المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

النشرة الشهرية لمجموعة المخطوطات الإسلامية – العددان 19 – 20

غير معروف

صفحة ١٩ من ٢٥

العددان: التاسع عشر والعشرون، جمادى الأولى جمادى الآخرة ]22[ ظلماتٌ ثلاث كم من تراثيٍّ هائمٍ مع مخطوط يحقّقه قد استحوذ عليه حتّى صار مثل أهله وأولاده أو أكثر رعايةً واهتماما، كأنّه طبيب جرّاح حشر أدواته وخبراته لإجراء عمليّة (قيصريّة) مُجْهِدَةٍ لتسهيل خروج هذا المولود التّراثي من ظلمات ثلاث: ظلمة التّاريخ، وظلمة الخزائن، وظلمة الخطّ، المشكلة أنّ كثيرا من المذكورين المقرَّبين لا يدرون أنّ لهم أخا من أبيهم، ولا والدتهم أنّ لها ربيبا جديرا منهم جميعا أن يسألوا على الأقلّ هذا الجرّاحَ المُجْهَد عنه؛ فعلا إنّهم لا يشعرون بوجوده حتّى! لكن الحمد لله ثمّة من يسأل ويشجّع لكنّهم قلّة في كثرة، وسلوان هذا الجرّاح التّراثيّ في إخوان له جرّاحين مثله يعيش كثير منهم في عالم قريب مجاور اسمه مجموعة المخطوطات الإسلاميّة.

عدد الصفحات ٢٩٧

العددان: التاسع عشر والعشرون، جمادى الأولى جمادى الآخرة تّعليق: ضياء الدين جعرير: كلمات معبّرة شيخنا، ويعظم هذا الإحساس ويزداد عند تحقيق مخطوط لم يحقّق من قبل، وبخطّ مؤلّفه، سبحان الله، تخيّلوا كم سيكون أمر كهذا مؤثرًا ومعبّرا. عبد العزيز سعداني: أستاذَنا الفردَ النَّدُسْه للمازَريِّ ذي الأسُسْذكَّ بصيصُ نورٍ قد قَبَسْ لم هذا شعاعٌ مُنعكسْأتى بش سْذيَّل َ ب لعلّ من كل علم ينبجِسْلم من نور علمٍ يقتبس)أت

عدد الصفحات ٢٩٨

العددان: التاسع عشر والعشرون، جمادى الأولى جمادى الآخرة ]23[ استنقاذ مخطوط من السّوق ذكر الأستاذ ضياء جعرير وفّقه الله تعالى نسخة مخطوطة من كتاب الشّفا للقاضي عياض كانت من محفوظات مكتبة عثمان شهدي أفندي بسراييفو البوسنة، سُرقت هذه النسخة وقام السّارق بأخذها للسّوق لبيعها، وقام بطمس ختم الوقف، وتفطّن له بالسّوق أحد الغيورين ممّن يعرف النّسخة فأخذها منه وردّها للخزانة، فعلّقتُ قائلا: « السّوق نادر مثله، ذكّرني صنيعه الكريم بما حدّثنا به مرارا شيخنا الجليل تعالى باستنقاذه لمجلّد ♫أبو عبد الباري حمّاد بن محمّد الأنصاري مخطوط نفيس من التّكميل في الجرح والتّعديل ومعرفة الثّقات والضّعفاء والمجاهيل للحافظ ابن كثير، رآه يباع في السّوق، وهو من أصول مكتبة عارف حكمت بالمدينة النّبويّة، ودفع فيه الشّيخ مبلغا كبيرا، وأرجعه للمكتبة، ولم يعوّض فيما ذكر شيئا، عوّضه الله الجنّة

عدد الصفحات ٢٩٩

العددان: التاسع عشر والعشرون، جمادى الأولى جمادى الآخرة ]24[ الجَنْدَرَة الإشعاعيّة كان الأقدمون إذا خفّ حبر الكلمات وبهت بسبب الرّطوبة أو البلل كتبوا فوقه من جديد، وحرصوا على أن يكون الخطّ فوق الخطّ تماما، وربّما ضبّبوا بالتّصحيح على هذه الكتابة الاستنقاذيّة، لطمأنة القارىء أنّ ما يرى إنّما هي كتابة جديدة على آثار أخاديد كتابة قديمة، وسمّوا الكتابة الجديدة على الكتابة الباهتة (جَنْدَرَة)، قال الجوهري في صحاحه الكتاب: إذا أمررتَ القلم على ما درس منه ليتبيّن)، أمّا في عصر العجائب هذا فتسليط إشعاعيٌّ كما في هذا المثال الحيّ يكشف للنّاظر ما انمحى من كلمات المخطوط، وكأنّما أزال طاقية إخفاء عنها كما يقال، وميزة هذا الاستنقاذ الإشعاعي العصري عدم تدخّلٍ جَنْدَرِيٍّ في الحفريات التي خلّفتها الكتابة القديمة الممحوّة، فإذا نظرتَ في المخطوط الأصلي رأيتَ بياضا لا كتابة فيه، وإذا نظرتَ عبر نافذة الجهاز الإشعاعي رأيتَ سوادا وكتابة واضحة بارزة، فالخطّ إذا إنّما غاب عن الأبصار البشريّة المحدودة، وكشفته بفضل الله أبصار شعاعيّة عميقة النّظر، طبعا كلّ هذا إنّما يتيسّر مع مخطوط أصلي طبيعي، لكنّه لا يجدي مع المصوّرات الورقيّة، لأنّ التّصوير الورق يخفي (المخفيّ) تماما، ولا سبيل إلى استعادته إلاّ بجَنْدَرَةٍ في أصله الخطِّي الذي خفّ حبره، أو بتسليط إشعاعيّ لما زال حبره زوالا كاملا، والمخطوطات

عدد الصفحات ٣٠٠

العددان: التاسع عشر والعشرون، جمادى الأولى جمادى الآخرة الأصليّة التي لا تدخل في ملكيّة الأفراد والمحفوظة في خزائن المكتبات لا يسمح عادة لأحد أن يحدث فيها كتابةً جديدة على أعقاب كتابة قديمة آيلة للمحو والزّوال، فبقي الحلّ الوحيد هو اللّجوء إلى الأشعّة البننفسجيّة وما تحت الحمراء، لكشف ما استتر من كلمات المخطوط الأصلي، ثمّ تنقل الكلمات بعد ظهورها وتلوّن تلوينا مشابها للّون الأصلي للمخطوط، وتوضع هذه الورقة ملحقةً كفرخة أو طيّارة، وينبّه بخطّ واضح في أسفلها أنّ هذه الكلمات ممحوّة في الأصل وإنّما كشفتها عين إشعاعيّة، وعليه جرى التّنبيه. ولستُ أشكّ أنّ الأقدمين لو أتيحت لهم هذه الوسيلة لما وقع بينهم اختلاف في طريقة استدراك ما اندرس وانمحى من كلمات المخطوط متنا أو إسنادا، نظرا لحساسية الموضوع، قال ابن الصّلاح في علوم الحديث ص إذا درس من كتابه بعض الإسناد أو المتن فإنّه يجوز له استدراكه من كتاب غيره إذا عرف صحّته، وسكنت نفسه إلى أنّ ذلك هو السّاقط من كتابه، وإن كان في المحدّثين من لا يستجيز ذلك .. قال الخطيب الحافظ: ولو بيّن ذلك في حال الرّواية كان أولى). وقوله: (درس) أي انمحى المكتوب وزال، ومع الاستنقاذ الإشعاعي ليس هناك انمحاء وزوال حقيقيّان، لأنّ المكتوب موجود في الباطن، معدوم في الظّاهر فقط، كما أنّ الاستدراك ليس من نسخة أخرى بل هو من نفس النّسخة، واشتراطهم التّحقّق التّام من صحّة المستدرك وأنّه عين ما انمحى واندرس، غير مثار مع هذه الوسيلة الإشعاعيّة، لأنّ المنجلي هو عين المختفي تماما، وحجّة الذي لم يستجز استدراك المندرس المنمحي من نسخة أخرى هو الاحتياط وسدّ الذّريعة تجاه احتمال وقوع الخطأ أثناء الاستدراك، خاصّة فيما له صلة بمتون الأحاديث وأسانيده، وهنا لا مجال للخطأ والتّغيير بتاتا، ولو أتيح لهذا المتحفّظ وهو الحافظ ابن ماسي البزّاز فيما ذكر الخطيب البغدادي هذه الوسيلة الإشعاعيّة العجيبة لتراجع عن

عدد الصفحات ٣٠١

العددان: التاسع عشر والعشرون، جمادى الأولى جمادى الآخرة قوله، ولما أثار المسألة من أساسها، لأنّه في الحقيقة ليس هناك ما اندرس، فكأنّما الاندراس خدعة بصريّة فقط، لم يلبث أن ظهرت في إثره الكلمات المندرسة من جديد، بعد أن فارقت مؤّقتا جاراتها الظّاهرات بسبب الرّطوبة والبلل، عفوا هي لم تفارقها أبدا بل هي معها ملتصقة بها، وإنّما اختفت عن أنظار البشر فقط. إنّ (الكاميرات الإشعاعيّة) ونظيرتها من الأجهزة الحسّاسة لباهضة الأثمان، لكنّ قيمة كشفها لما اندرس وانمحى أغلى وأثمن، والواجب توفّرها في خزائن المخطوطات العامّة خاصّة تلك التي فيها نوادر خطّيّة أتت الرّطوبة والبلل على كثير من نصوصها النّفيسة. وختاما أقترح هذا المصطلح (الجَنْدَرَة الإشعاعيّة) للدّلالة على عمليّة إمرار الأشعّة البنفجسيّة على ما اندرس وانمحى من كلمات المخطوط الأصلي من أجل إظهارها من جديد.

عدد الصفحات ٣٠٢

العددان: التاسع عشر والعشرون، جمادى الأولى جمادى الآخرة ]25[ إحياء الموات من عبارات الأقدمين المرتبطة بالكتاب المخطوط ثمّة عبارات فخمة تعجّ بها معاجم الأقدمين اللّغوية ولها صلة واضحة بالكتاب المخطوط، وهي عبارات جزلة تدلّ على ثراء لغة الضّاد، ولعلّ حوشيتها سبب لاندراس استعمالها عند المتأخّرين فضلا عن المعاصرين، وأولى النّاس بإحيائها هم التّراثيّون الذين تربطهم بالمخطوطات صلة قويّة، فكما أحيوا هذه الأعلاق وبعثوها من ظلماء الخطّ إلى نور الطّباعة، فقمن أن يحيوا ألفاظا لهم لها ارتباط بتلك الأعلاق، ويجدّدوا ذكرها في مقدّمات تحقيقاتهم، فلعلّ بعض هذه الألفاظ العتيقة تصلح مستقبلا كمصطلحات ترتبط بفنّ (كوديكولوج المخطوط)، من أمثلة هذا الباب ألفاظ تتعلّق باندراس الكلام المكتوب على المخطوط وذهابه وزواله، قال أهل اللّغة: عَمِسَ الكتاب إذا دَرَسَ، ومثله في الدّلالة على معنى الاندراس: جَرَنَ الكتابُ، وتَعَوَّر الكتابُ، وإذا تعمّد صاحب المخطوط محو ما فيه من المكتوب قالوا: طَرْمَسَ الكتاب، ويقولون: لَطَسَ الكتاب إذا محاه، وإنّما يقال: طَلَسْتَهُ إذا محوته لتفسد خطّه، َهُ، ويقال للصّحيفة إذا محيت: طلسٌ وطرسٌ، فإذا أنعمت محوه قلت: طَرَسْت وفي هذا الباب قالوا أيضا: لَمَقَ الكتاب إذا محاه .. وفي استدراك الكلام الممحوّ من المخطوط والكتابة فوقه لإظهاره من جديد قالوا: جَنْدَر الكتاب إذا أمرّ القلم على ما درس منه .. ألفاظ فخمة لكنّها موات في الاستعمال، وما أجدر المحقّقين أن تحيا على أيديهم.

عدد الصفحات ٣٠٣

العددان: التاسع عشر والعشرون، جمادى الأولى جمادى الآخرة ]26[ مآل المنتسخات والكنّاشات والجزازات بعد طباعة الكتاب قال المحقّق لمنتسخاته وكنّاشاته وجزازاته الورقيّة: آن الأوان لأخرجكم جميعا من مكتبتي فقد ضاقت بكم، فقلن: نرجوك أيّها المحقّق: دعنا هنا فقد اعتدنا على هذا المكان الغابق بالتّراث والدّفء، ونحن لا نطلب منك طعاما ولا شرابا، ذهب المحقِّق مسرعا ثمّ عاد وفي يديه كتاب مطبوع، شاهدتْ النّسخ الخطّيّة والكنّاشات الكتاب المطبوع فقلن متعجّباتٍ: هذا أخونا في أحلى صورة، وأبهى حلّة، قال الكتاب: أهلا بكم من جديد أخواتي العزيزات، قلن: أين كنتَ لقد طالت غيبتك، قال: لقد أدخلوني في دهاليز آلات طباعيّة ضخمة، واستنسخوا منّي إخوانا لي ولَكُنَّ بالألوف، وأرسلوهم إلى مكتبات محلّيّة ومعارض دوليّة ليباعوا، قلن: مآلهم إذًا إلى رفوف المكتبات كما هو حالنا نحن الآن، قال الكتاب: نعم لكن ما لي أراكنّ مرتجفات حزينات؟ قلن: صاحب البيت يريد أن يخرجنا من المكتبة وقال لنا: لقد طال مكثكنّ هنا وضاقت بكنّ المكتبة، قال المطبوع: سبحان الله تَخْرُجْنَ وتدعنني هنا وحيدا، قلن: إذًا كَلِّمْهُ فهو بك فرح مسرور، يتحدّث عنك في كلّ مكان، وتصله تبريكاتٌ كثيرةٌ من زملائه على ظهورك بهذه الحلّة القشيبة، قال المطبوع: أيّها المحقِّق، أخواتي الخطّيّات توسّطن بي لتدعهنّ في رفوف المكتبة أجاورهم ويجاورنني، قال المحقّق: هناك كنّاشات جديدة ومنتسخات أخرى ستحلّ محلّهنّ، وهنّ قد أدّين واجبهنّ ومنهنّ استفدتُ ما استفدتُ لتخرج أنتَ بهذه الحلّة القشيبة، قال الكتاب: فإلى أين تنوي إرسالهنّ؟ قال المحقّق: إمّا أرسلهنّ إلى فرنٍ ناريٍّ ثمّ يُذَرُّ رمادهنّ في التّراب، أو أضعهنّ في صناديق أوراق محترمة ليعاد استعمالهنّ أوراقا بيضاء

عدد الصفحات ٣٠٤

العددان: التاسع عشر والعشرون، جمادى الأولى جمادى الآخرة للنّاظرين، أو أضعهنّ في قسم مخطوطات إحدى المكتبات العامّة فعندهم هناك متّسع من المكان، قال الكتاب: لكنّهنّ منتسخات بخطّ يدك، واسمك مزبور في آخرهنّ، وذرّيّتك سيستفيدون يوما ما حين يرون اسمك متداولا في هذه المنتسخات، قال المحقّق: أضحكتني والله، أخواتك الورقيّات ينزعج منهنّ أهل هذه الدّار، وكم سعد أهل الدّار لمّا أخبرتهم بما عزمتُ عليه من إخراج أخواتك، عاد الكتاب المطبوع لأخواته الخطّيّات مسرعا فلمّا رأينه قلن: بشِّر أيّها العروس ما الخبر؟ قال: لقد طرح المحقِّق ثلاث خيارات: نار بعدها رماد في تراب، أو صناديق ورقيّة بعدها حلّة قشيبة من ورق جديد، أو يرسلكنّ إلى إحدى مكتبات المخطوطات، فانظرن ماذا ترين؟ تشاورتْ الخطّيّات مع بعضهنّ ودموع الفراق أضفت بظلالها على الموقف الحزين، وقلن بعد مشاورة طويلة: نختار قسم المخطوطات، فرح الكتاب وقال: نِعْمَ الاختيار وأنا سأكون مجاورا لكنّ في قسم المطبوعات، وسترينني من فترة لأخرى على يد باحث يتجوّل بي أمام رفوفكنّ. قصّة محبوكة تحكي واقعا صعبا يعيشه المحقّقون أمام منتسخاتهم وكنّاشاتهم وجزازاتهم الورقيّة التي وظّفوها طويلا حتّى خرج الكتاب المحقّق بهذه الصّورة الجديدة، ماذا يفعلون بها وقد انتهى دورها، هي خيارات ثلاثة طرحتها القصّة، ولا شكّ عند الفضلاء خيارات أخرى ممكنة.

عدد الصفحات ٣٠٥

العددان: التاسع عشر والعشرون، جمادى الأولى جمادى الآخرة ]27[ أثر الملل في تعطيل ظهور تحقيقات البارعين النُّبَّل قال محقّق لصاحبه المحقِّق: ما شاء الله تبارك الله، تحقيقاتك كثيرة، وظهرت في السّوق منشورة وفيرة، أهنّئك وأبارك لك هذه المطبوعات المتلاحقة، والمنشورات المتناسقة. قال الآخر: جزاك الله خيرا، وأثابك برّا وسترا، لكن عهدي بك مثلي كثير التّحقيق، وفير التّعليق، فأين تحقيقاتك ما لها مخفيّة، مستترة غير مرئيّة، لم لا نراها منشورة، ولا المكتبات بها معمورة. تنهّد متحسّرا، وأجاب متعذّرا، وقال: مشكلتي ملل مع المخطوط يعتريني، وسآمة بعد قطع شوط في التّحقيق تجتريني، أبدأ به وكليّ نشاط، فإذا قطعتُ شوطا زال عنّي الاغتباط، فأنتقل إلى مخطوط آخر منتشيا، وأشرع في تحقيقه مختليا، ثمّ تحصل لي النّكسة، وتنزل عليّ الرّكسة، وهكذا حيثما حللتُ دار مخطوط، مسكني مسكة الأخطبوط، ثمّ ولّيتُ عنه هاربا، والتمست غيره طالبا. قال صاحبه: هذه مشكلة كبيرة، ونازلة خطيرة، وأنت بهذه الطّريقة لن يظهر لك في سوق التّحقيق كتاب، رغم جهدك المبذول بلا ارتياب. قال الصّاحب: صدقتَ وأصبتَ عين الحقيقة، وأعترف أنّي جانبتُ صواب الطّريقة، فأخبرني أيّها الحبّ الوفيّ، والخلّ النّقيّ، ما سرّ تتابع تحقيقاتك في الأسواق، وظهورها جليّة لذوي الأحداق. قال: عندي مبدأ أسير عليه، وأصلٌ دائما أرنو إليه، وهو أنِّي إذا بدأتُ مع مخطوط أقبلتُ عليه تحقيقا، وانكببتُ على نصوصه نسخا ومقابلة

عدد الصفحات ٣٠٦

العددان: التاسع عشر والعشرون، جمادى الأولى جمادى الآخرة وتعليقا، وتقدمة وفهرسة ومراجعة وتوثيقا، ولم أنتقل إلى غيره مهما كان فيه من الفوائد الرّائقة، والدّرر الفائقة، إلا فوائد تخدم المخطوط الأوّل، وتزيده دررا من كلام النُّبَّل، فإذا قدّمتُ الأوّل للنّشر والطّباعة، أقبلتُ على الثّاني بالتّحقيق والصّناعة، قال الصّاحب: هذا والله العقل الرّجيح، والفعل الحسن النّجيح، لكن يحتاج صبرا وتعوّدا، وتحمّلا وتجلّدا. قال صاحبه: صدقتَ بهذا الاعتراف، وبررت دون تكلّف واعتساف، وكما لا يخفاك: التّحقيق جهد ذهنيّ مرهق، وعمل صناعيّ مغرق، وأنت بذاك الانتقال، تتسبّب لنفسك بالإرهاق والإملال، وبإمكانك أن تدع المخطوط الأوّل جانبا، وتزاول نشاطا آخر غير التّحقيق راغبا، كجولة في غابة وسط الأشجار، مستنشقا نسيم الورود والأزهار، أو جلسة على شاطئ نهر أو واد، معك رفقة من ذوي الوداد، وثق تماما أنّ كثيرا من المحقّقين، أصيبوا بما تحكيه من هذا الملل المشين، ومات بعضهم ولم يظهر من تحقيقاتهم كتاب، أو ظهر لكن تحقيقات ناقصة عند ذوي الألباب، وهذا ما لا أتمنّاه لك ولا لأيّ أحد من الأصحاب، أهل التّحقيق وعشق التّراث من الأحباب. (حوار ضمن مقامة تراثيّة بسيطة تعكس مشكلة قائمة عند عدد من المحقّقين، تكدّست عندهم تحقيقاتهم، ينتقلون من مخطوط إلى مخطوط، وعملهم في الجميع ناقص، وذهب جهدهم بسبب هذا الانتقال سدى، وتحرم الأسرة التّراثيّة من إبداعاتهم التّحقيقيّة، وقد حدّثنا شيخنا حمّاد بن محمّد ♫ مرارا عمّا كان يحدث مع الشّيخ العلامة أحمد شاكر♫الأنصاري من هذا الصّنيع، وشكا إليه الملل الذي يصيبه مع المخطوط، فينتقل إلى آخر وهكذا، فظهرت بعض تحقيقات الشّيخ شاكر ناقصة كالمسند للإمام أحمد،

عدد الصفحات ٣٠٧

العددان: التاسع عشر والعشرون، جمادى الأولى جمادى الآخرة لكنّه لمّا تفرّغ للرّسالة أبدع فيها للغاية، وكانت رائعة من روائعه الخالدة. ولا شكّ أنّ ثمّة أسباب أخرى لهذا الانتقال من كتاب إلى كتاب غير الملل، منها: -1التّريّث أمام معضلات في النّصوص المحقّقة -1أو انتظار لنسخ أخرى بعيدة المنال -1أو اعتلال بأمراض مزمنة -1أو تطلّع لإتقان مبهر في التّحقيق -1أو تواضع من مبتدئ في هذا المجال وكلّها أسباب وجيهة مقبولة، لكن من غير المقبول أنّ محقّقا خرّيتا يعمل في وقت واحد على مخطوطات كثيرة، ويمضي به العمر ولم ينه كتابا واحدا، وتحرم أسرة التّراث من تحقيقاته وإبداعاته).

عدد الصفحات ٣٠٨

العددان: التاسع عشر والعشرون، جمادى الأولى جمادى الآخرة ]28[ للإمام أحمد بن حنبل»المحنة« « بتفاصيلها وما حدث فيها من صبر منقطع النّظير، وشجاعة فريدة وعلم غزير في مقابلة دعاة الانحراف العقدي، بلسم لكلّ من ضاقت به الحياة، واشتدّت عليه المحن، وهنيئا للأستاذ أبي جنّة بهذا الشّرف. بالمناسبة ربّما صحّفوا (المحنة) إلى (المجنّة) يا أبا جنّة!

عدد الصفحات ٣٠٩

العددان: التاسع عشر والعشرون، جمادى الأولى جمادى الآخرة ]29[ لعلّ آثار البيهقي تبقى إلى القيامة جملة عميقة ذكرها الحافظ عبد الغافر الفارسي في كتابه السّياق لتاريخ نيسابور كما في منتخبه للصّريفيني ص يقوله النّحاة، وما ارتجاه عبد الغافر وتوقّعه متحقِّق إلى الآن، خاصّة وقد ظهر من أشراط السّاعة الصّغرى ما ظهر. إنّ الجهد الذي بذله الحافظ البيهقي في سننه الكبرى وشعب الإيمان ومعرفة السّنن والآثار وسائر تصانيفه ظاهر للعيان، والمادّة العلميّة التي نقلها من كتب نفيسة هي الآن في عداد المفقود شاهد آخر على قيمة مؤلّفاته، وخدمته لمذهب الإمام الشّافعي لا تخفى، كلّ هذا وغيره أهّله ومصنّفاته أن تتردّد على الألسنة، وتعقد لها مجالس السّماع، ويكثر النّقل عنها، وصاحَبَ ذلك كثيرٌ من دعوات النّاقلين والمستفيدين خلال قرون للبيهقي بالرّحمة، أليس هذا هو الخلود الحقيقي، وقد توفيّ البيهقي عام نيسابور أحقابا، وذِكْرُه الحسن متجدِّد في الآخرين. إنّ موارد البيهقي في كتبه شيء يقضى منه العجب، وهي شاهدة على حركة تراثيّة وعشق للكتب منقطع النّظير عند (المحدّثين البيهقيّين)، حتّى بلغ ببيهقيٍّ آخر من تلاميذ الحافظ البيهقي، وهو أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن عليّ البيهقي الخسروجردي القاضي المتوفىّ عام -: (كتب إليّ أجزاء بخطّه، ومن أعجب ما رأيت منه أنّه ما كان له الأصابع العشر، فإنّها قطعت بكرمان لعلّة لحقتها، فكان يأخذ القلم بكفَّيه، ويترك الورق تحت رجله، ويكتب بكفَّيه خطّا مليحا من أسرع ما يكون، وكان يكتب كلّ يوم خمس طاقات خطّا واسعا مقروءا )، إنّهم تراثيّون مخلصون،

عدد الصفحات ٣١٠

العددان: التاسع عشر والعشرون، جمادى الأولى جمادى الآخرة بعضهم لم تمنعه أصابعه المفقودة أن يشارك بنسخ المخطوطات بهذه الطّريقة الصّعبة، عشقوا التّراث وأحبّوه، فرزقوا خلودا دنيويّا، ورَنَوْا بأعمالهم العلميّة خلودا أخرويّا، رحمة الله عليهم أجمعين.

عدد الصفحات ٣١١

العددان: التاسع عشر والعشرون، جمادى الأولى جمادى الآخرة ]30[ عالم كفيف عاشق لمخطوطاته خبير بها رغم ذهاب بصره هو شافع بن عليّ بن عبّاس بن إسماعيل بن عساكر الكناني العسقلاني ثمّ المصري، كاتب مؤرّخ له شعر كثير جيّد، باشر ديوان الإنشاء بمصر زمانا، وأصابه سهم في صدغه في وقعة حمص بين الجيش المصري والجيش المغولي سنة - خزانة فيها عدد وفير من النّفائس الأدبيّة، ولما كفّ بصره كان إذا جسّ كتابا منها عرفه، وإذا أراد كتابا عرف موضعه، وكتب الخطّ المنسوب، وكانت زوجته تعرف ثمن كلّ كتاب، وبقيت تبيع منها بعد وفاته رحمة الله عليه. قال البوتيجي: (كان إذا لمس الكتاب وجسّه قال: هذا الكتاب الفلاني ملكته في الوقت الفلاني، وكان إذا أراد أيّ مجلّد قام إلى الخزانة التي هو فيها وتناوله منها، كأنّه الآن وضعه فيها). ومن شعر أديبنا وقد احترقت خزائن المخطوطات في أيام الملك الأشرف: هذا الذي قد تمّ من إحراقهالا تحسبوا كُتْبَ الخزانة عن سُدًى سِفَتْ فتلك النّارُ من زَفْراتِهالمّا تشتّت شَمْلُها وتفرّقتْ َ أ

عدد الصفحات ٣١٢