العددان: التاسع عشر والعشرون، جمادى الأولى جمادى الآخرة وهذا المخطوط يرجع إلى ما يعرف بالخزائن الملكية وهي خَزائنُ الكتب المُلحقة بقصور الخلفاء، مثل بيت الحكمة في بغداد العباسية، والقصر الخِلافي في قُرْطُبة بالأندلس، وخزانة كُتب الفاطميين في القاهرة. ومن بين خزائن الكٌتب الملكية، تُعدّ (خِزانةُ الكتب الفاطمية) -التي أسسها الفاطِميون في القاهرة - أحد أهمّ خَزائن الكُتب الإسلامية، والتي وصفها المؤُرّخُ الشِّيعي يحيى بن أبي طيّ بأنها إنّه لم يكن في جميع بلاد الإسلام دارُ كُتب أعظم من التي كانت بالقاهرة في القصر. وأنّها كانت تحتوي على ألف ألف وست مئة ألف كِتاب، وكان فيها من الخُطوط المنسوبة شيءٌ كثير وذكر غيرُ واحد من المؤرخين أن القاضي الفاضل وقف على مدرسته التي أنشأها سنة ببيعها وتشتيتها.. جملة خِزانة الكتب التي بالقصر، قبل أن يُؤمر وقد وصل إلينا من بين كُتب خِزانة الفاطميين بالقاهرة ثلاثَةُ كتب فقط، ُريس منها: النُّسخة المشار إليها من عَمرو السَّدُوسي أحد أئمة العربية واللُّغة (ت وظلّت هذه النُّسخة تُتداول بين أيدي العُلماء حتى انتقلت إلى القاهرة، إذ نجد على ظهرية النسخة (مُناولة) للكتاب مؤرخة بسنة الحُسين بن محمد الفرّاء البغدادي بمصر في شهور ربيع الأول سنة خمس وعشرين وأربعمئة. ثم دخلت هذه النُّسخة بعد ذلك بين كُتب خِزانة القصر الفاطمي، فقد جاء على ظهريّتها:
عدد الصفحات ١٥٣العددان: التاسع عشر والعشرون، جمادى الأولى جمادى الآخرة « الخليفة الفاطمي الظّافر بأعداء الله (ت وقد انتقلت هذه النُّسخة بعد خُروجها من خِزانة كُتب الفاطميين، وذهاب خِزانة كُتب المدرسة الفاضلية إلى المغرب الأقصى، حيث وُقفت على زاوية النّاصري بتامكروت في جنوب المغرب، وظلّت حَبيسة بها إلى أن اكتشفها ونقلها عالمُ المخطوطات المغربي السيد محمد إبراهيم بن أحمد الكتّاني إلى .(((الخِزانة العامة بالرباط سنة « )1(
عدد الصفحات ١٥٤العددان: التاسع عشر والعشرون، جمادى الأولى جمادى الآخرة
عدد الصفحات ١٥٥العددان: التاسع عشر والعشرون، جمادى الأولى جمادى الآخرة ذكرياتٌ لا تُنسى مع العلماء العالِم الخفي.. الشَّيخ الأديب إبراهيم بن سليمان الجرَّاح اللكويتي (((محمد بن ناصر العجمي الشّيخ العالِم، الأديب، الشَّاعر المطبوع: إبراهيم بن سُليمان الجرَّاح، من الكويت البلد المعروف على ضفاف الخليج المحروسة، المولود بها سنة 1319( وهو من تلاميذ علاَّمة الكويت عبد الله الخلف الدّحَيَّان، ومن أسرة « محمد بن سليمان الجرَّاح، والشاعر المجيد داود الجرَّاح ِ مَكَانَةٍ تُستنشَقُوَتَفُوحُ مِنْ طِيبِ الثَّناءِ رَوَائِحٌ لَهُمُ بِكُلّ أخذ الفقه الحنبلي وشقيقه منارة العلم والتقوى الشيخ محمد عن علاَّمة الكويت الشيخ الدّحَيَّان، وكذا عن الشيخ عبد الوهاب العبد الله الفارس، والعربية عن جماعة آخرين، منهم: أحمد الحَرمي، كما كان عنده معرفةٌ ودربةٌ في الفقه الشَّافعي، لمراجعته الطويلة مع أحد طُلاَّب الشَّافِعيّة. وْلى السِّيرة والتَّاريخ والأدب عنايته؛ فأمعن النَّظر فيها؛ فأكسبه ذلك سعة َ وأ الاطِّلاع. 30 )1(
عدد الصفحات ١٥٦العددان: التاسع عشر والعشرون، جمادى الأولى جمادى الآخرة ولم يعرف الكَلَل ولا الملل حتى بعد تقدُّمه في العمر. وأما معرفته بتاريخ الكويت وحوادثه وأمكنته فإليه المنتهى في ذلك. كما عُرف عنه أنَّه من الشُّعراء المطبوعين، فكان الشعر سهل القياد له، وهو في غايةٍ من الحُسن وجمال السبك من غير كُلفةٍ، وكان يقوله في أغراضه المتعدّدة، كالمراثي والإخوانيات والمناسبات وغيرها. تشرّفت بمعرفة هذا العالِم الأديب، فكنت أزوره بين الفينة والأخرى، وواسطة العقد في ذلك شقيقه شيخنا الفقيه الجليل الشّيخ محمد؛ وذلك حينما أردت أن أكتب عن علاَّمة الكويت الدّحيان؛ فتزوَّدت منه ببعض أخباره، وتكرَّرت زيارتي له: كريمٌ إذا ما زُرْتَهُ زُرْتَ زاخرًا لَهُ دُرُّ عِرْفانٍ يَمُوجُ وَيَنْدُرُ وكنت أزوره أحياناً مع الشَّيخ أحمد الغنَّام الرَّشيد، الذي كان يستنطقه ليسمع من فيض علمه، ودُرر كلمِه، أو شيئاً من شعره، أو يسأله عن معنى بيتٍ أو تاريخ، أو مكانٍ من أمكنة الكويت، أو وَقْعةٍ تاريخيَّة لها. وفي إحدى المرَّات طلب منِّي أستاذنا الدكتور عبد الله المحارب أن نزوره؛ فذهبت بصحبته له، فقد أراد أن يسأله عن بعض أشعار والده الشيخ حمد المحارب، وكانت الزيارة له في المسجد الذي يجلس فيه جُلَّ وقته، وهو مسجد أبو بكر الصدِّيق في ضاحية عبد الله السالم. كما أنَّ جمعاً من الشعراء وشُداة الأدب يزورونه ليراجع لهم شعرهم؛ فإن أجازه نشروه، وكان في قديم أمره يجتمع حوله في دكَّانه طائفة من محبِّيه من أهل العلم والأدب، فمحلّه دوحة أدبيَّة وسفينة شعرية. وكان مَنْطقه على قلَّته يُسرُّ به من سمعه ويسعد بلطفه وأدبه جليسه، ويودّ
عدد الصفحات ١٥٧العددان: التاسع عشر والعشرون، جمادى الأولى جمادى الآخرة لو أطال في كلامه؛ فإنّ حديثه ومساجلته السحر الحلال، والمورد الزُّلال؛ تنثال منه الكلمات بانسجامٍ ورقَّةٍ وعذوبة. ومَنْ خالطه وعرفه عَلِمَ أنَّه كان أديباً وشاعراً قَلَّ نظيره، ولكن بكل أسف لم يترك كتاباً أو ديواناً مِن بعده، وقد جَمع شيئاً من أخباره وشعره الدكتور يعقوب الغنيم. وأختم بما يدلُّ على جلال شعره وجمال نثره وعلو كعبه في ذلك، مما يدل حَقَّ الدِّلالة على أنه كان يمتلك ناصية الشعر والأدب. فهذه بعض الأبيات في رثائه لشيخه الدّحيان بعد وفاته سنة فمما قال فيها: وصفه لحاله لما تولىَّ القضاء: َدْ راوَدُوكَ على القَضَا إذْ لم يَكُنْ وْلى بِذلكَ مِنْ جَنابِكَ يُعْلَمُق َ أ بَيْتَ جُهْدَكَ هاربًا من مَنْصِبٍ َ َلَّتْ سَلامةُ مَن عليه تَسَنَّمُوافَأ ق يْتَهُمْ َ َهوا وَرَأ كْرَهُوكَ لَبِثْتَ عامًا تَحْكُمُحَتَّى إذا لم يَنْت َ قَدْ أ رْشيةَ الرِّشَا حَتّى اسْتَوَى َ في الحقِّ عِنْدَكَ ذُو الغِنَى والمُعْدمُفَصَرَمْتَ أ َإذا حَكَمْتَ فَكُلُّ خَصْمٍ قانعٌ بالحُكْمِ مُغتبطٌ به ومُسَلِّمُف نْتَ فَمَا ارْتَكَبْتَ لِمُشْكِلٍ َ مْ َ بَ َ أ رْزاقَ القُضاةِ تَرَفُّعًا َ عنها فما الدِّينار أو ما الدِّرْهَمُوَتَرَكْتَ أ وأما كتابته الأدبية النَّثرية، فإنه كتب بعض المقدمات والتي منها التقديم لكتاب « فإن سيرة الشيخ عبد الله بن خلف الدّحَيّان رحمه الله تعالى كادت أن
عدد الصفحات ١٥٨العددان: التاسع عشر والعشرون، جمادى الأولى جمادى الآخرة تخفى من الذكريات، وتنقرض بانقراض الرواة، فَعزَّ على الأخ محمد بن ناصر العَجْمي، أن تنطوي صَفْحَةٌ من صفحات الكويت النَّاصِعة، ويَغْرُبَ نجمٌ من نجومها اللاَّمِعَة. نعم عَزَّ ذلك على أديبنا الفاضل، فَجَدَّ واجتهد، وتَرَكَ الرَّاحةَ واستَعَدَّ، وشَمَّرَ عن السَّاعِدِ والسَّاقِ، وتزود بالدفاتر والأوراق. فبادرَ البقيَّةَ الباقيةَ قبل فَواتها، وسابَقَ الأيَّام إلى رُواتها، فزارَ البُلدان، واستوْقَفَ الرُّكبان، وناشَدَ الدِّيار، واستدلَّ بالآثار، واستعان بالمؤلَّفات، واستورد الوثائِق من الثِّقات. فدانت له الأنْبَاءُ الشَّوارد، وترامت إليه المصادر والموارد، فتوفَّرت له هذه المجموعة النَّادرة، بالأخبار الوافرة، ثُمَّ قال: وهذا غيض من فيض. يُشير بذلك إلى ما لا داعي لنشره، وإلاَّ فإن للشيخ تاريخاً حافلاً مع محبِّيه مَّا محبُّوه فإنهم يستأنسون برؤيته، إذا رأوه كأنهم رأوا أحد الصحابة. َ ومنافسيه، أ وحَتَّى إنهم اقتسموا به الأيام، فيلتقون به كل يوم عند أحدهم في ديوانه بعد الظهر، وعنده هو يوم الخميس بعد العصر، مع أن ديوانه مفتوح كل يوم بعد الصبح، وبعد المغرب، وبعد صلاة الجمعة، تُدار عليهم قهوة الزَّعفران والدارسين، ثُمَّ قهوة البن، والبخور. يرون تلك الأيام كأيام العيد، وكانوا يحملون جنائِزهم من الشرق والمرقاب، إلى حي القبلة ليصلي عليها الشيخ بمسجد البدر، ويُشيعهم إلى قبورهم، ويدعو لهم بعد الدفن. تِيَنَّ بِمِثْلِهِ ْ َأ حَنِثَت يمينُكَ يا زَمَانُ فَكَفِّرِحَلَفَ الزَّمانُ لي وأمَا منافسوه، فالذي حملهم على ذلك خوفهم من تفوُّقه عليهم وتلاشي
عدد الصفحات ١٥٩العددان: التاسع عشر والعشرون، جمادى الأولى جمادى الآخرة سُمعتهم، كما وقع مثل ذلك لشيخ الإسلام ابن تيمية مع بعض معاصريه. وكان الشيخ عبد الله حليماً كريم الأخلاق مع الجميع، فلا يلقى أحداً بما يكره، حَتَّى إن أحد منافسيه حين قَعَدَ به الدهر عَطَفَ عليه الشيخ، وصار يزورهُ، ويَدس إليه النَّفقة سِرًّا تحت بِسَاطِهِ رحم الله الشيخ العالِم الأديب إبراهيم الجرَّاح ، الذي كان نسيجاً مُتفرِّداً في فنون من العلم والأدب، وقد عُمِّر حَتَّى بَلَغَ المئة سنة، مُمتَّعاً بحواسِّه وعلمه وفضله، ولم يترك الاطِّلاع، وإدمان النظر في كتب العلم حتى وفاته رحمه الله تعالى ، وقلَّما ذُكِرَ بعد وفاته إلاَّ وترى الألسُن تثني عليه وتذكر علمه وشَريف أدبه: لَقَدْ حَسُنَتْ من قَبْلُ فيكَ المَدائِحلئن حَسُنَتْ فيكَ المراثي وَذِكْرُها
عدد الصفحات ١٦٠العددان: التاسع عشر والعشرون، جمادى الأولى جمادى الآخرة
عدد الصفحات ١٦١العددان: التاسع عشر والعشرون، جمادى الأولى جمادى الآخرة
عدد الصفحات ١٦٢العددان: التاسع عشر والعشرون، جمادى الأولى جمادى الآخرة
عدد الصفحات ١٦٣العددان: التاسع عشر والعشرون، جمادى الأولى جمادى الآخرة
عدد الصفحات ١٦٤العددان: التاسع عشر والعشرون، جمادى الأولى جمادى الآخرة قلعة الجبل نماذج مما نسخ فيها وأوقف على خزائنها عادل بن عبد الرحيم العوضي بنيت القلعة قراقوش الأسدي بتنفيذ عملية البناء عام في العهد المملوكي. وقد حدد المقريزي موقعها قائلاً وهي تتصل بجبل المقطم، وتشرف على القاهرة ومصر والنيل والقرافة، 1(
عدد الصفحات ١٦٥العددان: التاسع عشر والعشرون، جمادى الأولى جمادى الآخرة فتصير القاهرة في الجهة البحرية منها، ومدينة مصر والقرافة الكبرى وبركة الحبش في الجهة القبلية الغربية، والنيل الأعظم في غربيها، وجبل المقطم من ورائها في الجهة الشرقية. وكان موضعها أوّلاً يعرف بقبة الهواء، ثم صار من تحته ميدان أحمد بن طولون، ثم صار موضعها مقبرة فيها عدّة مساجد، إلى أن أنشأها السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، أوّل الملوك بديار مصر، على يدّ الطواشي بهاء الدين قراقوش الأسديّ، في سنة اثنتين . وسبعين وخمسمئة، وصارت من بعده دار الملك بديار مصر وكان اهتمام الأمراء المماليك بالعلم والعلماء ظاهرًا، وذلك من خلال توقيره، فقد ذكر عن الظاهر برقوق بأنه كان يقوم للفقهاء والصلحاء عند دخولهم، ولم يكن يعهد ذلك في ملوك مصر، فهذا الظاهر بيبرس كان يميل إلى التاريخ، ويقول: (سماع التاريخ أعظم من التجارب)، وكان الأشرف خليل بن قلاوون يطارح الأدباء، وكان السلطان الغوري تعقد عنده المجالس العلمية والدينية. وكانت للأمراء والعلماء في ذلك العصر عناية بالكتب، مما كان له أثر إيجابي في تأليف الكتب، ووقفها على خزائن الكتب والجوامع. وكان الأمراء يحرصون أن تكون هناك مكتبة في قصورهم، فمثلاً: الأمير تغري برمش سيف الدين الجلالي الناصري، وقد كان نائب القلعة، مستكثرًا للكتب في مكتبته، و مثله الأمير يشبك بن مهدي الظاهري جمقمق، كان يحب جمع الكتب شراءً واستكتاباً، والكثير من محتويات المكتبات المصرية . الموجودة حالياً يعود لعصر المماليك 1( 2(
عدد الصفحات ١٦٦العددان: التاسع عشر والعشرون، جمادى الأولى جمادى الآخرة وبالتالي في العصر المملوكي انتشرت المؤسسات التعليمية من مدارس ومساجد وخوانق وأربطة (جمع رباط) وزوايا وأسبلة (جمع سبيل)، وكان يتم بها تعليم الطلبة والإنفاق عليهم، وبالتالي كان يتم تزويد المكتبات الملحقة بتلك المؤسسات بكل الكتب المطلوبة، وفى معظم تلك المؤسسات الدينية جرت حركة تعليمية احتاجت لوجود (خزانة الكتب)، ومن تلك البقاع التي ازدهرت بالمكتبات في عصر المماليك قلعة الجبل، لا سيما أنها كانت دارًا للملك لعدة قرون حتى عهد الخديوي إسماعيل، ويذكر في كتب التاريخ العديد من المكتبات التي كان بداخل القلعة، مثل: خزانة الجامع الأبيض، وخزانة الجامع المؤيدي، ومكتبات المدراس، مثل: مكتبة مدرسة السلطان حسن، ومدرسة أم السلطان، وغيرها من المكتبات. وكانت في القلعة نفسها خزانة كتب مستقلة، و تعرضت هذه الخزانة لحريق أتى على جزء كبير منها، قال المقريزي: (وقع بها الحريق يوم الجمعة رابع صفر سنة إحدى وتسعين وستمئة، فتلف بها من الكتب في الفقه والحديث والتاريخ وعامة العلوم شيء كثير جدًا، كان من ذخائر الملوك، فانتهبها الغلمان، وبيعت أوراقًا محرّقة، ظفر الناس منها بنفائس غريبة ما بين . ملاحم وغيرها، وأخذوها بأبخس الأثمان ومما يسر الله الوقوف عليه عدة مخطوطات نسخت أو أوقفت على خزائن كانت بالقلعة ومقالة: (خزانة الكتب) أو: (المكتبات العلمية في الدولة المملوكية) بموقع أهل القران. 1( 2(
عدد الصفحات ١٦٧العددان: التاسع عشر والعشرون، جمادى الأولى جمادى الآخرة مما نسخ بداخل القلعة: 1 علي بن عبد الخالق البهنسي في قلعة مصر سنة المحيط للسرخسي – 2 الدمشقي سنة 1( 2(
عدد الصفحات ١٦٨