vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 355 وقد رد شهادة أحد كبار الفقهاء فلما سأله: لم؟ قال: لأنك تلبس الحرير وخاتم الذهب. فقال الفقيه: إن السلطان ووزيره ناام الملك يلبسان الحرير والذهب. فقال الشاشي: والله لو شهدا عندي على باقة بقلة ما قبلتهما، ولرددت شهادتهما.(4) وفي سنة524 ه توفي تميم بن المعز بن باديس في أفريقيا، وكان حكمها سنة 455 ه (كان من خير الملوك حلمًا وكرمًا وإحسانًا). (2) وفيها تو أمير الحلة وتكريت وواسط: صدقة بن منصور الأسدي سيف الدولة: (وكان كريمًا عفيفًا ذا ذمام، ملبأ لكل خائف يأمن في بلاده، وتحت جناحه). (3) وفي سنة529ه توفي يحيى بن تميم بن المعز بن باديس ملك أفريقيا (وكان من خيار الملوك، عارفا حسن السيرة، محبًّا للفقراء والعلماء).(4) وفي سنة544ه توفي غياث الدين السلطان محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان السلبوقي سلطان العراق والمشرق: (كان من خيار الملوك وأحسنهم سيرة، عادلاً رحيمًا، سهل الأخلاق، محمود العشرة).(5) (4) المصدر السابق42/464. (2) المصدر السابق42/424. (3) المصدر السابق42/424. (4) المصدر السابق42/494. (5) المصدر السابق42/493.
عدد الصفحات ٣٥٥vvvvvvvvvvvvvvvv 356 اتساع نفوذ السلطة القضائية وقد صار قاضي القواة والقواة في بغداد من أهم مؤسسات الخلافة السياسية، التي تشارك في اختيار الخليفة، وتتحر تحقق الصفات المشروطة فيمن يتولى الخلافة، وربما صار قاضي القواة نائبا للوزارة، كما كان القاضي الدامغاني. قال ابن البوزي عن الخليفة العباسي المسترشد وبيعته ودور القواة فيها: (فبايعه إخوته وعم ومته والفقهاء والقواة وأرباب الدولة، وكان قاضي القواة أبو الحسن على بن محمد الدامغاني هو المتوي لأخذ البيعة؛ لأنه كان ينوب في الوزارة، قال المصنف: ونقلت من خط أبى الوفاء بن عقيل قال: لما وي المسترشد بالله تلقاني ثلاثة من المستخدمين يقول كل واحد منهم قد طلبك أمير المؤمنين، فلما صرت بالحضرة قال ي قاضي القواة وهو قائم بين يديه: مولانا أمير المؤمنين ثلاث مرات، فقلت: ذلك من فول الله علينا وعلى الناس، ثم مددت يدي فبسط ي يده الشريفة، فصافحت بعد السلام وبايعت، فقلت: أبايع سيدنا ومولانا أمير المؤمنين المستر شد بالله على كتاب الله وسنة رسوله وسنة الخلفاء الراشدين ما أطاق واستطاع، وعلى الطاعة مني، وقبلت يدي، وتركتها على عيني زيادة على ما فعلت في بيعة المستاهر تعايما له وحده من بين سائر الخلفاء، فيما نشأ عليه من الخير ودحض أدوات اللهو وتميزه بطريقة جده القادر).(4) وقال ابن الأثير: (ذكر خلافة الإمام المسترشد بالله: لما توفي المستاهر بالله بويع ولده المسترشد بالله أبو منصور الفول بن أبي العباس أحمد بن المستاهر بالله، وكان وي عهد، قد خطب له ثلاثا وعشرين سنة، فبايعه أخواه ابنا المستاهر بالله، وهما: أبو عبدالله محمد، (4) المنتام في تاريخ الملوك والأمم 9 /٧)
عدد الصفحات ٣٥٦vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv ٧ وأبو طالب العباس، وعمومته بنو المقتدي بأمر الله، وغيرهم من الأمراء، والقواة، والأئمة، والأعيان. وكان المتوي لأخذ البيعة القاضي أبو الحسن الدامغاني، وكان نائبا عن الوزارة، فأقرّه المسترشد بالله عليها، ولم يأخذ البيعة قاض غير هذا، وأحمد بن أبي داود، فإنه أخذها للواثق بالله، والقاضي أبو علي إسماعيل بن إسحاق، أخذها للمعتود بالله).(4) وأخذ هؤلاء القواة لبيعة الخلفاء من رجال الدولة، ومشاركة غيرهم من القواة اختياره يؤكد تطور دور المؤسسة القوائية السياسي، بعد أن كان يقتصر دور السلطة القوائية على القواء بين الناس في الخصومات، وتوي الصلاحيات المنوطة بها في تنفيذ الأحكام. 32- الخليفةالفضل المسترشد بالله بن المستظهر بالله أحمد العباسي: أبو منصور الفول المسترشد بالله بن المستاهر بالله، وهو الخليفة العباسي التاسع والعشرون. بويع بالخلافة في اليوم الذي توفي فيه والده 23 ربيع الآخر سنة 542ه. وفي سنة 526 ه كانت الحرب في بغداد بين الخليفة المسترشد وعماد الدين زنكي بن آق سنقر، فهزمه الخليفة. وفي سنة 529 ه كانت حرب بين الخليفة والسلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه، وكان على الموصل وأذربيبان، وخرج إليه الخليفة لقتاله، فهزم الخليفة وأسر، ثم اصطلحا على (4) الكامل في التاريخ- (4 /444)
عدد الصفحات ٣٥٧vvvvvvvvvvvvvvvv 352 مال يدفعه الخليفة وألا يخرج من بغداد، ثم وثب عليه الباطنية فقتل الخليفة المسترشد العباسي (وكان شباعًا مقدامًا بعيد الهمة، كثير العبادة، محببًا إلى العامة والخاصة). (4) قال أبو شامة : (وفي المحرم سنة تسع وعشرين توفى السلطان طغرل بن محمد بن ملكشاه، فخرج السلطان مسعود والتقى هو والخليفة المسترشد في عسكرين عايمين عاشر رموان، فهزم عسكر الخليفة وقبض عليه وعلى خواصه، وأنفذ السلطان شحنة إلى بغداد فقبض جميع أملاك الخليفة، وهبم جماعة من الباطنية على المسترشد وهو في الخيمة فقتلوه، وكتب السلطان إلى شحنة بغداد يأمره بالبيعة لابنه أبى جعفر المنصور بن المسترشد، فبايعه في السادس والعشرين من ذي القعدة ولقب بالراشد، وكان عمر المسترشد ثلاثا وأربعين سنة وثلاثة أشهر وثمانية أيام وكانت خلافته سبع عشرة سنة وسبعة أشهر، وكان شهما شباعا مقداما فصيحا، وتمكن في خلافته تمكنا عايما لم يره أحد ممن تقدمه من الخلفاء من عهد المنتصر بالله إلى خلافته إلا أن يكون المعتود والمكتفي، لأ ن المماليك كانوا قديما يخلعون الخلفاء ويحكمون عليهم ولم يزالوا كذلك إلى ملك الديلم واستيلائهم على العراق فزالت هيبة الخلافة بالمرة إلى انقراض دولة الديلم، فلما ملك السلبوقية جددوا من هيبة الخلافة ما كان قد درس لا سيما في وزارة ناام الملك فإنه أعاد الناموس والهيبة إلى أحسن حالاتها، إلا أن الحكم والشحن بالعراق كان إلى السلطان وكذلك العمداء وضمان البلاد ولم يكن للخلفاء إلا إقطاع يأخذون دخله، وأما المسترشد فإنه استبد بالعراق بعد السلطان محمود، ولم يكن للسلطان محمود معه في كثير من الأوقات سو الخطبة واجتمعت عليه العساكر وقاد البيوش وباشر الحروب)(2). (4) تاريخ ابن كث42/224. (2) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 4 /422
عدد الصفحات ٣٥٨vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 359 على هذا أجمع المؤرخون في استعادته لصلاحياته كخليفة، وممارسته لسلطانه، ومباشرته لأعماله، كغيره من الخلفاء الأقو ياء، وهو ما يؤكد طبيعة الخلافة العباسية غير المركزية التي أصبح يشترك في إدارة الدولة فيها عدة مؤسسات وقو مبتمعية، كما قال عنه ابن الأثير في الكامل في سنة وفاته: (وكانت خلافته سبعة عشر سنة وستة أشهر وعشرين يوما، وكان شهما، شباعا كثير الإقدام، بعيد الهمة، و أخباره المذكورة تُري على ما ذكرناه، وكان فصيحا، بليغا، حسن الخط، ولقد رأيت خطه في غاية البودة، ورأيت أجوبته على الرقاع من أحسن ما يكتب وأفصحه)؛ وذلك لعناية الخلفاء في هذه الفترة بتعليم أبنائهم ما يؤهلهم للخلافة، وحرصهم على توافر شروطها فيهم، من حيث الصلاح والعدالة والعلم وكفايتهم للأمور، فلا تعقد إلا بحوور القواة والفقهاء والشهود العدول على أهليتهم لتوليها، إذ لا استبداد فيها، وهو ما بدا واضحا في أكثر خلفاء هذه المرحلة؛ ما يبطل كل شبهة روّ جها المستشرقون ومن تأثّ ر خطاهم من المعاصرين، سواء من جرد خلفاء هذه ال فترة من فوائلهم، ونعى عليهم عبزهم، وصور خلافتهم على أنها خيال لا حقيقة له، أو وصمهم بالاستبداد والفساد، وجعل خلافتهم للم وقتل، وللمات بعوها فوق بعض! وقد زار بغداد في عصر المسترشد الرحالة اليهودي الأندلسي بنيامين التطيلي ووصف الحال التي كان عليها الوضع في بغداد سياسيا واجتماعيا؛ فقال عن بغداد كعاصمة لدار الإسلام وعن الخليفة كإمام: (بغداد كرسي مملكة الخليفة أمير المؤمنين العباسي، من آل بيت نبي المسلمين، وهو إمام الدين الإسلامي، يدين له بالطاعة ملوك المسلمين قاطبة، فهو عندهم بمقام البابا عند النصار ).(4) (4) رحلة بنيامين التطيلي ص293.
عدد الصفحات ٣٥٩vvvvvvvvvvvvvvvv 362 وقالعن قصر الخليفة العباسي المسترشد: (في هذا القصر يعقد الخليفة العباسي الكبير مبلس بلاطه، وهو حسن المعاملة لليهود، وفي حاشيته عدد منهم، وهو عليم بمختلف اللغات، عارف بتوراة موسى، يحسن اللغة العريية قراءة وكتابة، وهو كذلك على جانب عايم من الصلاح والتقو ، يأكل من تعب كفيه إذ يصنع الشال المقصب ويدمغه بختمه فيبيعه رجال بطانته من السراة والنبلاء، فيعود عليه بالأموال الوافرة، وهو موصوف بالتقو والصدق والاستقامة وطلب الخير لبميع رعيته، والمسلمون لا يشاهدونه إلا مرة في العام عندما يتوافد الحباج من كل فج بطريقهم إلى مكة وكلهم شوق لرؤية طلعته، فيحتشدون في باحة القصر هاتفين: يا سيدنا، نور الإسلام وفخر المسلمين، أطل علينا بطلعتك الميمونة! لكنه لا يباي بهذا النداء، فيقول له رجال الحاشية: يا أمير المؤمنين! أشرق بطلعتك على رعيتك الذين توافدوا من الأقطار النائية للاستذراء بال فولك! وعندئذ ينهض الخليفة فيرخى ذيل بردته من مشرفة القصر فيقبل الحباج على لثمها بكل خشوع، ومن ثم ينادي بهم الحاجب: اذهبوا بأمان الله، فإن سيدنا أمير المؤمنين يقرأ عليكم السلام. فينصرف الناس فرحين بهذه التحية التي يهديها إليهم الحاجب باسم الشخص الذي له في قلوبهم مقام النبي).(4) وقال أيوا: (ومن عادة الخليفة ألا يبارح قصره إلا مرة في العام، في العيد الذي يسميه المسلمون عيد رموان، فيحتشد الناس من أقاصي البلاد للاحتااء بمشاهدته، ويمتطي الخليفة عند خروجه جوادا مطهما، وهو مرتد بردته المقصبة بفوة وذهب، ومتوج الرأس بقلنسوة مرصعة بالأحبار الكريمة التي لا يعدلها ثمن، وفوق القلنسوة قطعة قماش (4) رحلة بنيامين التطيلي ص294.
عدد الصفحات ٣٦٠vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 364 سوداء اللون، فيها ما يشير إلى التواضع، وفيها موعاة للناس بأن هذه الأبهة كلها سيغشاها السواد عند انقواء الأجل. فيتحرك ركاب الخليفة، يحف به نبلاء المسلمين وسراتهم، وكلهم رافل بالحلل الزاهية فوق صهوات الخيول، وهم أمراء العرب، وعاماء الترك، والديلم، وفارس، ومادي، والغز، والتبت، ونواحي سمرقند، التي تبعد مسيرة ثلاثة أشهر عن بلاد العرب، فيتوجه الموكب إلى المسبد البامع للمسلمين في باب البصرة، وتزين جميع الطرق والأسواق التي يمر بها أبدع زينة بالأقمشة الحرير ذات الألوان الزاهية، فيستقبله الناس بالهتافات والتهاليل، ويخرون سبدا بين يدي هذا الملك الذي يسمونه الخليفة، وهم ينادون: السلام على أمير المؤمنين ونور الإسلام! والخليفة يرد عليهم التحية بلثم أطراف بردته والتلويح بها. فإذا ما دخل البامع، يرتقي منريا من خشب فيشرع في إلقاء خطبته على البماهير ويفسر لهم أحكام شريعتهم، ثم ينهض كبار المسلمين فيرتلون الدعاء له ويشيدون بعامته وفوله، فيهتف البميع آمين! ثم يمنحهم الخليفة مباركته، ويؤتى له ببمل ينحره، وهذا هو قربان العيد عندهم، فيوزع اللحم على العاماء والأمراء، والسعيد منهم من يذوق أضحية خليفته. وبعد هذا يبارح الموكب المصلى، فيعود الخليفة وحده بطريق الشارع المشرف على دجلة، ويواكبه عاماء المسلمين في قوارب تمخر مياه النهر حتى يدخل الخليفة قصره، وقد جرت العادة أن تكون عودة الخليفة بغير الطريق التي خرج منها، ويقوم الحراس طوال أيام السنة على منع الناس من وطء موضع أقدام الخليفة(4)، والخليفة لا يبارح قصره إ العام القابل، وهو عايم التقو والصلاح. (4) هذه مبالغة ورواية غريبة خيالية لم يذكرها أحد من المؤرخين المسلم
عدد الصفحات ٣٦١vvvvvvvvvvvvvvvv 362 ويقوم على البانب الغربي من مدينة بغداد، بين نهر دجلة ونهر آخر يأتي من الفرات بناء المارستان، وهو مبموعة من البنايات الواسعة، يأوي إليها المعوزون من المرضى رغبة في الشفاء، ولهذا المارستان قوامون من الأطباء يبلغ عددهم الستين طبيبا، يعالبون المرضى ويطبخون لهم الأدوية، والخليفة يبهزهم بما يحتاجون إليه من بيت المال. وفيها أيوا بناية تدعى دار المارستان يأو إليها المبانين المغلوبون على عقولهم بتأثير حر القيظ الشديد! والأطباء يقيدونهم بالأغلال حتى يثوبوا إلى سابق رشدهم، ويعيشون مدة مكوثهم فيها بنفقة الخليفة، ويقوم أطباء الخليفة بتفقدهم مرة في كل شهر، فيسرحون من عاد إلى الصواب منهم ليعود إلى أهله، وتشمل خيرات الخليفة كل من أم بغداد من المرضى والمباذيب، فالخليفة جزيل الإحسان، همه عمل الخير. ويقيم ببغداد نحو أربعين ألف يهودي، وهم يعيشون بأمان وعز ورفاهة في لل أمير المؤمنين الخليفة، وبينهم عدد من كبار العلماء ورؤساء المثيبة وعلماء الدين، ولهم في بغداد عشر مدارس مهمة، أما رئيس هؤلا ء العلماء جميعهم، فهو الرابي دانيال بن حسداي الملقب سيدنا رأس البالوت، ويسميه المسلمون سيدنا ابن داود، لأن بيده وثيقة تثبت انتهاء نسبه إلى الملك داود، وهو يستمد سلطانه من كتاب عهد يوجه إليه من الخليفة أمير المؤمنين عملا بالشرع المحمدي، وينتقل هذا المنصب إلى ذريته بالوراثة، وعند نصب الرئيس يمنحه الخليفة ختم الرئاسة على أبناء ملته كافة. وتقضي التقاليد المرعية بين اليهود والمسلمين وسائر أبناء الرعية بالنهوض أمام رأس البالوت وتحيته عند مروره بهم (4)، ومن خالف ذلك عوقب بضربه مائة جلده، وعندما (4) لم يذكر أحد مثل هذه الرواية فقد يكون القيام من شأن أهل ملته له لا من شأن المسلمين، فهذا غ مشروع ولا معروف!
عدد الصفحات ٣٦٢vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 363 يخرج رأس البالوت قابلة الخليفة يسير معه الفرسان من اليهود والمسلمين، ويتقدم الموكب مناد ينادي بالناس: اعملوا الطريق لسيدنا ابن داود، ويكون الرئيس ممتطيا صهوة جواده وعليه حلة من حرير مقصب، وعلى رأسه عمامة كبيرة تتدلى منها قطعة قماش مربوطة بسلسلة منقوش عليها شعار الخليفة، وعندما يمثل في حضرة الخليفة يبادر إلى لثم يده، وعندئذ ينهض الخليفة وينهض معه الحباب ورجال الحاشية، فيبلس الرئيس فوق كرسي مخصص لبلوسه قبالة الخليفة. ويسري نفوذ رأس البالوت على جميع طوائف اليهود المنتشرة في شنعار (العراق)، وبلاد خراسان، وسبأ (اليمن)، وبلاد ما بين النهرين (البزيرة)، وجبال أراراط (أرمينية)، وبلاد اللان المحوطة بالببال الشاهقة والتي لا ينفذ إليها سو من الأبواب الحديد التي شيدها الإسكندر فتهدمت من بعده ، وطوائف اليهود المنتشرين في سبيرية، وبلاد التوغرميم (التركمان)، وبلاد كرجستان (جورجية)، حتى شواط ئ نهر جيحون، وحدود سمرقند، وبلد الطيبات (التبت) وديار الهند، ففي هذه الأقطار كلها لا يعين الرابيون والحزانون إلا بمعرفة رأس البالوت. وهم يشخصون إلى بغداد بعد نصبهم لمقابلة الرئيس، ويحملون إليه الهدايا والعطايا من أقصى المعمور، ويمتلك الرئيس العقارات الواسعة والمزارع والبساتين في جميع أنحاء بابل (العراق)، وأكثرها مما ورثه عن أجداده. وأملاكه هذه مصونة، ليس من حق أحد أن ينتزعها منه، وله إيراد سنوي عايم من الفنادق والأسواق والمتاجر عدا الهدايا التي تتوارد عليه من البلدان القصية، فهو على ذلك واسع الثروة، وعلى جانب عايم من الحكمة والفقه بأحكام التوراة والتلمود. ويبري الاحتفال بنصب رأس البالوت البديد بمهرجان مشهور، إذ يبعث إليه الخليفة بإحد ركائبه الملوكية فيتوجه إلى قصر الخلافة، وفي ركابه الأمراء والنبلاء، ومعه الهدايا
عدد الصفحات ٣٦٣vvvvvvvvvvvvvvvv 364 والتحف النفيسة للخليفة ورجال قصره، وعندما يمثل بين يدي الخليفة يتسلم منه كتاب العهد، ثم يوع أمير المؤمنين يده على رأس الرئيس البديد، ومن ثم يعود إلى داره بموكبه الخاص وحوله البماهير الغفيرة، وتنفخ أمامه البوقات وتقرع الطبول، وبعدها يحتفل بتبديد نصب رؤساء المثيبة بأن يوع الرئيس الأكري يده على رأس كل منهم).(4) 24- خلافة الراشد با المنصور بن الفضل بن المسترشد العباسي: وهو الخليفة العباسي الثلاثون، بويع بعهد من أبيه بعد قتل أبيه على يد الباطنية سنة 529 ه،قال ابن الأثير: (وكان أبوه له البيعة بعد قتله يوم الاثنين السابع والعشرين من ذي القعدة، وكتب السلطان مسعود إلى بك آبه الشحنة ببغداد، يبايع له وحضر الناس البيعة، وبايع له أبو النبيب ووعاه، وبالغ في الموعاة) (2) .(وقام ببيعته السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه السلبوقي، وكتب بذلك إلى بغداد فبويع له بها، وحضر بيعته أحد وعشرون رجلا من أولاد الخلفاء). (3) فأقام في الخلافة نحو سنتين، ثم خلع سنة 532ه، لما اختلف مع السلطان مسعود السلبوقي، فأخرج مسعود كتابًا بخط الخليفة فيه أنه متى عاد السلطان فقد خلع نفسه من الخلافة، فأفتى بعض القواة والفقهاء بخلعه بحسب الشرط.(4) (4) رحلة بنيامين التطيلي ص295 – 299. (2) الكامل في التاريخ (9 /65) (3) مآثر2 /32. (4) البداية42/225.
عدد الصفحات ٣٦٤vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 365 وفي استاهار السلطان مسعود واحتباجه بالعقد والشهود على ما بينه وبين الخليفة الراشد؛ أوضح دليل على رسوخ ناام الخلافة الدستوري، كما تقرر عند الفقهاء والقواة، وما يبوز فيه من الشروط على الخليفة، ووجوب التزامه بها شرعا، وإلا جاز خلعه، بموجب العقد؛ فلم يكن الخليفة الراشد فوق الشرع والناام، ولا فوق القواة والأحكام، ولا السلطان مسعود مع قوة شوكته بقادر على تباوز صلاحيته إلا بالاستاهار بالعقود والشروط؛ ما يؤكد طبيعة هذا الناام الدستوري الراسخ الذي كان سببا في اس تقرار الخلافة العباسية خمسة قرون في بغداد، ثم ثلا ثة قرون في مصر، لا بقوة الخلفاء من بني العباس، بل بقوة أساس ناام الخلافة ورضا الأمة به، وحمايتها له، هذا الناام الذي حل مبكرا -ومنذ أول خليفة عباسي- أزمة الاستبداد السياسي، بتوزيع الصلاحيات، وتقاسم السلطة، بين الخليفة والوزير، ثم الخليفة والسلطان، وأخوع اخ تيار الخليفة وبي عته وخلعه للأمة بواسطة رجال الدولة من الوزراء والقواة والفقهاء وقادة البيش وأمراء الأقاليم؛ بما خفف فعلا من لاهرة الاستبداد بالسلطة، أو الاستئثار بالمال، وفرض رقابة من الأمة وأهل الحل والعقد فيها على ممارسات الخليفة والسلطان معا! وكان الخليفة الراشد قد اتفق مع عماد الدين زنكي أمير الموصل وغيره من أمراء الأقاليم على خلاف السلطان مسعود السلبوقي، وطاعة داود بن السلطان محمود السلبوقي، فبلغ الخري مسعودا؛ فسار من أصبهان إلى بغداد وحاصرها خمسين يوما، فرجع السلطان داود بن محمود إلى بلده أذربيبان، ور حل الخليفة الراشد مع عماد الدين زنكي إلى الموصل، فدخل مسعود بغداد (وجمع القواة وكبار بغداد فأجمعوا على خلع الراشد، بسبب أنه عاهد السلطان مسعود على ألا يقاتله ومتى خالف ذلك فقد خلع نفسه، ونسبت إليه أمور منكرة ارتكبها فحُ كم بفسقه وكُ تب محضر بخلعه، وجُهز إلى عماد الدين زنكي بالموصل –وكان قاضي القواة عنده بالموصل– فأثبت على قاضي الموصل، وفارق الراشد زنكي،
عدد الصفحات ٣٦٥vvvvvvvvvvvvvvvv 366 وسار من الموصل إلى مراغة، واجتمع بالسلطان داود بن محمود وملوك تلك النواحي، فاتفقوا على خلاف السلطان مسعود وقتاله، وإعادة الراشد إلى الخلافة، وأقام الراشد بهمذان، فسار السلطان مسعود إلى السلطان داود، وكانت بينهما حروب انهزم فيها داود ورجع على فارس، وسار الراشد إلى أصفهان للإقامة بها، فوثب عليه بعض الخراسانيين الذين في خدمته فقتلو ه).(4) قال أبو شامةوفي سنة ثلاثين وخمسمائة سار الراشد إلى الموصل صحبة زنكي ملتبئا إليه، وذلك أن جماعة حسنوا له الخروج من بغداد لمحاربة السلطان مسعود؛ فأجابهم إلى ذلك، ولهر منه تنقل في الأحوال وتلون في الآراء، وقبض على جماعة من أعيان أصحابه وخافه الباقون، وتقدم السلطان مسعود وحصر بغداد واستاهر عليها، فخرج الراشد ملتبئا إلى زنكي فسار به إلى الموصل، ودخل مسعود بغداد وأمر بخلع الراشد ومبايعة عمه أبي عبد لله محمد ابن المستاهر بالله، ففعل ذلك ولُ قّ ب المقتفي لأمر الله). (2) وقد وصف الذهبي الخليفة الراشد بالعدل وحسن السيرة، أيام ولايته، قبل خلعه، فقال : (وكان حسن السيرة، مؤثرا للعدل، فصيحا عذب العبارة، أديبا، شاعرا، جوادا، لم تطل أيامه حتى خرج إلى الموصل، ثم إلى أذربيبان، وعاد إلى أصبهان، فأقام على بابها مع السلطان داود، محاصرا لها، فقتلته الملاحدة هناك، وكان بعد خروجه من بغداد مبيء السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه، فاجتمع بالأعيان، وخلعوا الراشد، وبايعوا عمه المقتفي.. (4) مآثر2/32. (2) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 4 /422
عدد الصفحات ٣٦٦vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv ٧ قال أبو الحسن البيهقي في "وشاح دمية القصر": الراشد بالله أعطاه الله مع الخلافة صورة يوسفية، وسيرة عمرية. قال ابن ناصر: بقي الأمر للراشد سنة، ثم دخل مسعود، وفي صحبته أصحاب المسترشد الوزير علي بن طراد، وصاحب المخزن ابن طلحة، وكاتب الإن شاء ابن الأنباري، وخرج الراشد مع غلمان داره طالبا الموصل صحبة زنكي، فأحضر القواة والشهود والعلماء عند الوزير أبي القاسم علي، وكتبوا محضرا فيه شهادة العدول بما جر من الراشد من الالم، وأخذ الأموال، وسفك الدماء، وشرب الخمر، واستفتي الفقهاء فيمن فعل ذلك، هل ت صح إمامته؟ وهل إذا ثبت فسقه بذلك يبوز لسلطان الوقت أن يخلعه ويستبدل به؟ فأفتوا ببواز خلعه، والاستبدال به، فوقع الاختيار مع الغد بحوور مسعود وأمرائه في دار الخلافة على عمه أبي عبد الله محمد ابن المستاهر بالله ولقبوه بالمقتفي، و له أربعون سنة)(4). ثم قال الذهبي نافيا ما اُتهم به الراشد من البور والفسق: (قلت: لما استخلف الراشد، بعث إليه السلطان مسعود يتعنته، ويطلب منه ذهبا كثيرا، ثم قدم الأتابك زنكي وغيره، فحسنوا له القتال لمسعود، وكان شباعا، فخافوه، ثم تغير عليه زنكي فقدم الملك داود بن محمود إلى الراشد، وقصدوا السلطان مسعودا، فسار مسعود من جهة أخر ، فنازل بغداد يحاصرها، ونهب عسكره واسط والنعمانية، وتملك بغداد. وقيل: إنه أخرج خط الراشد يقول: إني متى عسكرت أو خرجت، انعزلت، وبالغ علي بن طراد الوزير في ذم الراشد، وخوف القواة من غائلته ومن جوره، فحكم القاضي ابن الكرخي بخلعه، وعاش ثلاثين سنة، رحمه الله وسامحه). (4) سير الأعلام 49 /569
عدد الصفحات ٣٦٧vvvvvvvvvvvvvvvv 362 26- خلافةالمقتفي لأمر الله بن المستظهر بالله بن المقتدي بأمر الله: وهو محمد بن المستاهر بالله بن المقتدي بأمر الله، بويع يوم خلع ابن أخيه الراشد سنة 532ه، فأقام 25 سنة خليفة، وتوفي سنة555ه، (وهو الذي كتب العهد إلى نور الدين زنكي الشهيد بأخذ مصر).(4) وقد (كان حسن السيرة، بويع له بالخلافة ببغداد، بعد وصول السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه وتحالفا، وأحضر السلطان الأمراء والقواة وأرباب المناصب فبايعوه). (2) وقد كان الخليفة المقتفي عالما صلاحا زاهدا، ممن جدد معالم الخلاف ة، وأحيا السنن الراشدة، وأقام العدل، قال الذهبي عنه: (كان المقتفي عاقلا لبيبا، عاملا مهيبا، صارما، جوادا، محبا للحديث والعلم، مكرما لأهله، وكان حميد السيرة، يرجع إلى تدين وحسن سياسة، جدد معالم الخلافة، وباشر المهمات بنفسه، وغزا في جيوشه. قال أبو طالب بن عبد السميع: كانت أيامه نضرة بالعدل، زهرة بالخير، وكان على قدم من العبادة قبل الخلافة ومعها، ولم ير مع لينه بعد المعتصم مثله في شهامته، مع الزهد والورع، ولم تزل جيوشه منصورة. قلت: وكان من حسناته وزيره عون الدين بن هبيرة وقيل: كان لا يبري في دولته شيء إلا بتوقيعه.. وكان أسمر آدم، مبدور الوجه، مليح الشيبة، أقام حشمة الخلافة، وقطع عنها أطماع السلاطين السلبوقية وغيرهم، وكان من سلاطين خلافته : صاحب خراسان سنبر بن ملكشاه، والملك نور الدين صاحب الشام، وأبوه قسيم الدولة.. (4) نزهة النالرين ص2. (2) مآثر2 /36.
عدد الصفحات ٣٦٨vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 369 وكان قد قدم بغداد السلطان مسعود السلبوقي، وذهب الراشد من بغداد، فاجتمع القواة والكرياء، وخلعوا الراشد كما ذكرنا لعدم أهليته، وحكم بخلعه ابن الكرخي القاضي، وبايعوا عمه المقتفي)(4). وفي سنة535 ه أرسل السلطان سنبر الريدة والقويب النبوي–شعار الخلافة- الذين أخذهما من المسترشد، فأعيدا للمقتفي (واستقل بالأمر دون سلطان معه، وكان يبذل الأموال العايمة لأصحاب الأخبار في جميع البلاد حتى لا يفوته شيء من أخبارها). (2) قال الصفدي عن المقتفي لأمر الله :(كان من سروات الخلفاء عالما، دينا، شباعا، حليما، دمث الأخلاق، كامل الس ؤ دد، قليل المثل في الخلفاء، لا يبري في دولته أمر و إن صغر إلا بتوقيعه)(3). وفي عهده: كان على مصر الاافر العبيدي، ثم بعد قتله، كان ولده الفائز عيسى وعم ره خمس سنين، فأقام نحو ٧ سنين، ومات سنة 555ه (وبدولته ضعف أمر المصريين فكتب الخليفة المقتفي عهدا لنور الدين محمود بن زنكي، وولاه مصر، وأمره بالمسير إ ليها).(4) وفي سنة554ه توفي السلطان محمد بن محمود بن محمد بن ملكشاه السلبوقي بهمذان، فتولى بعده عمه سليمان بن محمد بن ملكشاه، فخُ لع لفبوره، وتولى بعده أرسلان شاه بن طغرل بن محمد بن ملكشاه، وخطب له، (فأرسل إلى بغداد ليخطب له فيها بالسلطنة على (4) سير الأعلام 22 /422. (2) مآثر2 /٧. (3) الوافي في الوفيات 2 /62 (4) نزهة النالرين ص424.
عدد الصفحات ٣٦٩vvvvvvvvvvvvvvvv 2 عادة الملوك السلبوقية فلم يبب إلى ذلك وبقيت الخطبة في بغداد للخليفة وحده وبقي الأمر على ذلك إلى وفاة المقتفي).(4) وفي سنة555ه توفي الخليفة العباسي الحادي والثلاثون: المقتفي بأمر الله محمد بن المستاهر، وكانت مدة خلافته خمسا وعشرين سنة، وكان شهما شباعًا، يباشر الأمور بنفسه، ويشاهد الحروب، ويبذل الأموال، وهو أول من استبد بالعراق منفردًا عن السلطان من أول أيام الديلم إلى أيامه، وتمكن من الخلافة، وحكم على العسكر والأمراء .(2) وكان على خراسان السلطان سنبر بن ملكشاه السلبوقي وتوفي سنة552 ه، في مرو، وكان (خطب له على أكثر منابر الإسلام بالسلطنة أربعين سنة، وكان قبلها يخاطب بالملك عشرين سنة).(3) وفي هذا دلالة على التراتبية في نظام الخلافة العباسية، حيث يأتي الخليفة وهو أعلى سلطة في الدولة، ثم دونه السلطان الذي يفو ضه الخليفة تفويضا عاما، ثم دونه الملك الذي ينوب عن الخليفة على مصر محدد، ويتولى إمارة إقليم من أقاليم الدولة، فليس لقب الملك في الإسلام ذا دلالة على استقلال للملك فيه عن الخلافة والسلطة المركزية، ولا للإقليم عن الدولة، بل هو أدل على التبعية والتراتبية في نظام الخلافة العباسية في هذا العصر. (4) مآثر2 /39. (2) تاريخ ابن كث42/259. (3) مآثر2 /42.
عدد الصفحات ٣٧٠