vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 4 23- خلافة المستنجد بالله يوسف بنالمقتفي محمد بن المستظهر بالله: بويع بعد أبيه سنة 555ه، فأقام44 سنة، وتوفي سنة566ه (وكان عاد(4)، (حسن السيرة، شديدا على أهل العبث والفساد، واجتمع على بيعته أهل بيته وأقاربه وعمه أبو طالب وأخوه أبو جعفر ثم بايعه الوزير بن هبيرة وقاضي القواة وغيرهم من و جوه الناس).(2) قال أبو شامةكان مولد المستنبد مستهل ربيع الآخر سنة عشر وخمس مئة، وكانت خلافته إحد عشرة سنة وستة أيام، وهو الثاني والثلاثون من خلفاء بني العباس، وكان أسمر تام القامة طويل اللحية، وكان من أحسن الخلفاء سيرة مع الرعية، كان عادلا فيهم، كثير الرفق بهم، وأطلق من المكوس كثيرا، ولم يترك بالعراق مكسا، وكان شديدا على أهل العيث والفساد والسعاية بالناس).(3) وقال الذهبي عنه: (قال ابن النبار: كان موصوفا بالفهم الثاقب، والرأي الصائب، والذكاء الغالب، والفول الباهر، له نام ونثر، ومعرفة بالأسطرلاب، توفي في ثامن ربيع الآ خر سنة ست وستين وخمسمائة وقام بعده ابنه المستضيء. قلت: الإمام إذا كان له عقل جيد، ودين متين ؛ صلح به أمر الممالك، فإن ضعف عقله، وحسنت ديانته؛ حمله الدين على مشاورة أهل الحزم، فتسددت أموره، ومشت الأحوال، وإن قل دينه، ونبل رأيه؛ تعبت به البلاد و العباد. (4) نزهة النالرين ص2. (2) مآثر2 /45. (3) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 2 /٧٧
عدد الصفحات ٣٧١vvvvvvvvvvvvvvvv 2 وقد يحمله نبل رأيه على إصلاح ملكه ورعيته للدنيا لا للتقو ، فإن نقص رأيه، وقل دينه وعقله؛ كثر الفساد، وضاعت الرعية، وتعبوا به، إلا أن يكون فيه شباعة وله سطوة وهيبة في النفوس، فينبري الحال. فإن كان جبانا، قليل الدين، عديم الرأي، كثير العسف، فقد تعر ض لبلاء عاجل، وربما عزل وسبن إن لم يقتل، وذهبت عنه الدنيا، وأحاطت به خطاياه، وندم -والله- حيث لا يغني الندم..)(4)! وفي عهده سنة 555ه توفي الملك خسرو شاه بن ملكشاه بن بهرام بن مسعود ابن سبكتكين الغزنوي، وكان من سادات الملوك وأحسنهم سيرة، يحب العلم وأهله.(2) وفي عهده سنة562ه توفي الوزير يحيى بن محمد بن هبيرة وزير الخليفة المقتفى وابنه المستنبد (وكان من خيار الوزراء، وأحسنهم سيرة، وأبعدهم عن الالم، وكان المقتفي يقول: ما وزر لبني العباس مثله.. وقد كان يبالغ في إقامة الدولة العباسية، وحسم مادة الملوك السلبوقية بكل ممكن، حتى استقرت الخلافة في العراق كله، ليس للملوك معهم حكم بالكلية).(3) وكان من كبار العلماء الفقهاء، له مصنفات على مذهب أحمد بن حنبل وفي سنة 565ه توفي الملك قطب الدين بن زنكي أخو نور الدين محمود، وكان على الموصل عشرين سنة (وكان من خيار الملوك، محببا إلى الرعية، عطوفًا عليهم، محسنًا إليهم).(4) (4) سير الأعلام 22 /442 (2) المصدر السابق42/262. (3) تاريخ ابن كثير 42/269. (4) تاريخ ابن كث42/222.
عدد الصفحات ٣٧٢vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 3 وفيها أيوًا توفي الخليفة العباسي المستنبد، وكانت مدة خلافته إحد عشرة سنة (وكان من خيار الخلفاء وأعدلهم وأرفقهم بالرعايا، ومنع عنهم المكوس والضرائب، ولم يترك بالعراق مكسًا، وكان أمّ ارا بالمعروف ناهيا عن المنكر).(4) 22- خلافة المستضيء بأمر الله الحسن بن المستنجد بالله يوسف الخليفة العباسي الثالث والثلاثون، بويع بعد أبيه، فأقام نحو 42 سنين خليفة، وتو سنة 5ه، وبويع بعد أبيه يوسف بن المقتفي، وكان وي عهده، وكان رجلا صالحًا، فرح المسلمون به.(2) قال عنه الذهبي: (وكان ذا حلم، وأناة، ورأفة، وبر، وصدقات. قال ابن البوزي في "المنتام" بويع، فنودي برفع المكوس، ورد الماالم، وألهر من العدل والكرم ما لم نره من أعمارنا، وفرق مالا عايما على الهاشميين. قال ابن النبار: وكان حليما، رحيما، شفيقا، لينا، كريما، نقلت من خط أبي طالب بن عبد السميع، قال: كان المستضيء من الأئمة الموفقين، كثير السخاء، حسن السيرة.. قال ابن البوزي: وفرق أموالا في العلويين، والعلماء، والصوفية. كان دائم البذل للمال، ليس له عنده وقع. ولما استخلف، خلع على أرباب الدولة.. وفي خلافته زالت دولة العبيدية بمصر، وخطب له بها ، وجاء الخري فغلقت الأسواق للمسرة، وعملت القباب، وصنفتُ كتابا سمّ يته "النصر على مصر" وعرضته على الإمام المستضيء. (4) تاريخ ابن كث42/224. (2) تاريخ ابن كث42/259.
عدد الصفحات ٣٧٣vvvvvvvvvvvvvvvv 4 قلت وخطب له باليمن، وبرقة، وتوزر، وإلى بلاد الترك، ودانت له الملوك، وكان يطلب ابن البوزي، ويأمره أن يعظ بحيث يسمع، ويميل إلى مذهب الحنابلة، وضعف بدولته الرفض ببغداد، وبمصر ولهرت السنة، وحصل الأمن ولله المنة)(4). وقال ابن تغر برديعن المستضيء بالله: (وكان أحسن الخلفاء سيرة؛ كان إماما عادلا، شريف النفس، حسن السيرة، كريما، ليس للمال عنده قدر، حليما، شفيقا على الرعية، أسقط في أيامه أيوا المكوس والضرائب.. وهو الذي عادت الخطبة باسمه في الديار المصرية والبلاد الشامية والثغور، واجتمعت الأمة في أيامه على خليفة واحد، وانقطعت دولة بني عبيد الفاطميين خلفاء مصر في أيامه على يد الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب..) (2). (وهو الذي خطب له السلطان صلاحالدين بمصر).(3) وكان (عادلا حسن السيرة(4) وقد كان على مصر العاضد لدين الله الفاطمي، وكان قد استوزر شاور وهو الوزير المشؤوم على الفاطميين، كالوزير بن العلقمي على بني العباس، فإن هذا أطمع الإفرنج في أخذ مصر، فكان سبب زوالهم بالمرة، كما أن ابن العلقمي أطمع التتار في أخذ بغداد، وقتل الخليفة المستعصم فكان سبب زوالهم من بغداد وخرابها... وكان صلاح الدين قد قتل شاور لمو الاته الفرنج، فاستوزر العاضد الفاطمي أسد الدين شيركوه فأقام شهرين ثم مات، ثم استوزر صلاح الدين فاستمر في الوزارة إلى أن مات العاضد سنة ٧ ه بعد خلعه بأيام، وبموته انقوت دولة الفاطميين الذين أفنوا أئمة مذاهب السنة قتلا ونفيا (4) سير الأعلام 24 /62. (2)"مورد اللطافة فيمن جمع بين السلطنة والخلافة4 /224 (3) نزهة النالرين ص2. (4) مآثر2 /52.
عدد الصفحات ٣٧٤vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 5 وتشريدا وأقاموا مذاهب الرفض والشيعة.. قال الرعيني: أجمع العلماء بالقيروان أن حال بني عبيد حال المرتدين والزنادقة لما ألهروا من خلاف الشريعة.. وكانت جملة مدة ولايتهم بمصر خاصة 226 سنين، وعدتهم 44 نفرا، وكان ابتداء دولتهم بالمغرب سنة ٧ه وانقراضهم بمصر سنة ٧ه، فمبموع مدتهم نحو 4 سنة(4) وفي هذه السنة ٧ه قامت السلطة الزنكية بمصر بقيادة الأسرة الأيوبية (أصحاب الفتوحات الذين جددوا الخطبة للعباسيين بمصر، وكانوا في خدمة نور الدين محمو د زنكي صاحب الشام، وهو الذي أرسلهم إلى مصر، فأولهم السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، قدم مع نور الدين محمود بن زنكي، لما كتب له الخليفة المقتفي العهد على البلاد الشامية والمصرية، ولقّ به بالملك العادل، وأمره بالمسير إلى مصر، لما بلغه ضعف الدولة الفاطمية، ففتح محمود بلاد الشام وانتزعها من الفرنبة، ثم أرسل محمود أسد الدين شيركوه في ألفي فارس، ومعه ابن أخيه صلاح الدين إلى مصر، فحاصرها نحو شهرين، فاستنبد صاحبها بالإفرنج، وكان أسد الدين قد ملك الإسكندرية واستناب عليها صلاح الدين، ثم ملك الصعيد، ثم صالحه شاو ر وزير العاضد الفاطمي عن الإسكندرية بخمسين ألف دينار، فأجابه بذلك، فتركها وعاد للشام، فاستحوذ الفرنبة على القاهرة، وكادوا يخرجون المسلمين منها، وأخذوا مدينة بلبيس، وقتلوا وأسروا، ثم راموا أخذ القاهرة، فأمر شاور بحرق مصر والانتقال للقاهرة، فاشتعلت النار فيها 54 يوما، فأرسل العاضد الفاطمي يستغيث بنور الدين زنكي على الفرنبة، والتزم له بثلث خراج مصر، فحضر ومعه صلاح الدين، فهرب الفرنبة لما سمعوا بوصوله، وقتل صلاح الدين شاور الوزير، لأنه كان يمالئ الإفرنج على المسلمين، وأقيم أسد الدين مكانه في الوزارة ثم مات بعد شهرين، فأقام العاضد (4) نزهة النالرين ص422 – 425.
عدد الصفحات ٣٧٥vvvvvvvvvvvvvvvv 6 مقامه في الوزارة صلاح الدين، ولقبه بالملك الناصر، فقام بالسلطنة أتم قيام، وأجلى الإفرنج عن أرض مصر، واستمر وزيرا للعاضد إلى أن مات، فتولى صلاح الدين السلطنة، وصار لمصر أميرا بعدما كان وزيرا، ثم أخذ صلاح الدين في نصر السُّ نّ ة، وإشاعة الحق، وعزل قواة مصر كلها ؛ لأنهم كانوا كلهم شيعة، وقطع الأذان بحي على خير العمل، وخطب للعباسيين، بعد أن مهدها لهم أول جمعة في محرم سنة ٧ه للمستضيء بأمر الله، ففرح المسلمون بذلك، ووهت البدعة، وصفت الشريعة، وأرسل الخليفة المستضيء الخلع والألوية لصلاح الدين... وبنى صلاح الدين سور القاهرة سنة 2 ه وأبطل المكوس والماالم(4) وفي سنة5ه توفي الخليفة المستضيء العباسي ببغداد، وكانت مدة خلافته نحو عشر سنين، وكان من خيار الخلفاء، آمرًا بالمعروف، وناهيًا عن المنكر، مزيلا للمكوس والضرائب عن الناس، حليمًا وقورًا كريمًا ، وبويع لولده الناصر من بعده.(2) لقد اشتهر خليفة العصر المستضيء العباسي بالعدل والصلاح كأكثر خلفاء بني العباس في هذه الحقبة الطويلة من تاريخ الخلافة الإسلامية، فقد استطاع العباسيون حل مشكلة الاستبداد الذي أد إلى الثورة الشعبية على بني أمية، الذي لم تدم فتر تهم متصلة أكثر من 62 سنة منذ توي عبد الملك بن مروان الخلافة بالقوة سنة 3ه حتى سقوطها سنة 432ه بثورة الأمة عليها مع آل البيت، التي عرفت بعد ذلك بالثورة العباسية، التي كانت ثورة شعبية عامة شارك فيها البميع، وقد سبقها ثورات كري ابتداء من ثورة الحسين على يزيد، ثم ثورة القراء على عبد الملك، حتى توجت بالنصر في الثورة العباسية، التي بادرت بعد نباحها بتطوير الناام السياسي للخلافة باستحداث ناام الوزارة، وإشراك المواي (4) نزهةالنالرين ص 426 – 429. (2) البداية والنهاية42/325.
عدد الصفحات ٣٧٦vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv ٧٧ وغير العرب في إدارة الدولة، ما أد بعد ذلك إلى الاستقرار، والتوازن بين قو المبتمع، كما صار تولية الخلفاء نفسه يخوع لرقابة الأمة، وضمان توفر شروط الأهلية والكفاءة والصلاح في الخليفة، وهذا الذي يفسر تراجع حركات الخروج على الدولة، حتى كانت هذه الفترة التي امتدت نحو 222 عام -ما بين بغداد والقاهرة- هي أزهى عصور الإسلام سياسيا وفكريا وحواريا، فنبحت الثور ة العباسية في تحقيق مشروعها الإصلاح ي، الذي وجد قبولا شعبيا كبيرا، ضمن للدولة والسلطة الشرعية السياسية والشعبية، ما حقق لها الاستقرار والازدهار، وساعد على مواجهة كل الحملات العسكرية الخارجية سواء الصليبية الغربية، أو المغولية الشرقية.
عدد الصفحات ٣٧٧vvvvvvvvvvvvvvvv 2 الفصل الثاني : قيام السلطة الزنكية والأيوبية بتعزيز الخلافة ومواجهة الحملات الصليبية لقد كان تخلي السلطة البويهية في بغداد في القرن الرابع (من سنة 334 إ سنة ٧ ه) عن البهاد في سبيل الله كأهم مسئوليات السلطة؛ أحد أسباب ضعف الخلافة العباسية عسكريا في هذا العصر؛ مما أد إلى تتتابع الحملات الصليبية على دار الإسلام، حتى سقطت القدس سنة 492ه، فأدرك الشهيد محمود زنكي ثم صلاح الدين ضرورة تعزيز مركز الخلافة في بغداد، وضرورة وحدة الأمة لمواجهة البيوش الصليبية وتحرير الشام، قال ابن البوزي عن نور الدين زنكي: (كانت سيرته أصلح من كثير من الولاة، والطرق في أيامه آمنة، والمحامد له كثيرة، وكان يتدين بطاعة الخلافة).(4) وقد جدّ صلاح الدين في جهاد الفرنبة بعد وفاة محمود زنكي (ويسرّ الله له فتوح البلاد، ففتح بلاد الشام كلها، واستنقذها من أيديهم، وفتح بيت المقدس يوم البمعة في 23 من رجب سنة 523 ه، بعد أن استولى عليها الإفرنج وعلى الخليل94 سنة، وهدم ما أحدثوه من كنائس، ولم يهدم القيامة اقتداء بعمر ، وأخلى ما بين الشام ومصر من الإفرنج، ثم افتتح الحباز واليمن، وتسلم دمشق، بعد موت نور الدين زنكي، وحاصر الموصل، فدخلت تحت طاعته، وفتح عسكره طرابلس الغرب، وبرقة وتونس، وخطب بها لبني العباس، (4) المنتام42 /242.
عدد الصفحات ٣٧٨vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 9 فصار سلطان مصر والشام والحباز واليمن والمغرب، وما زال في البهاد، ونشر العدل، وإبطال الماالم، وإجراء الري والمعروف، إلى أن توفاه الله تعالى، وكان إماما عادلا، وسلطانا كاملا، لم يل مصر بعد الصحابة مثله، لا قبله ولا بعده، كان إذا قال صدق، وإذا وعد وفى، وإذا عاهد لم يخن، وكانت مبالسه منزهة عن الهزو والهزل، ومحافلة حافلة بأهل العلم والفول، وكان من جالسه لا يعلم أنه جالس سلطانا لتواضعه، حسن العقيدة، كثير الذكر، محافاا على الصلوات في البماعات، وما وجبت عليه الزكاة؛ لأن صدقة التطوع استغرقت أمواله كلها، وكان يحب سماع القرآن، شديد الحياء، خاشع الطرف، رقيق القلب، راغبا في سماع الحديث، ورحل بولديه الأفول والعزيز لسماع الحديث من السِّلفي بالأسكندرية، وهذا لم يعهد لسلطان من زمن هارون الرشيد، فإنه رحل بولديه الأمين والمأمون لسماع الموطأ من مالك بالمدينة، وكانت مدة سلطنة صلاح الدين 24 سنة، وتوفي سنة 529ه بدمشق، وعمره ٧ سنة، وترك ٧ ولدا ذكرا، ولم يخلف في خزائنه من الدراهم والدنانير سو ٧ درهما، لا ملكا ولا بستانا ولا قرية، ولو لم يكن له من الفول إلا فتح بيت المقدس وقطع دائرة الرافوة الفاطميين من أرض مصر لكان كافيا، وكان يعتمد في أموره على بهاء الدين قراقوش، وهو الذي بنى السور المحيط بالقاهرة ومصر وما بينهما).(4) وفي سنة523ه كانت وقعة حطين الشهيرة التي هزم فيها صلاح الدين الصليبيين.(2) ثم تم له فتح القدس هذه السنة وفي سنة 529ه توفي السلطان صلاح الدين الأيوبي بعد أن قضى حياته في جهاد الصليبيين وتحرير أرض الإسلام، ولم يترك دينارًا ولا درهما في خزائنه، بل أنفق ذلك كله في سبيل (4) نزهة النالرين ص422 – 442. (2) البداية42/344.
عدد الصفحات ٣٧٩vvvvvvvvvvvvvvvv 322 البهاد وحماية البيوة، وكان من العلماء الصلحاء، كثير التعايم لشرائع الدين، والقيام بمصالح المسلمين.(4) التجديد السياسي بعد ظهور نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي وقد امتاز عصريهما بالتبديد العام في كل شئون الدولة والمبتمع سياسيا واقتصاديا وعسكريا وتحقق فيهما وفي أمثالهما ما بشرّ به النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (إن الله يبعث على رأس مئة كل عام من يبدد لهذه الأ مة أمر دينها). وقد خصّ أبو شامة سيرتهما بكتابه (عيون الروضتين) وقال في أوله : (ومر بي فيه -تاريخ دمشق- من الملوك المتأخرين ترجمة الملك العادل نور الدين، فأطربني ما رأيت من آثاره، وسمعت من أخباره، مع تأخر زمانه، وتغير خلانه، ثم وقفت بعد ذلك في غير هذا الكتاب على سيرة سيد الملوك بعده الملك الناصر صلاح الدين فوجدتهما في المتأخرين، كالعمرين في المتقدمين، فإن كل ثان من الفريقين حذا حذو من تقدمه في العدل والبهاد، واجتهد في إعزاز دين الله أيّ اجتهاد، وهما ملكا بلدتنا، وسلطانا خطتنا، أنعم الله تعالى بهما، فوجب علينا القيام بذكر فولهما، فعزمت على إفراد ذكر دولتيهما بتصنيف، يتومن التقريظ لهما والتعريف، فلعله يقف عليه من الملوك، من يسلك في و لايته ذلك السلوك، فلا أبعد أنهما حبة من الله على الملوك المتأخرين، وذكر منه سبحانه فإن الذكر تنفع المؤمنين، فإنهم قد يستبعدو ن من أنفسهم طريقة الخلفاء الراشدين، ومن حذا حذوهم من الأئمة السابقين، ويقولون نحن في الزمن الأخير، وما لأولئك من ناير، فكان فيما قدر الله سبحانه من سيرة هذين الملكين إلزام الحبة عليهم بمن هو في عصرهم، من (4) البداية43/6.
عدد الصفحات ٣٨٠vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 324 بعض ملوك دهرهم، فلن يعبز عن التشبه بهما أحد، إن وفقالله تعالى الكريم وسدد، وأخذت ذلك من قول أبي صالح شعيب بن حرب المدائني وكان أحد السادة الأكابر الحفظ والدين قال: إني لأحسب يباء بسفيان الثوري يوم القيامة حبة من الله تعالى على هذا الخلق يقال لهم: إن لم تدركوا نبيكم؛ فقد أدركتم سفيان ألا اقتديتم به. وهكذا أقول: هذان حبة على المتأخرين من الملوك والسلاطين، فلله درهما من ملكين، تعاقبا على حسن السيرة، وجميل السريرة، وهما حنفي وشافعي، شفى الله بهما كل عي، ولهرت بهما من خالقهما العناية، فتقاربا حتى في العمر ومدة الولاية، وهذه نكتة قل من فطن لها، ونبّ ه عليها، ولطيفة هداني الله بتوفيقه إليها، وذلك أن نور الدين ولد سنة إحد عشرة وخمس مئة، وتوفي سنة تسع وستين، وولد صلاح الدين سنة اثنت وثلاثين وخمس مئة، وتوفي سنة تسع وثمانين، فكان نور الدين أسن من صلاح الدين بسنة واحدة وبعض أخر وكلاهما لم يستكمل ستين سنة، فا نار كيف اتفق أن بين وفاتيهما عشرين سنة، وبين مولديهما إحد وعشرين سنة، وملك نور الدين دمشق سنة تسع وأربعين، وملكها صلاح الدين سنة سبعين، فبقيت دمشق في المملكة النورية عشرين سنة، وفي المملكة الصلاحية تسع عشرة سنة، تمحى فيها السيئة وتكتب الحسنة، وهذا من عبيب ما اتفق في العمر ومدة الولاية ببلدة معينة لملكين متعاقبين مع قرب الشبه بينهما في سيرتيهما والفول للمتقدم، فكأن زيادة مدة نور الدين كالتنبيه على زيادة فوله، والإرشاد إلى عام محله، فإنه أصل ذلك الخير كله، مهد الأمور بعدله وجهاده وهيبته في جميع بلاده، مع شدة الفتق واتساع الخرق، وفتح من البلاد ما استعين به على مداومة البهاد، فهان على
عدد الصفحات ٣٨١vvvvvvvvvvvvvvvv 322 من بعده على الحقيقة، سلوك تلك الطريقة، لكن صلاح الدين أكثر جهادا، وأعم بلادا، ص وصابر، ورابط وثابر).(4) وقال أيوا: (وقال أبو الحسن ابن الأثير: قد طالعت تواريخ الملوك المتقدمين قبل الإسلام وفيه إلى يومنا هذا، فلم أر فيها بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز ملكا أحسن سيرة من الملك العادل نور الدين، ولا أكثر تحريا للعدل والإنصاف منه، قد قصر ليله ونهاره على عدل ينشره، وجهاد يتبهز له، ومالمة يزيلها، وعبادة يقوم بها، وإحسان يوليه، وإنعام يسديه، ونحن نذكر ما نعلم به محله في أمر دنياه وأخراه، فلو كان في أمة لافتخر ت به! فكيف بيت واحد، أما زهده وعبادته وعلمه، فإنه كان مع سعة ملكه، وكثرة ذخائر بلاده وأموالها؛ لا يأكل ولا يلبس ولا يتصرف فيما يخصه إلا من ملك كان له قد اشتراه من سهمه من الغنيمة، ومن الأموال المرصدة لمصالح المسلمين، أحضر الفقهاء واستفتاهم في أخذ ما يحل له من ذلك؛ فأخذ ما أفتوه بحله، ولم يتعده إلى غيره البتة، ولم يلبس قط ما حرمه الشرع من حرير أو ذهب أو فوة، ومنع من شرب الخمر وبيعها في جميع بلاده ومن إدخالها إلى بلد ما، وكان يحد شاربها الحد الشرعي، كل الناس عنده فيه سواء... قال ابن الأثير: وكان نور الدين يصلى كثا من الليل، ويدعو ويستغفر ويقرأ، و لا يزال كذلك إلى أن يركب. جمع الشــباعة والخشــوع لربــــ ه مـا أحســن المـحـراب في المـحـراب قال: وكان عارفا بالفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة ، ليس عنده تعصب بل الإنصاف سبيته في كل شيء، وسمع الحديث وأسمعه طلبا للأجر، وعلى الحقيقة فهو الذي جدد للملوك اتّ باع سنة العدل والإنصاف، وترك المحرمات من المأكل والمشرب والملبس وغير ذلك، (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 4 /26.
عدد الصفحات ٣٨٢vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 323 فإنهم كانوا قبله كالباهلية همّ أحدهم بطنه وفرجه لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا، حتى جاء الله بدولته فوقف مع أوامر الشرع ونواهيه، وألزم بذلك أتباعه وذويه، فاقتد به غيره منهم واستحيوا أن ياهر عنهم ما كانوا يفعلونه (ومن سنّ سُّ نّ ة حسنة؛ كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة)..).(4) وقد كشف أبو شامة هنا الحال السياسية التي كان عليها الأمراء والملوك قبل مبيء نور الدين، وأنهم كانوا قبله (كالباهلية همّ أحدهم بطنه وفرجه)؛ ولهذا شهد عصره وعصر تلميذه صلاح الدين الأيوبي، تبديدا سياسيا عاما، كان حبر الأساس فيه صلاح السلطان نفسه روحيا وأخلاقيا، وذلك بالعفاف والتقو والورع، وهي التربية الروحية التي عُ ني بها علماء هذه الفترة، في المدارس والرباطات، حيث يتربى الطلبة فيها تربية روحية أخلاقية مع أخذهم بحظ وافر من العلوم الشرعية، وكان نور الدين وصلاح الدين ممن تربوا فيها، وأخذوا الطريقة عن شيوخها زهدا وصلاحا وورعا ذاتيا، وفقها وعلما شرعي ا بحدود ما يبب عليهما ويحرم في الولاية، وسياسة شئون الأمة، وهو ما أهّ لهما لتحقيق هذه النهوة العامة، وقد كان كتاب الغزاي "إحياء علوم الدين"، وكتب عبدالقادر البيلاني "الفتح الرباني والفيض الرحماني" و"الغنية لطالبي طريق الحق عز وجل" تعبيرا عن حاجة هذا العصر إلى ثورة أخلاقية روحية تبعث الأمة من جديد! لقد كشفت كتب الإمامين الغزاي الشافعي ( 452ه – 525ه) وعبدالقادر البيلاني الحنبلي (2ه – 564ه) الأزمة الأخلاقية والروحية، والفوضى الفكرية والسياسية التي كان يعيشها العالم الإسلامي في القرنين الرابع والخامس، اللذين شهدا تنامي نفوذ الفرق الباطنية الشيعية التي كانت تمثل حركات ارتداد داخلي، مهّ دت لاجتياح الحملة الصليب ية (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 4 /33
عدد الصفحات ٣٨٣vvvvvvvvvvvvvvvv 324 الفرنبية مدن الشام وسواحله حتى احتلت القدس سنة492 ه، بعد تراجع دور الخلافة المركزي، وعبز ملوك الأقاليم عن القيام بمسئولياتهم، وصراعهم فيما بينهم، وفساد فقهائهم بالتنافس على توي القواء والسلطة، وتخلي الصوفية عن دورهم المبتمعي والإصلاحي بالعزلة، والتنافر بين الفريقين من الفقهاء أهل الشريعة، والصوفية من أهل الطريقة، فانفصمت العروة الوثقى بين الفقه والسلوك، فصار أكثر الفقهاء بلا روح ولا ورع، وأكثر الصوفية ب لا فقه ولا علم، وقد كانت خطب الإمام عبد القادر في رباطه ومدرسته القادرية في بغداد من أهم مراكز الإشعاع الروحي، والإحياء الديني، والبمع بين الفقه والسلوك، والعلم والتقو ، حيث توافد إليه طلبة العلم من العراق والشام والمغرب، وتخرج على يديه أفذاذ العلماء الفقهاء العباد الزهاد، الذين أدركوا مكامن الخلل الروحي والأخلاقي، وأسباب السقوط السياسي، ودور علماء السلطة في هذا الانهيار، وكانت مواعظ الإمام البيلاني تعمل عملها في نفوسهم، وهو يريهم من واقعهم جناية علمائهم وملوكهم على أمتهم، حيث يقول: (يا عباد الله لا تسمعوا من هؤلاء الذين يفرحون نفوسكم، يذلون للملوك، و يصيرون بين أيديهم كالذر، لا يأمرونهم بأمره، ولا ينهونهم عن نهيه، إن فعلوا ذلك؛ فعلوه نفاقا وتكلفا، طهّ ر الله الأرض منهم، ومن كل منافق، أو يتوب عليهم، و يهديهم إي بابه، إني أغار إذا سمعت واحدا يقول : الله الله و هو ير غيره)(4)! ويقول في موعاة أخر سنة 546 ه عن حال خونة العلم والسلوك من الفقهاء والصوفية الذين خانوا أمانة العلم والعمل بركونهم للاالمين: (أين أنتم وهم يا خونة فى العلم والعمل! يا أعداء الله ورسوله! يا قاطعي عباد الله عز وجل! أنتم فى للم لاهر، ونفاق لاهر، هذا النفاق إلى متى؟ يا علماء يا زهاد! كم تنافقون الملوك والسلاطين حت ى تأخذوا منهم حطام (4) الفتح الرباني ص265
عدد الصفحات ٣٨٤vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 325 الدنيا وشهواتها ولذاتها؟ أنتم وأكثر الملوك فى هذا الزمان للمة خونة فى مال الله عز وجل، وفي عباده! اللهم اكسر شوكة المنافقين، واقمع الاالمين، وطهر الارض منهم أو أصلحهم، آمين)(4)! ويقول في موعاة أخر كاشفا الخلل الذي اعتر مفهوم التوحيد العملي، حتى غدا الملوك وغدت الدنيا والمال عند كثير من الناس آلهة وأصناما تعبد من دون الله: (صارت الملوك لكثير من الخلق آلهة! قد صارت الدنيا والغنى والعافية والحول والقوة آلهة! ويحكم! جعلتم الفرع أصلا! والمرزوق رازقا! والمملوك مالكا! الفقير غنيا! والعاجز قويا! والميت حيا! إذا عامت جبابرة الدنيا وفراعينها وملوكها وأ غنياءها ونسيت الله عز وجل ولم تعامه فحكمك حكم من عبد الأصنام! تصير من عاّمت صنمك)! (2) وقد نعى على أهل زمانه ما هم فيه من الرياء والنفاق مع كثرة عباداتهم، وتااهرهم بالدين، بينما هم صرعى الأهواء، وموتى النفوس! فيقول: (هذا زمان الرياء والنفاق، وأخذ الأموال بغير حق! قد كثر من يصلي ويصوم ويحج ويزكي ويفعل أفعال الخير للخلق، لا الخالق! فقد صار معام الناس بلا خالق! كلكم موتى القلوب أحي اء النفوس والأهوية طالبون للدنيا)!(3) وكما كشف الغزافي كتابيه: "الفتح الرباني والفيض الرحماني" و"فوائح الباطنية وفوائل المستاهرية" ، خطر الفرق الباطنية ووجوب تعزيز خلافة المستاهر بالله في بغداد؛ للقواء عليها؛ كذلك نبّ ه عبدالقادر على خطرهم، والتشابه بينهم وبين اليهود في (4) المصدر السابقص 495 (2) الفتح الربانيص 246 (3) المصدر السابق ص24
عدد الصفحات ٣٨٥vvvvvvvvvvvvvvvv 326 عقائدهم، في شأن الإمامة والنص، ومن ذلك : ترك البهاد في سبيل الله انتاارا لخروج المهدي، في الوقت الذي تحتل الحملات الصليبية البيزنطية ثم الفرنبية العالم الإسلامي، حيث يقول: (وقالت اليهود لا جهاد فى سبيل الله حتى يخرج المسيح الدجال وينزل بسبب من السماء، و قالت الروافض: لا جهاد فى سبيل الله حتى يخرج المهدي)(4)! لقد وجدت صرخات الإمام عبد القادر البيلاني صد كبيرا في نفوس كثير من العلماء والزعماء في عصره، فاستبابوا لدعوته، وانريوا للتبديد والإصلاح السياسي والعلمي والروحي، وكان للشهيد نور الدين زنكي من ذلك النصيب الأوفى، والسهم الأعلى، في إقامة العدل، والإصلاح في الأرض، وإعمار المساجد والرباطات، والبهاد في سبيل الله، وكان صلاح الدين حسنة من حسناته، كما قال أبو شامة: (قال ابن الأثير: وأما عدله فإنه كان أحسن الملوك سيرة، وأعدلهم حكما، فمن عدله أنه لم يترك في بلد من بلاده ضريبة ولا مكسا ولا عشرا بل أطلقها جميعها في بلاد الشام والبزيرة جميعها، والموصل وأعمالها، وديار مصر وغيرها مما حكم عليه، وكان المكس في مصر يؤخذ من كل مئة دينار خمسة وأربعون دينارا فأطلقها، وهذا لم تتسع له نفس غيره، وكان يتحر العدل، وينصف المالوم من الاالم كائنا من كان، القو والوعيف عنده في الحق سواء، وكان يسمع شكو المالوم ويتولى كشف حاله بنفسه، ولا يكل ذلك إلى حاجب ولا أمير، فلا جرم سار ذكره في شرق الأرض وغربها..). (2) (4) الغنية4 /424 (2) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 4 /٧
عدد الصفحات ٣٨٦