(16) المطلب الثالث :- ( سياسة الانفاق عند الفقهاء ) ﭧ ﭨ ﭽ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﭼ 1. والمعنى: أنهم يضعون النفقات مواضعها الصالحة كما أمرهم الله فيدوم إنفاقهم وقد رغب الإسلام في العمل الذي يدوم عليه صاحبه، وليسير نظام الجماعة على كفاية دون تعريضه للتعطيل فإن الإسراف من شأنه استنفاد المال فلا يدوم الإنفاق، وأما الإقتار فمن شأنه إمساك المال فيحرم من يستأهله2. لقد فرض الله على البشر أن ينفقوا من ماله الذي استخلفهم فيه وجعلهم قوام ا عليه وما أمر الله البشر أن ينفقوا إلا ذكرهم أنهم ينفقون من ماله الذي آتاهم، ورزقه الذي ساقه إليهم، والنصوص في ذلك كثيرة منها قوله {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [ }الحديد: 7]3. قال الرسول: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه"4 . وهذا الامر ينطبق على الحاكم والمحكوم ، ومع ان هذا البحث يتكلم عن الانفاق العام للحكومات ، او الحاكم المسلم ، لكنه يأخذ بعين الاعتبار انفاق الافراد ، لان الفرد المسلم جزء من الامة ،ومن واجب الحاكم المسلم ان ينظم انفاق الافراد ، بل ويحثهم على الانفاق ويحرص على ان يكون انفاق في محله . أن الإنفاق والعطاء معلم بارز في الشخصية المسلمة؛ لأنه يتكرر كثيرا في القرآن الكريم كله وهو يدعو إلى الإنفاق، ويجعله جزءا من المتطلبات التي لا تنفك عن المسلم، ويجعل الزكاة -وهي العطاء الواجب- ركنا من أركان الإسلام، فلا إسلام إلا به ، على الرغم من هذا كله فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمرن الأمة المسلمة باختبارات عديدة لتعميق هذه القيمة العالية، قيمة الإنفاق والعطاء دون مقابل عاجل حيث جعلها إقراضا لله يوفيه لصاحبه يوم القيامة5. 1 - سورة الفرقان ، اية 67. 2 - التحرير والتنوير«تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد منتفسير الكتاب المجيد»، محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي (المتوفى : 1313هـ) ، الدار التونسية للنشر- تونس 1184 هـ ،11 /72. 3 - المال والحكم في الإسلام، عبد القادر عودة (المتوفى: 1373هـ) ،الناشر: المختار الإسلامي للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة ،الطبعة: الخامسة، 1317 هـ - 1177م، ص41. 4 - سنن الترمذي ، محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي، أبو عيسى (المتوفى: 271هـ) ،مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط2 ، 1175، كتاب ، باب في القيامة ، رقم (2417)، 4 /612. 5 - ينظرالسيرة النبوية والدعوة في العهد المدني، المؤلف: أحمد أحمد غلوش، مؤسسة الرسالة ، ط1،2004م، ص716
عدد الصفحات ١٧(17) لذلك تكلم الفقهاء عن واجبات الحاكم المسلم وانه يجب ان يكون مشرف بشكل مباشر على الانفاق العام للدولة وان يحرص ان يكون الانفاق في محله ، بدون اسراف او تبذير، وان يحقق هذا الانفاق اهداف الدولة ، ويحرص ان يحقق مصلحة المسلمين ، وكما قلنا في المطلب الاول تصرف الامام منوط بالمصلحة . لان من واجبات الحاكم المسلم هو عمارة البلدان التي تحت حكمه ، والعمارة والبناء لا يكون بغير انفاق الاموال الازمة لذلك 1. قال ابن الازرق2: "واعلم أن الأموال إذا كنزت وادخرت في الخزائن لا تنمو وان كانت في صلاح الرعية واعطاء حقوقهم وكف الاذى عنهم نمت وزكت وصلحت بها العامة وطاب بها الزمان، فليكن كنز ذخائرك تفريق الأموال في عمارة الإسلام واهله واوف رعيتك من ذلك حصصهم وتعهد ما يصلح من امورهم ومعاشهم"3. فمن واجبات الحاكم ،جباية الزكوات والجزية من أهلها، وأموال الفيء والخراج عند محلها، وصرف ذلك في مصارفه الشرعية، وجهاته المرضية، وضبط جهات ذلك، وتفويضه إلى الثقات من العمال4. ومن واجبات الحاكم تقدير العطاء وما يستحق في بيت المال من غير سرف ولا تقصير فيه، ودفعه في وقت لا تقديم فيه ولا تأخير5. فمن القواعد المقررة أن كل ما يرد من موارد الدولة المالية فهو حق للأمة لا يصرف إلا في مصالحها العامة، وعلى هذا الأساس رتبت المصارف التي ينفق فيها إيراد الدولة الإسلامية6. وكما ذكرنا في المطلب الثاني ان مصارف الزكاة مذكورة في النص القرآني ، وانها تدفع للأصناف الثمانية . 1 - ينظر تسهيل النظر وتعجيل الظفر في أخلاق الملك، أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)المحقق: محي هلال السرحان، دار النهضة، بيروت،ص158. سراج الملوك، أبو بكر محمد بن محمد ابن الوليد الفهري الطرطوشي المالكي (المتوفى: 520هـ) من أوائل المطبوعات، مصر 1281هـ، 1872م ،ص126.تحرير الاحكام في تدبير اهل الاسلام، ابن جماعة ، ص16 . 2 - محمد بن علي بن محمد الأصبحي الأندلسي، أبو عبد الله، شمس الدين الغرناطي ابن الأزرق: عالم اجتماعي سلك طريقة ابن خلدون. من أهل غرناطة. (المتوفى: 816هـ)، الأعلام، خير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس، الزركلي الدمشقي (المتوفى: 1316هـ) ، دار العلم للملايين، ط15، 2002، 6 /281. 3 - بدائع السلك في طبائع الملك ، محمد بن علي بن محمد الأصبحي الأندلسي، أبو عبد الله، شمس الدين الغرناطي ابن الأزرق (المتوفى: 816هـ) وزارة الإعلام، العراق، ط1 ،ص181. 4 - ينظر تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام، أبو عبد الله، محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني الحموي الشافعي، بدر الدين (المتوفى: 733هـ) دار الثقافة، قطر،ط3، 1188، ص68 . 5 - الاحكام السلطانية ، ابو يعلى ،ص28. 6 - ينظر: السياسة الشرعية ، عبدالوهاب خلاف ، ص134.
عدد الصفحات ١٨(18) فذكرالله تعالى ثمانية أصناف من هذا النوع تعطى لهم الزكاة من أموال الأغنياء، يأخذها ولي أمر المسلمين ويقسمها بينهم كما أمر الله جلت قدرته، ووضح ذلك غاية الإيضاح، فلم يترك ذلك لاختيار أحد، ولم يتركها كذلك للأغنياء أنفسهم يعطون من شاءوا ويحرمون من أرادوا حسب ما تمليه عليهم أهواؤهم وآراؤهم1. وهذا لا يعني عدم جواز الصرف من المال العام في مصارف الزكاة عند الحاجة لذلك، بل يجب على الإمام الاجتهاد في سد حاجة المحتاجين، وتحقيق المصلحة العامة للمسلمين2. "فإن اتفق مع بذل المجهود في ذلك فقراء محتاجون لم تف الزكوات بحاجاتهم، فحق على الإمام أن يجعل الاعتناء بهم من أهم أمر في باله، فالدنيا بحذافيرها لا تعدل تضرر فقير من فقراء المسلمين"3. واما باقي موارد الدولة المالية من اموال الخراج والجزية وغيرها فقد فصل الفقهاء طرق انفاقها على من يستحقها، وننقل بعض اقولهم. يقول ابو يعلى الفراء4 : "ويكون المأخوذ من خراجها مصروفا في المصالح، لأنه وقف على جميع المسلمين. فصار مصرفه في عموم مصالحهم التي منها أرزاق الجيش، وتحصين الثغور، وبناء القناطر والجوامع، وكرى الأنهار، وأرزاق من تعم بهم المصلحة: من القضاة، والفقهاء، والقراء، والأئمة، والمؤذنين، فإن فضل بعد ذلك كان لجميع المسلمين ممن تعم بهم المصلحة ومن لا مصلحة فيه الغني والفقير"5 . يقول الماوردي6 عن الخراج :" مصروفا في مصالح المسلمين؛ كأرزاق الجيش وإعداد الكراع والسلاح، وبناء الحصون والقناطر، وأرزاق القضاء والأئمة، وما جرى هذا المجرى من وجوه المصالح"7. 1 - خصائص ومقومات الاقتصاد الإسلامي محمد إبراهيم برناوي ،الناشر: مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة الطبعة: ربيع الآخر - رمضان 1401 هـ ،ص 212. 2 - ينظر نوازل الزكاة «دراسة فقهية تأصيلية لمستجدات الزكاة» عبد الله بن منصور الغفيلي، دار الميمان ،القاهرة ،ط1، 2001، ص251. 3 - الغياثي غياث الأمم في التياث الظلم، عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ) مكتبة إمام الحرمين، ط2، 1401ه ، ص233. 4 - محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد. القاضي أبو يعلى ابن الفراء البغدادي الحنبلي، [المتوفى: 458 هـ]،كبير الحنابلة. كان عالم زمانه، وفريد عصره، ينظر: تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير وَالأعلام، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي، دار الغرب الإسلامي، ط1 2003م،10 /101. 5 - الأحكام السلطانية، القاضي أبو يعلى ، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف ابن الفراء (المتوفى : 458هـ) دار الكتب العلمية، بيروت ، ط2 ،2000م،ص205 . 6 - الإمام العلامة، أقضى القضاة، أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري، الماوردي، الشافعي، صاحب التصانيف،(المتوفى: 450هـ). ينظر: سير اعلام النبلاء ، للذهبي، 18 /65. 7 - الاحكامالسلطانية ، الماوردي ، ص201.
عدد الصفحات ١٩(11) يقول الجويني1 :" وأما المال المرصد للمصالح، فلا نتصور انقطاع مصارفه. والإمام يبدأ فيه بالأهم فالأهم ، وإن لم تف الزكوات بحاجات المحاويج سد الإمام حاجتهم بمال المصالح. فإذا مال المصالح معد لكل مصلحة ليس لها مال، وكل مصرف قصر عنه المال المعد له، فمال المصالح يستتمه ويستكمله، ولو فرض زوال الحاجات، وارتفاع الضرورات، ففاضل مال المصالح يبنى به الرباطات والقناطر والمساجد وغيرها من جهات الخير"2. مصرف الخراج، والجزية، يصرف إلى عطايا المقاتلة، وذراريهم، وسلاحهم، وإلى أرزاق القضاة، والولاة، وأعوانهم، والفقهاء، والمعلمين، والمتعلمين ، وكل من تقلد شيئا من أمور المسلمين ، وإلى إصلاح القناطر، والجسور، وبناء الرباطات، والمساجد، وسد البثق، وتحصين ما يخاف عليه البثق، وكرى الأنهار العظام التي فيها مصالح المسلمين، وإلى ما فيه صلاح المسلمين3. يقول ابن الازرق : "واعلم أن إنفاق الأموال يحي موات ما انصرفت إليه ويعظم صغيره فإن كان في عائد المملكة كان كالماء المنصب إلى الأشجار المثمرة والمزارع الزاكية التي يخصب بمصلحتها الزمان وتمرع البلاد وإن كان في غير عائدها انبتت ما يضر نباته ولا ينفع ريعه وبسوقه فكن فيه كالطيب الحاذق الذي يضع الدواء حيث يكون الداء"4. وأما المصارف: فالواجب أن يبدأ في القسمة بالأهم فالأهم من مصالح المسلمين العامة ، وعمارة ما يحتاج إلى عمارته من طرقات الناس: كالجسور والقناطر، وطرقات المياه كالأنهار5. خلاصة كلام الفقهاء، ان اموال المسلمين ،لا تنفقالا فيما يحقق المصلحة العامة، ولا يجوز ان تصرف اموال المسلمين ،في ما لا نفع فيه ، او ما يسبب الضرر، ويفسد اخلاق المسلمين، كما ذكرنا في المطلب الاول، ان تصرف الامام منوط بالمصلحة . "ولا يجوز للإمام أن يعطي أحدا ما لا يستحقه لهوى نفسه: من قرابة بينهما، أو مودة، ونحو ذلك؛ فضلا عن أن يعطيه لأجل منفعة محرمة منه، كعطية 1 - الإمام الكبير، شيخ الشافعية، إمام الحرمين، أبو المعالي عبد الملك ابن الإمام أبي محمد عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن محمد بن حيويه الجويني (المتوفى: 478هـ)، ينظر سير اعلام النبلاء ، للذهبي ،18 /468. 2 - الغياثي غياث الأمم في التياث الظلم، الجويني، ص241. -3 ينظرالدرة الغراء في نصيحة السلاطين والقضاة والأمراء، محمود بن إسماعيل بن إبراهيم بن ميكائيل الخَيْربَيْتي (المتوفى: 843هـ)، مكتبة نزار مصطفى ،الرياض، ص212. 4 - بدائع السلك في طبائع الملك ، ابن الأزرق ، ص218. 5 - ينظر: السياسة الشرعية ،ابن تيمية ،ص43.
عدد الصفحات ٢٠(20) المخنثين من الصبيان المردان: الأحرار والمماليك ونحوهم، والبغايا والمغني، والمساخر، ونحو ذلك، أو إعطاء العرافين من الكهان والمنجمين ونحوهم"1. والاقتصاد الإسلامي، يقوم على ضمان "حد الكفاية" لا "الكفاف" لكل فرد يعيش في مجتمع إسلامي أيا كانت جنسيته أو ديانته، ومن ثم فإن أساس التوزيع الإسلامي هو ضمان حد الكفاية أولا، وفي مثل هذا الاقتصاد الإسلامي لا يمكن أن يوجد محروم أو جائع واحد بسبب خارج عن إرادته، كما تتفاوت الدخول بسبب التفاوت في المواهب والقدرات ممثلة في العمل والملكية2. وخلاصة القول في السياسة الشرعية المالية أن الإسلام وضع الموارد المالية على أسس من العدل والرحمة والتوفيق بين المصلحة العامة ومصلحة أرباب الأموال وشرط في الأموال التي يجب الأداء منها وفي الأشخاص الذين يجب الأداء عليهم وفي مقدار الواجب ووقت أدائه شروطا تتفق وقواعد العدل والاقتصاد، ورتب المصارف بحيث لا تهمل مصلحة من مصالح الدولة العامة وبحيث يجد ولاة الأمور سعة لتحقيق هذه المصالح وخاصة سد حاجة ذوي الحاجات حتى لا يكونوا خطرا على نظام المجتمع3. 1 - ينظر: السياسة الشرعية، شيخ الاسلام ابن تيمية ،ص43. 2 - الإسلام والتوازن الاقتصادي بين الأفراد والدول ،المؤلف: محمد شوقى الفنجرى (المتوفى: 1431هـ) ،الناشر: وزارة الأوقاف ،ص 32. 3 - ينظرالسياسة الشرعية ، عبدالوهاب خلاف ، ص 146.
عدد الصفحات ٢١(21) المطلب الرابع :- (سياسة الانفاق في النظام الاقتصادي العالمي). ﭧ ﭨ ﭽ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﭼ.1 "الظلم. والصد الكثير عن سبيل الله، وأخذهم الربا- لا عن جهل ولا عن قلة تنبيه- فقد نهوا عنه فأصروا عليه وأكلهم أموال الناس لباطل. بالربا وبغيره من الوسائل، وهكذا تتكشف هذه الحملة عن كشف طبيعة اليهود وتاريخهم، فالقرآن هو كتاب هذه الأمة، وقد أفتاها ونصح لها وأرشدها في شأن يهود، فدانت لها رقابهم، ثم لما اتخذته مهجورا دانت هي لليهود، وستبقى كذلك غارقة في كيد يهود وقهر يهود، حتى تثوب إلى القرآن"2. لقد ارتبط الربا باليهود مع انه ليس كل اليهود مرابين ، وليس كل المرابين يهود ، والقرآن يوضح ذلك ويبين الترابط الموجود بين اليهود والربا . وقد احتكر اليهود عملية الإقراض نظير فائدة عالية، وأصبح الربا هو مصدر حياة معظم اليهود ، وأصبحت كلمتا «مرابي» و «يهودي» مترادفتين 3. بل ان اليهود في القرن الثامن عشر والتاسع عشر ، تملكوا معظم المصارف الكبيرة في أوروبا وامريكا، مثل بنك انكلترة وبنك اوف امريكا ، وغيرها من المصارف ،ولتحقيق ذلك استخدموا اقذر الوسائل ، من إثارة الحروب ثم تمويلها بالأموال ، واثارة الازمات الاقتصادية 4 . ان النظام الاقتصادي العالمي اليوم يقوم بشكل اساس ، على المعاملات الربوية ، فالربا هو المحرك والمنظم والممول للنظام الاقتصادي في معظم دول العالم ، فلا يمكن الان في الكثير من الدول ان تشري شيء له قيمة بدون المرور بالمعاملات الربوية. وتتحكم في هذا النظام المؤسسات المالية العالمية المملوكة في معظمها لليهود، ويقوم هذا النظام على التمكين للربا من التحكم في حركة الأموال، فالربا هو 1 - سورة النساء ، اية160-161. 2 - ينظرفي ظلال القرآن، سيد قطب إبراهيم حسين الشاربي (المتوفى: 1385هـ) دار الشروق، بيروت ،ط17،1412 هـ،2 /803. 3 - موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، د. عبدالوهاب المسيري، دار الشروق، القاهرة ،ط1 ،1111م ، مج2،3 /260. 4 - ينظر: احجار على رقعة الشطرنج، وليام غاي كار، ترجمة سعيد جزائرلي، دار النفائس،ط13،1111م،ص122.
عدد الصفحات ٢٢(22) لحمة النظام النقدي، وتقوم المؤسسات المالية الدولية مثل: (البنك الدولي) و (صندوق النقد الدولي) ، بوضع السياسات النقدية والمالية التي تخدم هيمنة رؤوس الأموال على اقتصاديات الدول1. ومن بعض مساوئ هذا النظام دخول أكثر من 75 دولة القرن الحادي والعشرين، وهي خاضعة كليا أو جزئيا ، لاوامر البنك الدولي، مستسلمة لإرادته، منفذة لسياسته، وذلك تجنبا لإعلان عجزها وإفلاسها. وبموجب ذلك تلتزم هذه الدول بتوجيه اقتصادياتها نحو عدم النموّ، ونحو تخفيض الإنفاق، ونحو وقف الدعم لبعض المواد الاستهلاكية التي تقدمها لمساعدة شعوبها الفقيرة2. وان هذه السياسة المعلنة من قبل المؤسسات الاقتصادية الدولية توثر بشكل مباشر على الانفاق الحكومي للدول، حتى لو كان هذا الانفاق ضروري و يتعلق بالحاجات الاساسية التي تخص حياة المواطنين محدودي الدخل . وتفرد النظام الرأسمالي بتوجيه الاقتصاد العالمي والترويج لهذا الفكر: بأن يكون وحده الفكر الموجه للسياسات الاقتصادية للدول النامية، بما يمتلكه هذا الفكر من مؤسسات اقتصادية عالمية تتحكم في الحركة الاقتصادية العالمية من خلال: البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية الأخرى المنتشرة في الدول الصناعية الرأسمالية3. لقد نجح الأمريكان في أن ينشئوا منظمات عالمية اقتصادية تحقق أهدافهم، وأن تكون الإدارة فيها أمريكية، أو ذات أغلبية أمريكية، ووضعت هذه المنظمات العالمية الأسس والضوابط للقروض والمعونات والبرامج الاقتصادية الإصلاحية، وتم إعطاؤها الصفة الدولية حتى تخرج أمريكا من دائرة اللوم، وأصبحت تقارير هذه المنظمات هي المعيار الرسمي الدولي الحقيقي الملزم للجميع، والشذوذ عنه، يترتب عليه عقوبات اقتصادية إضافة إلى عقوبات سياسية4. فقد أخذ البنك الدولي بتوجيه من الولايات المتحدة بإجبار دول العالم إلى إعادة هيكلة اقتصادياتها على ضوء هذه السياسة الليبرالية، فاتجهت لخارج دولها لجذب رأس المال الأجنبي، وتبني مفهوم القطاع الخاص وما يتطلبه ذلك من تحجيم واضح في الملكية العامة، وتدخل الدولة في النشاط الاقتصادي، إن عولمة الاقتصاد الذي 1 - ينظرمؤتمر القاهرة الاقتصادي، حلقة من حلقات السقوط ، د. محمد بن عبد الله الشباني، مجلة البيان شعبان، 1417هـ يناير،1117م، 108 /30. 2 - المسلم بين الهوية الإسلامية والهوية الجاهلية ،جمع وإعداد : علي بن نايف الشحود، 2 /82. 3 - ينظر(الخصخصة) من المنظور الإسلامي د. محمد بن عبد الله الشباني، مجلة البيان ،المحرم، 1416هـ يونيو، 1115م ، 81 /37 . 4 - عولمة أم أمركة، بقلم: حسن قطامش ،مجلة البيان، شعبان، 1418هـ ديسمبر، 1117م، 120 /78 .
عدد الصفحات ٢٣(23) تُطالب به الأمم المتحدة برئاسة الولايات المتحدة ، هو تمكين لمراكز النظام الرأسمالي من إعادة احتواء دول العالم وإعادة امتصاص قواها1. وهذه السياسات لها اثر كارثي على الدول وسيادتها ،واستقلال اقتصادها ، ويحولها الى مستعمرات اقتصادية للشركات والمصارف العالمية ، فضلا عن اثرها المدمر على الطبقات الفقيرة ، وعلى قدرة هذه الدول في الانفاق على الخدمات العامة ودعم السلع والخدمات الاساسية ، مثل الدواء و الخبز والكهرباء والوقود . أن تخفيض النفقات العامة يخفض العجز في الموازنة العامة وهو إجراء لا بأس به، وبخاصة أن القطاع العام في الدول النامية يعاني بطالة مقنعة، وفسادا إداريا وماليا ، مما يتطلب تخفيض النفقات العامة، إلا أنه قد يترتب عليه عزل بعض العمال والموظفين الحكوميين، ومن ثم زيادة نسبة البطالة في المجتمع وما يترتب على ذلك من مشكلات2. اي ان الطبقات محدودة الدخل من العمال والموظفين ، في الغالب هي التي تتحمل اعباء خفض النفقات العامة، لان تعليمات البنك الدولي في الغالب توصي بإيقاف الدعم الحكومي للسلع ، وتربط موضوع منح القروض للدول بإيقاف الدعم واتخاذ خطوات عملية في هذا الجانب من قبل الدول قبل منح القروض، مما يودي في الغالب الى سحق الطبقات الفقيرة في المجتمع ،وهي الطبقات الاوسع والاكثر عددا في هذه الدول، التي تبحث عن قروض غالبا لسداد ديون الدولة المتراكمة ، ولكن في الغلب تزيد هذه الاجراء ات الاقتصاد تدهورا لأنه ببساطة يقضي على القوة الشرائية لطبقة واسعة في المجتمع . ومثله أيضا تشجيع الاستثمارات الأجنبية، فإنها تعتمد على سيطرة الدولة المضيفة واستقلاليتها في اتخاذ القرار وقدرتها على الاستفادة من تلك الاستثمارات، وإلا فإنها لن تكون إلا لمصلحة البلدان التي جاءت منها؛ لأن فتح المجال أمام الاستثمارات الأجنبية، سيجعلها تستفيد من مزايا ليست موجودة في بلدانها، مثل: رخص الأيدي العاملة في البلدان النامية، الذي يحقق لها أرباحا كبيرة تحوّلها إلى بلدانها، ولا يحصل البلد المضيف إلا على جزء يسير منها3. فاذا فقدت الدولة السيطرة اصبح الاستثمار وبال عليها ، تفقد الدولة قدرتها على الانفاق العام، وتنهار العملة المحلية ، واول من يتأثر الطبقات محدودة الدخل ، 1 - ينظرا لعولمة الاقتصادية.. ومؤتمر الإيواء البشري، بقلم: محمد عبد الله الشباني، مجلة لبيان، صفر،1417هـ يوليو، 1116م، 102 /16 . 2 - ينظرسياسات منظمات العولمة الاقتصادية في ضوء الشريعة الإسلام، د. ناصح بن ناصح المرزوقي البقمي، مجلة البيان، جمادى الآخرة، 1427 هـ ،226 /25 . 3 - المصدر نفسه،226 /25.
عدد الصفحات ٢٤(24) وبطبيعة الحال ان المستثمر الاجنبي يطمح الى تحقيق اكبر ربح ممكن باقل كلفة ممكنة ، ولا يهمه البلد او حقوق العمال ، وممكن ان ينتقل من بلد الى بلد ثاني للاستثمار من جديد بكل سهولة. وخير مثال على ذلك الازمة الاقتصادية في دول جنوب شرق اسيا ، (النمور الاسيوية) لاسيما في إندونيسيا وماليزيا . فقد تفاقم الوضع بعد تدخل رؤوس الأموال الغربية في البلاد، ومن ثم كانوا السبب في الأزمة المالية عام 1117م وانهيار الاقتصاد بسبب خارجي بحت، فقد تسبب بها المضاربون اليهود «كما جاء في تصريحات رئيس وزراء ماليزيا» وكانت الاستجابة لنصائح البنك الدولي وراء تفاقم الأزمة، وتم إيقاف المشاريع الضخمة مثل صناعة الطائرات والصناعات الحربية1. في مقدمة أسباب هذه الازمة ، القروض الربوية و الإنفاق الاستهلاكي، ويمكن القول إن الدرس المستفاد من أزمة البلدان الآسيوية هو إخفاق وصفة النظام الاقتصادي العالمي في تحقيق الرخاء للشعوب؛ فقد دمرت القروض الربوية اقتصاديات النمور، وابتلع الإنفاق الاستهلاكي السفيه في أيام الثروة جهود أعوام طويلة2. المسلمون في جنوب شرق آسيا كانوا قبل أشهر ضحية للعولمة ، فالخبراء الأوروبيون يرون أن تحطم الأسواق الآسيوية، كانت عملية مدبرة بين البنك الدولي والبنوك الغربية الكبرى حيث أغرقت هذه الأسواق بالقروض الربوية ، ثم اتضح بعد الأزمة أن البنك الدولي تَقَدّم لمساعدة هذه الدول شريطة تسديد أرباح البنوك الغربية الفلكية وإغلاق البنوك الوطنية3 . ان هذه الازمات الاقتصادية تفقد الدول القدرة على الانفاق العام ، وجل ما تفعله الدول التي تتعامل مع البنوك الربوية في معظم ارجاء العالم ،هو تسديد فوائد القروض. مما أدى إلى تفشي الربا، وانتشار الفساد المالي، والظلم الاجتماعي، وازدياد فقر الفقراء، وأضحى 25 %من سكان العالم يتمتعون بـ 80 %من ثرواته، و75 % 1 - ينظرإندونيسيا بين أمل الصعود وخطر التفكك ، د. يوسف بن صالح الصغير، مجلة البيان، تصدر عن المنتدى الإسلامي، ربيع الأول، 1422هـ يونيو، 2001م، 163/76. 2 - ينظرافتراس النمور الآسيوية، عامر عبد المنعم، مجلة البيان، تصدر عن المنتدى الإسلامي، صفر، 1411هـ يونيو ، 1118م ،126 /68. 3 - ينظرهذه غابة العولمة وتلك وحوشها، هيئة التحير، مجلة البيان، ذو الحجة، 1418هـ أبريل، 1118م ، 124 /4.
عدد الصفحات ٢٥(25) من البشر لا يملكون سوى 20 %من خيرات بلادهم، والإحصائيات تذكر أن مليار نسمة من بينهم مئة مليون طفل يعيشون في حالة نقص تغذية ومجاعة مزمنة1 . ولم تكتفي هذه المنظمات الدولية بتدمير اقتصاد الدول الخاضعة ، بل تطور الامر الى فرض اجندات خاصة( لا علاقة لها بالتنمية الاقتصادية ومحاربة الفقر ) ، تمس الدين والقيم والنظام الاجتماعي لهذه الدول ، . ولنا أن نسأل عن ماهية الدور الذي تلعبه تلك المنظمات؟ فصندوق النقد الدولي على سبيل المثال يدعم حوالي (60 )مشروعا للتنظيم العائلي، أو الحد من النسل في (43 )دولة بهدف تحسين الاقتصاد! ! 2. "إن آليات السوق الذي تقوم عليه الفكرة الأساس للرأسمالية: أن من لا يستطيع كسب قوته يجب أن يموت، فهناك في الغرب فلاسفة ممن يقول: إن المليار من فقراء العالم الثالث، بل وفقراء الدول الصناعية كانوا زائدين عن الحاجة، وبالتالي: فلا مبرر لوجودهم ولا حاجة إليهم، ضمن مفهوم فلسفة البقاء للأصلح ، ولذا: تجد الدعوة المستمرة لتغيير مفهوم الأسرة، والدعوة إلى الإجهاض وقتل العجزة، وغير ذلك من الدعوات غير الأخلاقية وغير الإنسانية، وما هي إلا نتيجة العبثية الرأسمالية العلمانية"3. -1 ينظر أمريكا بعد الكارثة بين أخذ الدروس وبداية السقوط، إبراهيم بن محمد الحقيل، مجلة البيان، شعبان، 1422هـ نوفمبر،2001م،168 /107. 2 دور الاقتصاد والسياسة في خدمة أهداف التنصير ،بقلم: ياسر قارئ، مجلة البيان، شعبان، 1416هـ يناير، 1116م ،16 /68. 3 - ينظر :ا لعولمة الاقتصادية.. ومؤتمر الإيواء البشري، بقلم: محمد عبد الله الشباني، مجلة لبيان، صفر،1417هـ يوليو، 1116م، 102 /16 .
عدد الصفحات ٢٦(26) المطلب الخامس:- ( سياسة الانفاق للدول المسلمة في ضوء الشريعة الاسلامية ) . ﭧ ﭨ ﭽ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﭼ1. "فصدر الآية بالأمر بتقواه المضادة للربا، وأمر بترك ما بقي من الربا بعد نزول الآية، وعلق هذا الامتثال على وجود الإيمان منهم. والمعلق على شرط منتف عند انتفائه. ثم أكد عليهم التحريم بأغلظ شيء وأشده. وهي محاربة المرابي لله ورسوله، ففي ضمن هذا الوعيد: أن المرابي محارب لله ورسوله، قد آذنه الله بحربه. ولم يجيء هذا الوعيد في كبيرة سوى الربا، وقطع الطريق، والسعي في الأرض بالفساد"2. وهذا الخطاب الرباني لجميع المسلمين حكام ومحكومين ، في بلاد المسلمين وغير بلاد المسلمين، لاسيما الحكام ، لانهم يتحججون بالضرورة والمصلحة وانهم مجبرون على اخذ الربا من المصارف الربوية ، وذلك لغرض الانفاق على المشاريع التنموية مثل المصانع و الطرق والجسور والمدارس والمستشفيات وحتى شراء القمح للخبز، مع ان ذلك يتناقض مع ثوابت الاسلام . عن جابر3(رضي الله عنه ) قال: "«لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا، ومؤكله، وكاتبه، وشاهديه»، وقال« :هم سواء»"4. واتفق علماء الامة ان الربا حرام5 ، ففي المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية الذي شارك فيه كبار العلماء من 35 دولة إسلامية في القاهرة صدر قرار بالإجماع أن الفوائد المصرفية هي من الربا المقطوع بتحريمه بنص الكتاب و السنة6. - 1 سورة البقرة ، اية278- 271. 2 - تفسير القرآن الكريم (ابن القيم)، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ) دار ومكتبة الهلال – بيروت، ط1 ، 1410ه ،1 /175. 3 - جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام أبو عبد الله، الأنصاري، الخزرجي، لإمام الكبير، المجتهد، الحافظ، صاحب رسول الله، من أهل بيعة الرضوان، وكان آخر من شهد ليلة العقبة الثانية موتا ، ينظر: سير اعلام النبلاء ،3/181. 4 - صحيح مسلم ، كتاب المساقاة ، باب لعن اكل الربا وموكله ، رقم1518) ،3 /1211. 5 - مراتب الإجماع في العبادات والمعاملات والاعتقادات، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري (المتوفى : 456هـ)، دار الكتب العلمية ،بيروت، بلا ، ص 81. 6 - حوار مع: فضيلة د. علي السالوس أجراه: د. جلال الدين صالح، مجلة البيان، ربيع الأول، 1411هـ يوليو، 1118م، 127 /46.
عدد الصفحات ٢٧(27) فكيف تنفق هذه الدول على كل ما ذكرنا بدون قروض ربوية ، وقبل الاجابة عن هذا السؤال ،والبحث عن بدائل ، يجب ان نبين ان معظم الحكومات في بلاد المسلمين هي من بقايا الحقب الاستعمارية الطويلة، التي حلت على معظم بلاد المسلمين ،ومع نهاية الحقبة الاستعمارية ، ترك الاستعمار في بلاد المسلمة، حكومات تعمل بنفس النظم الادارية التي وضعها ، في معظم شؤون الادارة ، مثل التعليم و الاقتصاد والتجارة، لذلك الانفاق من خلال القروض الربوية اسلوب اقتصادي ، دخل مع الاستعمار ولم يخرج معه . فعن طريق الاستعمار اُستغلت الدول استغلالا مزدوجا شديدا ومنظما ، كمصدر رخيص للمواد الخام التي تحتاج اليها الصناعات، وكمنافذ لتصريف منتجات هذه الصناعات ،ومنعت عن قصد، من أي محاولة جادة لتحديث وتنمية اقتصادها1 . وليس هذا موضع تفصيل نظرة الإسلام إلى الاقتصاد ولكن الذي لاشك فيه أن دولة أو أمة تعيش على فتات الموائد والإعانات من القمح والدقيق والقروض من البنك الدولي، كيف يتسنى لها الاستقلال السياسي، وكيف تبقى بعيدة عن ضغوط الشرق والغرب2. لذلك كان لابد من البحث عن البديل الاسلامي ، وايجاد سياسة إنفاقيه تتفق مع مبادئ الاسلام بعيداُ عن الظلم والاستغلال واكثر انسانية . فالمشكلة الاقتصادية في الاسلام ليست كما قال الرأسماليون بأنها الندرة المشكلة الاقتصادية في الإسلام تكمن في الإنسان، الذي يظلم نفسه ويظلم الآخرين باتباع سياسة خاطئة في توزيع الثروة (الانفاق) لم يشرعها الله سبحانه وفي كفران الإنسان للنعمة بعدم استغلال كل ما سخره الله له في هذه الأرض3. أي ان الظلم في توزيع موارد الانفاق العام، هو السبب في حدوث المشاكل الاقتصادية . أن احداث التنمية الاقتصادية يتطلب اولا وقبل كل شيء، تطهير الحياة الاقتصادية من كافة اشكال الظلم ،وإذا لم يرفع هذا الظلم ، فمهما كانت طبيعة 1 - ينظر: حول المنهج الاسلامي في التنمية الاقتصادية ،د. عبدالحميد الغزالي، دار الوفاء للطباعة ، المنصورة ، ط1،1181م ،ص36 . 2 - ينظرقراءة في فكر مالك بن نبي ، محمد العبدة ،مجلة البيان، تصدر عن المنتدى الإسلامي، 21 /26. 3 - مجلة البحوث الإسلامية - مجلة دورية تصدر عن الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد المؤلف: الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ، 30 /178.
عدد الصفحات ٢٨(28) الموارد المادية من حيث الوفرة والتنوع والجودة لا يمكن لاي شيء ذي قيمة أن يتحقق1 . وقد تكلمنا في المطلب الاول والثاني والثالث من هذا البحث عن السياسة الإنفاقية في الاسلام ، وعندما تكلمنا في المطلب الاول عن تقسيم العلماء مقاصد الشريعة الى ثلاث اقسام ضروريات وحاجيات وتحسينيات، و ان الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس -وهي: الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل ، وقلنا في المطلب الثالث ان نبدأ الانفاق بالاهم ثم الاهم، وذكرنا في المطلب الثاني ان الانفاق يجب ان يكون بعيد عن الاسراف ويعطى للفقراء الاولوية . فيبدأ الحاكم او كل من لديه سلطة في الانفاق ، من وزير او مسؤول، بالفقراء والمحتاجين ، فينفق عليهم اموال الزكاة ، والصدقات، بما يسد حاجتهم ، واذا لم تكفي هذه الاموال استعان بأموال الدولة لسد حاجة الفقراء، لان هذا من الضروريات، وفيه حفظ للدين والنفس ، وهذا ما فعله الرسول كما ذكرنا في المطلب الثاني . لذلك على الدولة المسلم ان تحقق للفقراء حد الكفاية لا الكفاف، كما ذكرنا في المطلب الثالث، أي ان يعيش الفقير حياة كريمة مكتفيا ، مثل فرض رواتب شهرية لهم ، واما كيف تساعد سياسة الانفاق على الفقراء واعطائهم الاولوية، فيمكن فسيرها من خلال الاقتصاد الحديث للدول . فالميل الحدي للاستهلاك عند الطبقات الفقيرة أكبر بكثير منه في الطبقات الغنية . فالطبقات الفقيرة تنفق ما تحصل عليه من مال لشراء سلع أساسية ، مثل : المواد الغذائية ، والملبس بشكل أكثر وأكبر مما ينفقه الأغنياء المعدودي العدد على نفس السلع ، مما يؤدي زيادة الطلب على السلع ، وزيادة النشاط الاقتصادي ، وانخفاض البطالة ، فتحدث التنمية الاقتصادية2 . "غير أنه تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن الدولة يجب دائم ا ألا تشجع على البطالة، أو التسول، بل يجب عليها دائم ا أن توفّر فرص العمل للقادرين عليه؛ فذلك أفضل من إعاشتهم، وجعلهم عالة على بيت المال إذا كانوا قادرين على العمل ، ولكن إذا تعذّر على الفرد سدّ حاجاته بنفسه، بسبب من الشيخوخة، أو العجز، أو المرض؛ فإنه في هذه الحالة تجب إعانته والإنفاق عليه"3 . 1 -ينظرحول المنهج الاسلامي في التنمية الاقتصادية، الغزالي ، ص61. (2 )ينظرالأصول العامة للاقتصاد الاسلامي ، د. غازي عناية ، دار الجيل ، بيروت ، بلا ، /353 . 3 - السياسة الشرعية، مناهج جامعة المدينة العالمية ،الناشر: جامعة المدينة العالمية ، ص 428.
عدد الصفحات ٢٩(21) ومن واجب الحاكم المسلم حماية البلاد والعباد ، ويتطلب ذلك الانفاق على الجيش والشرطة، بما يكفي لتوفير هذه الحماية، وهذا الامر ضروري لان فيه ، حفظ الدين والنفس والمال، لذلك دونت الدواوين وفرض العطاء في عهد سيدنا عمر(رضي الله عنه) ،كما ذكرنا في المطلب الثاني . ثم ينتقل الى توفير الطعام للناس، من خلال الانفاق على المشاريع الزراعية وتشجيع المزارعين من خلال توفير البذور والسماد ، وشراء المحصول منهم اذا تطلب الامر ،وتحقيق الامن الغذائي للدولة، واعمار الطرق والجسور، وبناء المدارس والجامعات حسب الحاجة والاهمية ، وبناء المستشفيات وتوفير الدواء ،وهذا من الضروريات، وفيه حفظ النفس والنسل، وهو من واجب الحاكم ، كما ذكرنا في المطلب الثالث. واذا حدثت كارثة عامة مثل الزلازل والفيضانات والاوبة و الجفاف، فيجب ان يقوم الحاكم بمساعدة الناس بكل ما يستطيع والانفاق عليهم من اموال الدولة ، لحين زوال الكارثة ، لان في ذلك حفظ للنفس والنسل والمال ،وهو ما فعله سيدنا عمر(رضي الله عنه) في عام الرمادة ، كما ذكرنا ذلك في المطلب الثاني . ومن ضروريات هذا العصر تشجيع الناس، على العمل النافع في الصناعات والتجارة والتطوير والاكتشاف الطبي والصناعي والزراعي و كل ما ينفع الناس ويبني المجتمع ، والانفاق عليهم من المال العام، لان في ذلك مصلحة المجتمع وحفظ الضروريات الخمس ،لان تصرف الحاكم على الرعية منوط بالمصلحة، كما ذكرنا في المطلب الاول . ولقد تسبب اهمال هذه النقطة الى هجرة الكثير من ابناء الدول المسلمة الى بلاد الغرب، لاسيما في العهد الاخير، والهجرة في ازدياد . وهجرة العقول لأسباب كثيرة منها عدم توفير الظروف المادية والاجتماعية التي تؤمن مستوى لائقا من العيش بالإضافة إلى ضعف الاهتمام بالبحث العلمي، وعدم وجود مراكز البحث العلمي المطلوبة؛ إلى جانب المشاكل السياسية والاجتماعية ، وعدم الاستقرار التي تعاني منها دول مسلمة مختلفة1 . وبعد الانتهاء من الانفاق على الضروريات، واذا بقي من اموال الدولة شيء ينتقل الحاكم المسلم الى قضاء الحاجيات وكذلك يبدأ بالاهم ثم الاهم. مثل بناء المدارس الواسعة التي تحتوي على ملاعب رياضية ومسابح، وبناء المشافي الحديثة 1 - ينظر ثرواتنا المهدرة حتى متى، هيئة التحرير، البيان، تصدر عن المنتدى الإسلامي، 1423هـ نوفمبر،2002م،180 /3.
عدد الصفحات ٣٠(30) في كل مدينة وغيرها مما يسهل حياة الناس ويرفع عنهم الحرج، كما ذكرنا في المطلب الاول عند الكلام عن معنى الحاجيات. وبعد الانتهاء من الانفاق على الحاجيات، وبقي من الموال شيء ينتقل الحاكم الى التحسينيات، يبدأ بالاهم ثم الاهم ، مثل الملاعب الرياضية العامة والحدائق العامة، وكل ما فيه توسيع على الناس وترويح عنهم، ما لم يكن فيه محرم . وبعد ذلك اذا بقي شيء من اموال الدولة تحفظ لما يستجد من امور ومصارف. وليس لولاة الأمور أن يقسموها بحسب أهوائهم، كما يقسم المالك ملكه، فإنما هم أمناء ونواب ووكلاء، ليسوا ملاكا1. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم« :ما أعطيكم ولا أمنعكم، إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت»2 . فهذا رسول رب العالمين قد أخبر أنه ليس المنع والعطاء بإرادته واختياره، كما يفعل ذلك المالك الذي أبيح له التصرف في ماله، وكما يفعل ذلك الملوك الذين يعطون من أحبوا ويمنعون من أبغضوا، وإنما هو عبد الله، يقسم المال بأمره، فيضعه حيث أمره الله تعالى3. وعندما تكلمنا في المطلب الثاني عن النهي التبذير والاسراف، وان الانفاق العام يكون على قدر الحاجة، فما الحاجة لدول تأخذ القروض الربوية لسد نفقاتها ، ان يكون لكل مسؤول فيها موكب، ولكل وزارة بناية فارهة، وكل مسؤول يسكن في قصر وتخصص له المخصصات الكثيرة، ولا تجد فيها مستشفى عامة، او مدرسة حكومية صالحة، إلا ما ندر، وهذا الامر تجده في اغلب دول المسلمين. وكذلك "يجب القضاء على هدر الموارد المالية ، فتحريم استهلاك الخبائث، او السلع والخدمات الضارة، يوفر كثيرا من المال في المجتمع، فانفاق الاموال على الخبائث يعتبر من ضياع ثروات المجتمع، وهو هدر للمال على السلع والخدمات المحرمة، ويشكل هذا الهدر نسبة من الناتج القومي، فهدر المال على المخدرات، والتدخين، والخمور، واللهو المحرم، وغيرها من الخبائث هو ضياع لاموال الامة وبالتالي لدخلها القومي"4. 1 - السياسة الشرعية، شيخ الاسلام ، ص26. 2 - صحيح البخاري ، كتاب فرض الخمس ، باب قوله تعالى فان لله خمسه، رقم3117)،4 /85 . 3 - السياسة الشرعية، شيخ الاسلام ، ص26. 4 - ينظر : الانفاق الاستهلاكي في الشريعة الاسلامية والنظام الرأسمالي، د. احمد اسماعيل الراغب، ص 14.
عدد الصفحات ٣١(31) وإن الأمم التي تبنى مدن الملاهي، وتستورد الفرق الفنية من كل جهات الأرض من جهة، وتهمل التفكير الجدي في حل معضلة إطعام شعوبها حتى لا تلجأ إلى استجداء البنك الدولي والدول الغنية من جهة ثانية؟ لهي أمم غارقة في بحار التكلف مكبلة بأغلاله، وهى حين تخسر الملايين على مثل هذه الترهات التي تشغل شعوبها بها لا تخسر مالها ومدخراتها فقط؛ بل تخسر شعوبها وكرامتها، ولا يبقى لها من شيء تفتخر به إلا الأكاذيب التي لن يصدقها أحد1. لان في ذلك فساد وافساد للمسلمين، وقد تكلمنا في انفاق المال في ما هو محرم في المطلب الثالث وبينا اقوال العلماء في تحريم ذلك، فضلا عن ان في ذلك نقض للضرورات الخمس، المطالبون شرعا بحفظها. وعلى هذا يكون الانفاق وفق ضوابط لا يمكن تعديها وتطبق على الجميع . فلو ان هذه الحكومات المسلمة ، طبقت ذلك لما احتاجت الى قروض ربوية ولا ان تستجدي احد ، لماذا يجب ان يكون لدينا ملعب (جديد)، لكرة القدم يتسع لستين الف متفرج، وهو من التحسينيات ، ولدينا الف مدرسة مبنية من الطين و بدون أي ملعب رياضي، او آلاف المدارس بدوام ثنائي ، وهي من الضروريات ، من هو الاولى بالإنفاق ؟. ومن المعروف أن القوة لأية أمة ترتبط بشكل جوهري بالعامل الاقتصادي ، والعامل الاقتصادي يرتبط بتوفر المال ، والطرق الرشيدة لانفاق المال، فعند توفير المال وانفاقه بشكل رشيد تبدأ الامة بصناعة قوتها الاقتصادية التي ستنعكس لا محالة على مناحي الحياة المختلفة لتلك الامة 2. فيجب دعوة حكومات الدول الإسلامية للعمل على توازن ميزانياتها العامة، ، التي تعتمد على الموارد المالية العامة في تمويلها ، وذلك بالالتزام النفقات وترشيدها وفق الإطار الإسلامي، وإذا احتاجت الميزانيات إلى التمويل فالحل المشروع هو الالتزام بأدوات التمويل الإسلامية ، ويجب الامتناع عن الاقتراض الربوي 3. 1 - ينظر التكلف قيود وأغلال ، هيئة التحرير ،مجلة البيان، المؤلف: تصدر عن المنتدى الإسلامي، 22 /4. 2 - ينظر: الانفاق الاستهلاكي في الشريعة الاسلامية والنظام الرأسمالي، د. احمد اسماعيل الراغب، بلا ،2020م ،ص21. 3 - ينظرتوضِيحُ الأحكَامِ مِن بُلوُغ المَرَام المؤلف: أبو عبد الرحمن عبد الله بن عبد الرحمن بن صالح بن حمد بن محمد بن حمد بن إبراهيم البسام التميمي (المتوفى: 1423هـ) الناشر: مكتَبة الأسدي، مكّة المكرّمة الطبعة: الخامِسَة، 1423 هـ - 2003 م ، 4 /302.
عدد الصفحات ٣٢