المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الجزء الثاني من كـتاب عودة الخلافة

غير معروف

صفحة ٢٥ من ٤٢

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv ٧ قال: (وأما ما كان يُ هد إليه من هدايا الملوك وغيرهم، فإنه كان لا يتصرف في شيء منه لا قليل ولا كثير، بل إذا اجتمع يخرجه إلى مبلس القاضي يحصل ثمنه ويصرف في عمارة المساجد المهبورة).(4) ولم يقتصر دور الشهيد نور الدين على عمارة المساجد المهبورة في الشام، التي خربت بسبب الحروب، بل وعمارة نفوس أهلها بالإيمان والمحبة والأخوة، والإصلاح بينهم؛ لما شاع بين الناس من عصبيات جاهلية، لم يسلم منها الفقهاء وطلبة العلم والمدارس الفقهية، وما يثور بينهم من فتن وخلاف يفضي إلى فساد ذات البين، كما قال الدولعي عنه: (لما مات الحافظ المرادي؛ كنا جماعة الفقهاء قسمين: العرب والأكراد، فمنا من مال إلى المذهب وأراد أن يستدعي الشيخ شرف الدين ابن أبي عصرون، وكان بالموصل، ومنا من مال إلى علم النار والخلاف وأراد أن يستدعي القطب النيسابوري، وكان قد جاء وزار بيت المقدس ثم عاد إلى بلاد العبم، فوقع بيننا كلام بسبب ذلك، ووقعت فتنة بين الفقهاء، فسمع نور الدين بذلك فاستدعى جماعة الفقهاء إلى القلعة بحلب، وخرج إليهم مبد الدين ابن الداية عن لسانه وقال لهم: نحن ما أردنا ببناء المدارس إلا نشر العلم، ودحض البدع من هذه البلدة وإلهار الدين، وهذا الذي جر بينكم لا يحسن ولا يليق، وقد قال المولى نور الدين: نحن نرضي الطائفتين ونستدعي ابن أبي عصرون والنيسابوري، فاستدعاهما جميعا وولا هما مدرستين، فرحمه الله من عادل)(2). (4) المصدر السابق4 /52 (2) ذيل الروضت4 /446

عدد الصفحات ٣٨٧

vvvvvvvvvvvvvvvv 322 الحراك الدعوي آخر القرن الخامس لقد شهد آخر القرن الخامس ومطلع السادس الهبري بعثا روحيا، وحراكا دعويا، وجهدا علميا، وإصلاحا سياسيا واسعا، وكان أثر مدرسة الشيخ عب د القادر البيلاني في بغداد ودعوته قد امتد إلى الموصل والشام، فكان طلابه من طلائع جيوش الفتح الزنكي، ثم الأيوبي، الذي توج بفتح القدس، وكان من أشهر هؤلاء الإمام موفق الدين عبد الله بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي، وأخوه أبو عمر أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي، وابن خالهما الحافظ عبدالغني المقدسي الحنبلي، وأخو عماد الدين المقدسي، وكانوا ممن درس في مدرسة الشيخ البيلاني، وتأثروا نهبه، وأتسوا طريقته في الفقه والزهد والدعوة إلى البهاد، حالا وقولا وعملا، كما قال ابن كثير في حوادث سنة ٧ ه عن أبي عمر: (وكان هو، وأخوه، وابن خالهم الحافظ عبدالغني، وأخوه الشيخ العماد، لا ينقطعون عن غزاة يخرج فيها الملك صلاح الدين إلى بلاد الفرنج، وقد حضروا معه فتح القدس والسواحل وغيرها)(4). وقد كان لفقهاء الحنفية والحنابلة والشافعية والصوفية وأهل الحديث في العراق والشام وخراسان مشاركة واسعة في هذه الحركة الإصلاحية، وتحريض الأمة على البهاد في سبيل الله، كما قال ابن كثير عن أحداث سنة ٧ه: (وفيها عاثت الفرنج بنواحي القدس، فريز إليهم الملك المعام، وجلس الشيخ شمس الدين أبو المافر بن قر علي الحنفي، وهو سبط ابن البوزي ابن ابنته رابعة، وهو صاحب مرآة الزمان، وكان فاضلا في علوم كثيرة، حسن الشكل، طيب الصوت، وكان يتكلم في الوعظ جيدا، وتحبه العامة، على صيت جده، وقد رحل من بغداد فنزل دمشق وأكرمه ملوكها، ووي التدريس بها، وكان يبلس كل يوم (4) البداية43 /4

عدد الصفحات ٣٨٨

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 329 سبت، فكان يكثر البمع عنده، فحزر جمعه في بعض الأيام ثلاث ألفا من الرجال والنساء، وكان الناس يبيتون ليلة السبت في البامع ويدعون البساتين، يبيتون في قراءة ختمات وأذكار ليحصل لهم أماكن من شدة الزحام، فإذا فرغ من وعاه خرجوا إلى أماكنهم وليس لهم كلام إلا فيما قال يومهم ذلك أجمع، يقولون قال الشيخ وسمعنا من الشيخ، في حثهم ذلك على العمل الصالح والكف عن المساوي، وكان يحضر عنده الأكابر، والمقصود أنه لما جلس يوم السبت خامس ربيع الأول كما ذكرنا حث الناس على البهاد وأمر بإحوار ما كان تحصل عنده من شعور التائبين، وقد عمل منه شكالات تحمل الرجال، فلما رآها الناس ضبوا ضبة واحدة و بكوا بكاء كثيرا وقطعوا من شعورهم نحوها، فلما انقضى المبلس ونزل عن المنري فتلقاه الواي مبادر الدين المعتمد بن إبراهيم، وكان من خيار الناس، فمشى بين يديه إلى باب الناطفيين يعوده حتى ركب فرسه والناس من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، فخرج من باب الفرج وبات بالمصلى ثم ركب من الغد في الناس إلى الكسوة ومعه خلائق كثيرون خرجوا بنية البهاد إلى بلاد القدس، وكان من جملة من معه ثلاثمائة من جهة زملكا بالعدد الكثيرة التامة، قال: فبئنا عقبة أفيق والطير لا يتباسر أن يطير من خوف الفرنج، فلما وصلنا نابلس تلقانا المعام، قال: ولم أكن اجتمعت به قبل ذلك، فلما رأ الشكالات من شعور التائبين جعل يقبلها ويمرغها على عينيه ووجهه ويبكي، وعمل أبو المافر ميعادا بنابلس وحث على البهاد وكان يوما مشهودا، ثم سار هو ومن معه وصحبته المعام نحو الفرنج فقتلوا خلقا وخربوا أماكن كثيرة، وغنموا و عادوا سالمين). لقد كان هذا البعث الروحي، والتبديد السياسي، أثرا من آثار الحملة الصليبية الفرنبية التي احتلت القدس، وأخذت المسبد الأقصى، حيث كشفت مد الخلل الذي أصاب المبتمع الإسلامي فكرا وسلوكا وسياسة، وحاجته إلى بعث جديد، فباءت ردة الفعل توبة عامة من

عدد الصفحات ٣٨٩

vvvvvvvvvvvvvvvv 392 حال الغثائية، والعودة إلى الإسلام وأحكامه وهداياته، والبهاد في سبيله ؛ ولهذا شارك البميع في معركة تحرير الشام وفتح القدس، حتى لم يتخلف عنها أحد من أهل العلم والفول والزهد، كما قال ابن الوردي: (وشهد فتحه كثير من أرباب الخرق، والزهد، والعلماء، من مصر، والشام، بحيث لم يتخلف منهم أحد)(4)! بداية ظهور البيت الزنكي قال ابن الأثير: (وكان قسيم الدولة [وهو الأتابك آق سنقر جد نور الدين بن عماد الدين زنكي وكان من أصحاب ملكشاه أرسله على جيش لفتح الموصل ٧٧ه ثم جعله على حلب وحماة واللاذقية ومنبج فاهرت كفايته، فلما توفي السلطان ملكشاه ملك سنقر تكريت، ثم تملك حمص سنة 423ه ثم الرحبة سنة424ه] أحسن الناس سياسة لرعيته وحفاا لهم، وكانت بلاده بين عدل عام، ورخص شامل، وأمن واسع، وكان قد شرط على أهل كل قرية في بلاده متى أخذ عند أحدهم قفل أو أحد من الناس غرم أهلها جميع ما يؤخذ من الأ موال من قليل وكثير، فكانت السيارة إذا بلغت قرية من بلاده ألقوا رحالهم وناموا آمنين، وقام أهل القرية يحرسونهم إلى أن يرحلوا فأمنت الطرق وتحدث الركبان بحسن سيرته.. لما قتل قسيم الدولة آق سنقر لم يخلف من الأولاد غير واحد هو عماد الدين زنكي والد نور الدين؛ وكان حينئذ صبيًا له من العمر نحو عشر سنين؛ فاجتمع عليه مماليك والده وأصحابه.. (4) تاريخ ابن الوردي 2 /95

عدد الصفحات ٣٩٠

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 394 وأقام زنكي بالموصل مع الملك مسعود بك إلى سنة اربع وعشرين وخمسمائة، وقد علا قدره ولهر اسمه، وفي سنة إحد عشرة وخمسمائة ولد الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي .. وفيها في الرابع والعشرين من ذي الحبة توفى السلطان غياث الدين محمد بن ملكشاه وعمره سبع وثلاثون سنة وأربعة أشهر وستة أيام، وأول ما خطب له ببغداد في ذ الحبة سنة اثنتين وتسعين وأربع مئة... وولى بعد السلطان محمد ولده محمود، وعمره يومئذ أربع عشرة سنة، فقام بالسلطنة ،وجر بينه وبين عمه سنبر حرب، انهزم فيها محمو د وعاد إلى عمه بغير عهد، فأكرمه وأقطعه من البلاد من حد خراسان إلى الداروم بأقصى الشام، وهي من الممالك: همدان، وأصبهان، وبلد الببال جميعه، وبلاد فارس، وكرمان، وخوزستان، والعراق، وآذربيبان، وأرمينية، وديار بكر، وبلاد الموصل، والبزيرة، وديار مضر، وديار ربيعة، والشام، وبلد الروم الذي بيد قليج أرسلان ، وما بين هذه المالك من البلاد. قال ابن الأثير: ورأيت منشوره بذلك.. وفي سادس عشر ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وخمسمائة توفى الإمام المستاهربالله أ مير المؤمنين أبو العباس أحمد بن المقتدي بأمر الله، وكان عمره إحد وأربعين سنة وستة أشهر وستة أيام، وخلافته أربع وعشرون سنة وثلاثة أشهر وأحد عشر يوما، ومضى في أيامه ثلاث سلاطين خطب لهم ببغداد من السلبوقية، وهم : أخو ملكشاه تاج الدولة تتش، وركن الدولة بكياروق بن ملكشاه، وأخوه غياث الدين محمد بن ملكشاه، وكان المستاهر  كريم الأخلاق، لين البانب، مشكور المساعي، يحب العلم والعلماء؛ وصنفت له التصانيف الكثيرة في الفقه والأصول وغيرهما. وكان يسارع إلى أعمال الري والمثوبات، حسن

عدد الصفحات ٣٩١

vvvvvvvvvvvvvvvv 392 الخط، جيد التوقيعات. ولما توفى صلىّ عليه ولده المسترشد بالله، ودفن في حبرة كانت له يألفها. وفي سنة عشرين وخمسمائة قتل آق سنقر الريسقي بالبامع العتيق بالموصل بعد الصلاة يوم البمعة، ثار به من الباطنية ما يزيد على عشرة أنفس، فقتل بيده منهم ثلاثة، وقُ تل ،وكان عادلا لين الأخلاق حسن العشرة، وكان يصلى كل ليلة صلاة كثيرة ولا يستعين في وضوئه بأحد، فقرر السلطان ولده عز الدين مسعودًا على ما كان لأبيه من الأعمال، وهي: الموصل، وديار البزيرة، وحلب، وحماة، وجزيرة ابن عمر وغيرها، وكان شابا عاقلا فوبط البلاد، ولم تطل أيامه؛ وتوفى سنة إحد وعشرين، وولى الأمر بعده أخوه الصغير، وقام بتدبير دولتيهما الأمير جاوي ، وهو مملوك تركي من مماليك أبيهما، فبرت الأمور على أحسن ناام. تولي عماد الدين زنكي الموصل: وذلك في شهر رموان من سنة إحد وعشرين، وسبب ذلك أن عز الدين الريسقي لما توفي ، وقام بالبلاد بعده أخوه الصغير وتولى أمره جاوي أرسل إلى السلطان محمود يطلب أن يقر البلاد عليه؛ وكان المرسل بذلك القاضي بهاء الدين أبو الحسن علي بن المشزوي وصلاح الدين محمد للباغيساني، فحضرا بغداد ليخاطبا السلطان في ذلك، وكانا يخافان جاوي ولا يرضيان بطاعته والتصرف بحكمه، وكان بين الصلاح وبين نصير الدين جقر مصاهرة، فأشار عليهما أن يطلبا البلاد لعماد الدين زنكي، ففعلا وقالا للوزير: قد علمت أنت والسلطان أن بلاد البزيرة والشام قد استولى الفرنج على أكثرها وقد تمكنوا منها وقويت شوكهم، وكان الريسقي يكف بعض عاديتهم، فمنذ قتل ازداد طمعهم، وهذا ولده طفل صغير ولا بد للبلاد من شهم شباع يذب عنها ويحمي حوزتها؛ وقد أنهينا الحال إليكم لئلا

عدد الصفحات ٣٩٢

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 393 يبر خلل أو وهن على الإسلام والمسلم ، فنحصل نحن بالإثم من الله تعالى واللوم من السلطان. فأنمى الوزير ذلك إلى السلطان فأعببه، وقال: من تريان يصلح لهذه البلاد؟ فذكرا جماعة فيهم عماد الدين زنكي، وعاما محله أكثر من غيره، فأجاب السلطان إلى توليته لما علم من شهامته كفايته؛ فولى البلاد جميعها، وكتب منشوره بها وسار من بغداد إلى البوازيج ليملكها ويتقو بها ويبعلها لهره إن منعه جاوي عن البلاد، فلما استولى عليها سار عنها إلى الموصل، فخرج جاوي إلى لقائه وعاد في خدمته إلى الموصل، فسيره إلى الرحبة وأعمالها، وأقام، بالموصل يصلح أمورها ويقرر قواعدها، فولى نصير الدين دزدارية قلعة الموصل، وفوض إليه أمر الولاية جميعها، وجعل الدزدارية في البلاد جميعها له، وجعل الصلاح محمد الياغبساني أمير حاجب الدو لة، وجعل بهاء الدين قاضي قواة بلاده جميعها وما يفتحه من البلاد، ووفي لهم بما وعدهم، وكان بهاء الدين أعام الناس عنده منزلة وأكرمهم عليه، وأكثرهم انبساطا معه وقربا منه، ورتب الأمور على أحسن ناام وأحكم قاعدة).(4) وإذا كان عماد الدين زنكي قد أثبت كفاية سياسية، وأهلية قيادية، بما أقامه من العدل، وحسن السيرة، واختيار الأكفاء، وبما تحقق من الإصلاح والأمن والإعمار في ولايته، فإن أجلّ أعماله هو بدء جهاد الحملة الصليبية الفرنبية في سواحل الشام التي امتدت من ماردين شمالا إلى العريش جنوبا، والتي مضى على أخذها القدس أكثر من ثلاثين سنة، و لم تتوقف غاراتهم على مدن الشام الداخل، فبعل عماد الدين همّ ه حصارهم، وصد عدوانهم، وفك أسر المسلمين من أيديهم، وقد مهّ د لحربهم وتحرير أرض الإسلام من رجسهم، بوم (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 4 /422 - ٧

عدد الصفحات ٣٩٣

vvvvvvvvvvvvvvvv 394 الأقاليم التي حوله؛ ليتخذ منها قاعدة وجبهة عسكرية مكافئة لببهة العدو، وهي الخطة التي أكملها بعده ابنه نور الدين محمود. الحملة الصليبية الفرنجية على الشام وجهاد زنكي لها سنة 533هـ- 6638م: لقد كانت الحملة الفرنبية زلزالا عايما، حرك المياه الراكدة في العالم الإسلامي، وادّ خر الله لنصرة دينه عماد الدين زنكي، في فترة كانت آنذاك الأشد ضعفا وتشرذما في تاريخ الإسلام، (وكان الفرنج قد اتسعت بلادهم ، وكثرت أجنادهم ، وعامت هيبتهم ، وزادت صولتهم، وامتدت إلى بلاد المسلمين أيديهم ، وضعف أهلها عن كف عاديهم ، وتتابعت غزواتهم، وساموا المسلمين سوء العذاب ، واستطار في البلاد شرر شرهم، وامتدت مملكتهم من ناحية ماردين وشبختان إلى عريش مصر، لم يتخلله من ولاية المسلمين غير حلب وحماة وحمص ودمشق، وكانت سراياهم تبلغ من ديار بكر إلى آمد، ومن ديار البزيرة إلى نصيبين ورأس عين، أما أهل الرقة وحران فقد كانوا معهم في ذل وهوان ، وانقطعت الطرق إلى دمشق إلا على الرحبة والري، ثم زاد الأمر وعام الشر حتى جعلوا على أهل كل بلد جاورهم خراجا، وإتاوة يأخذونها منهم؛ ليكفوا أذيتهم عنهم، ثم لم يقنعوا بذلك حتى أرسلوا إلى مدينة دمشق ، واستعرضوا الرقيق ممن أخذ من الروم والأرمن وسائر بلاد النصرانية ، وخيروهم بين المقام عند أربابهم والعود إلى أو طانهم، فمن اختار المقام تركوه، ومن آثر العود إلى أهله أخذوه، وناهيك بهذه الحالة ذلة للمسلمين وصغارا، وأما أهل حلب فإن الفرنج أخذوا منها مناصفة أعمالها حتى في الرحا التي على باب البنان وبينها وبين المدينة عشرون خطوة، وأما باقي بلاد الشام فكان حال أهلها أشد من حال هذين البلدين.

عدد الصفحات ٣٩٤

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 395 فلما نار الله سبحانه إلى بلاد المسلمين ولاها عماد الدين زنكي، فغزا الفرنج في عقر ديارهم، وأخذ للموحدين منهم بثارهم، واستنقذ منهم حصونا ومعاقل، وما فتحه من البلاد الإسلامية هو وابنه من بعده.. . ثم شرع زنكي  في أخذ البلاد فافتتح جزيرة ابن عمر ثم مدينة إربل في رموان سنة اثنتين وعشرين ثم عاد إلى الموصل، وسار في جماد الأولى سنة ثلاث وعشرين إلى سنبار فتسلمها، وسير منها الشحن إلى الخابور فملكه، ثم قصد الرحبة فملكت قسرا، ثم افتتح نصيبين وسار إلى حران ، وكانت الرها وسروج وغيرهما من ديار البزيرة للفرنج -لعنهم الله- وأهل حران معهم في ضيق عايم ، فراسلوا زنكي بالطاعة، واستحثوه على الوصول إليهم، ففعل وهادن الفرنج مدة يسيرة بعلم أنه يفرغ فيها من الاستيلاء على ما بقي له من البلاد الشامية والبزرية. وكان أهم الأشياء عنده عبور الفرات وملك مدينة حلب وغيرها من البلاد الشامية، فلما عري الفرات؛ ملك مدينة منبج وحصن بزراعة، وحاصر حلب، ثم فتحت له، فرتب أمورها وسار عنها إلى حماة ، فملكها وقبض على صاحب حمص وحصرها ، وذلك سنة ثلاثين وعشرين. وفي سنة أربع وعشرين اتفق صاحب آمد مع صاحب حصن كيفا وغيرهما من الملوك ، وجمعوا عساكر نحو عشرين ألفا، وقصدوا زنكي فلقيهم فهزمهم، وملك سرجة ودارا. ثم صمم على البهاد فنازل حصن الأثارب، وكان أضر شيء على أهل حلب، فبمع الفرنج جمعا عايما فهزمهم وقتلهم مقتلة عايمة، بقيت عاام القتلى بتلك الأرض مدة طويلة ، ثم رجع إلى الحصن فملكه عنوة، فأخربه ومحا أثره، وأزال من تلك الأرض ضرره، ثم رحل إلى حصن حارم، فحصره فأنفذ من لم يحضر المعركة من الفرنج، ومن نبا منها يسألون الصلح، ويبذلون له المناصفة على ولاية حارم، فأجابهم إلى ذلك ؛ لأن عسكره كان قد كث رت

عدد الصفحات ٣٩٥

vvvvvvvvvvvvvvvv 396 فيهم البراحات والقتل ؛ فأراد أن يستريحوا ويريحوا ، فهادنهم وع اد عنهم، وقد أيقن المسلمون بالشام بالأمن وحلول النصر وسيرت البشائر إلى البلاد بذلك، وفيها استولى زنكي على مدينة حماة وما فيها).(4) جهاد زنكي للروم البيزنطية سنة 522هـ- 6622م: وكما واجه عماد الدين زنكي الحملة الفرنبية سنة 522 ه، ولمدة عشر سن؛ واجه كذلك الحملة البيزنطية الرومية، وذلك سنة 532ه، بعد أن أدرك النصار خطورة ما يقوم به الزنكي من حملات عسكرية جهادية، تهدد وجود الحملة الصليبية في الشام والقدس، كما يقول أبو شامة: (لما كان في سنة اثنتين وثلاثين خرج ملك الروم من القسطنطينية ومعه خلق عايم لا يحصون كثرة من الروم والفرنج وغيرهم من أنواع النصار ، فقصد الشام، فخافه الناس خوفا عايما، وكان زنكي مشغولا بما تقدم ذكره لا يمكنه مفارقة الموصل، فقصد ملك الروم مدينة بزاعة وحصرها، وهي على مرحلة من حلب، وفتحها عنوة وقتل المقاتلة وسبى الذرية في شعبان، ثم سار عنها إلى شيزر، وهي حصن منيع على مرحلة من حماة، فحصرها منتصف شعبان ونصب عليها ثمانية عشر منبنيقا، وأرسل صاحبها أبو العساكر سلطان بن منقذ إلى زنكي يستنبده، فنزل على حماة، وكان يركب كل يوم في عساكره ويسير إلى شيزر بحيث يراه ملك الروم، ويرسل السرايا يتخطف من يخرج من عساكرهم للميرة والنهب، ثم يعود آخر النهار. وكان الروم والإفرنج قد نزلوا على شرقي شيزر، فأرسل إليهم زنكي يقول لهم: إنكم قد تحصنتم بهذه الببال فاخرجوا عنها إلى الصحراء حتى نلتقي، فإن لفرتم أخذتم شيزر (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 4 /٧

عدد الصفحات ٣٩٦

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv ٧ وغيرها، وإن لفرت بكم أرحت المسلمين من شركم، ولم يكن له بهم قوة لكثرتهم، وإنما كان يفعل هذا ترهيبا لهم. فأشار الفرنج على ملك الروم بلقائه وقتاله وهونوا أمره، فقال لهم الملك: أتانون أن معه من العساكر ما ترون وله البلاد الكثيرة! وإنما هو يريكم قلة من معه؛ لتطمعوا وتصحرو ا له، فحينئذ ترون من كثرة عسكره ما يعبزكم. وكان أتابك زنكي مع هذا يراسل فرنج الشام ويحذرهم ملك الروم ويعلمهم أنه إن ملك بالشام حصنا واحدا أخذ البلاد التي بأيديهم منهم. وكان يراسل ملك الروم يتهدد ويوهمه أن الفرنج معه، فاستشعر كل واحد من الفرنج والروم من صاحبه، فرحل ملك الروم عنها في رموان، وكان مقامه عليها أربعة وعشرين يوما، وترك المبانيق والآت الحصار بحالها ؛ فسار زنكي خلفهم فافر بطائفة منهم في ساقة العسكر فغنم منهم وقتل وأسر، وأخذ جميع ما خلفوه ورفعه إلى قلعة حلب، وكفى الله المؤمنين القتال. وكان المسلمون بالشام قد اشتد خوفهم وعلموا أن الروم إن ملكوا حصن شيزر لا يبق لمسلم معهم مقام، لاسيما حماة لقربها. ولما يسر الله تعالى هذا الفتح مدح الشعراء الشهيد أتابك فأكثروا، منهم أبو المبد المسلم ابن الخضر بن المسلم بن قسيم الحموي، له قصيدة، قد ذكرتها في ترجمته في التاريخ، أولها:

عدد الصفحات ٣٩٧

vvvvvvvvvvvvvvvv 392 بـعـزمـك أيـهـا المــلــك الــعــاــيم ألــم تــر أ ن كــلــب الــروم لمــا وقــد نــزل الــزمــان عــلى رضـــاه فــحــين رمــيــتــه بــك في خــمــيس وأبصــ ــــ ر في المفاضــة منك جيشــا كـأنـك في الـعــبــاج شــهــاب نور أراد بــقــاء مــهــبــتــه فــولى يــؤمــل أن تــبــود بــهــا عــلــيــه أيـلـتـمـس الـفـرنـج لـديـك عفوا وكــم جــرعــتهــا غصــص المنــايــا ولمــا أن طــلــبــتــهــم تــمــنــى (الـ أقــام يــطــوف الآفــاق حــيــنــا فســـار و مــا يــعــادلــه مــلــيــك إذا خــطــرت ســيــوفــك في نــفوس تذل لـك الصــعـاب وتســتـقـيـم تــبــين أنــك المــلــك الــرحــيــم فكـان لخطبه الخطب البســي ـــــ م تــيــق ـــــ ن أن ذلــك لا ي ـــــ دوم فــأحــزن لا يســـير ولا يــقــيــم تــوقــد وهــو شـــيــطــان رجــيــم ولــيــس ســو الحمــام لــه حميم وأنــت بــهــا وبــالــدنــيــا كــريــم وأنــت بــقــطــع دابــرهــا زعــيــم بـيـوم فـيـه يـكـتـه ل الـفــطــيم مــنــيــة ) جــوســلــيــنــهــم الــلئيم وأنــت عــلى مــعــاقــلــه مــقــيــم وعــاد ومــا يــعــادلــه ســـقــيــم فـأول مــا يــفــارقــهــا الــبســـوم وعاد إلى الموصل عازما على المسير إلى الشام، فإنه كان لا ير المقام، بل لا يزال لاعنا، إما لرد عدو يقصده، وإما لقصد بلاد عدو، وإما لغزو الفرنج وسد الثغور. وكانت مياثر السروج آثر عنده من وثير المهاد، والسهر في حراسة المملكة أحب إليه من عرض الوساد، وأصوات السلاح ألذ في مسمعه من الغناء، لا يبد لذلك كله عناء. وفي هذه السنة، وهي سنة أربع وثلاثين سار الشهيد في جنوده بعد ملك شهرزور إلى مدينة دمشق فحصرها..

عدد الصفحات ٣٩٨

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 399 وكان أتابك [ مقدمي أحداثها وزناطرتها واستمالتهم وإطماعهم في الرغائب والصلات؛ ففعل ذلك فأجابه منهم خلق كثير إلى تسليم البلد.. وتواعدوا يوما يزحف فيه الشهيد إلى البلد ليفتحوا له الباب ويسلموا البلد إليه. فأعلم كمال الدين الشهيد أتابك بذلك، فقال: لا أر هذا رأيا، فإن البلد ضيق الطرق والشوارع، ومتى دخل العسكر إليه لا يتمكنون من القتال فيه لويقه، وربما كثر المقاتلون لنا فنعبز عن مقاومتهم ؛ لأنهم يقاتلون على الأرض والسطوحات، وإذا دخلنا البلد اضطررنا إلى التفرق لويق المسالك فيطمع فينا أهله، وعاد عن ذلك العزم بحزمه وحذره.. وسار إلى بعلبك، وحصرها عدة شهور، فملكها عنوة، وترك بها نبم الدين أيوب والد صلاح الدين دزدارا، وعزم على العود عنها إلى دمشق، فباءته رسل صاحبها ببذل الطاعة والخطبة، فأجابه إلى ذلك، وعاد عن قصد دمشق، وقد خطب له فيها، وصار أصحابها في طاعته وتحت حكمه.. قال ابن الأثير: ولما وصل الروم والفرنج إلى الشام ورأوا الأمر قد فات، أرادوا جري مصيبتهم بمنازلة بعض بلاد المسلمين، فنازلوا حلب وحصروها، فلم ير الشهيد أن يخاطر بالمسلمين ويلقاهم؛ لأنهم كانوا في جمع عايم. فانحاز عنهم، ونزل قريبا منهم، يمنع عنهم الميرة، ويحفظ أطراف البلاد من انتشار العدو فيها، والإغارة عليها. وأرسل القاضي كمال الدين ابن الشهرزوري إلى السلطان مسعود، ينهي إليه الحال بأمر البلاد وكثرة العدو، ويطلب منه النبدة وإرسال العساكر. فقال كمال الدين: أخاف أن تخرج البلاد من أيدينا ويبعل السلطان هذا حبة وينفذ العساكر، فإذا توسطوا البلاد ملكوها.

عدد الصفحات ٣٩٩

vvvvvvvvvvvvvvvv 422 فقال الشهيد: إن هذا العدو قد طمع في، وإن أخذ حلب لم يبق بالشام إسلام؛ وعلى كل حال فالمسلمون أولى بها من الكفار. قال: فلما وصلت إلى بغداد وأديت الرسالة، وعدني السلطان بإنفاذ العساكر، ثم أهمل ذلك ولم يتحر فيه بشيء؛ وكتب الشهيد إي يحثني على المبادرة بإنفاذ العساكر، وأنا أخاطب فلا أزاد على الوعد. قال: فلما رأيت عدم اهتمام السلطان بهذا الأمر العايم أحضرت فلانا، وهو فقيه كان ينوب عنه في القواء، فقلت: خذ هذه الدنانير و فرقها في جماعة من أوباش بغداد والأعاجم، وإذا كان يوم البمعة وصعد الخطيب المنري ببامع القصر قاموا، وأنت معهم، واستغيثوا بصوت واحد: وا إسلاماه! وا دين محمداه! ويخرجون من البامع يقصدون دار السلطنة مستغيثين. ثم وضعت إنسانا آخر يفعل مثل ذلك في جامع السلطان. فلما كانت البمعة وصعد الخطيب المنري؛ قام ذلك الفقيه ومزق ثوبه وألق عمامته عن رأسه، وصاح، وتبعه أولئك النفر بالصياح والبكاء. فلم يبق بالبامع إلا من قام يبكي؛ وبطلت البمعة، وسار الناس كلهم إلى دار السلطان. وقد فعل أولئك الذين ببامع السلطان مثلهم. فاجتمع أهل بغداد وكل من بالعسكر عند دار السلطان، يبكون ويصرخون ويستغيثون، وخرج الأمراء عن الوبط، وخاف السلطان في داره، وقال : ما الخري؟ فقيل له: إن الناس قد ثاروا حيث لم ترسل العساكر إلى الغزاة. فقال: أحضروا ابن الشهرزوري. قال: فحضرت عنده وأنا خائف منه، إلأ أنني عزمت على صدقه وقول الحق. فلما دخلت عليه قال: ياقاضي: ما هذه الفتنة؟

عدد الصفحات ٤٠٠

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 424 فقلت: إن الناس قد فعلوا هذا خوفا من الفتنة والشر، ولا شك أن السلطان ما يعلم كم بينه وبين العدو، وإنما بينكم نحو أسبوعين ولئن أخذوا حلب انحدروا إليك في الفرات وفي الري، وليس بينكم بلد يمنعهم عن بغداد. وعامت الأمر عليه حتى جعلته كأنه ينار إليهم. فقال: اردد هؤلاء العامة عنا، وخذ من العساكر ماشئت، وسر بهم والأمداد تلحقك. قال: فخرجت إلى العامة ومن انوم إليهم فأخريتهم وعرفتهم الحال، وأمرتهم بالعود، فعادوا وتفرقوا. وانتخبت من عسكره عشرة آلاف فار س، وكتبت إلى الشهيد أعرفه الخري وأنه لم يبق غير المسير، وأجدد استئذانه في ذلك. فأمرني بتسييرهم والحث على ذلك، فعريت العساكر البانب الغربي، فبينما نحن نتبهز للحركة، وإذا قد وصل نباب من الشهيد يخري بأن الروم والفرنج قد رحلوا عن حلب خائبين، لم ينالوا منها غر ضا؛ ويأمرني بترك استصحاب العساكر. فلما خوطب السلطان في ذلك أصر على إنفاذ العساكر إلى البهاد، وقصد بلاد الفرنج وأخذها؛ وكان قصده أن تطأ عساكره البلاد بهذه الحبة فيملكها. قال: فلم أزل أتو اصل مع الوزير وأكابر الدولة حتى أعدت العساكر إلى البانب الشرقي وسرت إلى الشهيد. قال ابن الأثير: فاناروا إلى هذا الرجل الذي هو خير من عشرة آلاف فارس، يعنى كمال الدين! رحم الله الشهيد فلقد كان ذا همة عالية، ورغبة في الرجال ذو ي الرأي والعقل، يرغبهم ويخطبهم من البلاد، ويوفر لهم العطاء. حكى ي والدي قال: قيل للشهيد: إن هذا كمال الدين يحصل له في كل سنة منك ما يزيد على عشرة آلاف دينار أميرية، وغيره يقنع منك بخمسمائة دينار؟!

عدد الصفحات ٤٠١

vvvvvvvvvvvvvvvv 422 فقال لهم: بهذا العقل والرأي تدبرون دولتي! إن كمال الدين يقل له هذا القدر، وغه يكثر له خمسمائة دينار! فإن شغلا واحدا يقوم فيه كمال الدين خير من مائة ألف دينار. وكان كما قال ... فتح الشهيد الرها في جماد الآخرة من سنة تسع وثلاثين وخمسمائة. وكانت لبوسلين، وهو عاتي الفرنج وشيطانهم، والمقدم على رجالهم وفرسانهم. وكانت مدة حصاره لها ثمانية وعشرين يوما، وأعادها إلى حكم الإسلام. وهذه الرها من أشرف المدن عند النصار وأعامها محلا، وهي أحد الكراسي عندهم؛ فأشرفها البيت المقدس، ثم أنطاكية، ثم رومية ثم قسطنطينية والرها. وكان على المسلمين من الفرنج الذين بالرها شر عايم.. ثم إنه دخل البلد فراقه، فأنف لمثله من الخراب، فأمر بإعادة ما أخذ من أثاث ومال وسبي ورجال، وجوار وأطفال، فردوا عن أخرهم، لم يفقد منهم إلا الشاذ والنادر؛ فعاد البلد عامرا بعد أن كان داثرا، ثم رتب البلد وأصلح من شأنه، وسار عنه فاستولى على ما كان بيد الفرنج من المدن والحصون والقرايا، كسروج وغيرها، وأخلى ديار البزيرة من معرة الفرنج وشرهم، وأصبح أهلها بعد الخوف آمنين، وكان فتحا عايما طار في الآفاق ذكره، وطاب بها نشره.. وفي سنة أربعين وخمسمائة أرسل أتابك إلى زين الدين علي يأمره بإرسال عسكر إلى حصن فنك يحصره، فسير خلقا كثيرا من الفرسان والرجالة؛ فأقاموا عليه يحصرونه إلى أن أتاهم الخري بقتل الشهيد أتابك. قتل الشهيد زنكي: قال ابن الأثير: كانت قلعة جعري قد سلمها السلطان ملكشاه إلى الأمير سالم بن مالك العقيلي لما ملك قسيم الدولة بمدينة حلب؛ فلم تزل بيده ويد أولاده إلى سنة إحد وأربعين، فسار الشهيد إليها فحصرها، وكان الباعث له على حصرها وحصر فنك ألا يبقى في وسط

عدد الصفحات ٤٠٢