vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 495 "دار العامة" والسلطة الشعبية: لقد كانت الثورة العباسية على السلطة الأموية ثورة شعبية عامة شاركت فيها الأمة في أكثر أقاليم الخلافة؛ ولهذا تحولت بعدها الخلافة والدولة من الناام المركزي للسلطات التي تمتعت بها السلطة في العهد الأموي، إلى ناام غير مركزي، جر فيه تقاسم السلطات مع قو المبتمع التي شاركت في الثورة، فخُصّ المواي من غير العرب بالوزارة، فكان أبو سلمة الخلال أول وزير بعد الثورة، كما عرفت هذه الفترة "دار العامة" كمؤسسة سياسية شعبية وبرلمان يشارك فيه العامة في شئون الدولة، بعد أن كان المسبد النبوي في عهد النبوة والخلافة الراشدة هو مبلس شور العامة، وكان ذلك تطورا طبيعيا بعد اتسا ع الخلافة في هذه الفترة اتساعا كبيرا يتعذر معه اتخاذ جامع بغداد مكانا للشور ، فكانت "دار العامة" هي المؤسسة البديدة، والتي باتت من أهم المؤسسات، التي تشهد مناقشة أهم القوايا العامة؛ كما في عقد هارون الرشيد لولديه الأمين والمأمون بولاية العهد و جلوسه في "دار العامة" للبيعة لهما.(4) وكما ذكر الطريي في تاريخه(2) في خ خروج المعتصم للروم وفتح عمورية بعد اعتدائهم على المسلمين في زبطرة وبلوغ خري الاعتداء للمعتصم سنة 224ه(واستعام المعتصم ذلك، فذكر أنه لما انتهى إليه الخري بذلك صاح في قصره النفير، ثم ركب دابته، فلم يستقم له أن يخرج إلا بعد التعبئة، فبلس في "دار العامة"، وقد أحضر من أهل مدينة السلام قاضيها عبد الرحمن بن إسحاق، وشعيب بن سهل، ومعهما ثلاثمائة وثمانية وعشرون رجلا من (4) المنتام9 /66. (2) تاريخ الطريي9 /56.
عدد الصفحات ١٩٥vvvvvvvvvvvvvvvv 496 أهل العدالة، فأشهدهم على ما وقف من الوياع، فبعل ثلثا لولده، وثلثا لله، وثلثا لمواليه ثم عسكر بغربي دجلة، وذلك يوم الاثنين لليلتين خلتا من جماد الأولى ). وحوور هذا العدد المحصور من العدول وهم 322 رج برئاسة قاضي بغداد، في مثل هذا الخطب البسيم، يؤكد خطورة دور "دار العامة" التي تمثل برلمانا شعبيا، ومبلسا رقابيا، يُ شهد الخليفة أعواءه على قراراته وتصرفاته، كما أن معرفة عددهم بكل دقة دليل على أنهم أعواء محصورون مشهورون في تمثيل العامة وفق ناام محدد! كما كان يبري في دار العامة التحقيق مع الولاة ممن يشتكي الناس منهم؛ كما ذكر الطريي في تاريخه(4) عن قدوم أهل طرسوس وواي الماالم فيها سنة 234ه إ "دار العامة" في بغداد لمناقشة قويتهم؛ حيث قال: (ذكر عن أحمد بن أبي قحطبة صاحب خاقان الخادم -وكان خادم الرشيد، وكان قد نشأ بالثغر- أن خاقان هذا قدم على الواثق، وقدم معه نفر من وجوه أهل طرسوس وغيرها يشكون صاحب ماالم كان عليهم، يكنى أبا وهب، فأحضر، فلم يزل محمد بن عبد الملك الزيات يبمع بينه وبينهم في "دار العامة" عند انصراف الناس يوم الاثنين والخميس، فيمكثون إلى وقت الاهر، وينصرف محمد بن عبد الملك وينصرفون، فعزل عنهم). كما كان يبايع فيها الخلفاء ويتشاور فيها في شأن ألقابهم؛ كما في خري بيعة المتوكل سنة 232ه بعد وفاة الواثق (فألبسه أحمد بن أبي دواد الطويلة وعممه وقبله بين عينيه، وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته! ثم غسل الواثق وصُ لي عليه و دفن، ثم صاروا من فورهم إلى "دار العامة"، ولم يكن لقب المتوكل.. واجتمعوا بعد ذلك على اختيار (4) تاريخ الطريي9 /444.
عدد الصفحات ١٩٦vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv ٧ لقب له، فقال ابن الزيات: نسميه المنتصر بالله، وخاض الناس فيها حتى لم يشكوا فيها..)(4). وكان يحضر "دار العامة" أشراف الناس ورؤوسهم وفق مراتبهم، وكان العامة في بغداد ربما ثاروا احتباجا على قرارات السلطة فحاصروها، وقطعوا الطريق عليها، وربما اقتحموها ونهبوا ما فيها، كما في خري خلافة المستعين بالله أحمد بن محمد بن المعتصم، والخلاف الذي جر بين أنصاره ومعارضيه من أنصار المعتز (فبايعوه وقت العشاء الآخرة من ليلة الاثنين، لست خلون من شهر ربيع الآخر من السنة، وهو ابن ثمان وعشرين سنة، ويكنى أبا العباس. فاستكتب أحمد بن الخصيب، واستوزر أوتامش فلما كان يوم الاثنين لست خلون من شهر ربيع الآخر صار إلى "دار العامة" من طريق العمري بين البساتين، وقد ألبسوه الطويلة وزي الخلافة، وحمل إبراهيم بن إسحاق بين يديه الحربة قبل طلوع الشمس، ووافى واجن الأشروسني باب العامة، من طريق الشارع على بيت المال، فصف أصحابه صفين، وقام في الصف هو وعدة من وجوه أصحابه، وحضر الدار أصحاب المراتب من و لد المتوكل والعباسيين والطالبيين وغيرهم ممن لهم مر تبة، فبينا هم كذلك، وقد مضى من النهار ساعة ونصف، جاءت صيحة من ناحية الشارع والسوق فإذا نحو من خمسين فارسا من الشاكرية، ذكروا أنهم من أصحاب أبي العباس محمد بن عبدالله، ومعهم قوم من فرسان طريية وأخلاط من الناس ومعهم من الغوغاء والسوقة نحو من ألف رجل، فشهروا السلاح، وصاحوا: يا معتز يا منصور.. (4) تاريخ الطريي9 /454.
عدد الصفحات ١٩٧vvvvvvvvvvvvvvvv 492 ونشبت الحرب بينهم، وأقبلت المعتزية والغوغاء يكريون، فوقعت بينهم قتلى كثيرة، إلى أن مضى من النهار ثلاث ساعات ثم انصرف الأتراك وقد بايعوا أحمد بن محمد بن المعتصم، وانصرفوا مما يلي العمري والبساتين، وأخذ المواي قبل انصرافهم البيعة على من حضر الدار من الهاشميين وغيرهم وأصحاب المراتب وخرج المستعين من باب العامة)(4) .وهذه الدار أضيفت إلى العامة "دار العامة" كمؤسسة شعبية رقابية، لمقابلتها بدار الخلافة، الخاصة بالسلطة التنفيذية، وهي أشبه بمبلس العموم الرييطاني في العصر الحديث. كما كانت "دار العامة" توم ممثلين عن كل فئات المبتمع وفق ناام محدد، يبري فيه اختيارهم أو فصلهم، فكان من أعوائها من كان ممثلا عن بني أمية والعثمانية كتيار سياسي، كما ذكر الطريي في حوادث سنة 252ه ففيها (أسقطت مرتبة من كانت له مرتبة في "دار العامة" من بني أمية، كابن أبي الشوارب والعثمانيين)(2). فقد كانت "دار العامة" مؤسسة سياسية منامة، وفق مراتب محددة، تمثّل كل فئات المبتمع! كما كانت "دار العامة"، توم "دار الوزراء" ومبلسهم، وتوم "دار الدواوين"، ويتم اختيار أفخم القصور في بغداد لهذه الدار العامة التي هي بمثابة مبمع لمؤسسات الدولة الشعبية والسياسية والإدارية؛ كما ذكر الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (كانت "دار المملكة" التي بأعلى المخرم، محاذية الفرضة قديما لسبكتكين غلام معز الدولة، فنقض عود الدولة أكثرها، ولم يستبق إلا البيت الستيني الذي هو في وسط أروقة، من و رائها أروقة، في أطرافها قباب معقودة، وتنفتح أبوابه الغربية إلى دجلة، وأبوابه الشرقية إلى (4) تاريخ الطريي9 /256. (2) تاريخ الطريي9 /6.
عدد الصفحات ١٩٨vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 499 صحن من خلفه بستان ونخل وشبر. وكان عود الدولة جعل الدار التي هذا البيت فيها "دار العامة"، والبيت برسم جلوس الوزراء، وما يتصل به من الأروقة والقباب مواضع الدواوين.. قال هلال: و هذه الدار وما تحتوي عليه من البيت المذكور والأروقة خراب. ولقد شاهدت مبلس الوزراء في ذلك ومحفل من يقصدهم ويحضرهم، وقد جعله جلال الدولة اصطبلا أقام فيه دوابه وسواسه، وأما ما بدأه عود الدولة وولده بعده في هذه الدار فهو متماسك على تشعثه. قلت: ولما ورد طغرلبك الغزي بغداد واستولى عليها عمر هذه الدار، وجدد كثيرا مما كان وهي منها في سنة ثمان وأربعين وأربع مائة، فمكثت كذلك إلى سنة خمسين وأربع مائة، ثم أحرقت وسلب أكثر آلاتها، ثم عمرت بعد وأعيد ما كان وهي منها)(4). وح نقلت دار الخلافة إلى سامراء انتقلت "دار العامة" إليها، وفيها عُقدت البيعة للخليفة المعتز بعد خلع المستعين بالله الذي نزل إلى بغداد، ووقع الصراع بين العاصمتين سامراء وبغداد، ومؤسسات الخلافة في كل منهما، كما قال البغدادي في تاريخ بغداد: (بويع المعتز "بسر من رأ " عند خلع المستعين. خرج أحمد الإمام المستعين بالله أمير المؤمنين من "سر من رأ " يوم الأحد لخمس خلون من المحرم سنة إحد وخمسين ومائتين إلى بغداد، فوثب أهل "سر من رأ " فبايعوا لأ بي عبدالله المعتز بالله. قال أبو بشر: وأخريني أبو موسى العباسي، قال: لما أنزل المعتز بالله من لؤلؤة و بويع له، ركب إلى أمه وهي في القصر المعروف بالهاروني، فلما دخل عليها وسألته عن خريه، قال (4) تاريخ بغداد4 /424.
عدد الصفحات ١٩٩vvvvvvvvvvvvvvvv 222 لها: قد كنت كالمريض المدنف، وأنا الآن كالذي وقع في النزع، يعني أنه قد بويع له "بسر من رأ "، والمستعين خليفة مبتمع عليه في الشرق والغرب. وقال أبو بشر: أخريني علي بن الحسن بن علي، قال: لما سأل الأتراك المستعين بالله الرجوع إلى "سر من أر " فأبى عليهم، قدموا "سر من رأ " يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة خلت من المحرم، فاجتمع المواي وكسروا باب لؤلؤة، وأنزلوا المعتز بالله فبايعوه وخلعوا المستعين، فركب المعتز بالله إلى "دار العامة" يوم الخميس في المحرم سنة إحد وخمسين و مائتين، فبايعه الناس، وعقد لنفسه لواء أسود، وخلع على إبراهيم المؤيد بالله، وعلى أحمد المعتمد على الله، وعلى أبي أحمد الموفق، وأنهوه إلى بغداد مطالبا بيعته التي أكدها له المتوكل على الله في أعناقهم، ومعه جماعة من الفقهاء، فشخص أبو أحمد يوم السبت لسبع بقين من المحرم، وحصن محمد بن عبدالله بن طاهر بغداد، ورم سورها، وأصلح أبوابها. وعسكر أبو أحمد بالشماسية ووقع الحرب يوم السبت للنصف من صفر، واتصلت الوقائع. قال أبو بشر: وسمعت جعفر بن علي الهاشمي، يقول: بويع المعتز يوم الأربعاء لا ثنتي عشرة ليلة خلت من المحرم، وتوجه أبو أحمد بن المتوكل على الله إلى بغداد في عشر ة آلاف من "سر من رأ "، فواقع أهل بغداد فقتل من الفريقين خلق عايم، وكانت هذه السنة فتنة المعتز والمستعين. قال: وأخريني أبو موسى العباسي، قال: لما وجه المعتز بالله أخاه أبا أحمد الموفق فحصرهم، وأقام المستعين بالله بغداد إلى أن خلع سنة، واشتد الحصار على أهل بغداد، وقد كان أهل بغداد لما دخل إليهم المستعين أحبوه ومالوا نحوه غاية الميل، حتى نزل بهم من الحصار ما نزل، ونسبوا محمد بن عبدالله بن طاهر إلى المداهنة في أمر المستعين بالله، وهاجموا منزله يريدون نفسه.
عدد الصفحات ٢٠٠vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 224 قال: وأخريني علي بن الحسن بن علي، قال: شرع في خلع المستعين بالله، فوثبت العامة على محمد بن عبدالله بن طاهر، وتذمرت عليه، ونقل المستعين بالله من داره إلى الرصافة. قال: وأخريني أبو موسى العباسي، قال: فدس محمد بن عبدالله بن طاهر إلى المستعين بالله من يعرض له بالخلع على أنه يتوثق له من المعتز بالله ويسلم إليه الأمر، و كان المستعين بالله رجلا صالحا ضعيفا، فأجاب المستعين بالله إلى ذلك وكره الدماء بعد أن لم يبد ناصرا. قال: وأخريني جعفر بن علي، قال: خلع أحمد المستعين بالله نفسه من الخلافة في المحرم أول سنة اثنتين وخمسين ومائتين)(4) . وقد كانت الدار تُفتح أيوا للعامة من غير أعوائها؛ كما جر حين ثاروا على الأمير محمد بن عبدالله بن طاهر حين أراد خلع المستعين بالله والبيعة للمعتز (فلما أصبحو ا وافوا الباب، فصاحوا، فصار ابن طاهر إلى المستعين يسأله أن يطلع إليهم ويسكنهم و يعلمهم ما هو عليه لهم، فأشرف عليهم من أعلى الباب وعليه الريدة والطويلة، وابن طاهر إلى جانبه، فحلف لهم بالله ما اتهمه، وإني لفي عافية ما علي منه بأس، وإنه لم يخلع، ووعدهم أنه يخرج في غد يوم البمعة ليصلي بهم، وياهر لهم فانصرف عامتهم بعد قتلى وقعت، ولما كان يوم البمعة بكر الناس بالصياح يطلبون المستعين.. وأعلم ابن طاهر فأذن لهم بالنزول فأبوا، وقالوا: ليس هذا يوم نزولنا عن لهور دوابنا حتى نعلم نحن والعامة ما نحن عليه، ولم تزل الرسل تختلف إليهم، وهم يأبون، فخرج إليهم محمد بن عبدالله نفسه، فسألهم النزول والدخول إلى المستعين، فأعلموه أن العامة قد ضبت مما بلغها وصح عندها ما أنت عليه من خلع المستعين والبيعة للمعتز، وتوجيهك (4) تاريخ بغداد2 /٧.
عدد الصفحات ٢٠١vvvvvvvvvvvvvvvv 222 القواد بعد القواد للبيعة للمعتز، وإرادتك التهويل ليصير الأمر اليه وإدخاله الأتراك والمغاربة بغداد، فيحكموا فيهم بحكمهم فيمن لهروا عليه من أهل المدائن والقر ، واستراب بك أهل بغداد. واتهموك على خليفتهم وأموالهم وأولادهم وأنفسهم، وسألوا إخراج الخليفة إليهم ليروه ويكذبوا ما بلغهم عنه فلما تبين محمد بن عبدالله صحة قولهم، ونار إلى كثرة اجتماع الناس وضبيبهم سأل المستعين الخروج إليهم، فخرج إلى "دار العامة" التي كان يدخلها جميع الناس، فنصب له فيها كرسي، وأدخل إليه جماعة من الناس فناروا إليه، ثم خرجوا إلى من وراءهم، فأعلموهم صحة أمره، فلم يقنعوا بذلك، فلما تبين له أنهم لا يسكنو ن دون أن يخرج إليهم -وقد كان عرف كثرة الناس- أمر بإغلاق الباب الحديد الخارج فأغلق، وصار المستعين وأخواله ومحمد بن موسى المنبم ومحمد بن عبدالله إلى الدرجة التي تفضي إلى سطوح دار العامة وخزائن السلاح، ثم نصب لهم سلاليم على سطح المبلس الذي يبلس فيه محمد بن عبدالله والفتح بن سهل، فأشرف المستعين على الناس وعل يه سواد، وفوق السواد برده النبي ﷺ، ومعه القويب، فكلم الناس وناشدهم، وسألهم بحق صاحب الريدة إلا انصرفوا، فإنه في أمن وسلامة، وإنه لا بأس عليه من محمد بن عبدالله، فسألوه الركوب معهم، والخروج من دار محمد بن عبدالله لأنهم لا يأمنونه عليه، فأعلمهم أنه على النقلة منها إلى دار عمته أم حبيب ابنة الرشيد، بعد أن يصلح له ما ينبغي أن يسكن فيه، وبعد أن يحول أمواله وخزائنه وسلاحه وفرشه وجميع ماله في دار محمد بن عبدالله، فانصرف أكثر الناس، وسكن أهل بغداد)(4) . (4) تاريخ الطريي9 /332.
عدد الصفحات ٢٠٢vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 223 وكذلك كان الخلفاء يعقدون في "دار العامة" للولاة ويخلعون عليهم فيها الخلع التشريفية كما ذكر الطريي (ثم ركب المعتز إلى "دار العامة"، وعقد لبغا ووصيف على أعمالهما)(4). وكما فعل الخليفة المعتمد سنة 264ه(وفيها لاثنتي عشرة موت من شوال منها، جلس المعتمد في "دار العامة"، فولى ابنه جعفرا العهد، وسماه المفوض إلى الله، وولاه المغرب، وضم إليه موسى بن بغا، وو لاه إفريقية ومصر والشام والبزيرة والموصل وأرمينية وطريق خراسان ومهرجانقذق وحلوان، وولى أخاه أبا أحمد العهد بعد جعفر، وولاه المشرق، وضم إليه مسرورا البلخي، وولاه بغداد والسواد والكوفة وطريق مكة والمدينة واليمن وكسكر وكور دجلة والأهواز وفارس وأصبهان وقم والكرج والدينور والري وزنبان وقزوين وخراسان وطريستان وجرجان وكرمان وسبستان والسند، وعقد لكل واحد منهما لواءين: أسود وأبيض، وشرط إن حدث به حدث الموت وجعفر لم يكمل للأمر، أن يكون الأمر لأبي أحمد ثم لبعفر وأخذت البيعة على الناس بذلك، وفرقت نسخ الكتاب، وبعث بنسخة مع الحسن بن محمد بن أبي الشوارب ليعلقها في الكعبة، فعقد جعفر المفوض لموسى بن بغا على المغرب في شوال وبعث إليه بالعقد مع محمد المولد)(2). وقد كان الخلفاء يبلسون في "دار العامة" للنار في الماالم كما رو الخطيب البغدادي عن (صالح بن علي بن يعقوب بن المنصور الهاشمي، قال: حضرت المهتدي بالله أمير المؤمنين رحمة الله عليه، وقد جلس للنار في أمور المتالمين في "دار العامة"، فنارت إلى قصص الناس تقرأ عليه من أولها إلى آخرها، فيأمر بالتوقيع فيها، وينشأ الكتاب عليها، (4) تاريخ الطريي9 /356. (2) تاريخ الطريي9 /544.
عدد الصفحات ٢٠٣vvvvvvvvvvvvvvvv 224 ويحرر ويختم، ويدفع إلى صاحبه بين يديه، فسرني ذلك، واستحسنت ما رأيت منه، فبعلت أنار إليه، ففطن ونار إي ، فغووت عنه، حتى كان ذلك مني ومنه مرارا ثلاثة، إذا نار غووت، وإذا شغل نارت، فقال ي : يا صالح، قلت: لبيك يا أمير المؤمنين وقمت قائما، فقال: في نفسك منا شيء تريد، أو قال: تحب، أن تقوله؟ قلت: نعم يا سيدي، فقال ي : عد إلى موضعك، فعدت وعاد إلى النار حتى إذا قام، قال للحاجب: لا يريح صالح، وانصرف الناس ثم أذن ي ، وهمتني نفسي، فدخلت، فدعوت له، فقال ي : اجلس، فبلست، فقال: يا صالح تقول ي ما دار في نفسك، أو أقول أنا ما دار في نفسي أنه دار في نفسك؟ قلت: يا أمير المؤمنين ما تعزم عليه وتأمر به، فقال: أقول أنا إنه دار في نفسي أنك استحسنت ما رأيت منا فقلت: أي خليفة خليفتنا، إن لم يكن يقول: إن القرآن مخلوق. فورد على قلبي أمر عايم، ثم قلت: يا نفس هل تموتين قبل أجلك، وهل تموتين إلا مرة، وهل يبوز الكذب في جد أو هزل؟ فقلت: يا أمير المؤمنين ما دار في نفسي إلا ما قلت. فأطرق مليا ثم قال: ويحك اسمع مني ما أقول، فوالله لتسمعن الحق، فسري عني، و قلت: يا سيدي ومن أولى بقول الحق منك وأنت خليفة رب العالمين، وابن عم سيد المرسلين من الأولين والآخرين . فقال: ما زلت أقول إن القرآن مخلوق صدرا من أيام الواثق، حتى أقدم أحمد بن أبي دؤاد علينا شيخا من أهل الشام من أهل أذنة، فأدخل الشيخ على الواثق مقيدا وهو جميل الو جه، تام القامة، حسن الشيبة، فرأيت الواثق قد استحيى منه ورق له، فما زال يدنيه ويقربه حتى قرب منه، فسلم الشيخ فأحسن، ودعا فبلغ وأوجز. فقال له الو اثق: اجلس، فبلس، وقال له: يا شيخ نالر بن أبي دؤاد على ما ينالرك عليه، فقال له الشيخ: يا أمير المؤمنين ابن أبي دؤاد يصبو ويوعف عن المنالرة، فغوب الواثق وعاد مكان الرقة له غوبا عليه، وقال: أبو عبدالله بن أبي دؤاد يصبو ويوعف عن
عدد الصفحات ٢٠٤vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 225 منالرتك أنت؟! فقال الشيخ: هون عليك يا أمير المؤمنين ما بك، وائذن في منالرته، فقال الواثق: ما دعوتك إلا للمنالرة، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين إن رأيت أن تحفظ علي وعليه ما نقول: قال أفعل، فقال الشيخ: يا أحمد أخريني عن مقالتك هذه هي مقالة واجبة داخلة في عقد الدين فلا يكون الدين كاملا حتى يقال فيه بما قلت؟ قال: نعم. قال الشيخ: يا أحمد أخريني عن رسول الله ﷺ حين بعثه الله إلى عباده هل ستر ر سول الله ﷺ شيئا مما أمره الله به في أمر دينهم؟ فقال: لا. فقال الشيخ: فدعا رسول الله ﷺ الأمة إلى مقالتك هذه؟ فسكت بن أبي دؤاد، فقال الشيخ: تكلم، فسكت، فالتفت الشيخ إلى الواثق، فقال: يا أمير المؤمنين واحدة. قال الواثق: واحدة. فقال الشيخ: يا أحمد أخريني عن الله عز وجل حين أنزل القرآن على رسول الله ﷺ فقال: ﴿الريَورمَ أَكرمَلرتُ لَكُمر دِينَكُمر وَأَترمَمرتُ عَلَيركُمر نِعرمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسرلاَمَ دِينً ا﴾. كان الله تعالى الصادق في إكماله دينه، أو أنت الصادق في نقصانه، حتى يقال فيه بمقالتك هذه. فسكت بن أبي دؤاد، فقال الشيخ: أجب يا أحمد فلم يبب، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين اثنتان، فقال الواثق: نعم اثنتان. قال الشيخ: يا أحمد أخريني عن مقالتك هذه علمها رسول الله ﷺ أم جهلها؟ قال ابن أبي دؤاد: علمها، قال: فدعا الناس إليها؟ فسكت. قال الشيخ: يا أمير المؤمنين ثلاث. قال الواثق: ثلاث، فقال الشيخ: يا أحمد فاتسع لرسول الله ﷺ أن علمها وأمسك عنها كما زعمت، ولم يطالب أمته بها؟ قال: نعم.
عدد الصفحات ٢٠٥vvvvvvvvvvvvvvvv 226 قال الشيخ: واتسع لأبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان، وعلي --؟ قال ابن أبي دؤاد: نعم، فأعرض الشيخ عنه وأقبل على الواثق، فقال: يا أمير المؤمنين، قد قدمت القول أن أحمد يصبو ويوعف عن المنالرة، يا أمير المؤمنين إن لم يتسع لك من الإ مساك عن هذه المقالة ما زعم هذا أنه اتسع لرسول الله ﷺ ولأب ي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، فلا وسع الله على من لم يتسع له ما اتسع لهم، أو قال: فلا وسع الله عليك، فقال الواثق: نعم، إن لم يتسع لنا من الإمساك عن هذه المقالة ما اتسع لرسول الله ﷺ، وأبي بكر، وعمر ، وعثمان وعلي، فلا وسع الله علينا اقطعوا قيد الشيخ. فلما قطع القيد ضرب الشيخ بيده إلى القيد حتى يأخذه، فباذبه الحداد عليه، فقال الواثق: دع الشيخ يأخذه، فأخذه فوضعه في كمه، فقال له الواثق: يا شيخ لم جاذبت الحداد عليه؟ قال: لأني نويت أن أتقدم إلى من أوصي إليه إذا أنا مت أن يبعله بيني وبين كفني، حتى أخاصم به هذا الاالم عند الله يوم القيامة، وأقول: يا رب سل عبدك هذا لم قيدني، وروع أهلي وولدي وإخواني بلا حق أوجب ذلك علي، وبكى الشيخ فبكى الواثق، وبكينا، ثم سأله الواثق أن يبعله في حل وسعة مما ناله، فقال له الشيخ: والله يا أمير المؤمنين لقد جعلتك في حل وسعة من أول يوم إكراما لرسول الله ﷺ إذ كنت رجلا من أهله. فقال الواثق: ي إليك حاجة، فقال الشيخ: إن كانت ممكنة فعلت، فقال له الواثق: تقيم قبلنا فننتفع بك، وينتفع بك فتياننا، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين إن ردك إياي إلى الموضع الذي أخرجني عنه هذا الاالم أنفع لك من مقامي عليك، وأخري ك بما في ذلك، أصير إلى أهلي وولدي فأكف دعاءهم عليك، فقد خلفتهم على ذلك. فقال له الواثق: فتقبل منا صلة تستعين بها على دهرك؟ قال: يا أمير المؤمنين لا يحل ي أنا عنها غني، وذو مرة سوي، فقال: سل حاجة، قال: أو تقويها يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، قال: تأذن أن يخلى ي السبيل الساعة إلى الثغر.
عدد الصفحات ٢٠٦vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv ٧ قال: قد أذنت لك، فسلم عليه وخرج. قال صالح بن علي: قال المهتدي بالله: فرجعت عن هذه المقالة، وألن أن الواثق قد كان رجع عنها منذ ذلك الوقت.. الشيخ هو أبو عبد الرحمن عبدالله بن محمد بن إسحاق الأذرمي)(4). الخلافة ونظام السلطنة سنة 352 هـ: وإذا كانت الوزارة قد عرفت منذ قيام الخلافة العباسية في العهد الأول حيث كان الفرس هم أرباب القلم والإدارة، فقد عرف ناام السلطنة في العصر العباسي الثاني، حيث تزايد نفوذ أمراء الأقاليم وقادة البيش، ففي عهد المعتز تولى أحمد بن طولون ولاية مصر (نائبا عن الخليفة المعتز بالله العباسي سنة 254ه، وأضيفت إليه نيابة الشام والعواصم والثغور وأفريقية، فصار سلطانا ولم يدّع الخلافة ولا الخروج عن نيابة العباسيين، وهو أول من تسلطن بمصر في الإسلام ، فكان له ما بين الموصل إلى أقصى المغرب حتى توفي سنة 2ه؛ فكانت مدة سلطنته 46 سنة(2) ولم يكن ولاة مصر (مستقلين بالأمر؛ بل كانوا نوابا عن الخلفاء الراشدين، ثم خلفاء بني أمية بالشام، ثم خلفاء بني العباس بالعراق).(3) وجاء بعده الخليفة الراشد: المهتدي بالله محمد بن الواثق بالله هارون بن المعتصم بالله محمد بن هارون الرشيد، وقد بويع بعد المعتز سنة 255 ه، وأقام نحو سنة، وقتله القائد (4) تاريخ بغداد44 /4. (2) نزهة النالرين ص2. (3) المصدر السابق ص ٧٧.
عدد الصفحات ٢٠٧vvvvvvvvvvvvvvvv 222 موسى بن بغا التركي سنة 256ه، (وكان المهتدي عادلا مرضيا) (4)، وكان (ورعًا كث العبادة، يكاد يكون في بني العباس مثل عمر بن عبد العزيز في بني أمية هديا وفولا).(2) وحين أرادوا بيعته بعد خلع المعتز (قالأفعل حتى أسمع بأذني خلع المعتز نفسه، فأدخلوه إليه فسلّم عليه بالخلافة وجلس بين يديه، فقالوا له: ارتفع، قال: لا ارتفع إلاّ أن يرفعني الله بخلافته. ثم قال له: يا أمير المؤمنين خلعت أمر الريّية عن عنقك طوعا ورغبة، وكل من كانت لك في عنقه بيعة فهو بريء منها؟ فقال من الخوف: نعم! فقال: خار الله لنا ولك يا أبا عبدالله. ثم ارتفع حينئذ إلى صدر المبلس وبايعه الناس، واستوزر أبا صالح جعفر بن احمد بن عمّار). (3) قال ابن كثير: (وكانت خلافة بحمد الله صالحة، قال يوما للأمراء: لست أريد إلا القوت فقط، لا أريد فولا على ذلك، إلا لإخوتي فإنهم مستهم الحاجة).(4) ويتبلى في هذا النص كيف تم تقييد صلاحيات الخليفة وتصرفه في بيت المال حتى يُصرف شيء إلا بموافقة الأمراء والوزراء! وقد أمر برد الماالم، وأن يؤمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وجلس للعامة يقضي بينهم بالعدل.(5) (4) المصدر السابق ص 62. (2) مآثر4/249. (3) الإنباءتاريخ الخلفاء (4 /433) (4) تاريخ ابن كث44/22. (5 )المصدر السابق 44/22.
عدد الصفحات ٢٠٨vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 229 قال ابن كثير: (كان يحب الاقتداء بعمر بن عبد العزيز الأموي في الورع والتقشف وكثرة العبادة وشدة الاحتياط). (4) وقال الخطيب البغدادي: (من أحسن الخلفاء مذهبًا، وأجملهم طريقة، وألهرهم ورعًا، وأكثرهم عبادة).(2) وقال عنه أيوا: (كان مع حسن مذهبه وإيثاره للعدل شديد الإشراف على الد واوين والخراج، يبلس بنفسه في الحسبانات والكتاب بين يديه).(3) وقد حسم أصحاب السلطان عن الالم، وأدب الرؤساء(4) وكان الولاة في عهده على الأمصار هم الذين كانوا في خلافة المعتز قبله، وكان أحمد بن طولون على مصر (فاستواف إليها الشام وهو أول من جمع له بين مصر وا لشام في الإسلام، والقاضي يومئذ بمصر بكار بن قتيبة). (5) قال العمراني: (وكان المهتدي زاهدا ورعا صوّاما قوّاما، لم تعرف له زلّة. وكان سهل الحباب كريم الطبع يخاطب أصحاب الحوائج بنفسه ويبلس للماالم بنفسه. وكان يلبس القميص الصوف الخشن تحت ثيابه على جلده. وكان يقول: لو لم يكن الزهد في الدنيا والإيثار لما عند الله من طبعي لتكلّفته وتصنّعته؛ فإن منصبي يقتويه، فإنّي خليفة الله في أرضه والقائم مقام رسوله النائب عنه في أمته، وإني لأستحي أن يكون لبني مروان عمر بن عبد العزيز وليس لبني العباس مثله وهم آل الرسول ﷺ وبه ألزم وإليه أقر ب. (4 )المصدر السابق 44/26. (2) تاريخ بغداد3/342. (3) المصدر السابق3/352. (4) المصدر السابق3/352. (5) مآثر4 /254.
عدد الصفحات ٢٠٩vvvvvvvvvvvvvvvv 242 وكان الناس يروون عن سفيان الثوري أنه كان يقول: الخلفاء الراشدون خمسة، ويعدّ فيهم عمر بن عبد العزيز. ثم أجمع الناس في أيام المهتدي من فقيه ومقرئ وزاهد وصاحب حديث أن السادس هو المهتدي باللَّه... وللبحتري فيه قصيدة بديعة يصف فيها زهده وسيرته ولبسه للصوف... قال البحتري: فلما فرغت من إنشاد القصيدة قال ي : ليس ي مال أصلك به ولا أر لك في بيت مال المسلمين حقّا؛ ولكني أفعل معك فعلا آخر، وأمر بإحوار أهله وأقاربه، وقال لهم: أبو عبادة خطيب بيتنا وشاعر دولتنا وليس في يدي شيء سو الأموال التي في بيت مال المسلمين وهي وديعة في يدي والله يسألني عنها يوم القيامة ويحاسبني عليها فأجيزوا أبا عبادة عني، فبمعوا ي بينهم في الحال مائة ألف درهم. فقال المهتدي: يا أبا عبادة والله ما ملكت عشرها قط ولا أملكه إن شاء الله... فأما وزراؤه: فأولهم جعفر بن محمود الإسكافي وأبو صالح جعفر بن أحمد ابن عمّار، وسليمان بن وهب).(4) وفي عهده خرج عليه علي بن محمد بن عبد الرحيم المعروف بصاحب الزنج، ونسبه عبد القيس، فبمع الزنج الذين يكسحون السباخ من جهة البصرة، وادعى أنه علي بن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي ط الب، وسار إلى البصرة، وعام أمره، حتى استولى على الأبلة وعبادان والبصرة، وبقي حتى قتل في خلافة المعتمد سنة 2 ه.(2) (4) الإنباء في تاريخ الخلفاء4 /433) (2) مآثر4/249.
عدد الصفحات ٢١٠