المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الجزء الثاني من كـتاب عودة الخلافة

غير معروف

صفحة ٢٢ من ٤٢

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 339 مواجهة السلاجقة الأتراك الحملات الصليبية في المشرق ومعركة ملاذكرد سنة 212 هـ: وكما كان للحملات الصليبية أثر سياسي كبير في إعادة المغرب والأندلس إلى سلطان الخلافة، ووحدة الأمة ، ويقاة الأمراء ، واستئناف البهاد؛ كان لها الأثر السياسي نفسه في المشرق؛ كما قال ابن الأثير: (في هذه السنة خرج أرمانوس ملك الروم في مائتي ألف من الروم، والفرنج، والبلغر، والروس، والببناك، والكرج، وغيرهم، من طوائف تلك البلاد، فباؤوا في تبمل كثير، وزي عايم، وقصد بلاد الإسلام، فوصل إلى ملازكرد من أعمال خلاط. فبلغ السلطان ألب أرسلان الخري، وهو بمدينة خوي من أذربيبان، قد عاد من حلب، وسمع ما هو ملك الروم فيه من كثرة البموع، فلم يتمكن من جمع العساكر لبعدها وقرب العدو، فسير الأثقال مع زوجته وناام الملك إلى همذان، وسار هو فيمن عنده من العساكر، وهم خمسة عشر ألف فارس. وجد في السير، وقال لهم: أنني أقاتل محتسبً ا صابرً ا، فإن سلمت فنعمة من الله تعالى، وإن كانت الشهادة فإن ابني ملكشاه وي عهدي، وساروا. فلما قارب العدو جعل له مقدمة، فصادفت مقدمته، عند خلاط، مقدم الروسية في نحو عشرة آلاف من الروم، فاقتتلوا، فانهزمت الروسية، وأسر مقدمهم، وحمل إلى السلطان، فبدع أنفه، وأنفذ بالسلب إلى ناام الملك، وأمره أن يرسله إلى بغداد، فلما تقارب العسكران أرسل السلطان إلى ملك الروم يطلب منه المهادنة، فقال: لا هدنة إلا بالري، فانزعج السلطان لذلك، فقال له إمامه وفقيهه أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري، الحنفي: إنك تقاتل عن دين وعد الله بنصره وإلهاره على سائر الأديان، وأرجو أن يكون الله تعالى قد كتب باسمك هذا الفتح، فالقهم يوم البمعة، بعد الزوال، في الساعة التي تكون الخطباء على المنابر، فإنهم يدعون للمباهدين بالنصر، والدعاء مقرون بالإجابة.

عدد الصفحات ٣٣٩

vvvvvvvvvvvvvvvv 342 فلما كانت تلك الساعة صلى بهم، وبكى السلطان، فبكى الناس لبكائه، ودعا ودعوا معه، وقال لهم: من أراد الانصراف فلينصرف، فما هاهنا سلطان يأمر وينهى، وألقى القوس والنشاب، وأخذ السيف والدبوس، وعقد ذنب فرسه بيده، وفعل عسكره مثله، ولبس البياض، وتحنط، وقال: إن قتلت فهذا كفني، وزحف إلى الروم، وزحفوا إليه، فلما قاربهم ترجل وعفر وجهه على التر اب، وبكى، وأكثر الدعاء، ثم ركب وحمل وحملت العساكر معه، فحصل المسلمون في وسطهم وحبز الغبار بينهم، فقتل المسلمون فيهم كيف شاؤوا، وأنزل الله نصره عليهم، فانهزم الروم، وقتل منهم ما لا يحصى، حتى امتلأت الأرض ببثث القتلى، وأسر ملك الروم، أسره بعض غلمان كوهارائين، أراد قتله ولم يعرفه، فقال له خادم مع الملك: لاتقتله، فإنه الملك. وكان هذا الغلام قد عرضه كوهرائين على ناام الملك، فرده استحقارً ا له، فأثنى عليه كوهرائين، فقال ناام الملك: عسى أن يأتينا بملك الروم أسيرً ا، فكان كذلك. فلما أسر الغلام الملك أحضره عند كوهرائ ين، فقصد السلطان وأخريه بأسر الملك، فأمر بإحواره، فلما أحضر ضربه السلطان ألب أرسلان ثلاث مقارع بيده وقال له: ألم أرسل إليك في الهدنة فأبيت؟ فقال: دعني من التوبيخ، وافعل ما تريد! فقال: ما عزمت أن تفعل بي إن أسرتني؟ فقال: أفعل القبيح. قال له: فما تان أنني أفعل بك؟ قال: إما أن تقتلني، وإما أن تشهرني في بلاد الإسلام، والأخر بعيدة، وهي العفو، وقبول الأموال، واصطناعي نائبً ا عنك. قال: ما عزمت على غير هذا. ففداه بألف ألف دينار وخمس مائة ألف دينار، وأن يرسل إليه عساكر الروم أي وقت طلبها، وأن يطلق كل أسير في بلاد الروم، واستقر الأمر على ذلك، وأنزله في خيمة، وأرسل إليه عشرة آلاف دينار يتبهز بها، فأطلق له جماعة من البطارقة، وخلع عليه من الغد، فقال ملك الروم: أين جهة الخليفة؟ فدل عليها، فقام وكشف رأسه وأومأ إلى الأرض

عدد الصفحات ٣٤٠

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 344 بالخدمة، وهادنه السلطان خمسين سنة، وسيره إلى بلاده، وسير معه عسكرً ا أوصلوه إلى مأمنه، وشيعه السلطان فرسخً ا. وأما الروم فلما بلغهم خري الوقعة وثب ميخائيل على المملكة فملك البلاد، فلما وصل أرمانوس الملك إلى قلعة دوقية بلغه الخري، فلبس الصوف وألهر الزهد، وأرسل إلى ميخائيل يعرفه ما تقرر مع السلطان، وقال: إن شئت أن تفعل ما استقر، وإن شئت أمسكت، فأجابه ميخائيل بإيثار ما استقر، وطلب وساطته، وسؤال السلطان في ذلك. وجمع أرمانوس ما عنده من المال فكان مائتي ألف دينار، فأرسله إلى السلطان، وطبق ذهب عليه جواهر بتسعين ألف دينار، وحلف له أنه لا يقدر على غير ذلك، ثم إن أرمانوس استولى على أعمال الأرمن وبلادهم. ومدح الشعراء السلطان، وذكروا هذا الفتح، فأكثروا). (4) (4) الكامل في التاريخ4 /292)

عدد الصفحات ٣٤١

vvvvvvvvvvvvvvvv 342 النهضة العامة في القرن الخامس الهجري لقد ثبت بالاستقراء لتاريخ أمة الإسلام، أن نهوتها ولهورها وسيادتها ؛ كل ذلك مرهون بوحدتها، وإقامتها لشريعته، والعدل الذي ج اء به، وإحياء سنن الخلفاء الراشدين، وجهادها في سبيل الله، وأنه بقدر هذا الاتباع والالتزام ؛ يكون الاهور والنصر . وكلما ضعف اتباعها للشرع والعدل في شئونها السياسية والمالية والقوائية ؛ ضعفت دولتها وخلافتها! وهذا ما أدركه ابن تيمية حيث يقول عن أثر ترك السنن الر اشدة في سياسة الأمة، وتراجع نفوذ الخلافة والوزارة أمام نفوذ السلطنة وإمارة البيش: (وتبد الإسلام والإيمان كلما لهر وقوي كانت السنة وأهلها ألهر وأقو ، وإن لهر شيء من الكفر والنفاق لهرت البدع بحسب ذلك، مثل: دولة المهدي، والرشيد، ونحوهما ممن كان يعام الإسلام و الإي مان، ويغزو أعداءه من الكفار والمنافقين، كان أهل السنة في تلك الأيام أقو وأكثر ، وأهل البدع أذل وأقل، فإن المهدي قتل من المنافقين الزنادقة من لا يحصي عدده إلا الله، والرشيد كان كثير الغزو والحج، وذلك أنه لما انتشرت الدولة العباسية وكان في أنصارها من أهل المشرق والأعاجم طوائف من الذين نعتهم النبي ﷺ حيث قال: "الفتنة هاهنا"؛ لهر حينئذ كثير من البدع، وعربت أيوا إذ ذاك طائفة من كتب الأعاجم، من المبوس الفرس والصابئين الروم والمشركين الهند.. وكان المهدي من خيار خلفاء بني العباس، وأحسنهم إيمانا وعدلا وجودا... وكان خلفاء بني العباس أحسن تعاهدا للصلوات في أوقاتها من بني أمية، فإن أولئك كانوا كثير الإضاعة لمواقيت الصلاة، كما جاءت فيهم الأحاديث: "سيكون بعدي أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها فصلوا الصلاة لوقتها واجعلوا صلاتكم معهم نافلة".

عدد الصفحات ٣٤٢

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 343 لكن كانت البدع في القرون الثلاثة الفاضلة مقموعة، وكانت الشريعة أعز وألهر، وكان القيام ببهاد أعداء الدين من الكافرين والمنافقين أعام. وفي دولة "أبي العباس المأمون" لهر "الخرمية" ونحوهم من المنافقين، وعرّب من كتب الأوائل المبلوبة من بلاد الروم ما انتشر بسببه مقالات الصابئين، وراسل ملوك المشر كين من الهند ونحوهم حتى صار بينه وبينهم مودة، فلما لهر ما لهر من الكفر والنفاق في المسلمين، وقوي ما قوي من حال المشركين وأهل الكتاب؛ كان من أثر ذلك: ما لهر من استيلاء البهمية ، والرافوة، وغيرهم من أهل الولال، وتقريب الصابئة ونحوهم من المتفلسفة، وذلك بنوع رأي يحسبه صاحبه عقلا وعدلا! وإنما هو جهل وللم، إذ التسوية بين: المؤمن والمنافق، والمسلم والكافر؛ أعام الالم، وطلب الهد عند أهل الولال؛ أعام البهل؛ فتولد من ذلك محنة البهمية حتى امتحنت الأمة بنفي الصفات والتكذيب بكلام الله ورؤيته، وجر من محنة الإمام أحمد وغ يره ما جر مما يطول وصفه. وكان في أيام "المتوكل" قد عزّ الإسلام حتى ألزم أهل الذمة بالشروط العمرية؛ وألزموا الصغار، فعزت السنة والبماعة وقمعت البهمية والرافوة ونحوهم. وكذلك في أيام المعتود، والمهدي، والقادر، وغيرهم من الخلفاء الذين كانوا أحمد سيرة وأحسن طريقة من غيرهم. وكان الإسلام في زمنهم أعز وكانت السنة بحسب ذلك. وفي دولة "بني بويه" ونحوهم: الأمر بالعكس، فإنهم كان فيهم أصناف المذاهب المذمومة: قوم منهم زنادقة، وفيهم قرامطة كثيرة، ومتفلسفة، ومعتزلة، ورافوة، وهذه الأشياء كثيرة فيهم غالبة عليهم، فحصل في أهل الإسلام والسنة في أيامهم من الوهن ما لم يعرف حتى استولى النصار على ثغور الإسلام، وانتشرت القرامطة في أرض مصر والمغرب والمشرق وغير ذلك، وجرت حوادث كثيرة.

عدد الصفحات ٣٤٣

vvvvvvvvvvvvvvvv 344 ولما كانت مملكة محمود بن سبكتكين من أحسن ممالك بني جنسه: كان الإسلام والسنة في مملكته أعز، فإنه غزا المشركين من أهل الهند، ونشر من العدل ما لم ينشره مثله، فكانت السنة في أيامه لاهرة، والبدع في أيامه مقموعة. وكذلك السلطان "نور الدين محمود" الذي كان بالشام؛ عز أهل الإسلام والسنة في زمنه، وذل الكفار وأهل البدع ممن كان بالشام ومصر وغيرهما من الرافوة والبهمية ونحوهم. وكذلك ما كان في زمنه من خلافة بني العباس، ووزارة ابن هبيرة لهم، فإنه كان من أمثل وزراء الإسلام، ولهذا كان له من العناية بالإسلام والحديث ما ليس لغيره ).(4) وقال أيوا عن التحول الذي طرأ على الناام السياسي: (وأما من بعد الخلفاء الراشدين فلهم في تفاصيل قبض الأموال وصرفها طرق متنوعة: منها ما هو حق منصوص موافق للكتاب والسنة والخلفاء الراشدين. ومنها ما هو اجتهاد يسوغ بين العلماء، وقد يسقط الوجوب بأعذار، ويباح المحاور بأسباب، وليس هذا موضع تفصيل ذلك. ومنها ما هو اجتهاد، لكن صدوره لعدوان من المبتهد وتقصير منه، شاب الرأي فيه الهو ، فاجتمعت فيه حسنة وسيئة. وهذا النوع كثير جدا. ومنه ما هو معصية محوة لا شبهة فيه بترك واجب أو فعل محرم. وهذه الأنواع الأربعة موجودة في عامة تصرفاتهم من الحكم والقسم والعقوبات وغير ذلك، إما أن يوافق سنة الخلفاء، أو لا يوافق، والذي لا يوافق إما أن يكون معذورا فيه كعذر (4) مبموع الفتاو4 /22)

عدد الصفحات ٣٤٤

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 345 العلماء المبتهدين، أو لا يكون كذلك، والذي لا يكون معذورا فيه عذرا شرعيا، إما أن يكون فيه شبهة واجتهاد مع التقصير والعدوان، أو لا يكون فيه شبهة ولا تأويل. ولم أعلم أن في الدولة الأموية وصدر الدولة العباسية ولفوا على الن اس ولائفائب تؤخذ منهم غير الولائف التي هي مشروعة في الأصل، وإن كان التغيير قد وقع في أنواعها وصفاتها ومصارفها، نعم كان السواد مخارجة عليه الخراج العمري، فلما كان في دولة المنصور -فيما ألن- نقله إلى المقاسمة، وجعل المقاسمة تعدل المخارجة كما فعل النبي ﷺ بخيري. وهذا من الاجتهادات السائغة. وأما استئثار ولاة الأمور بالأموال والمحاباة بها فهذا قديم.. (4) وكان الخلفاء هم المطاعين في أمر الحرب والقتال وأمر الخراج والأموال، ولهم عمال ونواب على الحروب، وعمال ونواب على الأموال، ويسمون هذه ولاية الحرب، وهذه ولاية ا لخراج. ووزراؤهم الكبار ينوبون عنهم في الأمرين إلى أثناء الدولة العباسية بعد المئة الثالثة، فإنه ضعف أمر خلافة بني العباس وأمر وزرائهم بأسباب جرت، وضيعت بعض الأموال، وعصى عليهم قوم من النواحي، بتفريط جر في الرجال والأموال، فذكر ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة فيما علمته من "التاريخ" أنه في سنة أربع وعشرين وثلاث مئة: فو ض الراضي الخليفة الإمارة، ورئاسة البيش، وأعمال الخراج، وتدبير سائر المملكة، إلى مقدم اسمه محمد بن رائق، وجعله أمير الأمراء ، وأمر بأن يخطب له على سائر منابر المملكة، ولم يكن قبل ذلك شيء من ذلك. (4) جامع المسائل5 /394)

عدد الصفحات ٣٤٥

vvvvvvvvvvvvvvvv 346 قال: وبطل قبل ذلك أمر الوزارة، فلم يكن الوزير ينار في شيء من النواحي، ولا الدواوين، ولا كان له اسم غير اسم الوزارة فقط، وأن يحضر في أيام المواكب دار السلطان بسواد وسيف ومنطقة، ويقف ساكنا. وصار ابن رائق وكاتبه يناران فيما كان الوزراء ينارون فيه، وكذلك كل من ت قلد الإمارة بعد ابن رائق، وصارت أموال النواحي تحمل إلى خزائن الأمراء، فيأمرون فيها، وينفقون منها، ويطلقون لنفقات السلطان ما يريدون، وبطلت بيوت الأموال. ثم إنه بعد ذلك حدثت دولة بني بويه الأعاجم، وغلبوا على الخلافة، وازداد الأمر عما كان عليه، وبقوا قريبا من مئة عام إلى بعد المئة الرابعة بنحو من ثلاثين سنة أو نحوها حدثت دولة السلاجقة الأتراك، وغلبوا على الخلافة أيوا. وكان أحيانا تقو دولة بني العباس بحسن تدبير وزرائهم -كما جر في وزارة ابن هبيرة- بما يفعلونه من العدل، واتباع الشريعة، وينهوون به من البهاد ، وكا ن ملوك النواحي يعطونهم السكة والخطبة وطاعة يسيرة تشبه قبول الشفاعة، فأما الولايات، وإمارة الحروب، وجباية الأموال وإنفاقها، فكانوا خارجين فيه عن أمر الخلفاء. وكانت سيرة الملوك تختلف، فمنهم العدل المتبع للشريعة ذو القوة والأمانة، المقيم للبهاد وللعدل، كنور الدين محمود بن زنكي بالشام والبزيرة ومصر. ومنهم الملك المسلم المعام لأمر الله ورسوله، كصلاح الدين ومنهم غير ذلك أقسام يطول شرحها. وهكذا هم في وضع الولائف، فمن الملوك والوزراء من يسرف فيها وضعا وجباية؛ ومنهم من يستن بما فعل قبله، ويبري على العادة، فيبري هو والذي قبله على القسم الرابع؛ ومنهم من يبتهد في ذلك اجتهادا ملكيا يشبه القسم الثالث؛ ومنهم من يقصد اتباع الشريعة وإسقاط ما يخالفها، كما فعل نور الدين لما أسقط الكلف السلطانية المخالفة

عدد الصفحات ٣٤٦

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv ٧ للشريعة التي كانت توجد بالشام ومصر والبزيرة، وكانت أموالا عايمة جدا، وزاد الله الريكات، وفتح البلاد وقمع العدو بسبب عدله وإحسانه. ثم هذه الولائف السلطانية التي ليس لها أصل في سنة رسول الله ﷺ، وسنة خلفائه الراشدين، ولا ذكرها أهل العلم المصنفون للشريعة في كتب الفقه من الحديث والرأي، هي حرام عند المسلمين، حتى ذكر ابن حز م إجماع المسلمين على ذلك..(4) فبعض من وضع بعوها وضعه بتأويل واجتهاد علمي ديني، واتفق على ذلك الفتو والرأي من بعض علماء ذلك الوقت ووزرائه، فإنه لما قامت دولة السلاجقة ونصروا الخلافة العباسية، وأعادوا الخليفة القائم إلى بغداد، بعد أن كان أمراء مصر من أهل البدع أولئك الروافض قد قهروه وأخرجوه عن بغداد، وألهروا شعار البدع في بلاد الإسلام، وهي التي تسمى فتنة البساسيري في نصف المئة الخامسة حدثت أمور: منها: بناء المدارس والخوانق ووقف الوقوف عليها، وهي المدارس النااميات بالعراق وغيره، والرباطات كرباط شيخ الشيوخ وغير ذلك. ومنها: ذهاب الدولة الأموية من المغرب وانتقال الأمر إلى ملوك الطوائف. وصنف أبو المعاي البويني كتابا للناام سماه "غياث الأمم في التياث الالم"، وذكر فيه قاعدة في وضع الولائف عند الحاجة إليها للبهاد، فإن البهاد بالنفوس والأموال واجب، بل هو من أعام واجبات الدين، ولا يمكن حصول البهاد إلا بأموال تقام بها البيوش، إذ أكثر الناس لو تركوا باختيارهم لما جاهدوا لا بأنفسهم، ولا بأموالهم، وإن ترك جمع الأموال (4) جامع المسائل5 /392)

عدد الصفحات ٣٤٧

vvvvvvvvvvvvvvvv 342 وتحصيلها حتى يحدث فتق عايم من عدو أو خارجي كان تفريطا وتوييعا. فالرأي أن تبمع الأموال ويرصد للحاجة. وطريق ذلك أن تولف ولائف راتبة لا يحصل بها ضرر، ويحصل بها المصلحة المطلوبة من إقامة البهاد. والولائف الراتبة لابد أن تكون على الأمور العادية، فتارة ولفوها على المعاوضات والأملاك، مثل أن يوعوا على البائع والمشتري في الدواب والحبوب والثمار وسائر الأطعمة والثياب مقد ارا، إما على مقدار المبيع، وإما على مقدار الثمن، ويوعوا على البعالات والإجارات، ويوعوا على العقار من جنس الخراج الشرعي، وكان ما وضعوه تارة يشبه الزكاة المشروعة من كونه يوجد في العام على مقدار؛ وتارة يشبه الخراج الشرعي؛ وتارة يشبه ما يؤخذ من تبار أهل الذمة والحرب. ومنهم من يعتدي، فيوع على أثمان الخمور ومهور البغايا ونحو ذلك مما أصله محرم بإجماع المسلمين، ومنهم من يوع على أجور المغاني من الرجال والنساء، فإن الأثمان والأجور تارة تكون حلالا في نفسها، وإنما المحرم الالم فيها، كغالب الأثمان والأجور، وتارة تكون في نفسها حراما، كأثمان الخمور ومهور البغايا. وكان بعد موت الملك العادل بالشام قد وضعه ابنه ذلك على دار الخمر والفواحش، فبقي غير ممنوع من جهة السلطان، لما له عليه من الوليفة، وكان ذلك سنة خمس عشرة وست مئة. وفي ذلك الوقت لهرت دولة المغل جنكسخان بأرض المشرق، و استولى على أرض الإسلام ، ولهرت النصار بمصر في مملكة الأفرون، ولهرت بدع في العلماء والعباد، كبحوث ابن الخطيب، وجست العميدي، وتصوف ابن العربي، وخرقة اليونسية، وبعض الأحمدية والعدوية وغير ذلك.

عدد الصفحات ٣٤٨

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 349 وحقيقة الأمر في ذلك أن هذا من القسم الثالث أو الرابع، فإن هذا إذا صدر باجتهاد فهو في الأصل مشوب بهو ومقرون بتقصير أو عدوان، وإن التقصير أو العدوان صادر أيوا من أكثر الرعية، فإن كثيرا منهم أو أكثرهم لو تركوا لما أدوا الواجبات التي عليهم، من الزكوات الواجبة، والنفقات الواجبة، والبهاد الواجب بالأنفس والأموال، كما أنه صادر من كثير من الولاة أو أكثرهم، بما يقبوونه من الأموال بغير حق، ويصرفونه في غير مصرفه، ويتركون أيوا ما يبب من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فبمع هذه الأموال وصرفها هي من مسائل الفتن، مثل الحروب الواقعة بين الأمراء بآراء وأهواء، وهي مشتملة على طاعات ومعاصي، وحسنات وسيئات، وأمور مبتهد فيها تارة بهو ، وتارة بغير هو ، اجتهادا اعتقاديا أو عمليا، ناير الطرائق والمذاهب من الاعتقادات والفتاو والأحكام، وأنواع الزهادات والعبادات والأخلاق، وما في ذلك من مسائل النزاع بين أهل العلم والدين في الأصول والفروع والعبادات والأحوال، فإنها أيوا مشتملة على حسنات وسيئات، طاعات ومعاصي، وأمور مبتهد فيها تارة بهو ، وتارة بغير هو اجتهادا اعتقاديا أو عمليا..).(4) وقال ابن تيمية أيوا عن النهوة العلمية والسياسية التي حدثت في القرن الخامس الهبري بعد انتهاء فتنة الدولة العبيدية والفرق ال باطنية، وعودة الأمة للسنة واتباع الشريعة وإقامة البهاد : (ولهذا اهتم كثير من الملوك والعلماء بأمر الإسلام وجهاد أعدائه، حتى صاروا يلعنون الرافوة والبهمية وغيرهم على المنابر؛ حتى لعنوا كل طائفة رأوا فيها بدعة، فلعنوا الكلابية والأشعرية: كما كان في مملكة الأ مير "محمود بن سبكتكين"، وفي (4) جامع المسائل5 /392 - 396)

عدد الصفحات ٣٤٩

vvvvvvvvvvvvvvvv 352 دولة السلاجقة ابتداء، وكذلك الخليفة القادر؛ ربما اهتم بذلك، واستتاب المعتزلة، ورفعوا إليه أمر القاضي "أبي بكر" ونحوه، وهموا به حتى كان يختفي وإنما تستر بمذهب الإمام أحمد وموافقته. ثم وي الناام وسعوا في رفع اللعنة، واستفتوا من استفتوه من فقهاء العراق كالدامغاني الحنفي، وأبي إسحاق الشيرازي، وفتواهما حبة على من بخراسان من الحنفية والشافعية. وقد قيل: إن أبا إسحاق استعفى من ذلك فألزموه وأفتوا بأنه لا يبوز لعنتهم، ويعزر من يلعنهم. وعلل الدامغاني: بأنهم طائفة من المسلمين. وعلل أبو إسحاق - مع ذلك -: بأن لهم ذبا وردا على أهل البدع المخالفين للسنة. فلم يمكن المفتي أن يعلل رفع الذم إلا بموافقة السنة والحديث..).(4) وقال أيوا: (وكانت الرافوة والقرامطة علماؤها وأمراؤها قد استاهرت في أوائل الدولة السلبوقية حتى غلبت على الشام والعراق، وأخرجت الخليفة القائم ببغداد إلى تكريت، وحبسوه بها في فتنة البساسيري المشهورة، فباءت بعد ذلك السلبوقية حتى هزموهم وفتحوا الشام والعراق، وقهروهم بخراسان وحبروهم بمصر. وكان في وقتهم من الوزراء مثل: "ناام الملك"، ومن العلماء مثل: "أبي المعاي البويني" فصاروا بما يقيمونه من السنة ويردونه من بدعة هؤلاء ونحوهم لهم من المكانة عند الأمة بحسب ذلك..).(2) (4) مبموع الفتاو4 /45) (2) مبموع الفتاو4 /42)

عدد الصفحات ٣٥٠

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 354 شيوع العدل في الأمراءوالسلاطين في القرن الخامس: ومن هؤلاء : شرف الدولة مسلم بن قريش بن بدران العقيلي ، وكان السلطان ملكشاه السلبوقي قد رد إليه ملكه سنة ٧٧ ه (وكان ملكة من السندية بالعراق على نهر عيسى إلى منبج، وما بينهما من البلاد الفراتية كهيت والأنبار وغيرها، وملك الموصل وديار بكر والبزيرة بأسرها، وملك مدينة حلب، وكان عادلا حسن السيرة عايم السياسة).(4) ومنهم: الوزير ناام الملك، قال ابن الأثير عنه: (وفي عاشر رموان سنة خمس وثمانين قتل الوزير ناام الملك أبو علي الحسن بن علي ابن إسحق، قتله صبي ديلمي بعد الإفطار وقد تفرق عن طعامه الفقهاء والأمراء والفقراء وغيرهم من أصناف الناس؛ وحمل في محفة لنقرس كان به إلى خيمة الحرم فلقيه صبي ديلمي مسغيثا به فقربه منه ليسمع شكواه فقتله، وقُ تل الصبي أيوًا، فعدمت الدنيا واحدها الذي لم تر مثله، وكان تلك الليلة قد حكى له بعض الصالحين أنه رأ النبي ﷺ في المنام كانه أتاه وأخذه من محفته فتبعه؛ فاستبشر ناام الملك بذلك وألهر السرور به ، وقال: هذا أبغي وإياه أطلب وبلغ من الدنيا مبلغا عايما لم ينله غير ه، وكان عالما فقيها دينا خيرا متواضعا عادلا يحب أهل الدين ويكرمهم ويبزل صلاتهم، وكان أقرب الناس منه وأحبهم إليه العلماء، وكان ينالرهم في المحافل، ويبحث عن غوامض المسائل، لأنه اشتغل بالفقه في حال حداثته مدة. وأما صدقاته ووقوفه فلا حد عليها، ومدارسه في العالم مشهورة لم يخل بلد من شيء منها، حتى جزيرة ابن عمر التي هي في زاوية من الأرض لا يؤبه لها بنى فيها مدرسة كبيرة حسنة، وهي التي تعرف الآن الآن بمدرسة رضي الدين، وأعماله الحسنة وصنائعه البميلة مذكورة في التواريخ، لم يسبقه من كان قبله ولا أدركه من كان بعده. (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 4 /94

عدد الصفحات ٣٥١

vvvvvvvvvvvvvvvv 352 وكان من جملة عباداته أنه لم يحدث إلا توضأ، ولا توضأ إلا صلى، وكان يقرأ القرآن حفاا، ويحافظ على أوقات الصلوات محافاة لا يتقدمه فيها المتفرغون للعبادة، حتى إنه كان إذا غفل المؤذن أمره بالأذان، وإذا سمع الأذان أمسك عن كل ما هو فيه واشتغل بإجابته ثم بالصلاة. وكان قد وزر للسلطان عود الدولة ألب أرسلان والد ملكشاه قبل أن يلي السلطنة، في حياة عمه السلطان طغرلبك أول الملوك السلبوقية ببغداد. فلما توفى طغرلبك سعى ناام الملك في أخذ السلطنة لصاحبه ألب أرسلان، وقام المقام الذي تعبز عنه البيوش الكثيرة، واستقرت السلطة له، وبقي معه إلى أن توفي، ثم وزر بعده لولده السلطان ملكشاه إلى أن قتل، وكان قد تحكم عليه إلى حد لا يقدر السلطان على خلافه لكثرة مماليكه، ومحبة العساكر له والأمراء، وميل العامة والخاصة إليه لحسن سيرته وعدله). (4) قال أبو شامة: (وقرأت في كتاب "المعارف المتأخرة ويسمى عنوان السير" لمحمد بن عبد الملك ابن إبراهيم الهمداني قال: وزر ناام الملك أبو علي الحسن بن علي بن إسحق الطوسي للسلطان ألب أرسلان وولده السلطان ملكشاه أربعًا وثلاثين سنة، وقتل بالقرب من نهاوند وعمره ست وسبعون سنة وعشرة أشهر وتسعة عشر يوما؛ اغتاله أحد الباط نية وقد فرغ من فطوره. وقد تقدم ناام الملك في الدنيا التقدم العايم، وأفول على الخلق الإفوال الكريم، وعم الناس بمعروفه، وبنى المدارس لأصحاب الشافعي ووقف عليهم الوقوف، وزاد في الحلم (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية 4 /92

عدد الصفحات ٣٥٢

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 353 والدين على من تقدمه من الوزراء، ولم يبلغ أحد منهم منزلته في جميع أموره، وملك من الغلمان الأثراك ألوفا؛ وكان جمهور العساكر وشبعانهم وفتاكهم من مماليكه).(4) وتوفي السلطان ملكشاه بعد ناام الملكبخمسة وثلاثين يوما، في منتصف شوال سنة خمس وثمانين وعمره ثمانية وثلاثون عاما ونصف عام (وكانت مملكته قد اتسعت اتساعا عايما، وخطب له من حدود الصين إلى الداروم من أرض الشام وأطاعه اليمن والحباز، وكان يأخذ الخراج من ملك القسطنطينية، وأطاعه صاحب طراز وأسبيباب وكاشغر وبلاسغون وغيرها من الممالك البعيدة وملك سمرقند وجميع ما وراء النهر. ثم ان صاحب كاشغر عصى عليه؛ فسار السلطان إليه، فلما قارب كاشغر هرب صاحبها منه، فسار في طلبه ولم يزل حتى لفر به وأحسن إليه، واستصحبه معه إلى أصفهان. وعمل السلطان من الخيرات وأبواب الري كثيرًا، منها ما أصلحه وعمله من المصانع بطريق مكة وحفره من الابار، و بنى مدرسة عند قري الإمام أبي حنيفة رحمة الله عليه، وب نى البامع الذي بااهر بغداد عند دار السلطنة..).(2) شيوع العدل السياسي والقضائي في القرن السادس وقد شهد القرن الخامس والسادس مع حركة البهاد لمواجهة الخطر الخارجي نهوة إصلاحية داخلية ، كان من أبرز مااهرها: شيوع الصلاح بين الخلفاء والأمراء والوزراء، وإقامة العدل والالتزام بأحكام الشرع بين القواة والولاة؛ وكان من أشهرهم: (4) الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحي ة 4 /92 (2) المصدر السابق 4 /422

عدد الصفحات ٣٥٣

vvvvvvvvvvvvvvvv 354 الخليفة العباسي المستاهر بالله أحمد بن المقتدي بأمر الله الذي توفي 542ه سنة، (وكان خيرًا فاضلا ذكيا بارعا، وكانت أيامه ببغداد كأنها الأعياد، وقد ضبط أمور الخلافة جيدًا وأحكمها وأعلمها).(4) وكان (كريم الأخلاق، حا فاًا للقرآن فصيحًا، وفوض أمور الخلافة إلى وزيره أبي منصور عميد الدولة بن جهير، فدبرها أحسن تدبير، ومهد الأمور أتم تمهيد، وساس الرعية، وكان من خيار الوزراء).(2) وقد توفي في سنة٧ ه الأتابك قسنقر، ملك حلب وديار بكر والبزيرة: وهو جد نور الدين زنكي، وقد وي من قِبل ملكشاه بإشارة من الوزير ناام الملك (وكان من أحس الملوك سيرة، وأجودهم سريرة، وكانت الرعية معه في أمن ورخص وعدل).(3) وسنة 422 ه توفي الوزير أبو شباع محمد بن الحسين لهير الدين (وكان من خيار الوزراء، كثير الصدقة والإحسان، ووزر للخليفة المقتدي بأمر الله… وكان لا يبلس في الديوان إلا وعنده الفقهاء، فإن وقع له أمر مشكل سألهم عنه فحكم بما يفتونه، وكان كثير التواضع مع الناس خاصتهم وعامتهم).(4) وتوفي فيها أيوا القاضي العادل أبو بكر الشاشي، ولاه المقتدي القواء بعد ابن الدامغاني (كان من أنزه الناس وأعفهم، لم يقبل من سلطان عطية، ولا من صاحب هدية، لم يغير مأكله ولا ملبسه، ولا يأخذ على القواء أجرًا، ولم يستنب أحدًا، وكان يباشر القواء بنفسه، ولم يحاب مخلوقًا). (5) (4) المصدر السابق42/495. (2) البداية والنهاية 42/456 - ٧. (3) المصدر السابق42/٧. (4) المصدر السابق42/٧. (5) البداية والنهاية 42/462 – 464.

عدد الصفحات ٣٥٤