المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الجزء الثاني من كـتاب عودة الخلافة

غير معروف

صفحة ١٤ من ٤٢

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 244 تفويض ولاية العهد وتنامي نفوذها في العصر العباسي 65- المعتمد على الله أحمد بن المتوكل: وإذا كانت مراكز السلطة في الدولة تتنافس في تعزيز صلاحيا تها في هذه الفترة، فقد كان لمؤسسة الخلافة دورها أيوا؛ كما جر للخليفة الخامس عشر المعتمد على الله أحمد بن المتوكل على الله جعفر بن محمد المعتصم بالله، الذي بويع سنة 256 ه، بعد قتل ابن عمه المهتدي، فأقام في الخلافة 23 سنة وتو9ه، ولما وي الخلافة أقبل على لذاته ولهوه، وجعل أخاه طلحة وي عهده ولقبه الموفق، وجعل إليه المشرق، وجعل ابنه جعفرا وي عهده ولقبه المفوض إلى الله، وجعل إليه المغرب (فغلب الموفق على الأمر وقام به أسدّ قيام وأحسنه، ومال الناس إليه، وضيق على المعتمد).(4) فلما ضيق عليه (استعان الخليفة ا لمعتمد بأحمد بن طولون وجمع القواة والعلماء والأشراف وسيرهم إلى دمشق، فاجتمعوا بها، وخلع الموفق من ولاية العهد، وكان الفقهاء كلهم أفتوا بخلعه إلا القاضي بكار).(2) وياهر جليا في هذه الحادثة كيف أصبحت السلطة الفعلية جماعية تشترك فيها ك ل مؤسسات الدولة ورؤساؤها: 4- "مؤسسة الخلافة" برئاسة الخليفة المعتمد وأخيه ووي عهده الموفق 2- "السلطنة" و"الوزارة" وتمثل السلطة التنفيذية والعسكرية، برئاسة السلطان أحمد بن طولون والوزراء. (4) مآثر4/254. (2) نزهة النالرين ص22.

عدد الصفحات ٢١١

vvvvvvvvvvvvvvvv 242 3- "السلطة القوائية والتشريعية والرقابية" برئاسة القواة والفقهاء وأشراف الناس قال المسعود ي عن المعتمد على الله: (ووي الخلافة على وجل من أوليائه، وحذر من مواليه، فرد الأمور إليهم، حتى قام بالإمرة أخوه أبو أحمد الموفق، واستوزر عبيد الله بن يحيى بن خاقان، ثم الحسن بن مخلد بن البراح، ثم سليمان بن وهب، ثم الحسن بن مخلد ثانية، ثم أبا الصقر إسماعيل بن بلبل، ثم الحسن بن مخلد ثالثة، ثم أبا بكر بن صالح ابن شيرزاد، ثم إسماعيل بن بلبل ثانية.. وقاضيه الحسن بن محمد بن أبى الشوارب، ثم أخوه علي بن محمد)(4). ومع ذلك كله فقد كان وي عهده أخوه الناصر لدين الله الموفق، هو المتصرف طوال هذه المدة وإليه الحل والعقد في شئون الدولة، قال عنه المسعودي وعن قيامه بالأمر بعد تشا غل أخيه المعتمد باللهو : (فأهمل أمور رعيته، وتشاغل بلهوه ولذاته، حتى أشفى الملك على الذهاب، فغلب على أمره، وتدبير ملكه، وسياسة سلطانه: أخوه أبو أحمد الموفق طلحة بن جعفر المتوكل، ويسمى بالناصر لدين الله، وصيره كالمحبور عليه، ولا أمر ينفذ له ولا نهي، فقام بأمر الملك أحسن قيام، وقمع من قرب من الأعداء، واستصلح من نأ ، على كثير ما كان يلقى من اعتراض المواي وسوء طاعتهم وتشغبهم، فلم تزل أمور الموفق جارية على ذلك إلى أن توفي بمدينة السلام في صفر سنة 2)(2). وقالالذهبي عن الموفق : (كان من أجل الملوك رأيًا، وأشبعهم قلبًا، وأسمحهم نفسا، وأجودهم رأيًا، وكان محببًا إلى الناس، استولى على الأمور، وانقادت له البيوش، وكانوا (4) التنبيه4 /322 (2) التنبيه4 /349

عدد الصفحات ٢١٢

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 243 ينارونه [يشبهونه] بأبي جعفر المنصور في حزمه ودهائه)(4). وقال عنه ابن كثير: (كان غزير العقل، حسن التدبير، يبلس للماالم، وعنده القواة؛ فينصف المالوم من الاالم، وكان عالمًا بالأدب والفقه وسياسة الملك، وله محاسن ومآثر كثيرة)(2) . 61- المعتضد بالله أحمد بن الموفق طلحة بن المتوكل: وكل ذلك يؤكد كيف كانت الدولة تدار بشكل جماعي مع تمتع مركز الخلافة بالسلطة العليا في حال وجود ذي كفاءة قادر على القيام بمسئولياتها، كما توفرت للناصر لدين الله وي عهد أخيه المعتمد، وكما توفرت في ابنه الخليفة السادس عشر المعتود بالله أحمد بن طلحة الموفق الناصر لدين الله بن المتوكل، الذي بويع بعد وفاة عمه سنة 9ه، فأقام نحو عشر سنين وتوفي سنة 229ه، وعمره 46 سنة، وقد (أقام في أيامه دولة بني العباس).(3) قال المسعودي عن المعتود بالله وتبديده السياسي، وحسن سيرته، وكفايته وفاعليته السياسية: (سريع النهوة عند الحادثة، قليل الفتور، يتفرد بالأمور، ويمضي تدبيره بغير توقف، وي الأمر بوبط، وحركة، وتبربة، وكف من كان يتوثب ويتشغب من المواي ، واستوزر -بعد القبض على الوزير إسماعيل بن بلبل- عبيد الله بن سليمان بن وهب، ثم القاسم بن عبيد الله.. وقاضيه أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن (4) تاريخ الذهبي46/422. (2) تاريخ ابن كث44/٧. (3) نزهة النالرين ص62.

عدد الصفحات ٢١٣

vvvvvvvvvvvvvvvv 244 زيد مولى البهاضم من الأزد، وكان مالكي المذهب، ثم يوسف بن يعقوب.. ولم يل الخلافة من بني العباس بعد السفاح والمنصور إلى وقتنا هذا من لم يكن أبوه خليفة إلا المستعين والمعتود)(4). وهذا إجماع من المؤرخين كالمسعودي والذهبي وابن كثير على كفاية الموفق الناصر لدين الله وولده المعتود بالله، ودورهما في تبديد مؤسسة الخلاف ة واستعادتها لدورها بعد تراجعها منذ قتل المتوكل، وقد كان الأثر الروحي لعهد المهتدي بالله كبيرا -مع قصر مدته- فيمن جاء بعده من الخلفاء، كأثر عمر بن عبد العزيز مع قصر مدته، إذ كانت الحاجة إلى التبديد الروحي والأخلاقي السياسي في هذه المرحلة أشد، وهو ما أدركه المهتدي الذي نعى على بني العباس ألا يكون فيهم كعمر بن عبد العزيز في بني أمية، وقد وجدت هذه الدعوة صداها في نفوس الخلفاء بعده، مع ما اشتهر عن المهتدي بالله من زهد وعفاف عن الأموال، وكفاية بالقيام بالأمر، وتصد بنفسه للنار في الماالم، وهو ما تبلى بعد ذلك في سير ة الموفق طلحة، وابنه المعتود، وحفيده المكتفي بالله، حتى كاد عصرهم يطبع بطابع المهتدي بالله! استعادة الخلافة لنفوذها في عهد المعتضد العباسي: لقد كانت الخلافة العباسية في عهدها الثاني -بعد اشتداد تنازع مؤسسات الدولة وصراع قو المبتمع فيما بينها- أحوج ما تكون إلى قيادة مركزية يمارس فيها الخليفة صلاحياته، وتستعيد مؤسسة الخلافة دورها ومسئولياتها، ويعود للدولة توازنها، فكان المعتود : (4) التنبيه4/ 322.

عدد الصفحات ٢١٤

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 245 (سريع النهوة عند الحادثة، ينفرد بالأمور بتبربة وحنكة، وكان شهمًا مهيبًا عند أصحابه، يتقون سطوته، ويكفون عن الماالم خوفا منه، مع عفة ذيل) (4) وكانمن أحسن الناس سيرة، ولما بويع أمر بافتتاح الخراج في شهر حزيران من شهور السريان، رفقا بالناس حتى لا يؤخذ منهم الخراج قبل حصول غلالهم، وكان ذلك من حسن سيرته، ومحاسن تدبيره وسياسته).(2) وفي سنة 223ه أمر برد الفاضل من سهام المواريث بعد أرباب الفروض على ذوي الأرحام، وأبطل ديوان المواريث الحشرية، وكتب بذلك إلى سائر الأقطار. (3) وكان وزيره القاسم بن عبيد الله قد تزوج قطر الند ابنة خمارويه بن أحمد بن طولون الذي تولى بعد أبيه ولاية مصر من سنة 2 إ222ه، ثم تولى بعده مصر أبو العساكر جيش بن خمارويه بن أحمد بن طولون نحو سنة ثم قتل سنة 223ه ثم تولى بعده أبو موسى هارون بن خمارويه 9 سنوات (والتزم للخليفة المعتود في كل سنة بألف ألف دينار، فأقره الخليفة على ذلك واستمر على ذلك حتى قتله عماه سنة 292ه)(4). ثم وي نيابة مصر أبو المغازي شيبان بن أحمد بن طولون ثم قتل وانقضى أمر بني طولون وكانت مدتهم ٧ سنة. وقال ابن كثير عن المعتود بالله: (كان أمر الخلافة داثرا؛ فأحياه الله على يديه بعدله وشهامته وجرأته)(5). (4) مآثر4 /262. (2) مآثر4/265. (3) مآثر4/265. (4) نزهة النالرين ص22. (5) البداية والنهاية44/2 سنة9هـ

عدد الصفحات ٢١٥

vvvvvvvvvvvvvvvv 246 وقال أيوا: (كان أمر الخلافة قد ضعف في أيام عمه المعتمد، فلما وي المعتود أقام شعارها ورفع منارها، وكان شباعًا فاضلا من رجال قريش حزمًا وجرأة وإقدامًا، وكذلك كان أبوه)(4) . وقال عنه: (لم يزل برأيه وتسديده حتى كثرت الأموال، وصلحت الأحوال، في سائر الأقاليم والآفاق)(2) . وقد بلغ من حسن سياسته وشيوع عدله واستقامت أحوال الدولة في عهده أن عدّ من الخلفاء الراشدين، ك ما قال ابن كثير: ( ومن الناس من يبعله من الخلفاء الراشدين المذكورين في حديث جابر ابن سمرة)(3) . وقال عنه المؤرخ الذهبي: (كانت أيامه طيبة كثيرة الأمن والرخاء، وقد أسقط المكوس -الضرائب– ونشر العدل، ورفع الالم عن الرعية، وكان يسمى السفاح الثاني؛ لأنه جدد ملك بني العباس وكان قد خَلِق وضعف وكاد يزول، وكان في اضطراب من وقت موت المتوكل)(4) . وهو الذي قضى على فتنة الزنج في البصرة والعراق بعد استفحال شرها وتطاير شررها وقال الذهبي أيوا عنه: (كان أبو العباس المعتود بالله شهمًا جلدًا رجلاً بازلاً موصوفا بالرجولة والبز الة، قد لقي الحروب، وعرف فوله، فقام بالأمر أحسن قيام، وهابه الناس ورهبوه أعام رهبة)(5). (4) البداية والنهاية22/92. (2 )المصدر السابق 44/92. (3) المصدر السابق 44/424. (4) تاريخ الإسلام 22/٧. (5) المصدر السابق 22/69.

عدد الصفحات ٢١٦

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv ٧ وقد بلغ سلطان الخلافة في عهده مناطق كانت نائية لا يلتفت عليها، كما قال الإصطخري عن شراة عمان: (إلى أن وقع بينهم وبين طائفة من بني سامة بن لؤي وهم من كرياء تلك النواحي ح روب، فخرج منهم رجل يعرف بمحمد بن القاسم السامي إلى المعتود، فاستنبده؛ فبعث معه بابن ثور؛ ففتح عمان للمعتود، وأقام بها الخطبة له، وانحاز الشراة إلى ناحية لهم تعرف بنزوة، وإلى يومنا هذا بها إمامهم وبقية مالهم وجماعتهم)(4). 62- المكتفي بالله علي بن المعتضد بن اوفق: وكذا كان حال ابنه الخليفة السابع عشر المكتفي بالله علي بن المعتود بالله أحمد، الذي بويع بعد أبيه بعهد منه سنة 229ه، وأقام في الخلافة نحو سبع سنين وتوفي سنة 295 ه، فقد كان (كثير العسكر، وافر الأموال، وقد وطأ له أبوه المعتود الأمور، وسار بسيرة أبيه).(2) وقد (هدم المكتفي المطامير) التي يوضع فيها الخارجون على السلطة وصيرها مساجد، (ورد أملاك الناس إليهم، وأحسن السيرة؛ فأحبه الناس).(3) وفي عهده عادت (نيابة مصر سنة292ه للعباسيين ببغداد واستمرت إلى عام 322ه).(4) وذلك أن القرامطة اشتدت شوكتهم وتفاقم خطرهم،حتى دخلوا الشام وأفسدوا فيها، وكانت دمشق تحت ولاية طغج نيابة عن هارون بن خمارويه بن طولون في مصر، فخرج (4) المسالك والممالك ص26. (2) مآثر4/269. (3) سير الأعلام 43/422. (4) نزهة النالرين ص22.

عدد الصفحات ٢١٧

vvvvvvvvvvvvvvvv 242 إليهم المكتفي بنفسه وسار من بغداد حتى نزل الرقة، فوجّه لهم جيشا وقبض ع رئيسيهما أحمد الملقب بالمهدي وابن عمه عبدالله في برية الشام، فأخذهما المكتفي معه إلى بغداد فقتلهما وطيف برأسيهما. ثم جهز المكتفي جيشا عليه محمد بن سليمان الكاتب سنة 292ه، فسار إلى دمشق واستولى عليها، ثم توجه البيش إلى مصر، وخرج إليه هارون بن خمارويه فقتل، فقام عمه شيبان بن أحمد بن طولون بالأمر وطلب الأمان، واستولى محمد بن سليمان على م صر. وقد ولى على مصر شيبان بن أحمد بن طولون سنة 292ه، ثم محمد بن سليمان الكاتب، ثم عيسى بن محمد النوشري سنة 295ه. وانتزع الشام من القرامطة سنة 294ه وأقام عليها وعلى حلب أحمد بن كيغلغ أميرا. وولى على ديار ربيعة وديار بكر من البزيرة الفراتية أبا الهيباء عبدالله بن حمدان. وكان على اليمن بنو زياد بن أبيه. وكان على المشرق خراسان وما وراء النهر إسماعيل بن أحمد بن أسد الساماني، ثم توفي فوليها ابنه أبو نصر أحمد بن إسماعيل، فأرسل المكتفي إليه بالتقليد.(4) قال المسعودي عن المكتفي بن المعتود، وأهم أحداث عصره، وما كابد فيها من فتن داخلية، خاصة فتنة القرامطة الباطنية في الشام: (أفضى الأمر إليه بعد توطئة أبيه الأمور له، فبلي بكثرة الفتوق عليه واضطراب الأطراف. وكان ماله جما، وجيوشه كثيفة، فقام بتلك الأمور مقتفيا فعال أبيه، محتذيا طرائقه، ولم يكن ممن يوصف بشباعة ولا جبن، واستوزر القاسم بن عبيد الله على ما كان عليه في أيام المعتود، ثم العباس بن الحسن، وزر وأبوه الحسن بن أيوب بن سليمان حي.. ومما كان (4) مآثر4/2.

عدد الصفحات ٢١٨

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 249 في أيام المكتفي من الحوادث العايمة التي يبب ذكرها خروج القرمطي صاحب الشأم المكنى أبا القاسم، المنتمي الى آل أبى طالب، وليس منهم، في قبائل الكلبيين مما يلي السماوة سنة 229… فقبض عليه وحمل إلى المكتفي بالرقة، فأدخل يوم الاثنين لأربع ليال بقين من المحرم من هذه السنة. ثم دخل المكتفي مدينة السلام في أحسن زي وأكمل عدة، والقرمطي ومن أسر من أصحابه بين يديه يوم الاثنين مستهل شهر ربيع الأول م ن هذه السنة. ودخل بعده محمد بن سليمان في بقية البنود، ومعه جمع من الأسار من أصحاب القرمطي ممن تتبع بالشأم. ثم قتل القرمطي وأصحابه بالدكة التي بنيت لهم في المصلى العتيق لاهر البانب الشرقي من مدينة السلام لسبع بقين من شهر ربيع الأول من هذه السنة. فكان ذلك من أجل الفتوح وأعمها سرورا بخواص الناس وعوامهم ؛ لما أبادوا من الخلق. وكان لهوره بالشأم، وما أباد من عساكر الطولونية، سبب خروج محمد بن سليمان إلى مصر، وفتحه إياها وتشتيت أمر آل طولون وانحلال دولتهم وزوال مدتهم، وكان دخوله إياها يوم الخميس مستهل شهر ربيع الأو ل سنة 292 فكانت مدة دولة بني طولون سبعا وأربعين سنة وخمسة أشهر وسبعة أيام. ثم خرج قرمطي آخر، يكنى أبا غانم في جمع من كلب أيوا بنواحي الشأم في سنة 293. وقوي أمره وكثر اتباعه، وصار إلى نواحي أذرعات وبصر من حوران والبثنية من أعمال دمشق.

عدد الصفحات ٢١٩

vvvvvvvvvvvvvvvv 222 وعاث وقتل وسبى وصار إلى مدينة طريية من بلاد الأردن، فدخلها بالسيف، وقتل أميرها جعفر بن ناعم، وكثيرا من البند والعوام فبرد السلطان للقائه الحسين بن حمدان التغلبي، فلقيه بالموضع المعروف بخندف من أعمال دمشق. فبرت بينهما وقعة تكافئا فيها، ثم كانت للحسين عليهم، فانكشف القرمطي منهزمها في الريية، وذلك في شعبان من هذه السنة، وفي ذلك يقول بعض بنى كلاب: لولا حسين يوم وادي خنـدف وخيله ورجــلــه لم تشتف نفس أمير المؤمنـين المكتفي)(4). فاستعادت الخلافة مركزها من جديد على يد الناصر لدين الله الموفق طلحة بن المتوكل على الله وي عهد أخيه المعتمد، ثم على يد ابنه أبو العباس المعتود بالله بن الموفق، ثم حفيده المكتفي بالله علي بن المعتود، الذين كانوا يباشرون الأمور بأنفسهم، ويقودون البيوش، ويولون الأمراء على الأقاليم، فكان النصف الثاني من القرن الثالث الهبري فترة قوة ونهوة عامة للدولة وأقاليمها بعد فترة من الوعف والاضطراب. (4) التنبيه ص324.

عدد الصفحات ٢٢٠

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 224 تراجع نفوذ الخلافة في أواخر القرن الثالث: 68- المقتدر بالله جعفر بن المعتضد: وفي نهاية القرن الثالث عاد الوعف مرة أخر لمركز الخلافة، حين تولى الخلافة حال صغره المقتدر بالله جعفر بن المعتود بالله أحمد، الخليفة العباسي الثامن عشر، وكان بويع بعد أخيه سنة 295ه، فأقام 25 سنة خليفة، وقتل سنة322ه، وكان وي الخلافة صغيرا وله 43 سنة (فاستقل الوزراء والكتاب بتدبير الأمور، وغلب على أمره النساء والخدام، واستوزر في مدة خلافته 49 وزيرا، واجتمع القواد والقواة على خلعه، فخلعوه سنة 296ه، وبويع عبدالله بن المعتز بالله، فلم يلبث غير يوم واحد، ولقصر مدته لم يورده المؤرخون في عداد الخلفاء، وعاد المقتدر وبقي الأمر على ما كان من تصرف النساء والخدام، ورجوعه إلى قولهم، ووقوفه عند رأيهم).(4) قال ابن كثير: (كان كريمًا، وفيه عبادة كثير الصلاة والصوم تط وعًا، ورد الرسوم والأ رزاق والكلف إلى ما كانت عليه في زمن الأوائل من بني عباس، وأطلق أهل الحبوس الذين يبوز إطلاقهم، وكان قد بنيت له أبنية، فأمر بهدمها؛ ليوسع على المسلمين الطرقات).(2) وعيب عليه التبذير والتفريط بالأموال وطاعة النساء وكثرة عزل الوزراء (3) وذلك لصغر سنه؛ إذ توفي ولم يبلغ الأربعين مع طول مدته. (4) مآثر4/6. (2) البداية والنهاية44/442. (3) البداية والنهاية44/424.

عدد الصفحات ٢٢١

vvvvvvvvvvvvvvvv 222 وفي عهده سنة٧ ه غلب عبيد الله المهدي على المغرب، وادّعى الخلافة (وبسط في الناس العدل والإحسان؛ فانحرفوا إليه، وخرجت المغرب من أمر بني العباس). (4) وفي سنة344 ه دخل أبو طاهر البنابي القرمطي البصرة والكوفة؛ فقتل خلقا كثيرا ونهب الأموال وقطع طريق الحج ثم عاد إلى البحرين. وفي سنة ٧ه دخل أبو طاهر القرمطي مكة وخطب لعبيد الله المهدي صاحب إفريقية، وقتل الحاج، وقلع الحبر الأسود، وتعطل الحج من العراق إلى سنة 322 ه. فاجتمع العساكر إلى مؤنس الخادم وألزموه بخلع المقتدر؛ ففعل، وبايعوا أخاه محمد بن المعتود ولقبوه القاهر بالله، ثم لم يلبث سو يومين حتى أعادوا المقتدر، وحبس القاهر.(2) قال المسعودي: (أفوت الخلافة اليه، وهو غفير، غر ترف، لم يعان الأمور، ولا وقف على أحوال الملك. فكان الأمراء والوزراء والكتاب، يدبرون الأ مور، ليس له في ذلك حل ولا عقد، ولا يوصف بتدبير ولا سياسة، وغلب على الأمر النساء والخدم وغيرهم، فذهب ما كان في خزائن الخلافة من الأموال والعدد بسوء التدبير الواقع في المملكة، فأداه ذلك الى سفك دمه، واضطربت الأمور بعده، وزال كثير من رسوم الخلافة. ولم يتقلد الخلافة من أمية وبني العباس إلى وقتنا هذا وهو سنة 345 في خلافة المطيع من اسمه جعفر إلا جعفر المتوكل وجعفر المقتدر، وكان مقتلهما جميعا في شوال) (3). (4) نزهة النالرين ص22. (2) مآثر4/9. (3) التنبيه4 /322.

عدد الصفحات ٢٢٢

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 223 وقال عنه، وما جر في عصره، وما أفضى إليه أمره: (ولأربعة أشهر من خلافته أجمع جماعة من قواده، وكتابه، فيهم الحس ين بن حمدان بن حمدون التغلبي، ووصيف بن صوارتكين الخزري، ومحمد بن داود بن البراح، وعلي بن عيسى، وغيرهم من رؤساء الأجناد، ووجوه الكتاب على خلعه، والبيعة لعبد الله بن المعتز وخلعوا المقتدر، وبايعوا ابن المعتز، يوم السبت للنصف من شهر ربيع الأول سنة 296ه، وأقاموا على ذلك يوما وليلة، ولم يزل المقتدر عن سرير ملكه، ولا أخرج من دار الخلافة. ثم أناب عدة من خواص الغلمان، فحاربوا شيعة ابن المعتز، فشتتوهم وهربوا على وجوههم، وقتل منهم جمع كثير، وقبض على ابن المعتز، فقتل. وصفا الأمر للمقتدر، ثم خلع بعد ذلك، وأزيل عن سرير ملكه، وأخرج عن دار الخلافة للنصف من المحرم سنة ٧. وبويع أخوه القاهر، وجلس على سرير الملك، وسلم عليه بالخلافة. وكان من الذين سعوا في خلعه أبو الهيباء عبد الله بن حمدان بن حمدون، ونازوك المعتودي، وغيرهما من رؤساء القواد، ووجوه الأجناد، وأدخلوا معهم في الأم ر مؤنسا الخادم المافر على كره منه، ثم أناب عدة من الرجال، ففتكوا بنازوك في الدار، ونادوا باسم المقتدر، وقتل أبو الهيباء، وتبايع أشياع المقتدر وخواصه، فأعيد إلى سرير ملكه، وجددت له البيعة، وصفا له الأمر، وذلك في يوم الاثنين، لسبع عشرة ليلة خلت من المحرم من هذه السنة)(4). وقال: (وكانت فيه وفي أيامه أمور لم يكن مثلها في الإسلام منها: (4) التنبيه ص326

عدد الصفحات ٢٢٣

vvvvvvvvvvvvvvvv 224 أنه ولى الخلافة، ولم يل أحد قبله من الخلفاء وملوك الإسلام في مثل سنه، لأن الأمر اف اليه وله ثلاث عشرة سنة وشهران وثلاثة أيام. ومنها أنه ملك خمسا وعشرين سنة إلا خمسة عشر يوما، ولم يملك هذا أحد من الخلفاء وملوك الإسلام قبله. ومنها أنه استوزر اثني عشر وزيرا فيهم من وزر له المرتين والثلاث، ولم يعرف فيما قبله أنه استوزر هذه العدة. ومنها غلبة النساء على الملك والتدبير حتى أن جارية لأمه تعرف بثمل القهرمانة كانت تبلس للنار في ماالم الخاصة والعامة ويحضرها الوزير والكاتب والقواة، وأهل العلم ومنها أن الحج بطل فلم يحج في سنة ٧ لدخول أبي طاهر سليمان بن حسن ابن بهرام البنابي القرمطي صاحب البحرين مكة، وكان دخوله إياها يوم الاثنين لسبع خلون من ذي الحبة، ولم يبطل الحج منذ كان الإسلام غير تلك الس نة، وغير ذلك من الأحوال التي كانت في أيامه واستوزر العباس بن الحسن على ما كان عليه في أيام المكتفي فلما قتل العباس استوزر على بن محمد بن موسى بن الفرات، ثم محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان الملقب بدق صدره، ثم على بن عيسى بن داود بن البراح، ثم على بن محمد بن الفرات الوزارة الثانية، ثم حامد بن العباس ثم على بن محمد بن الفرات الوزارة الثالثة، ثم عبد الله بن محمد بن عبيد الله الخاقاني وزر وأبوه محمد بن عبيد الله حي، وكانت وفاته بعد وزارة ابنه باثني عشر يوما، وذلك يوم الاثنين وقت العصر لثمان بقين من شهر ربيع الآخر، وقيل الأول سنة 342 وكان آخر من وزر وأبوه حي إلى وقتنا هذا وقد ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب من وزر وأبوه حي مثل أبي سلمة حفص بن سليمان الخلال، وعبيد الله بن يحيى بن خاقان، والعباس بن الحسن ابن أيوب، ثم استوزر أحمد بن عبيد الله الخصيبي، ثم علي بن عيسى الوزارة الثانية، ثم أبا على محمد بن علي بن مقلد، ثم سليمان بن الحسن بن مخلد بن البراح، وهو ابن عم علي ابن عيسى، ثم عبيد الله بن محمد

عدد الصفحات ٢٢٤

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 225 الكلواذاني، ثم الحسين بن القاسم ابن عبيد الله بن سليمان بن وهب، ثم الفول بن جعفر بن موسى بن الفرات وكان نقش خاتمه المقتدر بالله، وقاضيه محمد بن يوسف بن يعقوب على البانب الشرقي والكرخ، وقلد قواء القواة الى أن توفى فقلد ابنه عمر بن محمد بن يوسف البانب الشرقي والكرخ الله بن على بن أبى الشوارب، وبعده ابنه محمد بن عبدالله وبعده عمر بن الحسن المعروف بالأشناني، وانتقض وبعده الحسن بن عبد الله بن أبى الشوارب، وبعده عمر بن محمد بن يوسف..)(4). وقال: (ومن الكوائن العايمة والانباء البليلة التي كانت في أيامه ما لم يتقدم مثلها في الإسلام مسير أبى طاهر سليمان بن الحسن بن بهرام البنابي صاحب البحرين من الإحساء من بلاد البحرين الى البصرة في أربعم ائة فارس على أربع مائة حبرة لا حصان فيها وخمسمائة راجل ودخولهم إياها ليلا وقتلهم سبكا المفلحي، ومن قدروا عليه من أصحابه، ومن لهر لهم من الرعية، وذلك في ليلة الخميس لثلاث وقيل لخمس بقين من شهر ربيع الآخر سنة 344 وقيل بل ليلة الاثنين لست بقين منه، وكان مسيرهم من الإحساء إليها في ست ليال وتهارب الناس منهم إلى الأبلة والمفتح والشطوط والأنهار والبزائر، وغير ذلك وأقاموا في البلد سبعة عشر يوما، ثم رحلوا عنها منقلبين بما احتملوا منها إلى بلدهم، ثم اعتراضه الحاج في منصرفهم عن مكة بنواحي الهبير، مما يلي الثعلبية وهو في خمسمائة فارس وستمائة راجل وقتله من قتل من القواد وسائر الأولياء وغيرهم، وأسره أبا الهيباء عبد الله بن حمدان بن حمدون أميرهم، وأحمد بن بدر العم، وأحمد بن محمد بن كشمرد، وغيرهم من الوجوه وسائر طبقات الناس من النساء والرجال، وأخذهم الشمسية وغيرها من صنوف الأموال التي لا يوقف على تحديدها ومبلغها، وذلك يوم الأحد لإحد عشرة ليلة (4) التنبيهص 322.

عدد الصفحات ٢٢٥

vvvvvvvvvvvvvvvv 226 بقيت من المحرم سنة342، ثم اعتراضه الحاج في بدأتهم سنة 343 في خمسمائة فارس وستمائة راجل أيوا ولفره ببعوهم ورجوع الباقين إلى الكوفة ومدينة السلام، ومصيره إلى الكوفة وموافقته من كان بها من الأولياء الذين جردوا من الحضرة للقائه) (4). ولاة المقتدر بن المكتفي على الأمصار وكان على مصر قبله عيسى بن محمد النوشري، فولى عليها أبا منصور تكين سنة ٧ه، ثم عزله وولى عليها أبا الحسن الرومي سنة 323 ه، ثم أعاد أبا منصور سنة ٧ ه، ثم عزله وولى عليها هلال بن يزيد سنة ٧ ه، ثم ولى أحمد بن كيلغ سنة 344 ه، ثم أعاد أبا منصور تكين في السنة نفسها للمرة الثالثة. وأقر على الشام وحلب أحمد بن كيغلغ، وكان أبوه الخليفة المكتفي قد ولاه عليهما، وبقي إلى آخر خلافة المقتدر. 62- القاهر بالله محمد بن المعتضد أحمد وكانت نهاية هذه الفترة التي كان للوزراء نفوذهم السياسي في خلافة القاهر بالله محمد بن المعتود بالله أحمد التاسع عشر من خلفاء بني العباس، وقد بويع بعد قتل أخيه سنة 322 ه، فأقام سنة ونصف، وخلع سنة 322ه، وكان (شديد الإقدام على سفك الدماء أهوج محبا لبمع المال قبيح السياسة).(2) (4) التنبيه4 /332. (2) مآثر4/224.

عدد الصفحات ٢٢٦