المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الجزء الثاني من كـتاب عودة الخلافة

غير معروف

صفحة ١١ من ٤٢

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 463 وقد جعل أبو يوسف مبلسا للحكم والقواء يحضره العلماء والفقهاء، قال ابن كث تاريخه في حوادث سنة 422: (وكان أول من ولاه القواء الهادي، وهو أول من لقب بقاضي القواة، وكان يقال له: قاضي قواة الدنيا؛ لأنه كان يستنيب في سائر الأقاليم التي يحكم فيها الخليفة). وقال أيوا: (وقد كان يحضر في مبلس حكمه العلماء على طبقاتهم، حتى إن أحمد بن حنبل كان شابا، وكان يحضر مبلسه في أثناء الناس، فيتنالرون ويتباحثون فيه، وهو مع ذلك يحكم ويصنف أيوا). وكان أبو يوسف مع كونه قاضيا للقواة مرجعا في الفقه الدستوري للخلافة، فألف كتابه "الخراج" لهارون الرشيد يحدد فيه السياسية المالية للدولة، وحدود مسئولياتها وصلاحياتها في الأموال تصرفا وجباية وقسما. وكان يوي أصحاب أبي حنيفة على القواء مما أد إلى وحدة الأحكام القوائية واستقرارها. وقد ولىّ هارون الرشيد منصب قاضي القواة بعد وفاة أبي يوسف: عليَّ بن لبيان، قال ابن كثير في تاريخه في وفيات سنة 492ه: (أبو الحسن العبسي الكوفي، قاضي الشرقية من بغداد زمن الرشيد، كان ثقة عالما من أصحاب أبي حنيفة، ثم ولاه الرشيد قاضي القواة، وكان الرشيد يخرج معه إذا خرج من عنده). وقال عنه الذهبي: (قاضي القواة للرشيد، يقال: وُي ّ بعد موت محمد بن الحسن، وقبل ذلك كان على قواء البانب الشرقي ببغداد.. وقال الخطيب: كان جليلا دينا متواضعا فقيها من أصحاب الإمام أبي حنيفة، محمود الأحكام) (4) . (4) تاريخ الإسلام 4 /4469.

عدد الصفحات ١٦٣

vvvvvvvvvvvvvvvv 464 وهو ما يؤكد استقرار هذا المنصب كبزء من مؤسسات الخلافة، وقد فتح ذلك الطريق ليشارك القواة برئاسة قاضي القواة وكبارهم في إدارة الدولة تشريعيا وقوائيا، ثم سياسيا في اختيار الخليفة نفسه، فلا يتولى ولاي ة العهد إلا بحوور القواة وشهادتهم له بتوفر الشروط فيه، وكذا عند عزله بفقده للشروط، حتى تباوز نفوذ المؤسسة القوائية وقاضي القواة في الخلافة العباسية نفوذ الوزارة والوزير، ونفوذ السلطنة والسلطان. غزواته: قال عنه ابن كثير في تاريخه -وفيات سنة 493ه-: (وقد غزا الصائفة في حياة أبيه مرارا، وعقد الهدنة بين المسلمين، والروم بعد محاصرته القسطنطينية، وقد لقي المسلمون من ذلك جهدا جهيدا، وخوفا شديدا، وكان الصلح مع امرأة أليون، وهي الملقبة بأغسطة على حمل كثير تبذله للمسلمين في كل عام، ففرح المسلمون في المشارق والمغارب، فهذا هو الذي حدا أباه على أن بايع له بولاية العهد بعد أخيه موسى الهادي، وذلك في سنة ست وستين ومائة. ثم لما أفوت الخلافة إليه بعد أخيه في سنة سبعين ومائة، كان من أحسن الناس سيرة، وأكثرهم غزوا وحبا بنفسه). و في سنة 424ه غزا أرض الروم وفتح حصن الصفصاف. وفي سنة 492ه سار ببيش عايم بنحو 435 ألف مقاتل إلى ملك الروم نقفور حتى نزل هرقلة وفتحها وأرسل إليه نقفور بالبزية. ونقض أهل قريص عهدهم؛ فأرسل إليها جيشا من مصر والشام؛ فأعادها. وقد غزا في خلافته ثمان غزوات وحج ثمان حبات. قال ابن كثير في تاريخه في حوادث سنة 2: (وفيها حج بالناس أمير المؤمنين هارون الرشيد، وأعطى أهل الحرمين أموالا كثيرة جدا، ويقال: إنه غزا في هذه السنة أيوا.

عدد الصفحات ١٦٤

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 465 وفي ذلك يقول داود بن رزين الشاعر بـهـارون لاح الــنور في كــل بلــدة إمـام بـذات اللـه أصــبح شــغلـه وقـام بـه في عـدل ســيرتـه النهج وأكثر ما يعنى بــه الغزو والحـج). وفي هذا أوضح دليل على عدم صحة ما يرويه أهل الأدب والسمر من أخبار عن حياة هارون وما كان فيها من بطر وطرب، لا يتفق مع ما تواتر تاريخيا عنه من انشغال بالحج وبالغزو في سبيل الله والخروج إليه بنفسه! وقد ذكر ابن كثير شيئا عايما من حسن عبادته، وقيامه الليل ، وصلاحه ونسكه، وتعايمه السنة، وتوقيره أهل العلم، وقد تواتر هذا عنه واستفاض، ورواه الأئمة الثقات، والقواة العدول، مما ينفي عنه كثيرا مما ألفه أهل السمر والأدب من القصص! وذكر ابن كثير تعايم الفويل بن عياض الزاهد للرشيد ودعاءه له، فقال: (وقد كان الفويل بن عياض يقول: ليس أحد أعز علينا من موت هارون الرشيد، وإني لأدعو الله أن يزيد في عمره من عمري. قالوا: فلما مات الرشيد، ولهرت تلك الفتن والاختلافات، والقول بخلق القرآن، عرفنا ما كان يحمل الفويل على ذلك)(4). وقد عهد بالخلافة بعده لولده الأمين ثم من بعده للمأمون و لاة الأمصار يوم وفاته: كان على مصر: الحسين بن الحباج، وعلى مكة واليمن: حماد اليزيدي، وعلى المدينة: داود بن عيسى بن موسى بن محمد، وولى على الشام: إبراهيم بن صالح بن علي العباسي، وولى على السند: داود بن يزيد المهلبي، وعلى جبل الديلم: يحيى البرشي، وعلى طريستان: مهدويه الرازي، وعلى الموصل : يزيد بن مزيد الشيباني. (4) البداية والنهاية ط هبر44 /45).

عدد الصفحات ١٦٥

vvvvvvvvvvvvvvvv 466 وولى هارون سنة424ه على أفريقية: إبراهيم بن الأغلب التميمي، وبنى مدينة العباسية بقرب القيروان وانتقل إليها وبقي إلى خلافة الأمين. وكان قد اشتكى أهل المغرب إلى هارون الرشيد للم واليهم محمد بن مقاتل العكي : (فاستعمل عليهم إبراهيم ابن الأغلب، لما رأ نهوته، وحسن طاعته، وانقياد اهل القيروان له. وكان فقيها، دينا، خطيبا، شاعرا، ذا رأي، وحزم، وبأس، ونبدة، وسياسة، وحسن سيرة. قل أن وي أفريقية أحد مثله في العدل والسياسة). (وقد طلب العلم وأخذ عن الليث بن سعد، وغير ه.. وانقمع الشر بالمغرب، وحسنت حال إفريقية. وبني مدينة سماها العباسية. وكان يتولى الصلاة بنفسه في جامع القيروان. وكان عالما عاملا بعلمه، توفي ابن الأغلب على إمرة المغرب لثمان بقين من شوال سنة ست وتسعين ومائة. وله ست وخمسون سنة، ووي بعده ابنه عبد الله)(4). وفي سنة492ه بنى إدريس بن إدريس بن الحسن مدينة فاس في المغرب الأقصى وانتقل إليها وقطع الخطبة عن بني العباس. وقد كان على الأندلس في خلافة هارون الرشيد بعد عبد الرحمن الداخل الأموي الذي توفي سنة 4ه ابنه هشام بن عبد الرحمن إلى سنة 2ه، ثم تولى بعد هشام ابنه الحكم بن هشام وبقي إلى خلافة الأمين. وقد كان عامة الولاة والقواة الذين ولاهم هارون الرشيد من العلماء العدول، كما كان أمير المدينة ونائب اليمن أبو بكر عبد الله بن مصعب الزبيري، قال عنه ابن كثير في تاريخه في وفيات 424ه: (عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام، أبو بكر (4) تاريخ الإسلام 43 /24- 25

عدد الصفحات ١٦٦

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv ٧ القرشي الأسدي، والد بكار. ألزمه الخليفة الرشيد بولاية المدينة، فقبلها بشروط عدة اشترطها، فأجابه إلى ذلك، ثم أضاف إليه نيابة اليمن، وكان من أعدل الولاة، وكان عمره يوم توفي نحوا من سبعين سنة). 1- الأمين محمد بن هارون الرشيد بويع بعهد من أبيه سنة 493ه، فأقام في الخلافة نحو خمس سنين، وخرج عليه أخوه المأمون وخلعه، وقتل سنة 492ه، وله تسع وعشرون سنة، وكان الأمين -كما ذكر ابن كثير في تاريخه في أحداث سنة 492ه-: (كثير الأدب، فصيحا، يقول الشعر.. وقد تأدب على الكسائي، وقرأ عليه القرآن. وقد سبن شاعره أبا نواس على شرب الخمر، وأخذ عليه العهد ألا يعود إليه)، وهي حال تخالف ما أشيع عنه زمن الفتنة بينه وبين أخيه المأمون من فبور، والتي كانت في حقيقتها صراعا بين قو مبتمعية، تتنافس على الرئاسة، فكان حول المأمون الخراسانيون الفرس، وهم أنصار الدعوة العباسية، الذين يرون بأنه تراجع نفوذهم في بغداد عاصمة الخلافة، منذ نكبة الريامكة، وقد كان وزير الأمين: الفول بن الربيع بن يونس -من مولى عثمان بن عفان- من أشد أعداء الريامكة، قال عنه الذهبي: (الأمير الكبير حاجب الرشيد، وكان أبوه حاجب المنصور. وكان من رجال العالم حشمة، وسؤددا، وحزما، ورأيا. قام بخلافة الأمين، وساق إليه خزائن الرشيد، وسلم إليه الريد والقويب والخاتم، جاءه بذلك من طوس، وصار هو الكل لاشتغال الأمين باللعب، فلما أدبرت دولة الأمين، اختفى..

عدد الصفحات ١٦٧

vvvvvvvvvvvvvvvv 462 يقال إنه تمكن من الرشيد، وكان يكره الريامكة، فنال منهم) (4). وكان الفول بن سهل ذو الرئاستين وزير المأمون في خراسان، وكان الذي قدمه للرشيد جعفر الريمكي، وكان الفول بن سهل شيعيا، وهو الذي أشار على المأمون بتبهيز طاهر بن الحسين لقتال الأمين ببغداد، وسمي ذو الرئاستين لتوليه الوزارة والحرب في خلافة المأمون.(2) وكذا تولى أخوه الحسن بن سهل الوزارة بعده، كما قال الذهبي: (الحسن بن سهل الوزير أبو محمد، أخو ذي الرئاستين الفول بن سهل. كانا من بيت رئاسة في المبوس، فأسلما مع أبيهما في أيام الرشيد، واتصلوا بالريامكة، فكان سهل يتقهرم الريمكي، فوم يحيى الأخوين، إلى ولديه، فوم جعفر الفول بن سهل إلى المأمون وهو وي عهد، فغلب عليه، ولم يزل معه إلى أن قتل، فكتب المأمون بمنصبه، وهو الوزارة، إلى الحسن. ثم لم تزل رتبته في ارتقاء إلى أن تزوج(3). فكان الصراع بين الأخوين الأمين والمأمون امتدادا للصراع بين هارون الرشيد والريامكة، كما كان صراعا بين مدرستين فكريتين: الأولى أثرية تميل إلى تعايم لواهر نصوص الشرع، وتر كل خروج عنها زندقة؛ كما كان الخليفة المهدي، وابنه هارون الرشيد، اللذان اشتهرا بتتبع الزنادقة واستتابتهم، وكذا كان محمد الأمين الذي تهدد إمام أهل البصرة في الحديث: إسماعيل بن علية؛ لأنه تأول حديثا على غير لاهره بما يفهم منه أنه يقول بخلق القرآن (قال الإمام أحمد: بلغني أنه أدخل على الأمين، فلما رآه زحف، وجعل يقول: يا ابن (4) سير الأعلام 42 /442 (2)سير الإعلام 42 /422 (3)تاريخ الإسلام 43 /434

عدد الصفحات ١٦٨

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 469 الفاعلة تتكلم في القرآن؟ وجعل إسماعيل يقول: جعلني الله فداك، زلة منعالم. ثم قال أحمد: إن يغفر الله له -يعني الأمين- فيها. ثم قال أحمد: وإسماعيل ثبت)(4). بينما كان المأمون يمثل مدرسة التأويل التي اشتد عودها في عصره، حتى حمل الناس بالقوة على القول بخلق القرآن! كما أشاع الشيعة الخراسانيون قول السوء عن الرشيد ولهوه -مع البون الشاسع بينه وبين الأمين - أشاعوا مثله عن الأمين وأكثر، زمن الفتنة في حربهم الإعلامية ضده، والتي تطورت إلى حرب عسكرية انتهت بحصار بغداد ثم قتله حتى قيل عنه: (سمحا بالمال، قبيح السيرة، ضعيف الرأي، سفاكا للدماء، منهمكا في اللذات واللهو).(2) وقد تفبرت الفتنة بعد قتله، حتى عمت العراق كله، حيث تعرض العباسيون للاضطهاد في الكوفة وأحرقت بيوتهم، ثم امتدت إلى الحباز واليمن، وثار الطالبيون وشيعتهم في كل مكان، وقطعت السبل، واضطربت الدولة، وهي الفتنة التي استحضر ذكراها الأليمة الإمام أحمد في زمن فتنة خلق القرآن، ورفض رفوا قاطعا اقتراح فقهائها الخروج على الواثق، وقال لهم: اصريوا حتى يستريح بر، أو يستراح من فاجر، وذكرهم ما كان الناس فيه زمن فتنة الأمين والمأمون، من انقطاع السبل وتعطل الأحكام، وخوف الناس! (3) وقد استوزر الأمين الفول بن الربيع وزير أبيه الرشيد، واستقضى حماد بن أبي حنيفة. (4)سير الأعلام 9 /444 - 442 (2) مآثر4/224. (3) السنة للخلال ص432.

عدد الصفحات ١٦٩

vvvvvvvvvvvvvvvv 2 وكان قد خلع أخاه المأمون من ولاية العهد سنة 494ه وعهد إلى ابنه موسى بن الأمين، ووجه جيشا لقتال أخيه المأمون في خراسان، فوجه له المأمون طاهر بن الحسين من مرو، ونزل طاهر الأنبار، ثم حاصر بغداد، وقتل الأمين. قال ابن كثير في تاريخه في حوادث 492ه: (و لما قتل الأمين هدأت الفتن، وخمدت الشرور، وأمن الناس، وطابت النفوس، ودخل طاهر بن الحسين إلى بغداد يوم البمعة، فصلى بالناس البمعة، وخطبهم خطبة بليغة، ذكر فيها آيات كثيرة من القرآن، وأن الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وأمرهم فيها بالبماعة والسمع والطاعة، ثم خرج إلى معسكره فأقام به، وأمر بتحويل زبيدة من قصر أبي جعفر إلى قصر الخلد، فخرجت يوم البمعة الثاني عشر من ربيع الأول من هذه السنة، وبعث بموسى وعبد الله ابني الأمين إلى عمهما المأمون بخراسان، وكان ذلك رأيا سديدا). وقد كان على الأمصار في خلافة الأمين: على مك ة والحباز: محمد بن عيسى بن علي العباسي. وعلى مصر: حاتم بن هرثمة بن أعين ثم عباد أبو نصر مولى كندة. وعلى الشام: إبراهيم بن صالح بن علي العباسي. وعلى حمص: عبدالله بن سعيد الحرشي. وعلى أفريقية: إبراهيم بن الأغلب التميمي وتوفي سنة 496ه ثم تولى ابنه عبدالله. وكان المستوي على المغرب الأقصى: إدريس بن إدريس الحسني العلوي. والمستوي على الأندلس أيام الأمين: الحكم بن هشام الأموي وتوفي سنة 226ه.

عدد الصفحات ١٧٠

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 4 2- المأمونعبدالله بن هارون الرشيد: بويع بعهد من أبيه بعد قتله أخيه الأمين سنة 492ه قال ابن كثير في حوادث هذه السنة: (لما قتل أخوه محمد بن هارون الرشيد ببغداد في رابع صفر من سنة ثمان وتسعين ومائة، وقيل: في آخر المحرم استوسقت البيعة شرقا وغربا للمأمون عبد الله بن الرشيد، فولى الحسن بن سهل نيابة العراق وفارس والأهواز والكوفة والبصرة والحباز واليمن، وبعث نوابه إلى هذه الأقاليم، وكتب إلى طاهر بن الحسين وهو ببغداد أن ينصرف إلى الرقة لحرب نصر بن شبث وولاه نيابة البزيرة والشام والموصل والمغرب. وكتب إلى هرثمة بن أعين بنيابة خراسان)، وأقام المأمون في الخلافة عشرين سنة وأشهرا، وهو أول من ألهر الاعتزال من الخلفاء، وحمل الناس عليه. وكان (كامل الفول، مشاركا في علوم كثيرة، جوادا، عايم العفو، حسن التدبير، وهو الذي نقل كتب اليونان إلى العربية، وكان يحب العلويين ويقوم بنصرتهم).(4) وعهد بالخلافة سنة 492ه إلى علي الرضا بن موسى الكالم بن جعفر الصادق العلوي، وتوفي الرضا سنة 223ه فحزن عليه المأمون. قال ابن كثير في تاريخه في حوادث سنة 224ه: (وفيها بايع المأمون لعلي الرضا بن موسى الكالم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن الحسين الشهيد، أن يكون وي العهد من بعده، وسماه الرضا من آل محمد ﷺ، وطرح لبس السواد ولبس الخضرة، وألزم جنده بذلك، وكتب بذلك إلى الآفاق والأقاليم. وكانت مبايعته له يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من شهر رموان سنة إحد ومائتين، وذلك أن المأمون رأ أن عليا الرضا خير أهل البيت، وليس في (4) مآثر4/229.

عدد الصفحات ١٧١

vvvvvvvvvvvvvvvv 2 بني العباس مثله في علمه ودينه، فبعله وي عهده من بعده. ولما جاء الخري إلى بغداد أن المأمون بايع لعلي بن موسى بولاية العهد من بعده، اختلفوا فيما بينهم؛ فمن مبيب مبايع، ومن آب مانع، وجمهور العباسيين على الامتناع، وكان الباعث لهم والقائم في ذلك إبراهيم ومنصور ابنا المهدي، فلما كان يوم الثلاثاء لخمس بقين من ذي الحبة، ألهر العباسيون البيعة لإبراهيم بن المهدي، ولقبوه المبارك، وكان أسود اللون، ومن بعده لابن أخيه إسحاق بن موسى بن المهدي، وخلعوا المأمون، فلما كان يوم البمعة لليلتين بقيتا من ذي الحبة، أرادوا أن يدعوا للمأمون، ثم من بعده لإبراهيم، فقالت العامة: لا نرضى إلا بإبراهيم فقط، واختلف الناس واضطربوا). وقال ابن كثير أيوا في حوادث سنة 222هعن مد ارتباط المأمون بالرضا وأهل بيته، ومصاهرتهم جميعا الحسن بن سهل، كأثر من آثار الدعوة الخراسانية الشيعية عليه، واحتدام الصراع في العراق بين العباسية والعلوية: (وجرت بالكوفة حروب بين أصحاب إبراهيم بن المهدي، وأصحاب المأمون، واقتتلوا قتالا شديدا، وعلى أصحاب إبراهيم السواد، وعلى أصحاب المأمون الخضرة، واستمر القتال بينهم إلى أواخر رجب. وفي هذه السنة لفر إبراهيم بن المهدي بسهل بن سلامة المطوعي فسبنه، وذلك لأنه التف عليه جماعة من الناس يقومون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن كانوا قد جاو ز وا الحد وأنكروا على السلطان، ودعوا إلى القيام بالكتاب والسنة، وصار باب داره كأنه باب سلطان عليه السلاح والرجال وغير ذلك من أبهة الملك، فقاتله البند فكسروا أصحابه، فألقى السلاح وصار بين النساء والناارة، ثم اختفى في بعض الدروب فأخذ وجيء به إلى إبراهيم فسبنه سنة كاملة. وفيها أقبل المأمون من خراسان قاصدا العراق، وذلك أن علي بن موسى بن جعفر العلوي أخري المأمون بما الناس فيه من الفتن والاختلاف بأرض العراق، وبأن الهاشميين قد أنهوا

عدد الصفحات ١٧٢

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 3 إلى الناس بأن المأمون مسحور ومبنون، وأنهم قد ينقمون عليك ببيعتك لعلي بن موسى، وأن الحرب قائمة بين الحسن بنسهل وبين إبراهيم بن المهدي فاستدعى المأمون ببماعة من أمرائه، وأقربائه، فسألهم عما أخريه به علي الرضا فصدقوه الأمر، بعد أخذهم الأمان منه.. وفي هذه السنة تزوج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل، وزوّ ج علي بن موسى الرضا بابنته أم حبيب، وزوّ ج ابنه محمد بن علي بن موسى بن جعفر بابنته الأخر أم الفول. وحج بالناس في هذه السنة إبراهيم بن موسى بن جعفر أخو علي الرضا ودعا لأخيه بعد المأمون ثم انصرف بعد الحج إلى اليمن) وكان المأمون: (أمّارًا بالعدل، محمود السيرة، فقيه النفس، يعد من كبار العلماء) (4). وكان عالمًا حازمًا حسن السيرة في الرعية، قال ابن كثير: (كان يتحر العدل، ويتولى بنفسه الحكم بين الناس والفصل) (2). وقد سأله رجل من الخوارج عن توليه الخلافة: أهو باجتماع الأمة واتفاقها عليه أم بالقوة والقهر؟ فقال: لا بهذا، ولا بهذا، بل كان يتولى أمر المؤمنين من عقد ي –هارون الرشيد– فلما صار الأمر إي ّ علمت أني محتاج إلى اجتماع كلمة المؤمنين في الشرق والغرب على الرضا بي، فرأيت أني متى تخليت عن الأمر اضطرب حبل الإسلام، ومرج عهدهم وتنازعوا، وبطل البهاد والحق، وانقطعت السبل، فقمت حياطة للمسلمين إلى أن يبمعوا على رجل يرضونه، فأسلم إليه الأمر، فمتى اتفقوا على رجل خرجت له من الأمر. (3) (4) تاريخ الذهبي44/232. (2) تاريخ ابن كث42/249، وانار تاريخ الذهبي44/٧. (3) تاريخ الذهبي44/223.

عدد الصفحات ١٧٣

vvvvvvvvvvvvvvvv 4 وقد عقد البيعة من بعده لعلي الرضا بن موسى الكالم بن جعفر الصادق الحسيني العلوي؛ لاعتقاده بأهليته وأفوليته، إلا أنه توفي قبل وفاة المأمون.(4) وقد استقضى يحيى بن أكثم، واستوزر ذا الرياست الفول بن سهل، وأحصى في أيامه سنة 224ه بني العباس فبلغوا 33 ألف نفس وفي سنة 242ه ألهر القول بخلق القرآن، وتفويل علي بن أبي طالب على جميع الصحابة، وحمل الناس على مذهب الاعتزال. قال ابن كثير في تاريخه وفيات سنة 244 عن محنة الإمام أحمد (قد ذكرنا فيما تقدم أن المأمون كان قد اجتمع به واستحوذ عليه جماعة من المعتزلة، فأزاغوه عن طريق الحق إلى الباطل، وزينوا له القول بخلق القرآن، ونفي الصفات عن الله عز وجل. قال الحافظ البيهقي: ولم يكن في الخلفاء قبله لا من بني أمية، ولا من بني العباس خليفة إلا على منهج السلف، حتى وي هو الخلافة، فاجتمع به هؤلاء فحملوه على ذلك. قالو ا: واتفق خروجه إلى طرسوس لغزو بلاد الروم فعن له أن يكتب إلى نائب بغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب يأمره أن يدعو الناس إلى القول بخلق القرآن، واتفق ذلك في آخر عمره قبل موته بشهور من سنة ثماني عشرة ومائتين. فلما وصل الكتاب كما ذكرنا استدعى جماعة من أئمة الحديث فدعاهم إلى ذلك فامتنعوا، فتهددهم بالضرب، وقطع الأرزاق، فأجاب أكثرهم مكرهين، واستمر على الامتناع في ذلك الإمام أحمد بن حنبل). (4) تاريخ الذهبي44/222، وابن كث42/٧.

عدد الصفحات ١٧٤

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv 5 وفي سنة246 ه توجه لمصر فدخلها وفتح الهرم الأكري من الأهرام بقرب البيزة، بع د مشقة عايمة ونفقة كبيرة.(4) وقال البشاري المقدسي بعد أن ذكر هرمي البيزة ذكر أبو الهول، فقال عنه: (وثم صنم يزعمون أن الشيطان كان يدخله فيكلمه حتى كسر أنفه وشفتاه)(2). ولاته على الأمصار ولى على مصر: جماعة أولهم المطلب بن عبدالله الخزاعي وآخرهم عيسى بن منصور. وولى على الشام: أخاه المعتصم، وولى ابنه العباس البزيرة والثغور. وولى وزيره الفول بن سهل على المشرق من جبال همذان إلى بلاد التبت طولا، ومن فارس إلى الديلم وجرجان عرضا. وولى أخاه الحسن بن سهل الحباز والعراق وفارس والأهواز وديوان الخراج. وولى على اليمن: محمد بن إبراهيم بن عبيد الله بن زياد بن أبيه، وبنى محمد مدينة زبيد باليمن سنة 224ه، ثم ولى بعده على اليمن ابنه إبراهيم بن محمد بن إبراهيم. وولى على خراسان: غسان بن عباد، ثم ولى سنة 225 ه طاهر بن الحسين بن مصعب المشرق من خراسان وما وراء النهر حتى توفي سنة 22٧ ه، ثم ولى المأمون سنة 244 ه ابنه عبدالله بن طاهر. وكان المأمون حين كان في خراسان قد أكرم وقدم أبناء أسد بن سامان وهم نوح وأحمد ويحيى وإلياس، فلما سار المأمون إلى بغداد، جعل على خراسان غسان بن عباد، فولى غسان (4) مآثر4 /243. (2) أحسن التقاسيم ص242.

عدد الصفحات ١٧٥

vvvvvvvvvvvvvvvv 6 أحمد بن أسد على فرغانة سنة224 ه، وولى يحيى بن أسد على الشاش وأشروسنة، وولى إلياس على هراة، وولى نوح بن أسد سمرقند قاعدة ما وراء النهر. فلما تولى طاهر بن حسين خراسان؛ أقرهم على أعمالهم. فتوفي نوح ثم بعده أخوه إلياس وتولى بعده ابنه محمد بن إلياس. وتوفي أحمد بن أسد واستخلف ابنه نصرا على فرغانة، وولى نصر أخاه إسماعيل بن أحمد بن أسد الساماني على بخار سنة 264ه، وكان إسماعيل رجلا صالحًا خيرًّا يحب أهل العلم ويكرمهم، ومن ثم دام ملكه وملك أولاده وطالت مدتهم.(4) وكان على أفريقيةعبدالله بن إبراهيم بن الأغلب فتوفي سنة 224ه، ووليها بعده أخوه زياد بن إبراهيم (و جاءه التقليد من قبل المأمون).(2) وكان المستوي على المغرب الأقصى: إدريس بن إدريس الحسني العلوي حتى توفي سنة 243 ه، فقام بعده ابنه محمد بن إدريس وكان المستوي على الأندلس: عبد الرحمن بن الحكم بن هشام الأموي. فتوحاته ووفاته: وقد توفي المأمون سنة 242ه بأرض ا لروم غازيا، وعمره ثمان وأربعون سنة ودفن بطرسوس، والخلافة العباسية في أوج قوتها، لولا ما كدرها من حمله الناس بالقوة على رأي المعتزلة والقول بخلق القرآن، واضطهاده العلماء على ذلك؛ وهو ما لم يسبقه عليه أحد من الخلفاء من قبله، مع علمه وفوله، فساء عند العامة ذكره، وقد قال المسعودي عنه: كان (كاملا، عالما، جوادا، عايم العفو، كريم المقدرة، ميمون النقيبة، حسن التدبير، جليل (4) مآثر4/259. (2) مآثر4/٧.

عدد الصفحات ١٧٦

vvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvvv ٧٧ الصنائع، لا تخدعه الأماني، ولا تبوز عليه الخدائع، علمه بما بعد عنه من ملكه كعلمه بما حضره، وربما حرك منه الغوب فعبل بالعقوبة)(4). 8- المعتصم بامحمد بن هارون الرشيد: بويع بعهد من أخيه المأمون سنة 242ه، فأقام في الخلافة نحو تسع سنين، وتوفي بسامراء سنة ٧ه وعمره ثمان وأربعون، وكان (شباعا كريم الأخلاق) (2)، وكان شهما ذا همة عالية وعناية بالبهاد والفتوح.(3) قال المسعودي عنه : (وكان الرجل الذي لا يقاس به الرجال قوة بدن، وشدة بأس، وشباعة قلب، وكرم أخلاق، آثر من استحدث من غلمانه الأتراك على المتقدمين من أوليائه ونصحاء آبائه)(4). فكان أول من استعان بالترك كقوة عسكرية على مواجهة الحركة الشعوبية الفارسية، التي كادت تعصف بالخلافة من الداخل، بعد أن تحولت عري توي الوزارة منذ أبي سلمة الخلال أول وزير إلى قوة سياسية تمثلت في الريامكة في عهد أبيه هارون الرشيد، ثم قوة عسكرية هددت وجود الدولة نفسه بعد ذلك كما تبلت في ثورة بابك الخرمي، وهو ما فتح الطريق لتحول الترك إلى قوة سياسية داخل مؤسسات الخلافة، هذه القوة التي س تال (4) "التنبيه والإشراف4 /324 (2) مآثر4/242. (3) تاريخ الذهبي42/393، وابن كث42/329. (4) "التنبيه والإشراف" 4 /٧

عدد الصفحات ١٧٧

vvvvvvvvvvvvvvvv 2 تتنامى طوال تاريخ الإسلام كقوة حماية للدولة والأمة والدين، إلى قيام الخلافة العثمانية بعد سبعة قرون، كوريث شرعي للخلافة العباسية في مصر. وقد بنى المعتصم مدينة سامراء وانتقل إليها سنة 222ه، واستخلف ببغداد ابنه الواثق، قال المسعودي: (وهو أول خليفة من خلفاء بنى العباس انتقل عن مدينة السلام منذ بناها المنصور. وكان السبب في ذلك، أن أهلها كرهوه وتأذوا ببواره حين كثر عبيده الأتراك، وغيرهم من الأعاجم، لما كانوا يلقون منهم ومن غلاتهم، وربما وثبت العامة على بعوهم، فقتلوه لصدمهم إياهم في حال ركوهم، فأحب التنحي بهم، والانفراد عن مدينة السلام، فخرج في آخر سنة 222 إلى ناحية القاطول، فنزل قصرا كان للرشيد هنالك، وهم أن يبنى في ذلك الموضع مدينة، ثم بدا له ولم يزل ينتقل في تلك النواحي حتى وقع اختياره على موضع سامرا.. وسرمن رأ آخر المدن العايمة، التي أحدثت في الإسلام، وه ي سبع….)(4) البصرة، والكوفة، والفسطاط، والرملة، وواسط، وبغداد، وسامراء. وكان قد استوزر الفول بن مروان فاستبد بالأمور من دونه حتى لم يبق للمعتصم معه أمر؛ فعزله، ثم استوزر أحمد بن عمار، ثم محمد بن عبد الملك الزيات. وكان على رأي أخيه المأمون في القول بخلق القرآن فأحضر أحمد بن حنبل سنة 249 ه، وامتحنه فامتنع عن موافقته، فضربه وحبسه. وفتح مدينة عمورية من أرض الروم سنة 222 ه. ويعدّ قواء المعتصم على ثورة بابك الخرمي من أعام إنبازاته الداخلية، حيث كانت أخطر حركة شعوبية باطنية كادت تسقط الخلافة الإسلامية، وقد انحاز ب ابك الخرمي (4) "التنبيه والإشراف" 4 /322

عدد الصفحات ١٧٨