الأكفاء لس ياسة شئون ولايته في الموصل والشام والبزيرة، فكانوا من أهم أسباب اجتماع أبنائه، واستمرار مشروعه، حيث كان هؤلاء الوزراء يعملون على تحقيق هذا الهدف العايم في حياته وبعد استشهاده. (4) سير الأعلام 22 /492 (2) وفيات الأعيان 4 /4 (3) الكامل 44 /355 (4) وفيات الأعيان 5 /323

عدد الصفحات ٤٠٩

vvvvvvvvvvvvvvvv 442 الحملة الصليبية الثانية ٤٠١ه - ١٠١١م بتحريض البابا يوجنيوس الثالث بعد استعادة المسلمين الرها: و قد استثار مشروع التوحيد والتحرير -لمواجهة الحملة الصليبية في الشام، الذي بدأه قسيم الدولة أتابك سنقر أمير الموصل، بأمر من الخليفة المسترشد العباسي والس لطان محمود بن محمد بن ملك شاه السلبوقي في بغداد ثم أكمله ابنه عماد الدين زنكي بن سنقر، ثم حفيده نور الدين محمود- بابا روما يوجينيوس الثالث الذي رأ بفتح عماد الدين للرها سنة 539 ه تهديدا مباشرا لوجود الحملة الصليبية كلها في الشام، فدعا ملوك أو ربا لحملة صليبية ثانية، فاستباب لدعوته ملك فرنسا لويس السابع، وملك ألمانيا كونراد الثالث، وكثير من أمراء أوربا، لتبدأ الحملة الصليبية الثانية على العالم الإسلامي، وتوجهت نحو القسطنطينية ليقف معها إمرياطورها مانويل كومينوس، من أجل استعادة الرها، التي كانت أ ول مملكة صليبية تقيمها الحملة الصليبية الأولى، وأول مملكة يحررها المسلمون بقيادة عماد الدين، وقد فشلت هذه الحملة الثانية، وقضى عليها المسلمون في طريقها إلى القدس، كما قال أبو شامة: (قال ابن الأثير: وفي سنة اثنتين وأربعين فتح نور الدين أرتاح بالسيف، وحصن بارة، وبصرفوت، وكفر لاثا. وكان الفرنج قد طمعوا ولنوا أنهم بعد قتل الشهيد يستردون ما أخذ منهم، فلما رأوا من نور الدين هذا البد؛ علموا أن ما أملوه بعيد. قال الرئيس أبو يعلى: وفي هذه السنة تواصلت الأخبار من ناحية القسطنطينية وبلاد الفرنج والروم وما والاها باهو ر ملوك الإفرنج من بلادهم؛ منهم الألمان والفنش، وجماعة من كبارهم، في العدد الذي لا يحصر، لقصد بلاد الإسلام بعد أن نادوا في سائر بلادهم

عدد الصفحات ٤١٠

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 444 ومعاقلهم: النفير النفير إليها، والإسراع نحوها؛ وخلوا بلادهم وأعمالهم خالية شاغرة من حماتها والحفاة لها. ثم استصحبوا من ذخائرهم وأموالهم وعددهم الشيء الكثير الذي لا يحصى، بحيث يقال: إن عدتهم ألف ألف من الرجالة والفرسان، ويقال أكثر من ذلك وغلبوا على أعمال قسطنطينية، واحتاج ملكها إلى الدخول في مداراتهم ومسالمتهم، والنزول على أحكامهم. وحين شاع خريهم واشتهر امرهم؛ شرعت ولاة الأعما ل المصاقبة لهم، والأطراف الإسلامية القريبة منهم، في التأهب للمدافعة لهم، والاحتشاد على المباهدة فيهم. وقصدوا منافذهم، ودروب معابرهم؛ لكي يمنعوهم من العبور والنفوذ إلى بلاد الإسلام، وواصلوا شن الغارات على أطرافهم؛ واستحر القتل فيهم والفتك بهم إلى أن هلك منهم العدد الكثير، وحل بهم من عدم القوت والعلوفات والمير وغلاء السعر، إذا وجدوه، ما أفنى الكثير منهم بالبوع والمرض. ولم تزل أخبارهم تتواصل بهلاكهم وفناء أعدادهم إلى أواخر سنة اثنتين وأربعين، بحيث سكنت النفوس بعض إلى سكون).(4) هزيمة الحملة الصليبية الفرنجية على أسوار دمشق سنة 522هـ: قال أبو يعلى الرئيس: (وتواترت الأخبار بوصول مراكب الفرنج وحصولهم على سواحل الثغور الساحلية صور وعكا، واجتماعهم مع من بها من الفرنج، ويقال: إنهم بعد ما فنى منهم بالقتل والمرض والبوع، وصل تقديرهم مائة ألف، وقصدوا البيت المقدس، فقوو ا حبّهم ، وعاد من عاد منهم إلى بلادهم في البحر، وقد هلك منهم بالموت والمرض الخلق العايم، وهلك من ملوكهم من هلك، وبقي للألمان أكري ملوكهم ومن هو دونه، واختلفت الآراء بينهم فيما يقصدون منازلته من البلاد الإسلامية، إلى أن استقرت الحال على منازلتهم (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 4 /423

عدد الصفحات ٤١١

vvvvvvvvvvvvvvvv 442 دمشق، وبلغ ذلك معين الدين فاستعد لحربهم، فباءوا في تقدير خمسين ألفا ودنوا من البلاد؛ ثم قصدوا في المنزله المعروفة بنزول العساكر فيها، فصادفوا الماء مقطوعا، فقصدوا ناحية المزة ، فخيموا عليها لقربهم من الماء، وزحفوا إلى البلد بخيلهم ورجلهم، ووقف المسلمون بإزائهم، في يوم السبت سادس ربيع الأول. ونشبت الحرب بين الفريقين، واجتمع عليهم من الأعمال الأجناد والأتراك والقتال وأحداث البلد والمطوعة والغزاة البم الغفير ، واستاهر الكفار على المسلمين بكثرة الأعداد، وغلبوا على الماء، وانتشروا في البساتين وخيموا فيها، وقربوا من البلد وحصلوا منه بمكان لم يتمكن أحد من العساكر قديما وحديثا منه، واستشهد في هذا اليوم الفقيه الإمام يوسف الفندلاوي المالك ي، قريب الربوة على الماء؛ لوقوفه في وجوههم، وترك الرجوع عنهم، واتبع أوامر الله تعالى في كتابه الكريم، وقال: بعنا واشتر . وكذلك عبد الرحمن الحلحول الزاهد، جر أمره هذا المبر قلت: وذكر الأمير أسامة بن منقذ في كتاب "الاعتبار" أن ملك الألمان الفرنبي لما وصل إلى الشام، اجتمع إليه كل من بالشام من الإفرنج، وقصد دمشق فخرج عسكرها وأهلها لقتالهم، وفي جملتهم الفقيه الفندلاوي المالكي، والشيخ الزاهد عبد الرحم ن الحلح ول، رحمهما الله، وكانا من خيار المسلمين.. فلما قاربوهم قال الفقيه عبد الرحمن: أما هؤلاء الروم؟ قال: بلى. قال: فإلى متى نحن وقوف؟ قال: سر على اسم الله. فتقدما فقاتلا حتى قتلا في مكان واحد، رحمهما الله تعالى. ثم قال أبو يعلى: وشرعوا في قطع الأشبار والتحصن بها، وهدوا القناطر؛ وباتوا تلك الليلة على هذه الحال، وقد لحق الناس من الارتياع لهول ما شاهدوه، والروع بما عاينوه، ما ضعفت به القلوب وحرجت معها الصدور، وباكروا الاهور إليهم غد ذلك اليوم، وهو الأحد تاليه، وزحفوا إليهم، ووقع الطراد بينهم؛ واستاهر المسلمو ن عليهم، وأكثروا القتل

عدد الصفحات ٤١٢

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 443 والبراح فيهم؛ وأبلى الأمير معين الدين في حربهم بلاء حسناء، ولهر من شباعته وصريه وبسالته ما لم يشاهد في غيره، بحيث كان لا يني في جهادهم، ولاينثن ي عن دمارهم. ولم تزل رحا الحرب دائرة بينهم، وخيل الكفار محبمة عن الحملة المعروفة لهم، حتى تتهيأ الفرصة لهم، إلى أن مالت الشمس إلى الغروب، وأقبل الليل، وطلبت النفوس الراحة، وعاد كل منهم إلى مكانه. وبات البند بإزائهم وأهل البلد على أسوارهم الحرس والاحتياط، وهم يشاهدون أعداءهم بالقرب منهم. وكانت المكاتبات قد نفذت إلى ولاة الأطراف بالاستصراخ والا ستنباد، وجعلت خيل التركمان تتواصل، ورجالة الأطراف تتتابع ، وباكرهم المسلمون ، وقد قويت شوكتهم ونفوسهم، وزال عنهم روعهم، وثبتوا بإزائهم، وأطلقوا فيهم السهام ونبل البرخ، بحيث يقع في مخيمهم في راجل أو فارس، أو فرس أو جمل، ووصل في هذا اليوم من ناحية البقاع وغير ها رجاله كثير من الرماة، فزادت بهم العدة وتواعفت العدة، وانفصل كل فريق إلى مستقره في هذا اليوم، وباكروهم من غده يوم الثلاثاء وأحاطوا بهم في مخيمهم، وقد تحصنوا بأشبار البساتين وأفسدوها رشقا بالنشاب، وحذفا بالأحبار؛ وقد أحبموا عن الريوز وخافوا وفشلوا، ولم ياهر منهم أحد ولن أنهم يعملون مكيدة أو يدبرون حيلة، ولم ياهر منهم إلا النفر اليسير من الخيل والرجل على سبيل المطاردة والمناوشة؛ خوفا من المهاجمة، إلى أن يبدوا لحملتهم مبالا، وليس يدنو منهم أحد إلا صرع برشقة أو طعنة وطمع فيهم نفر كثير من رجالة الأحداث والوياع ، وجعلوا يقصدونهم في المسالك وقد أمنوا، فيقتلون من لفروا به ، ويحضرون رءوسهم لطلب البوائز عليها، وحصل من رءوسهم العدد الكثير ، وتواترت إليهم أخبار العساكر الإسلامية بالمسارعة إلى جهادهم واستئصال شأفتهم، فأيقنوا بالهلاك والبوار، وحلول الدمار، وأعملوا الآراء ب ينهم، ف لم

عدد الصفحات ٤١٣

vvvvvvvvvvvvvvvv 444 يبدوا لنفوسهم خلاصا من الشبكة التي حصلوا بها غير الرحيل، فرحلوا سحر يوم الأربعاء التاي مفلولين. وحين عرف المسلمون ذلك برزوا إليهم في بكرة هذا اليوم، وسارعوا في آثارهم بالسهام، بحيث قتلوا في أعقابهم من الرجال والخيول والدواب العدد الكثير، ووجدوا في آثار منازلهم وطرقاتهم من دفائن قتلاهم وخيولهم ما لا عدد له، ولا حصر يلحقه؛ بحيث لها أراييح من جيفتهم تكاد تصرع في البو، وكانوا قد أحرقوا الربوة والقبة الممدودية في تلك الليلة، واستبشر الناس بهذه النعمة التي أسبغها الله عليهم، وأكثروا من الشكر له تعالى على ما أولاهم من إجابة دعائهم الذي واصلوه في أيام هذه الشدة فلله الحمد على ذلك والشكر. واتفق عقيب هذه الرحمة اجتماع معين الدين مع نور الدين عند قرية من دمشق للإنباد لها).(4) وفي سنة544 ه؛ توفي سيف الدين غازي، وخلفه على الموصل أخوه قطب الدين مودود، وهو أصغر من نور لدين. دخول أهل دمشق في طاعة نور الدين بعد تحالفهم مع الفرنج: كان تحالف الفرنبة والحملة الصليبية مع واي دمشق المافر مبير الدين -كما فعل كثير من أمراء الساحل الشامي- عقبة كؤ و دا تحول بين نور الدين زنكي، وما يريده من جهاد الفرنبة ، وتحرير مدن الشا م وتوحيدها وتأمينها، فأرسل إلى واليها مبير الدين يدعوه لنصرته على الفرنبة بألف فارس، فأبى مبير الدين، وتعلل بالمعاهدة بينه وبين (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 4 /425

عدد الصفحات ٤١٤

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 445 الفرنبة على التعاون ضد عدوهم؛ مما دفع نور الدين زنكي إلى فتح دمشق، بعد أن عاث الفرنبة في الأرض فسادا ونهبا، وشكى إليه أهل دمشق و راسلوه سرا، فقدم عليهم نور الدين وحاصرها حتى دخلت في طاعته، فكان ذلك تحولا كبيرا في مبر الأحداث، وتعززت جبهة الشام والموصل بدخول دمشق في خط المواجهة مع الحملة الصليبية، (قال الرئيس أبو يعلى التميمي: اتصل الخري بنور الدين بإفساد الفرنج في الأعمال الحورانية بالنهب والسبي، فعزم على التأهب لقصدهم، وكتب إلى من بدمشق يعلمهم ما عزم عليه من البهاد، ويستدعي منهم المعونة على ذلك بألف فارس، تصل إليه مع مقدم يعول عليه، وقد كانوا عاهدوا الفرنج أن يكونوا يدا واحدة على من يقصدهم من عساكر المسلمين، فاحتج عليه وغولط، فلما عرف ذلك؛ رحل ونزل بمرج يبوس وبعض العسكرية بيعفور، فلما قرب من دمشق وعرف من بها خريه ولم يعلموا أين قصده ، وقد كانوا راسلوا الإفرنج بخريه، و قرروا معهم الإنباد عليه، وكانوا قد نهووا إلى ناحية عسقلان لعمارة غزة ، ووصلت أوائلهم إلى بانياس، وعرف نور الدين خريهم ؛ فلم يحفل بهم وقال: لا أنحرف عن جهادهم، وهو مع ذلك كاف أيدي أصحابه عن العيث والإفساد في الوياع، وأمر بإحسان الرأي في الفلا حي،ن والتخفيف عنهم ، والدعاء له مع ذلك متواصل من أهل دمشق وأعمالها وسائر البلاد وأطرافها. وكان الغيث قد انحبس عن حوران والمرج والغوطة، و نزح أكثر أهل حوران عنها للمحل واشتداد الأمر. فلما وصل نور الدين إلى بعلبك اتفق نزول المطر يوم الثلاثاء ثالث ذي الحبة، وأقام إلى مثله فرو الآكام والوهاد، وجرت الأودية ، وزادت الأنهار، وامتلأت برك حوران ، ودارت أرحيتها، وعاد ما صوّ ح من النبات والزرع غوا طريا، وجد الناس بالدعاء لنور الدين، وقالوا: هذا بريكته وحسن معدلته وسيرته.

عدد الصفحات ٤١٥

vvvvvvvvvvvvvvvv 446 ثم رحل من منزله بالأعوج، ونزل ببسر الخشب المعروف بمنازل العساكر في السادس والعشرين من ذي الحبة، وأرسل إلى مبير الدين والرئيس، وقال: إنني ما قصدت بنزوي هذا المنزل طلبا لمحاربتكم ولا مناز لتكم، وإنما دعاني إلى هذا الأمر كثرة شكاية المسلمين من أهل حوران والعربان بأن الفلاحين أخذت أموالهم ، وسبيت نساؤهم وأطفالهم بيد الإفرنج، وعدم الناصر لهم، ولا يسعني مع ما أعطاني الله وله الحمد من الاقتدار على نصرة المسلمين، وجهاد المشركين، وكثرة المال والرجال؛ أن أقعد عنهم ولا أنتصر لهم مع معرفتي بعبزكم عن حفظ أعمالكم والذب عنها، والتقصير الذي دعاكم إلى الاستصراخ بالإفرنج على محاربتي، وبذلكم لهم أموال الوعفاء والمساكين من الرعية؛ للما لهم وتعديا عليهم! وهذا ما لا يرضي الله تعالى ولا أحدا من المسلمين، ولا بد من المعونة بألف فارس مزاحي العلة تبرد مع من يوثق بشباعته من المقدمين؛ لتخليص ثغر عسقلان وغزة. قال: فكان البواب عن هذه الرسالة: ليس بيننا وبينك إلا السيف، وسيوافينا من الإفرنج ما يعيننا على دفعك إن قصدتنا ونزلت علينا! فلما عاد الرسول بهذا البواب، ووقف عليه أكثر التعبب منه، والإنكار له، وعزم على الزحف إلى البلد ومحاربته في غد ذلك اليوم، فأرسل الله من الأمطار وتداركها ودوامها ما منعه من ذلك). وفي مستهل محرم سنة 545ه: (تقرر الصلح بين بين نور الدين وأرباب دمشق، والسبب في ذلك: أن نور الدين أشفق من سفك دماء المسلمين إن أقام على حربها والموايقة لها، بعدما اتصل به من أخبار دعته إلى ذلك. واتفق أنهم بذلوا له الطاعة وإقامة الخطبة له على منري دمشق بعد الخليفة والسلطان، وكذا السكة، ووقعت الأ يمان على ذلك.

عدد الصفحات ٤١٦

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv ٧ وخلع نور الدين على مبير الدين خلعة كاملة بالطوق، وأعاده مكرما محترما، وخطب له على منري دمشق يوم البمعة رابع عشر محرم. ثم استدعى الرئيس إلى المخيم، وخلع عليه خلعة كاملة أيوا، وأعاده إلى البلد، و خرج إليه جماعة من الأجناد والخواص إلى المخيم واختلطوا به ، ووصل من استماحه من الطلاب والقراء والوعفاء بحيث ما خاب قاصده، ولا أكد سائله، ورحل عن مخيمه عائدا إلى حلب بعد إحكام ما قرر، وتكميل ما دبر).(4) وفي سنة549ه: (ملك نور الدين مدينة دمشق وأخذها من صاحبها مبير الدين آبق بن محمد، وكان الذي حمل نور الدين على البد في ملكها: أن الفرنج ملكوا في السنة الخالية عسقلان، وهي مدينة فلسطين حسنا وحصانة، ولما كانوا يحصرونها كان نور الدين يتلهف، ولا يقدر على إزعاجهم عنها ؛ لأن دمشق في طريقه ، وليس له على غيرها معري ؛ لاعتراض بلاد الإفرنج في الوسط، وقوي الفرنج بملكها حتى طمعوا في دمشق، واستوعفوا مبير الدين ، وتابعوا الغارة على أعماله ، وأكثروا القتل بها و النهب والسبي، وزاد الأمر بالمسلمين بها إلى أن جعل الفرنج على أهل المدينة قطيعة كل سنة، وكان رسولهم يبيء إلى دمشق ويببيها من أهل البلد.. وزالت طاعة مبير الدين عن أهل البلد إلى أن حضروه في القلعة مع إنسان منهم، كان يقال له : مؤيد الدين بن الصوفي ، فلما كانت الأ مور بها هكذا؛ خاف أهلها وأشفقوا من العدو؛ فبأروا إلى الله تعالى ودعوه أن يكشف ما بهم من الخوف؛ فاستباب لهم وأذن في (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 4 /239

عدد الصفحات ٤١٧

vvvvvvvvvvvvvvvv 442 خلاصهم مما هم فيه على يد أحب عباده إليه وأحسنهم طريقة وأمثلهم سيرة؛ وهو الملك العادل حقا نور الدين محمود، فحسن له السعي في ملك البلدة، وألقاه في روعه... قال ابن الأثير: وكان أبغض الأشياء إلى الفرنج أن يملك نور الدين دمشق؛ لأنه كان يأخذ حصونهم ومعاقلهم ، وليست له دمشق ، فكيف إذا أخذها وقوي بها ، وانواف إلى ذلك كراهيته لسفك دماء المسلمين، فإن الدم كان عنده عايما؛ لما كان قد جبل عليه من الرأفة والر حمة والعدل. فلما رأ الحال هكذا عمد إلى إعمال الحيلة، فراسل مبير الدين صاحبها... فكاتب مبير الدين الفرنج، وبذل لهم الأموال ، وقلعة بعلبك إن رحلوا نور الدين عنه، فإلى أن اجتمعوا وجاؤوا بلغهم أخذ نور الدين دمشق ، فعادوا بخفي حنين، وأما نور الدين فإنه لما حاصرهم، وضيق على من به؛ ثار الأحداث الذين كاتبهم نور الدين ، وسلموا إليه البلد من الباب الشرقي، فدخله بالأمان عاشر صفر، وحصر مبير الدين في القلعة ، وراسله، وبذل له الإقطاع الكثير من جملته مدينة حمص؛ فأجاب إلى تسليم القلعة وسار إلى حمص... وقال ابن الأثير: لما استقل نور الدين في البلد، عمل مع أهله مكرمة عايمة، وألهر فيهم عدلا عاما. قال: وألقى الإسلام جرانه بدمشق، وثبتت أوتاده، وأيقن الكفار بالبوار، ووهنوا واستكانوا، وصار جميع ما بالشام من البلاد الإسلامية بيد نور الدين).(4) (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 4 /324

عدد الصفحات ٤١٨