vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv ٧ إضافتهم للدولة الإسلامية، وهي الخلافة العباسية نفسها، لا أقاليمهم التي يتولونها بتفويض وتقليد من الخليفة، والذي يطلق عليهم هذه الألقاب هو الخليفة نفسه كقادة لدولته وحماة لها! الفراغ السياسي في بغداد سنة 231 هـ: 31- القائم بأمر الله عبدالله بن القادر العباسي وقد شهدت الدولة فترات انهيار سياسي لمركز الخلافة والسلطنة معا؛ كما جر سنة 426ه في عهد الخليفة العباسي السادس والعشرين القائم بأمر الله عبدالله بن القادر أحمد بن إسحاق بن المقتدر بالله، الذي بويع بعد وفاة أبيه القادر سنة 422ه، فأقام خليفة 45 سنة، وتوفي سنة٧ه. فكانت مدة خلافته مع خلافة أبيه خمسًا وثمانين سنة. وكان القائم بأمر الله (ورعًا زاهدًا عادلاً، كثير الإحسان إلى الناس، وكان من خيار بني العباس دينًا واعتقادًا ودولة).(4) وقال ابن كثير عنه: (كان حليمًا كريمًا محبًا لأهل العلم والدين والصلاح، ويأمر بالمعرو ف وينهى عن المنكر، وكان على طريقة السلف في الاعتقاد، وله في ذلك مصنفات كانت تقرأ على الناس.. وكان يقوم الليل، كثير الصدقة، محبا للسنة وأهلها، يبغض البدعة والقائمين بها).(2) (4) البداية والنهاية42/٧. (2) البداية والنهاية42/33 - 34.
عدد الصفحات ٣٠٧vvvvvvvvvvvvvvvv 322 وقال ابن الأثير عنه في أحداث سنة ٧ ه: (كان القائم ورعا، دينا، زاهدا، عالما، قوي اليقين بالله تعالى، كثير الصري، وكان له عناية بالأدب، ومعرفة حسنة بالكتابة، ولم يكن يرتضي أكثر ما يكتب من الديوان، فكان يصلح فيه أشياء، وكان مؤثرا للعدل والإنصاف، يريد قواء حوائج الناس، لا ير المنع من شيء يطلب منه. قال محمد بن علي بن عامر الوكيل: دخلت يوما إلى المخزن، فلم يبق أحد إلا أعطاني قصة، فامتلأت أكمامي منها، فقلت في نفسي: لو كان الخليفة أخي لأعرض عن هذه كلها، فألقيتها في بركة، والقائم ينار ولا أشعر، فلما دخلت إليه أمر الخدم بإخراج الرقاع من الريكة، فأخرجت، ووقف عليها، ووقع فيها بأغراض أصحابها، ثم ق ال ي : ما حملك على هذا؟ فقلت: خوف الوبر منها، فقال: لا تعد إلى مثلها! فإنا ما أعطيناهم من أموالنا شيئا، إنما نحن وكلاء)(4)! وكان قد أرسل (قاضي القواة أبا الحسن الماوردي الشافعي إلى الملك أبي كاليبار المرزبان بن سلطان الدولة بن بويه بفارس، فأخذ له البيعة عليه، وخطب له في بلاده).(2) وقام بتدبير دولته ببغداد السلطان جلال الدولة بن بهاء الدولة بن بويه، وثارت عليه البند ببغداد سنة 423ه، ونهبوا داره، وأخرجوه من بغداد، وكتبوا إلى أبي كاليبار بن سلطان الدولة يستدعونه إلى بغداد، ثم وقع الاتفاق بين جلال الدولة والبند ، وعاد إ لى بغداد. (4) الكامل2 /252. (2) مآثر4/335.
عدد الصفحات ٣٠٨vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 329 وفي سنة 426ه (انحل أمر الخلافة والسلطنة ببغداد، وعام أمر العيارين، وصاروا يأخذون أموال الناس ليلا ونهارا، ولا مانع لهم، والسلطان جلال الدولة عاجز عن دفعهم، وانتشرت العرب بالنواحي، فنهبوا البلاد وقطعوا الطرق).(4) ضعف السلطنة البويهية الفارسية وقيام السلطنة السلجوقية التركية: لل التنافس السياسي على السلطنة في الخلافة العباسية يكاد ينحصر بين مواي الخلافة من الفرس -الذي استعان بهم العباسيون في صدر قيام سلطتهم ونشأتها- والترك الذين استعان بهم المعتصم بعد ذلك، وقد بلغ العسكر الفارسي أوج نفوذه في عهد بني بويه حيث حازوا على السلطنة، التي تلي مركز الخلافة من حيث الصلاحيات الدستورية، ثم ما لبثوا أن فقدوا ذلك، وكان الأتراك السلبوقية قد بلغوا أوج قوتهم، فتهيأت الأسباب لدخولهم بغداد، فقد (وقعت الوحشة بين جلال الدولة بن بويه وبين الخليفة القائم بأمر الله سنة 434 ه، بسبب أن البواي –البزية- كانت تببى وتحمل إلى الخليفة لا يعارضه فيها الملوك، فاستولى عليها جلال الدولة في هذه السنة، ثم توفي جلال الدولة ببغداد سنة 435ه، وكان ملكه ببغداد نحو ٧ سنة، فكاتب البند ولده العزيز بأمر السلطنة وكان بواسط، فلم يبد من يعينه على ذلك، ومات قبل انتاام أمره، فكاتب أبو كاليبار المرزبان بن سلطان الدولة العساكر ببغداد في استقرار السلطنة له ببغداد، فأجابوا إلى ذلك، وخطب له ببغداد سنة 436 ه، وخطب له أيوا نصر الدولة بن مروان وأبو الشوك ودبيس بن مزيد ببلادهم، فدخل بغداد في تلك السنة، ثم توفي سنة 442 ه، فتولى بعده ولده عبد الرحيم وخطب له بشيراز وخوزستان، ثم سار طغرلبك بن داود السلبوقي نحو بغداد، حتى وصل حلوان، (4) مآثر4/339.
عدد الصفحات ٣٠٩vvvvvvvvvvvvvvvv 342 وبعث قواد بغداد يبذلون له الطاعة ويخطبون له، فأجابهم طغرلبك لذلك، وتقدم الخليفة القائم بذلك، فخطب له ببوامع بغداد سنة ٧ه، ف استأذن طغرلبك الخليفة بدخول بغداد، فأرسل إليه الخليفة برسله يحلفونه للخليفة وللملك الرحيم فحلف لهما، فدخل بغداد، فثارت فتنة بين العامة وعسكر طغرلبك، فاتهم طغرلبك الملك الرحيم، فقبض عليه وعلى سائر القادة، فبعث الخليفة إلى طغرلبك في أمرهم، فأفرج عن بعض القادة، واستمر باعتقال الملك الرحيم. وبالقبض على الملك الرحيم؛ زال ملك بني بويه عن العراق، واستقرت الدولة السلبوقية، وسار طغرلبك إلى الموصل فاستولى عليها، ثم عاد إلى بغداد سنة 449 ه). والمراد هنا بالدولة السلبوقية يعني السلطنة، لا الدولة التي هي دولة الإسلام وا لخلافة التي كانت قائمة منذ قيامها في المدينة النبوية. ثم توجه طغرلبك (وقصد إلى الاجتماع بالخليفة القائم، فبلس له الخليفة على سرير عال عن الأرض نحو سبعة أذرع، فقبل طغرلبك الأرض بين يدي الخليفة، ثم قال له الخليفة على لسان رئيس الرؤساء: إن الخليفة قد ولاك جميع ما ولاه الله تعالى من البلاد، ورد عليك مراعاة عباده، فاتق الله فيما ولاك، واعرف نعمته عليك، وخلع على طغرلبك وأعطى العهد، وقبل الأرض ويد الخليفة ثانيا وانصرف، ثم أرسل طغرلبك إلى الخليفة خمسين ألف دينار، وخمسين مملوكا من الأتراك بخيلهم وسلاحهم، ثم سار إلى همذان سنة 452 ه، وتبعه من كان من الأتراك ببغداد).(4) (4) مآثر4/339.
عدد الصفحات ٣١٠vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 344 وكانت بغداد تحت سلطة بني بويه إلى أن دخلها الملك العادل محمد بن سلبوق طغرلبك سنة ٧ه، بعد أن بعث إليه الخليفة القائم بأمر الله يستدعيه إليها.(4) واستمر فيها حتى توفي سنة 455 ه، وتولى من بعده ابن أخيه م حمد بن داود ألب أرسلان. (2) وكان ألب أرسلان عادلاً يسير في الناس سيرة حسنة، كريمًا رحيمًا، شفوقًا على الرعية، رفيقًا بالفقراء، ولا يعرف في زمانه جناية ولا مصادرة، وكان شديد الحرص على حفظ مال الرعية).(3) وقد قاد معركة ملاذكرد أعام معارك المسلمين مع الروم والروس التي مهدت لفتح هوبة الأناضول كلها ثم فتح القسطنطينية بعد أربعة قرون. وكان وزيره ناام الملك، وقد توفي ألب أرسلان سنة 464ه.(4) فملك بعده ولده ملك شاه، ولل وزيره ناام الملك، فسار ملكشاه في الناس سيرة حسنة.(5) وكان ذلك كله بتدبير الوزيرالفقيه العدل "ناام الملك"، الذي أسهم في تبديد الحياة السياسية والعلمية، بالعدل، والعلم، قال عنه الذهبي: (الوزير الكبير، ناام الملك، قوام الدين: أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي، عاقل، سائس، خبير، سعيد، متدين، محتشم، عامر المبلس بالقراء والفقهاء.. (4) البداية والنهاية 42/4. (2) البداية والنهاية42/95. (3) البداية والنهاية42/444. (4) البداية والنهاية42/443. (5) البداية والنهاية42/443.
عدد الصفحات ٣١١vvvvvvvvvvvvvvvv 342 أنشأ المدرسة الك ببغداد وأخر بنيسابور، وأخر بطوس ورغب في العلم، وأدر على الطلبة الصلات. وأملى الحديث، وبعد صيته.. وكان فيه خير وتقو ، وميل إلى الصالحين، وخووع لموعاتهم، يعببه من يبين له عيوب نفسه، فينكسر ويبكي. وكان الناام قد ختم وله إحد عشرة، واشتغل بمذهب الشافعي، وسار إلى غزنة، فصار كاتبا نبيبا، إليه المنتهى في الحساب، وبرع في الإنشاء، وكان ذكيا، لبيبا، يقاا، كامل السؤدد.. وبنى أيوا بمرو مدرسة، وبهراة مدرسة، وببلخ مدرسة، وبالبصرة مدرسة، وبأصبهان مدرسة، وكان حليما رزينا جوادا، صاحب فتوة واحتمال ومعروف كثير إلى الغاية، ويبالغ في الخووع للصالحين.. قال ابن عقيل: بهر العقول سيرة الناام: جودا وكرما، وعدلا، وإحياء لمعالم الدين، كانت أيامه دولة أهل العلم)(4).. وفي عهد الخليفة العباسي القائم بأم ر الله توفي الااهر الفاطمي سنة ٧ه، وتولى بالقاهرة ابنه المستنصر بالله أبو تميم وعمره سبع سنين وأقام نحو 62 سنة، وتوفي سنة 424ه: (ولم يكن من عهد المستنصر هذا مع الفاطمية من الخلافة إلا الاسم؛ لاستيلاء وزرائهم على الأمور، وحبرهم عليهم فيها، كخلفاء بغداد العباسيين مع بني بويه). (2) (4) سير الأعلام 49 /94. (2) نزهة النالرين ص96.
عدد الصفحات ٣١٢vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 343 استعادة الدولة لوحدتها والخلافة العباسية لولايتها على المغرب لمواجهة الحملات الصليبية: وفي هذه الفترة بدأت الحملات الصليبية على مدن الشام والمغرب، ما أحدث تحولا في تاريخ الخلافة العباسية؛ حيث أدرك أمراء الأقاليم خطورة ضعف مركز الدولة والخلافة في بغداد، وضرورة تعزيزها واستعادتها لنفوذها؛ لما تمثله من شرعية دينية، وما تعري عنه من و حدة سياسية، فكان للأمراء المباهدين الذين تصدوا للأخطار الخارجية الدور الأبرز في استعادة الخلافة من جديد قوتها ونفوذها. وكان أول من أدرك ذلك المعز بن باديس سلطان أفريقيا والمغرب ففي سنة 446ه: (خرج الروم إلى جزيرة صقلية في جمع كثير، وملكوا ما كان للمسلمين في جزيرة قلورية، وهي مباورة لبزيرة صقلية، وشرعوا في بناء المساكن ينتارون وصول مراكبهم وجموعهم مع ابن أخت الملك، فبلغ ذلك المعز بن باديس؛ فبهز أسطولاً كبيرًا: أربعمائة قطعة، وحشد فيها، وجمع خلقًا كثيرًا، وتطوع جمع كثير بالبهاد، رغبة في الأ جر).(4) فقد بدأت الحملات الصليبية بشن حروبها، في لل ضعف مركز الخلافة، وحالة التشرذم، وعبز السلطة العبيدية في مصر عن التصدي لها؛ مما دفع ابن باديس للإعلان عن التبعية للخلافة العباسية. وفي عهد المستنصر الفاطمي (قطعت الخطبة للعبيدين في المغرب وخطب لبني العباس، وكذلك فعل بمكة، ودمشق).(2) (4) الكامل في التاريخ4 /422) (2) نزهة النالرين ص96.
عدد الصفحات ٣١٣vvvvvvvvvvvvvvvv 344 قال ابن خلدون: (وفيها-أي سنة 442 ه- أقدم المعز بن باديس بالمغرب، الدعوة للقائم بالله العباسي، وخلع طاعة المستنصر العبيدي).(4) بينما ذكرها ابن الأثير في حوادث سنة435ه؛ فقال: (في هذه السنة ألهر المعز ببلاد إفريقية الدعاء للدو لة العباسية، وخطب للإمام القائم بأمر الله، أمير المؤمنين، ووردت عليه الخلع والتقليد ببلاد إفريقية وجميع ما يفتحه، وفي أول الكتاب الذي مع الرسل: من عبدالله ووليه أبي جعفر القائم بأمر الله أمير المؤمنين إلى الملك الأوحد، ثقة الإسلام، وشرف الإمام، وعمدة الأنا م ناصر دين الله، قاهر أعداء الله، ومؤيد سنة رسول الله، ﷺ، أبي تميم المعز بن باديس بن المنصور وي أمير المؤمنين بولاية جميع المغرب، وما افتتحه بسيف أمير المؤمنين... وأرسل إليه سيف وفرس وأعلام على طريق القسطنطينية، فوصل ذلك يوم البمعة، فدخل به إلى البامع، وا لخطيب ابن الفاكاه على المنري يخطب الخطبة الثانية، فدخلت الأعلام، فقال: هذا لواء الحمد يبمعكم، وهذا معز الدين يسمعكم، وأستغفر الله ي ولكم، وقطعت الخطبة للعلويين من ذلك الوقت، وأحرقت أعلامهم.). (2) فقد كانت أفريقية (تونس) والمغرب الأوسط (البزائر) بيد المعز ب ن باديس، فخلع طاعة المستنصر الفاطمي وقطع الخطبة له سنة 442ه، وخطب للقائم العباسي ببغداد، وبقي حتى توفي سنة 454ه، (وكانت مدة ملكه سبعًا وأربعين سنة، وكان رقيق القلب، خاشعًا، (4) العري في خري منغري (2 /6) (2) الكامل في التاريخ4 /242)
عدد الصفحات ٣١٤vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 345 متبنبًا لسفك الدماء إلا في حد، حليمًا، يتباوز عن الذنوب العاام، حسن الصحبة مع عبيده وأصحابه، مكرمًا لأهل العلم، كثير العطاء لهم، كريمًا). (4) ثم تولى بعده ابنه تميم بن المعز بن باديس، وبقي إلى ما بعد خلافة القائم، وتوفي سنة 524ه، وكان تميم (حسن السّيرة محبًا للعلماء، مقصدًا للشعراء، كامل الشباعة، وافر الهيبة، عاش تسعًا وسبعين سنة، وامتدّت أيامه، وكانت دولته ستًّا وخمسين سنة).(2) وقد كان تصد تميم للحملات الصليبية، وفي عهده سنة 424ه، أخذ الفرنبة صقلية كلها؛ كما قال ابن الأثير: (في هذه السنة استولى الفرنج، لعنهم الله، على جميع جزيرة صقلية، أعادها الله تعالى إلى الإسلام والمسلمين). (3) وكان أهل صقلية قد أرسلوا سنة ٧ه (جماعة إلى المعز ابن باديس، وشكوا إليه ما حلّ بهم، وقالوا: نحب أن نكون في طاعتك، وإلا سلمنا البلاد إلى الروم، وذلك سنة سبع وعشرين وأربعمائة، فسير معهم ولده عبدالله في عسكر، فدخل المدينة... ثم إن الصقليين رجع بعوهم على بعض، وقالوا: أدخلتم غيركم عليكم، والله لا كانت عاقبة أمركم فيه إلى خير! فعزموا على حرب عسكر المعز، فاجتمعوا وزحفوا في المراكب إلى إفريقية، وولى أهل البزيرة عليهم حسنًا الصمصام، فاضطربت أحوالهم، واستولى الأراذل، وانفرد كل إنسان ببلد، وأخرجوا الصمصام، فانفرد القائد عبدالله بن منكوت بمازر وطرابنش وغيرهما، وانفرد القائد علي بن نعمة، المعروف بابن الحواس، بقصريانة وجرجنت وغيرهما، وانفرد ابن الثمنة بمدينة سرقوسة، وقطانية... (4) الكامل في التاريخ4 /223) (2) العري في خري من غ2 /324) (3) الكامل في التاريخ4 /336)
عدد الصفحات ٣١٥vvvvvvvvvvvvvvvv 346 فلما رأ ابن الثمنة أن عساكره قد تمزقت، سولت له نفسه الانتصار بالكفار لما يريده الله تعالى، فسار إلى مدينة مالطة، وهي بيد الفرنج قد ملكوها لما خرج بردويل الفرنبي الذي تقدم ذكره سنة اثنتين وسبعين وثلاث مائة، واستوطنها الفرنج إلى الآن، وكان ملكها حينئذ رجار الفرنبي في جمع من الفرنج، فوصل إليهم ابن الثمنة وقال: أنا أملككم البزيرة! فقالوا: إن فيها جندًا كثيرً ا، ولا طاقة لنا بهم، فقال: إنهم مختلفون، وأكثرهم يسمع قوي ، ولا يخالفون أمري. فساروا معه في رجب سنة أربع وأربعين وأربعمائة، فلم يلقوا من يدافعهم، فاستولوا على ما مروا به في طريقهم، وقصد بهم إلى قصريانة فحصروها، فخرج إليهم ابن الحواس، فقاتلهم، فهزمه الفرنج، فرجع إلى الحصن، فرحلوا عنه، وساروا في البزيرة، واستولوا على مواضع كثيرة، وفارقها كثير من أهلها من العلماء والصالحين، وسار جماعة من أهل صقلية إلى المعز بن باديس، وذكروا له ما الناس فيه بالبزيرة من الخلف، وغلبة الفرنج على كثير منها، فعمر أسطولاً كبيرًا، و شحنه بالرجال والعدد، وكان الزمان شتاء، فساروا إلى قوصرة، فهاج عليهم البحر، فغرق أكثرهم، ولم ينج إلا القليل. وكان ذهاب هذا الأسطول مما أضعف المعز، وقو عليه العرب، حتى أخذوا البلاد منه. فملك حينئذ الفرنج أكثر البلاد على مهل وتؤدة، لا يمنعهم أحد، واشتغل صاحب إفريقية بما دهمه من العرب، ومات المعز سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة، ووي ابنه تميم، فبعث أيوًا أسطولاً وعسكرًا إلى البزيرة، وقدم عليه ولديه أيوب وعليًا، فوصلوا إلى صقلية، فنزل أيوب والعسكر المدينة، ونزل علي جرجنت... ثم وقع بعد ذلك بين أهل المدينة وبين عبيد تميم فتنة أدت إلى القتال، ثم زاد الشر بينهم، فاجتمع أيوب وعلي أخوه، ورجعا في الأسطول إلى إفريقية سنة إحد وستين، وصحبهم جماعة من أعيان صقلية والأسطولية، ولم يبق للفرنج ممانع، فاستولوا على البزيرة، ولم
عدد الصفحات ٣١٦vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv ٧ يثبت بين أيديهم غير قصريانة وجرجنت، فحصرهما الفرنج، وضيقوا على المسلمين بهما، فواق الأمر على أهلهما حتى أكلوا الميتة، ولم يبق عندهم ما يأكلونه. فأما جرجنت فسلموها إلى الفرنج، وبقيت قصريانة بعدها ثلاث سنين، فلما اشتد الأمر عليهم أذعنوا إلى التسليم، فتسلمها الفرنج، لعنهم الله، سنة أربع وثمانين وأربعمائة، وملك رجا ر جميع البزير ة وأسكنها الروم والفرنج مع المسلمين، ولم يترك لأحد من أهلها حمامًا، ولا دكانًا، ولا طاحونًا. ومات رجار، بعد ذلك، قبل التسعين والأربعمائة، وملك بعده ولده رجار، فسلك طريق ملوك المسلمين من البنائب، والحباب، والسلاحية، والباندارية، وغير ذلك، وخالف عادة الفرنج، فإنهم لا يعرفون شيئًا منه، وجعل له ديوان الماالم ترفع إليه شكو المالومين، فينصفهم ولو من ولده، وأكرم المسلمين، وقربهم ومنع عنهم الفرنج، فأحبوه، وعمر أسطولاً كبيرًا، وملك البزائر التي بين المهدية وصقلية، مثل مالطة، وقوصرة، وجربة، وقرقنة، وتطاول إلى سواحل إفريقية).(4) وتولى بعد تميم ولده (يحيى بن تميم بن المعزّ بن باديس السلطان أبو طاهر الحميري صاحب إفريقية، نشر العدل وافتتح عدّة قلاعٍ لم يتهيأ لأبيه فتحها. وكان جوادًا ممدحًا عالمًا كثير المطالعة. توفي فبأةً يوم الأضحى، وخلّف ثلاثين ابنًا، فملك بعده ابنه عليٌّ ستة أعوام ومات. فملّكوا بعده ابنه الحسن بن عليّ وهو مراهق، فامتدت دولته إلى أن أخذت الفرنج طرابلس الغرب بالسيف سنة إحد وأربعين وخمس مئة، فخاف وفرّ من المهديّة والتبأ إلى عبد المؤمن).(2) (4) الكامل في التاريخ4 /٧) (2) العري في خري من غ2 /394)
عدد الصفحات ٣١٧vvvvvvvvvvvvvvvv 342 قال ابن الأثير: (ثم دخلت سنة أربع وخمسين وخمسمائة: ذكر ملك عبد المؤمن مدينة المهدية من الفرنج وملكه جميع إفريقية: قد ذكرنا سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ملك الفرنج مدينة المهدية من صاحبها الحسن بن تميم بن المعز بن باديس الصنهاجي، وقد ذكرنا أيوًا سنة إحد وخمسين ما فعله الفرنج بالمسلمين في زويلة المدينة المباورة للمهدية من القتل والنهب، فلما قتلهم الفرنج، ونهبوا أموالهم، هرب منهم جماعة وقصدوا عبد المؤمن صاحب المغرب، وهو بمراكش، يستبيرونه، فلما وصلوا إليه ودخلوا عليه أكرمهم، وأخريوه بما جر على المسلمين، وأنه ليس من ملوك الإسلام من يقصد سواه، ولا يكشف هذا الكرب غير ه، فدمعت عيناه وأطرق، ثم رفع رأسه وقال: أبشروا، لأنصرنكم ولو بعد حين. وأمر بإنزالهم وأطلق لهم ألفي دينار، ثم أمر بعمل الروايا والقرب والحياض وما يحتاج إليه العسكر في السفر، وكتب إلى جميع نوابه في المغرب، وكان قد ملك إلى قريب تونس، يأمرهم بحفظ ما يتحصل من الغلات، وأن يترك في سنبله، ويخزن في مواضعه، وأن يحفروا الآبار في الطرق، ففعلوا جميع ما أمرهم به، وجمعوا الغلات ثلاث سنين ونقلوها إلى المنازل، وطينوا عليها، فصارت كأنها تلال. فلما كان في صفر من هذه السنة سار عن مراكش، وكان أكثر أسفاره في صفر، فسار يطلب إفريقية، واجتمع من العساكر مائة ألف مقاتل، ومن الأتباع والسوقة أمثالهم، وبلغ من حفاه لعساكره أنهم كانوا يمشون بين الزروع فلا تتأذ منهم سنبلة، وإذا نزلوا صلوا جميعهم مع إمام واحدد بتكبيرة واحدة، لا يتخلف منهم أحد كائن من كان.
عدد الصفحات ٣١٨vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 349 وقدم بين يديه الحسن بن علي بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس الصنهاجي، الذي كان صاحب المهدية وإفريقية، وقد ذكرنا سبب مصيره عند عبد المؤمن، فلم يزل يسير إلى أن وصل إلى مدينة تونس في الرابع والعشرين من جماد الآخرة من السنة، وبها صاحبها أحمد بن خراسان، وأقبل أسطوله في البحر في سبعين شينيًا و طريدة وشلند ، فلما نازلها أرسل إلى أهلها يدعوهم إلى طاعته، فامتنعوا، فقاتلهم من الغد أشد قتال... ولما كان في الثاني والعشرين من شعبان، من السنة جاء أسطول صاحب صقلية في مائة وخمسين شينيًا غير الطرائد، وكان قدومه من جزيرة يابسة من بلاد الأندلس وقد سبى أهلها وأسرهم وحملهم معه، فأرسل إليهم ملك الفرنج يأمرهم بالمبيء إلى المهدية، فقدموا في التاريخ، فلما قاربوا المهدية حطوا شراعهم ليدخلوا الميناء، فخرج إليهم أسطول عبدالمؤمن، وركب العسكر جميعه، ووقفوا على جانب البحر، فاستعام الفرنج ما رأوه من كثرة العساكر، ودخل الرعب قلوبهم، وبقي عبدالمؤمن يمرغ وجهه على الأرض، ويبكي ويدعو للمسلمين بالنصر، واقتتلوا في البحر، فانهزمت شواني الفرنج، وأعادوا القلوع، وتبعهم المسلمون، فأخذوا منهم سبع شوان، ولو كان معهم قلوع لأخذوا أكثرها، وكان أمرًا عبيبًا، وفتحًا قريبًا. وعاد أسطول المسلمين مافرًا منصورًا، وفرق فيهم عبد المؤمن الأموال؛ ويئس أهل المهدية حينئذ من النبدة، وصريوا على الحصار ستة أشهر إلى آخر شهر ذي الحبة من السنة، فنزل حينئذ من فرسان الفرنج إلى عبد المؤمن عشرة، وسألوا الأمان لمن فيها من الفرنج على أنفسهم وأموالهم ليخرجوا منها ويعودوا إلى بلادهم، وكان قوتهم قد فني حتى أكلوا الخيل، فعرض عليهم الإسلام، ودعاهم إليه فلم يبيبوا، ولم يزالوا يترددون إليه أيامًا واستعطفوه بالكلام اللين، فأجابهم إلى ذلك، وأمنهم وأعطاهم سفنًا فركبوا فيها وساروا، وكان الزمان شتاء، فغرق أكثرهم ولم يصل منهم إلى صقلية غلا النفر اليسير.
عدد الصفحات ٣١٩vvvvvvvvvvvvvvvv 322 وكان صاحب صقلية قد قال: إن قتل عبد المؤمن أصحابنا في المهدية قتلنا المسلمين الذين هم ببزيرة صقلية، وأخذنا حرمهم وأموالهم؛ فأهلك الله الفرنج غرقًا، وكانت مدة ملكهم المهدية اثنتي عشرة سنة).(4) ظهوردولة المرابطين وتوحيد المغرب والأندلس: وكما أدرك المعز بن باديس ضرورة تعزيز مركز الخلافة في بغداد، لمواجهة الحملات الصليبية على أفريقيا والمغرب الأدنى والبحر الأبيض المتوسط؛ أدركها كذلك أمير المرابطين المباهد يوسف بن تاشفين لمواجهة الحملات الصليبية على الأندلس والمغرب الأقصى. قال ابن ا لأثير عن الأندلس وما جر من تفرق أهلها ولهور دويلات ال طوائف سنة 424ه: (ثم انحل عقد البماعة وانتشر وافترقت البلاد، على ما نذكره. ذكر تفرق ممالك الأندلس: ثم إن الأندلس اقتسمه أصحاب الأطراف والرؤساء، فتغلب كل إنسان على شيء منه، فصاروا مثل ملوك الطوائف، وكان ذلك أضر شيء على المسلمين؛ فطمع بسببه العدو الكافر، خذله الله، فيهم، ولم يكن لهم اجتما ع إلى أن ملكه أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين... وأما غرناطة فملكها حبوس بن ماكسن الصنهاجي ثم مات سنة تسع وعشرين وأربعمائة، ووي بعده ابنه باديس، فلما توفي وي بعده ابن أخيه عبد الله بن بلكين، وبقي إلى أن ملكها منه الملثمون في رجب سنة أربع وثمانين وأربعمائة، وانقرضت دول جميعهم، (4) الكامل في التاريخ5 /4)
عدد الصفحات ٣٢٠vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 324 وصارت الأندلس جميعها للملثمين، وملكهم أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، واتصلت مملكته من المغرب الأقصى إلى آخر بلاد المسلمين بالأندلس).(4) وقال في حوادث 442ه: (في هذه السنة كان ابتداء أمر الملثمين، وهم عدة قبائل ينسبون إلى حمير، أشهرها: لمتونة، ومنها أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين... فاجتمعت القبائل على طاعتهم، ومن خالفهم قتلوه. فلما كان سنة خمسين وأربعمائة قحطت بلادهم، فأمر ابن ياسين ضعفاءهم بالخروج إلى السوس وأخذ الزكاة، فخرج منهم نحو تسعمائة رجل، فقدموا سبلماسة، وطلبوا الزكاة، فبمعوا لهم شيئًا له قدر وعادوا. ثم إن الصحراء ضاقت عليهم، وأرادوا إلهار كلمة الحق، والعبور إلى الأندلس ليباهدوا الكفار، فخرجوا إلى السوس الأقصى، فبمع لهم أهل السوس وقاتلو هم، فانهزم المرابطو ن، وقتل عبدالله بن ياسين الفقيه، فعاد أبو بكر بن عمر فبمع جيشً ا وخرج إلى السوس في ألفي راكب، فاجتمع من بلاد السوس وزناتة اثنا عشر ألف فارس فأرسل إليهم وقال: افتحوا لنا الطريق لنبوز إلى الأندلس ونباهد أعداء الإسلام، فأبوا ذلك، فصلى أبو بك ر، ودعا الله تعالى، وقال: اللهم إن كنا على الحق فانصرنا، وإلا فأرحنا من هذه الدنيا. ثم قاتلهم وصدق هو وأصحابه القتال، فنصرهم الله تعالى، وهزم أهل السوس ومن معهم وأكثر القتل فيهم، وغنم المرابطون أموالهم وأسلابهم، وقويت نفسه ونفوس أصحابه، وساروا إلى سبلماسة فنزلوا عليها، وطلبوا من أهلها الزكاة، فامتنعوا عليهم، وسار إليهم (4) الكاملالتاريخ (4 /٧ - 4)
عدد الصفحات ٣٢١vvvvvvvvvvvvvvvv 322 صاحب سبلماسة فقاتلهم فهزموه وقتلوه، ودخلوا سبلماسة واستولوا عليها، وكان ذلك سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة. ذكر ولاية يوسف بن ت اشفين: لما ملك أبو بكر بن عمر سبلماسة استعمل عليها يوسف بن تاشفين اللمتوني، و هو من بني عمه الأقربين، ورجع إلى الصحراء، فأحسن يوسف السيرة في الرعية، ولم يأخذ منهم سو الزكاة، فأقام بالصحراء مدة، ثم عاد أبو بكر بن عمر إلى سبلماسة، فأقام بها سنة، والخطبة والأمر والنهي له، واستخلف عليها ابن أخيه أبا بكر بن إبراهيم بن عمر، وجهز مع يوسف ابن تاشفين جيشًا من المرابطين إلى السوس ففتح على يديه. وكان يوسف رجل دينًا، خيرًا، حازمًا، داهية، مبربًا، وبقوا كذلك إلى سنة اثنتين وستين وأربعمائة، وتوفي أبو بكر بن عمر بالصحراء، فاجتمعت طوائف المرابطين على يوسف بن تاشفين، وملكوه عليهم، ولقبوه أمير المسلمين، وكانت الدولة في بلاد المغرب لزناتة الذين ثاروا في أيام الفتن، وهي دولة ردية، مذمومة، سيئة السيرة، لا سياسة ولا ديانة، وكان أمير المسلمين وطائفته على نهج السنة، واتباع الشريعة، فاستغاث به أهل المغرب، فسار إليها وافتتحها حصنًا حصنًا، وبلدًا بلدًا بأيسر سعي، فأحبه الرعايا، وصلحت أحوالهم. ثم إنه قصد موضع مدينة مراكش، وهو قاع صفصف، لا عمارة فيه، وهو موضع متوسط في بلاد المغرب كالقيراون في أفريقية، ومراكش تحت جبال المصامدة الذين هم أشد أهل المغرب قوة، وأمنعهم معقلاً، فاختط هناك مدينة مراكش ليقو على قم ع أهل تلك الببال إن هموا بفتنة، واتخذها مقرًا، فلم يتحرك أحد بفتنة، وملك البلاد المتصلة بالمباز مثل سبتة، وطنبة، وسلا، وغيرها، وكثرت عساكره).(4) (4) الكامل في التاريخ4 /2)
عدد الصفحات ٣٢٢